الرئيسية / العدد 11 / قصائد لتصريف البركان

قصائد لتصريف البركان

Print pagePDF pageEmail page

 183421

“يا سادتي الكرامْ/ صلّوا على النبي/ ومرّةً أخرى على النبي/ صلّوا ثلاثاً واذكروا أحبابهْ/ يا سادتي الكرامْ/ صلّوا على الصحابهْ/ ومرّةً أخرى على سيّدنا الإمامْ/ لأنّه خادمه يا سادتي الكرامْ/ … وكان يا ما كان شيخ/ وكان فاضلاً/ وطالما صلّى على النبي/ وهذه حكايتي حكيتُها/ في عُبّكم خبّيتُها / وجثّةَ القتيل عند بابكم رميتُها”

(سميح القاسم، من ديوان “الموت الكبير” 1972- الأعمال     الشعرية الكاملة، دار العودة 2004 في 4 أجزاء)

 

يأخذ المنشد الفلسطيني سميح القاسم جثّة الشيخ المؤمن المقتول ويرميها فجأة عند باب المستمعين، يرميها في وجوههم في حركة حكائية مسرحية من حركات الشعر، إذ أنّ الشاعر بعدما خدّر المستمعين أو نوّمهم بالبداية المبدوءة بالصلاة على النبي، مرّات ومرّات قذف في وجوههم الحكاية كلّها دفعة واحدة. أيقظهم من سباتهم برجّة واحدة. قلب المسرح رأسا على عقب. قال لهم: هاكُمُ الحكاية: إنّها جثة شيخكم المصلّي على النبي وعلى الصحابة والأئمة، ملقاة على بابكم، فقوموا اشهدوا.

ماذا فعل سميح القاسم في هذه الحكاية الشعرية الصغيرة؟ من قتل الشيخ المصلّي؟ نسأل ونجيب: إنه قام بتحريك الوعي بلفت النظر الى جثة القتيل الذي يشبه المستمعين، من خلال الوخز أو الصدمة أو رفع الستار عن المفارقة.

وهو بذلك شبيه بمن يقدم مرآةً الى إنسان مصاب في وجهه، أو في عينيه، ويقول له: أنظر الى نفسك. إنتبه، هذا أنت. فالعين لا ترى نفسها إلّا من خلال المرآة. والشعر هنا هو مرآة النفس البشرية، ومرآة الجماعة الفلسطينية.

كان سميح القاسم في جميع شعره، الممتد على أكثر من نصف قرن من الزمان الفلسطينيّ، مرآةً من أشد المرايا صفاءً في نقل ملحمة الشعب الفلسطيني، ولعلّه الأكثر تعبيرا عن هذه الملحمة، في فصولها الدامية التراجيدية والغنائية معا، وفي فصولها المجنونة واللامعقولة أيضاً، وفي دهاليزها المظلمة المستورة، كما في دمها المنشور كالرايات على شاشات العالم. إذ ما من نقطة دمٍ تراق على سطح هذا الكوكب المجروح، ما من مقتول أو مسفوح على الارض، إلّا وللدم الفلسطيني فيه نصيب.

وكان سميح القاسم دائما يكمن حيث تكمن الضحية، في أصل المسرح، وفي عبث المفارقة.

ق ـــ ص ـــ ميم

“سيداتي سادتي/ يعجز السيركُ بأن يعرض للجمهور فنّانته الحسناء في قفزتها الكبرى الى الموت، فحيّوها جميعاً وصفّقوا. ها هيا ذي تقفزُ من حبلٍ الى حبلٍ ومن حبلٍ الى حبلٍ ومن حبلٍ الى حبلٍ إلى إضبارةٍ في الامم المتحدة.”

إنتهت المسرحية. “لا أستأذن أحداً”، 1988. أسدلت الستارة.

قد تستخرج السخريةُ الحقيقةَ من ضلع الواقع كما يَستخرِجُ الجرّاح الطفلَ من ضلع الحامل. لاحظوا الحركة الرشيقة في قصيدة “ق- ص- ميم” لسميح القاسم: حركة ساحر في سيرك يقدم لاعبة حسناء في قفزة خطيرة تسمى “قفزة الموت”.. تابعوها إذن: ها هي تقفز من حبلٍ الى حبلٍ ومن حبلٍ الى حبلٍ الى …. (وهنا ضربة الشاعر أو الساحر الخطيرة. هنا القصيدة وهنا المفاجأة).. الى إضبارة في الأمم المتحدة. لسنا بحاجة للكثير من التفكير لنعرف أنّ الحسناء اللاعبة على الحبال في قفزة السيرك المميتة إسمها فلسطين.

بين هذه القصيدة وبين القصيدة السابقة “حكاية” نَسَبٌ لا يخطئه العارف بأساليب هذا الفتى الفلسطيني الشاعر اللاعب الساخر الساحر الجميل المسمّى “سميح القاسم”.

هو كان يعرف كم كان في قصائده وفي تسمياته من إقلاق، وربما من خوف يصل الى حد الرعب، للاسرائيلي المدجّج بالسلاح، وهو يحاصر الشاعر في وطنه فلسطين وفي سكنه، الذي آثر أن يبقى ويموت فيه، قرية الرامة من الجليل الغربي. قلتُ له وكنّا على مودّة، وكنّا في القاهرة معا في عام 2010، مشتركين في ملتقى الإبداع للشعر العربي: ما هي كنيتُك يا سميح؟ قال: أنا أبو محمد، وأضاف ضاحكا: الزرقاوي. قال: لأنني ولدت في الزرقا من الأردن، فأنا أبو محمد الزرقاوي. ضحكنا معا.

كان سميح قريبا جدّا من نفسي: جميل، نقيّ، أليف. قلت له: في كثير من قصائدك، في “قرآن الموت والياسمين” مثلا، ما يحرّك المشاعر بلطف، بإشارات هادئة، وبلا صوت عالٍ.. فلماذا تختار في قصائدك التى تلقيها على المنبر قصائدَ الصوت العالي وتكرّر العبارة: “تقدَّموا تقدَّموا كلّ سماءٍ فوقكم جهنمٌ، وكلّ أرضٍ تحتكم جهنّمُ، تقدَّموا تقدَّموا يموت منّا الشيخ والطفل ولا يستسلمُ، وتسقط الأمّ على أبنائها القتلى ولا تستسلمُ.. تقدَّموا بناقلات جندكم وراجمات حقدكم وهدِّدوا وشرِّدوا ويتِّموا وهدِّموا …”، كأنك تقود دبابة.

وكنتُ أرغب في أن يشرح لي شيئا من ظروف إقامته في الداخل المحتل …

قال: السبب هو هذه الإقامة بالذات. وأضاف: هل تعرف ماذا كان يزعج الجنود الاسرائيليين في حواجزهم المسلحة؟ قلتُ لك إن اسم إبني “محمّد“. لا… إسمه “وطن محمد“، وهو مسجّل هكذا في البطاقة. كان يزعج الإسرائيليّ، على الحواجز، لا اسم “محمد” فهو اسم كثير ومألوف، كان يزعجهم اسم “وطن محمد“…

سميح القاسم هو أحد الشعراء الذين صرّفوا البركان في اللغة العربية. في دمه وكلماته يهدر سيل من شعراء الغضب والحماسة والكشف عن المستور، ممن وخزوا بقصائدهم الوعي العربيّ ووصلوا حتى قاع الكينونة المهدَّدة والهويّة المطارَدة والاسم الجريح .. من عمرو بن كلثوم والشنفري، الى الجواهري وأمل دنقل ومظفّر النواب: وكأنّ في شعره تتجاوب كلمات سبارتاكوس الأخيرة:

“المجد للشيطان معبود الرياح

مَنْ قال لا في وجه من قالوا نعم

مَنْ علّم الإنسان تمزيق العدم” (أمل دنقل) وكلمات الجواهري:

“نامي جياع الشعب نامي حرسَتْكِ آلهة الطعامِ“. ممزوجة بغضب مظفّر الساطع:

“أُنبيكَ عليّاً ما زلنا نتوضأ بالذلّ ونمسح بالخرقة حدّ السيف

مازلنا نتبجّح بالبرد وحرّ الصيف

أنبيكَ عليّاً ما زالت شورى التجّار تَرى في عثمان خليفتها

وتراك زعيم السوقيّة”.

وبرفض لاميّة الشنفري العظيمة وانتقامه الساطع: “أقيموا بني أمي عليَّ مطيّكم فإني الى قومٍ سواكم لأميلُ”

يقول سميح القاسم في “انتقام الشنفري”:

“نِحــَـٌل تنـــوء بـخزيهــا ومــلوكُ      ويَفِتُّ فيها مُضمرٌ مهتوكُ

فاَضربْ لُحيتَ هي الحياة رسالة         دمويّة ورسولهـا صعلوكُ”

لقد قدم سميح القاسم باكرا طلب انتساب للحزب الشيوعي في فلسطين حيث قال:

“أعطني مطرقةً من منجل الحقد المصفّى

علّني أنسف ما ظلّ من الأصنام نسفا

أعطني من قلبك الملغوم حبّه

علّني أفتح مجرى

لدمٍ يصدم صخرا

كلّما هَمَّ ليلقي في الغد الاتي مصبَّه

أيها النسر المقاتلْ

أيها الاعصار يا ناهش أطنانَ السلاسلْ

أيها الملدوغ من جُحْرَيْنِ مرّاتٍ عديده

أعطني إزميلك المسكوب من صُلْب المراره

أعطني مطرقةً لغماً شراره

علّني أصنع فأساً من قصيده”.

محمد علي شمس الدين

عن محمد علي شمس الدين

شاعر وكاتب لبناني.

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>