الرئيسية / العدد 11 / مبدع لا يستأذن أحداً

مبدع لا يستأذن أحداً

Print pagePDF pageEmail page

 1408897588

كانَ والدُهُ ضابطاً برتبةِ كابتن ضمنَ الجيش الانكليزي آنذاك، في قوّة تخدم في الأردن. وكعادة الضباط العرب، كانوا يقيمونَ مع عائلاتهم، وحينَ كانتِ العائلة في طريق العودة إلى فلسطين في القطار، وفي فورة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح ذُعراً، فذُعرَ الركَّاب وخافوا أنْ تهتدي إليهم الطائرات الألمانية، حتى بلغَ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل، إلى أن اضطر الوالد إشهارَ سلاحه في وجوههم لردعهم. وحينَ رُوِيَت هذه الحادثة لسميح فيما بعد، تركَتْ أثراً عميقاً في نفسه: “حسناً لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة، سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوتٍ، ولنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي”.

شاعرُ الشمس، منتصبُ القامة، ابنُ البلد، صقرُ جبلِ حيدر. وفي إحدى امسياتِ الشاعر سميح القاسم، وكان يحضرُها الرئيس ياسر عرفات، وفي أثناءِ القاء سميح كلمته، توجَّهَ إلى الرئيس الشهيد ياسر عرفات مخاطباً أيّاه: “أنني لو رأيتُ منك اعوجاجاً سأقوِّمُه بهذا”، ورفَع قلَمه بحدِّه بوجه أبو عمار. استاءَ بعض الحضور من هذا الكلام، وبعد انتهائه من كلمته، صعدَ إلى المنبر الشهيد أبو عمار وطلبَ من مرافِقِه أن يعطيَهُ مسدساً، وكان الحضور ينظر إلى المسرح مذهولاً، وأعطَى المسدس لسميح قائلاً: “أرجوكَ إذا رأيتَ اعوجاجاً فقوِّمْهُ بهذا”، مشيراً إلى المسدس. ورفضَ سميح أن يمسكَ المسدس بيده وقال: “أخي أبو عمار، هذا المسدس فقط باتجاهِ العدو، أمَّا لك…” وهجم عليه معانقاً، وقد ضجَّت القاعة بالتصفيق لهذا الموقف من الرجال الرجال رحمهما الله.

لم ينزعج يوماً من ارتباط إسمه باسم محمود درويش، لا بل عل العكس، كانا التكاملَ في كلِّ شيء، حتى القصيدة اقتسما حرفَها كما اقتسما فراش السجن والغرفة الحقيرة في حيفا، وقلم الرصاص ورصاص القلم.

ينزفانِ القصيدة من جرحٍ واحدٍ.

لم ينتظرا الكلمات والمراثي بهما، فَرَثَى أحدُهُما الآخر بصورة وداع أخير ما بين البروةِ والرام، وسيبقى أثرُهُما على حجرٍ موزَّعٍ ما بين النقبِ والجليل.

سميح القاسم لم يهادن على كلِّ المستويات، وكان هاجسه البحث الدائم عن الأجودِ بالكلمةِ وعن الثقافةِ والمعرفةِ بكلِّ ما هو عربيٌّ. خرج مبكراً من قيدِ الاحتلال وتعاطَى مع وجودِه بأرضه كزيتونةٍ لم يستطعْ الاحتلال إقتلاعَها.

عاشَ السجنَ والمنفى على أرضِه، جعلَ من وجودِه على الأرضِ قضيةً، وبَزَغَ فجرُ سميح مبكراً، فكانت عصبةٌ من الشباب الذي آمنَ بعدالةِ قضيته وأحسَّ بآلام شعبِه، وكانَ هاجسُهُ الهوية التي التبست على الكثير منَّا، ولكنهُ وكلُّ من معه أعلن بكل جرأة “عروبة الهوية”، وأصبحت فلسطين قضيته الوحيدة الواحدة.

وفي تعريف له عن بلاده قال: ” أنا بلادي فُجاجُ (النقب) خاصرتي و “كرمل الله” صدري والمدى بصري. وما (الجليل) سوى وجهي، فهل شخصت عين تطالعه، ألا رأت صوري!!!

سميح القاسم مبدع لا يستأذن أحداً، أعطى فلسطين روحه ودمه ونزف الكلمات. وبقيت الرام بترابها لتضمه، وبقي جبل حيدر شامخاً كما أراده سميح، وبقيت عروبة سميح أرسخ من عروبة بعض المستعربين،

يا إخوتي السمر الجياع الحالمين ببعض راية

يا إخوتي المتشردين ويا قصيدتي الشقية

ما زال عند الطيبين من الرثاء لنا بقية

ما زال في تاريخنا سطرٌ….لخاتمة الرواية

أنا لا أحبكَ يا موت… ولكني لا أخافُك

ماهر مشيعل

عن ماهر مشيعل

ممثل سفير دولة فلسطين في لبنان الاستاذ أشرف دبّور

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>