الرئيسية / العدد 11 / منازلة خبيثين

منازلة خبيثين

Print pagePDF pageEmail page

 fd8831c8018c461f52ce4090f1fba276_XL

لئن كان الناي يئنّ ويحنّ تعبيرا عن توقه وشوقه لأمّة التى اقتطع منها، أي لنبتة القصب، كذلك حال فلسطينيّي ما يعرف بأراضي الـ 48، حيث يتعالى الشجن والحنين من نايات أرواحهم رغبة منهم وشغفا بالعودة الى الجذع الذي سلخوا عنه أي أمة العرب الممتدة من الماء الى الماء، ومع ذلك فإنّها مُصابة بيبَاس ما بعده يباس، لولا قلة من الشهداء والشعراء والمخلصين العازفين ابدا على وتر الرجوع والانتظار.

هذا اليباس لن يعود اخضر يانعا إلا اذا عاد المبدعون من غربتهم واغترابهم. فاذا كانت الحكومات والمؤسسات والجهات المانحة قادرة على إعادة بناء البيوت والمدارس والجسور المهدمة، وهي لا تفعل ذلك مجانا أو لوجه الله، فَمَنْ يعيد بناء الوعي والضمير وترميم أو ردم الثقوب الهائلة في الذاكرة والوجدان؟ من يفعل غير الشعراء والكتاب والرسامين والموسيقيين وسائر المبدعين؟

من هذه المنطلقات نفهم أنّ دور الابداع الفلسطيني في سياق الصراع الضاري مع الاحتلال الاسرائيلي هو ليس فقط صراعا على الجغرافيا، إنّما أوّلاً على التاريخ والذاكرة والذكريات.

لئن كان روزنتال يعتبر “الحياة التى تخلو من الشعر حياةً غير جديرة بأن تعاش” فإن شعر المقاومة الفلسطينية يغدو أكثر من ضرورة لأجل حياة حرة كريمة. من هنا يمكننا فهم المكانة التى استحقّها واحتلّها شعراء فلسطين في الوجدان الجمعي، حتى غدوا رموزا يمثل غيابها خسارة فادحة لا على المستوى الانساني والابداعي فحسب، بل أيضا على المستوى الوطني العام. وبهذا المعنى كان قدر سميح القاسم (ونظراؤه) أن يحمل شعلة الشعر ومعها نار القضية، ليقطف منها نورا يساهم في إضاءة طريق الوعي والضمير. خصوصا وأنه ابن جيل عاش النكبة أضعافا مضاعفة حين عبر ذاك الممرّ الضيق بين حلم استقلال لم يتحقق وقيام دولة الاحتلال الصهيوني على أرض الآباء والأجداد، وتفتّح على فظائع المجازر والاقتلاع والتهجير، فكان من البديهي أن تترسّب تلك الصور في أعماق نفسه مضافا اليها ما سوف يأتي لاحقا من تجارب اعتقال وسجن وإقامة جبرية، ليتماهى الخاص بالعام والفردي بالجماعي. ولعل بقاء القاسم في الداخل الفلسطيني ساهم في جعل نبرته الشعرية عالية وقصيدته أشبه بنفير عام.

لم يشأ القاسم مغادرة فلسطين. بقي شاهدا على خسارتها ونكباتها ومقاومتها الباسلة مدافعا عن حق شعبها بالحرية والاستقلال، رافضا كلّ أشكال التخاذل والمهادنة. ولعل قصيدته الشهيرة “يا عدو الشمس” (خطاب في سوق البطالة) تمثّل نوذجا لإيمانه بحق المقاومة ورفض المساومة عليها. ولهذا الموقف قيمة مضافة كونه لشاعر عاش تحت نير المحتل واختبر صنوف تحايله الهادفة الى تمييع القضية عبر تصوير فلسطين أرضا بلا شعب ولا هوية. من هنا نجد شعر المقاومة الفلسطينية زاخرا بمعاني الالتزام وتاكيد الانتماء والحرص على استحضار الذاكرة والشواهد التي تبرهن أنّ هذه الأرض لنا أباً عن جد، ورثناها بالولادة وحليب الأمهات مثلما ورثناها في الحداء والغناء ومواويل الصبايا وحكايا الجدات. ولطالما ردد القاسم أن شعره هو هويّته وجواز سفره. لذا كان لا بد للأدب الفلسطيني أن يحرص على استحضار الحكاية الفلسطينية لترسيخها في الوعي والوجدان الجمعيين، لأنّ الحكايات التى نرويها تصبح ملكا لاعدائنا بحسب ابراهيم نصرالله.

ولا يستيقم حديث عن القاسم من دون إشارة الى دماثته وحسن خُلقه وخفره وتواضعه، وقد لمستُ هذه الصفات النبيلة فيه في كل مرة التقيته في هذه العاصمة العربية او تلك، وقد زار معظمها إلاّ بيروت التى حرمته سلطات الاحتلال من زيارتها على الرغم من جهود حثيثة بذلناها في هذا السبيل. وأذكر أنني سعيت جاهداً لهذا الامر في العام 2000. لكن العدوّ أنذره بانه لو زار بيروت فلن يسمح له بالعودة الى وطنه فلسطين.

شاعر المقاومة والأرض والجماعة سميح القاسم، لكنه أيضا شاعر هموم الكائن الفرد، خصوصا في قصائده الاخيرة. لم تنحصر شعريته في التزامه الوطني على أهمية هذا الأمر، ولعله سعى لخفض تلك النبرة العالية في نصوصه حين كتب قصائد شكّلت التفاصيلُ الصغيرة المهملة جزءا مهماً منها، مثلما حضرت فيها القضايا التى يواجهها الكائن الفرد بعيدا من انتمائه القومي والجغرافي. وفي الإمكان العثور في تجربته الشعريّة على خطوط متوازية طوّر عبرها تجربة شعرية حاول جاهدا اخراجها من الإطار الواحد أو العنوان الأوحد. ولعل قصيدته الاخيرة التى كتبها في مواجهة المرض الخبيث واقتراب الموت أكبر برهان على ذلك:

أنا لا أحبك يا موت، لكنني لا أخافُكْ    وأدرك أن سريرك جسمي، وروحي لحافُك

وأدرك أنّــي تضيـق عـليّ ضفافُــــكْ    أنــا لا أحبــك يـا موت لكنني لا أخافـك

في هذه القصيدة بالذات تتجلى مواجهة القاسم للموت وانتظاره له بترفّع وأنفة. فالشاعر المدرّب على مواجهة الاحتلال لم يعد يخشى الموت نفسه. ولئن كان قَدَره في مواجهته شبيها بقدر صديقه ورفيق دربه محمود درويش الذي ذهب عميقا في مجادلة الموت ومساءلته. فإن المصادفات تشاء أن يرحل القاسم في الشهر نفسه الذي رحل فيه صاحب “الجدارية”، فيما كان أطفال غزة وأبناؤها يصعدون شهداء بفعل آلة قتل إسرائيلية مجرمة، والمقاومة التي دعا إليها دائما تكتب صفحة جديدة في المواجهة المفتوحة مع الاحتلال، مؤكدة أن فلسطين لن تستسلم ولن تنهزم أمام “عدوّ الشمس”. وهكذا مضى القاسم كما يليق بالشهداء والشعراء، وذلك بعد أن نازل خبيثين: الاحتلال والسرطان.

زاهي وهبي

عن زاهي وهبي

إعلامي وشاعر لبناني

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>