الرئيسية / العدد 11 / الاتجاه الوطني في شعر أبو شبكة والتزامه الفكري

الاتجاه الوطني في شعر أبو شبكة والتزامه الفكري

Print pagePDF pageEmail page

64956_abou-shabka

كأنَّه اليوم آتٍ إلينا من سفرٍ بعيد، ينزل من عليائه بعد سبع وستين سنة على رحيله. لست أدري لماذا أتخيله أمامي وكأنه يترجّل من على منابره ليقول لنا: “ألا تذكرون ما قلته في مثل هذه المناسبة المجيدة في قاعة سينما الكريستال عام 1923 في عيد أول أيار، ثم في سينما الروكسي، وقصيدتي عنوانها “العامل الثائر”، عندما وجهت كلامي…”. ونَدَع يوسف ابراهيم يزبك يروي: “الشاعر الخالد الياس أبو شبكة (رحمه الله) كهرب الجو وهو يشير إلى كبار الموظفين البلديّين الزاحفين في خدمة المستعمر وقال عنهم:

فَهُمُ الذئاب وفي سبيل وظيفة..           تمشي أظافرهم على أكباده

يريد: أكباد هذا الشعب، وسكر السامعون وهم يسمعونه زائراً هداراً:

من يسترق قوماً ليعيش بمالهم           فلتبصقِ الدنيا على ألحاده

يوسف ابراهيم يزبك نشر أكثر من عنوان لاقوال وأشعار أبو شبكة في جريدة “الصحافي التائه”، مثل “أنشودة العمال” و “أنا فتى حر” و”الشعر الاشتراكي” وهي مهداة إلى الشبح الباكي صاحب الكوخ الأحمر أي: يوسف ابراهيم يزبك، أحد أبرز مؤسسي “حزب الشعب اللبناني” وأحد قادة الحزب الشيوعي الذي نظّم احتفالاً في الأول من أيار 1925 في قاعة سينما الكريستال وكذلك الاحتفالات التي أقامتها نقابة عمال زحلة بالمناسبة. أما شهادة الحاج علي عبد الكريم متيرك من قرية عدلون رفيق الياس أبو شبكة في نفس الخلية الحزبية التي كانت توزّع المناشير السرية، في صور عندما كان أبو شبكة يزور أولغا (والكلام على لسان الشاعر حمزة عبود إبن عدلون): “كان الحاج الشيوعي الوحيد في قريتنا، والأبرز في المنطقة، وقد أخبرني في ذلك الوقت عن تردد الشاعر إلى مدينة صور أيام ملاحقة الدولة للشيوعيين. ولكن الحاج نفسه قال بأن اللقاءات كانت تتم عند رفلة أبو جمرا والحاج حسين والياس كان رفيقنا في الحلقة يحضر اجتماعاتنا…”

الياس أبو شبكة هذا الشاعر الكسرواني حفيد طانيوس شاهين في النضال، نستذكره اليوم ونحن نحي الذكرى التسعين المجيدة لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني الذي شارك الياس في نضالاته مع فؤاد الشمالي، ويوسف ابراهيم يزبك، وعمر فاخوري، ورئيف خوري، وعساف الصباغ، وسلام الراسي، ورفلة أبي جمرا، والحاج علي عبد الكريم متيرك، وفؤاد جرداق، ومير مسعد، رعيل البداية الذي صاغ هذا الفكر الحديث بعدما سمعوا أخبار لينين قائد ثورة اكتوبر البلشفية، وأسمعوا الناس كلاماً جديداً بمعانيه ودلالاته، كما أسمع الياس أبو شبكة أناس عصره شعراً جديداً، عندما كانت القصيدة تترك صداها في أذواقهم، وعندما كانت الكلمة تترك وهجها وتتفاعل مع العمال والفلاحين من شاعر يلهب أسماعهم بكلام مختلف لم يقله قبله أحدٌ. مع الياس أبو شبكة ولدت القصيدة الحديثة ذات المضمون الملتزم بقضايا الناس وهمومهم المعيشية…أجَل، وبعد هذا الغياب الطويل، نستذكره، ونسوق الكلام عنه، لكنَّ النقد الذي نظر إلى أدبه بعينٍ واحدة، عليه أن يعيد النظر بما لم يَقله في شعره الوطني ذي الاتجاه الانساني، وفي نثره ونقده ورسومه! هل كان التغاضي نقصوداً؟ هوذا السؤال المحيّر! إنّي أغتنم هذه المناسبة المهرجانية الرائدة لأتوقف عند مفاصل جانبيّة، بما يسمح لي الوقت، أمام هذا الاتجاه، ولأؤكد على أنّ الشعر الوطنيّ عند أبو شبكة لا يقل شأنأ عن باقي الشعر الذي جمعه في عمارته المعروفة، لا في قيمته الفنيّة والجماليّة، ولا في هندسته البنائية. على العكس، شعره هذا يشكل برأيي القاعدة والشهرة التي انطلق منها. لقد ترجم فيه حسّه الإنساني، وزبدة أفكاره، ومبادئه التي آمن بها في حياته، إذ بثّ فيه رؤاه السياسية، ومواقفه منها ومن القضايا الاجتماعية! في حين بثّ، في عمارته الابداعية، رؤاه الذاتية من خلال تجاربه النفسيّة التي آلمها الضّيق، وعمّدتها المعاناة الروحية. وفي كلا الاتجاهين، جاءت تجربته تجاوزية رومنطيقية وموضوعية ، وقصائده في الاتجاه الوطني، تعدّ بالعشرات، فيها مزيج بين الذاتية والموضوعية، فكانت انعكاساً فنياً لأفكاره الثورية، أثبت فيها نضجه الفنّي والفكريّ، وهو لم يزل في العشرين من عمره. فتنكّب، عن صغر، هموم الناس، حتى أصبح شاعر الفقراء والفلاحين والكادحين من العمال والمثقفين الثوريين. شعره هذا ما كان شعر المناسبات، بل شعر الثورة والمواقف الملتزمة من القضايا الوطنية والمصيرية، عَكَسَ فيه حركة الواقع باسلوبه الفنّي التجديدي الرائد، حتى سُمي فيه بشاعر الشّعب، وشاعر الرّفض والتمرّد، إذ أنّه أسّس لمسار جديد في شعرنا العربيّ الحديث، ربطه بماضيه ومستقبله، فتأثرّ، وأثرَّ. وأبو شبكة الذي كان كادح قلمٍ، عاش من شقّه! كتبَ النّثر الذي كان خبزه اليومي، فروّس قلمَه لرسومٍ نقديةٍ سياسيةٍ. ويكفيه أنّه أسس لأدب مقارن عربيّ حديث، من خلال مؤلفه “روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة”، فجاء أكثر تطوراً مما جاء به الطهطاوي في مؤلفه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، وأكثر دقّة مما جاء به فارس الشدياق في مؤلفه “الساق على الساق فيما هو الفارياق”! إن الدارسين والباحثين الذين جاؤوا على تحليل شعر أبو شبكة، من خلال عمارته الرائعة، ولم يلتفتوا إلى ما وجدتُه قابلاً للبحث والتحليل، قد يكفي أن أضوِّىء عليه بما يسمح لي الوقت، وأنا على يقين، كما كان هو على إيمان، بأنّ شعره ونثره توأمان! من هنا أطرح رأياً أدلل فيه عن إعادة النظر بما لم يتناوله النقد، حرصاً منّا على إنصاف الشاعر والأديب والناقد الأدبي والسياسي والمقارن أبو شبكة! وأقول: عار على المواقف إن لم ينصف الاتجاه الوطني في شعره، وقد حمل فيه توجهاته، الفكرية والوطنية، والتزامه بقضايا الناس ومصائرهم، لأنه لم يكن شاعر غلواء وليلي وسلمى فقط، بل شاعر الشعب كذلك، وهذا لا ينفي ولا يناقض ما كتبه أو نظمه من ذاتية متألمة لنساء أحبّهن أو لشعب حمل همومه، فقال: “لأن للأدب، أشعراً كان أم نثراً، رسالة انسانية عظمى منوطة بضمير الأديب، أشاعراً كان أم ناثراً…”. ثمّ قال: “والواقع أنّ من فضائل الأحداث الكبرى رفع الأديب إلى مستوى هذه الأحداث، ومن الخرق فصل الشاعر عن المجتمع، فهو ملتقى منازع البشر، والوتر الأعظم الذي تنقر عليه أحاسيس الناس ومطامحهم إذ عليه ألا يفصل الفن عن الحياة”.

لقد غنّى أبو شبكة في شعر الحب كما الوطن، كما الفقراء والفلاّحين والعمّال وروّاد الثورة، وندّد، من جانب آخر، بالظالمين والأغنياء الجشعين، والحكام الفاسدين، والسياسيين المداجين المسوَّدين.

من الأرض، التي هي الزوق، خرج شاعراً كبيراً إلى العالم. تغنّى بحفافيها المعلّقة بين ساحل يتثاءب بأمواج بحره، وجبل يعانق الشمس بدفئها، بحيث أصغى إلى تنهدات الموج غرباً، وهمسات النسيم شرقاً، وهي تترنم خلف أبراج الصخور، منحته هذه وتلك الحب والعزّة والترفّع، فأنشدها في “ألحانه”:

أنتِ أرض الميعاد مـا سمـح الله          بـهـا أو بمــثلهــا لــسوايــا

غمر المنُّ من سمائـكِ صحرائي            وفجَّرْتِ كــوثراً من هوايــا

فاطمأنَّ الصباح أخضرَ في عيني           وطابت على أديميَ العشايا

والشاعر نفسه الذي كوّن فكره الانساني والوطني، علَّمته الحياة، وأكسبته ثقافته توجّهاً شموليّاً وإحساساً كان لمبادىء الثورة الفرنسية الفضل في استمالته للتأكيد على الثورة البولشفية التي تحمل قيماً لم ير مثيلاً لها الواقع السياسي والاجتماعي في ميدان التطبيق، وقد دفعه ذلك إلى توجيه التحيّة لقائدها لينين، فقال:

قلت للينين نم قريراً              أنت نبيٌّ بعد قرون

ثم يقول له في قصيدة أخرى:

لينين أحـلامـك الغـرّاء قد صدقـت      فانفض ترابك، يكفي ذلك الغرقُ

لم يبق من شرعة الدنيا سوى رحق       والمستــبدّون بـاقٍ منهـم رمـق

بوركتِ يـا نهـضةً للشعب ثائــرةً        هـذه الروائع من إيمانهــا عبق

إن البقــَاء علــى الايـمان مرتكزٌ        الأقويـاء مضـوا والمؤمنون بقوا

أن الربط فيه التزام الشاعر بين هذا الشعر لقائد ثورة يومئذٍ كرجلٍ حرٍّ، وبين مواقف الشاعر تجاه الفقراء حين قال لهم:

عصــرتُ فـؤادي في إنـاء من الهـوى   وأدنيتـه مـن مرشف الفقراءِ

فقـالــوا: خمــورٌ مـا تبــرّد غـلــةً!     فتمتمتُ: واهاً أكبدَ الشعراءِ

أينكر حتى البؤسُ ما فيكِ من غنى      وأيّ غـذاءٍ أنـتِ للبـؤســاء!

 

قد لا يكفي كلامَه هذا، بل صاغه بأسلوبٍ آخر ليقرنه بعلاقة بين الأغنياء الجشعين والفقراء المسحوقين، قائلاً:

يـا من طلى بدم الفقير عروشـه          وتراه يجلس فوقها يرتاحُ

هذه العروش جماجم مرصوفة           في جوفها تتمـرّد الأرواح      

إن تعاطف أبو شبكة في اتّجاهه الذي انعكس عنده من صور الواقع بكل أشكاله المأساوية، حدّده، وهوابن العشرين، عندما ربطه بقضايا الشعب ومنهم العمال المستغَلّون. وهذا الالتزام لم يكن مجرّد نزوة من نزوات الشباب، بل كان ناجماً عن قناعةٍ فكريةٍ ترتبط بتوّجههالإنسانيّ، وهو كان يكره الاستبداد والظلم الاجتماعي، فكان قد تعمّق لديه الوعي ليقف في أوّل أيار عام 1923 في سينما الكريستال في بيروت وكذلك في سينما روكسي، وأيضاً في زحلة، وكرّر هذه المواقف طيلة حياته حتى رحيله فغي عام 1947 لينشد قصائده الثورية الرومنطيقية إلى العمال في أعيادهم. وشعره هذا يُعَدُّ نغماً جديداً على أسماع الناس عصرئذ حين تردد صدى قصيدته إليهم وعنوانها “أنشودة العمال”:

قال: أقبل الظَّبْيُ على ذاك الفتى                  مسترقّاً فيــه قلــب الرجــلْ

وأراه مــــنــجـــلاً فــي يـــــده                 قائـلاً: سرُّ الهوى في المنجــلْ

هــوذا المنجــل فاطلـب عمـــلاً                   إنــما المنجــل رمز العمــلْ

شــــاركِ العمــالَ في مــهنـتهــم                  واجتهِد في كــلِّ أمرٍ تَصِــلْ

أن هذا الربط الجديد في اتجاهه هو انعكاس علاقة روحية بين من يعمل ويعرق ولا يقدر أن يكفي حاجته، ومن لا يعمل ويطغى بواسطة إرثه العائلي الإقطاعي الطبقيّ وهو في موقعه السلطويّ. وجد ما قام به لينين هو خيرٌ في نتائجه لسواد الشعب، في حين أنّ المرفَّهين عليهم أن يتذوقوا طعم العمل والتعب. في شعره هذا، نراه قد بدأ بصياغة ملحميّة لشعرٍ ثوريّ رومنطيقي على عكس الرومنطيقيين الهروبيين في أوروبا. فتصاعدت قصائدُه في هذا الاتجاه، حامية من براكين صدره، يحمل فيه النقمة على وضع هذا الفلاّح الذي يسكب دمه في الأرض:

لــيت لـي قلبــه الخلــيّ                 لــيت لـي في الـرّوح نقـاه

ثم اهتاج وسخط على الوجود الظّلم بحقِّ هذا الانسان قائلاً

هذا الوجود مشانق نصبت لنا            والظلم في ساحاتها السفّاح

أوما ترى الفلاح بـعد جهـاده             يلــقى الشقـاء لأنــه فلاّح

فكــأنّ إكــرام الفقير محــرّمٌ             وكـأن اكــرام الغنيّ مبـاح

أبو شبكة الذي عاصر آخر أيام ظلم الدولة العثمانية، ثم عاصر الانتداب وعاش عصره الذي كان من أجلى مظاهره الانفتاح والعلم والاختراعات والثورات، وعاصر حربين طاحنتين وعى الأولى ومات بعد الثانية، وطالع النظريات الحديثة في الفن والأدب والنقد، وشهد ظهور المذاهب الأدبية في نظرياتها الحديثة، وتحقيق الثورة الاشتراكية، وهزيمة النازية، لا شك أنَّه وازن وقارن بين من صنعوا الخير للبشرية، ومن هدموا العمران والتقدم وبعثوا البلاء والدمار ، فكان بالطبع إلى جانب أولئك وضدَّ هؤلاء في هذا الصراع الذي خلقته طبيعة المجتمع الاقطاعي والرأسمالي والبورجوازي ضد الاشتراكية. وَجَدَ بالنتيجة أنَّ التجديد، حتى في تطوير حياة المجتمع، لا بد من أن ينعكس إيجاباً على بنية الشعر بكل صوره ومعانيه، فتلمَّستُ من شعره أنه يميّز بجلاء ليعلن رأيه بطرقه الفنيّة وأسلوبه المرن ولغته الشفافة. إن عصر التناقضات فيه انتصارات وانكسارات، لكنَّ ما فعله هتلر في البشرية دفعه ليقول له:

خفّف عتوَّك واغسل قلبك الجاني                  للظلم يوم وللمظلوم يومــانِ

عرش العتيِّ على بركــانِ مُنْكَرِهِ                    شيمةٌ وَضُحَتْ في قلب سكرانِ

لا شك بأن العُهْر السياسي قد آلمه، مهما ومن أين جاءت مصائبه. إن مثل هذه الانعكاسات حوّلته، بكبرها وصغرها، إلى شاعر نزق ثوري رافض للرضوخ لها مهما عتت أمامه. وهذا ما نجده من كذب أحد السياسيين وخداعه معه: قال: “هذا هو أحد الأسباب التي تدفعني اليوم وغداً إلى الثورة على البشر! أمُحقُّ أنا أم مخطىء؟ أيجوز أن أعامَلَ بمثل تلك المعاملة بعد أن صرفتُ عشرَ سنوات في التَّغريد لأُطرب الناس؟ أيجوز أن أصبح ساعيَ بريدٍ مضحكاً، بعد أن كنت بلبلاً وكناراً”. وثورتُه التي لم تعرف حدّاً ضدَّ الفساد والأدب المتملِّق والظلم نصبت له مواقفه خصوماً لكي تُذِلّه. وفي هذا المنحنى بقي صاعداً، حتَّى ولو عاش على الطَّوى واثقاً من أنّ نهجه هو الشرف وكرامة النفس وعزّتُها، قال:

أيودُّ الأُلى يهابون لمسي           أن أضـحِّي لهـم بعزّةِ نفسي

لا يّؤمّون معبدَ الله إلاّ           ليُريَهم منـاحتي قبل عرسي

كلُّ هذا لأنّني لم أمالِقْ           ولأنّي ما بعتُ باللؤم طرسي

إن هذا الموقف دفعه، مع زملاء له، أن يؤسسوا لأدب جديد نظيف، لا يُباع ولا يُشترى، فكان لعصبة العشرة آراءٌ سببت معارك وصدامات على صعيد التجديد، وبين المجددين وأتباع التقليد في الأدب القديم، إذْ وجدوا أنَّ عمق التّدليل في التعامل هو التجديد، وأنَّ إصلاح الأدب هو دافع قويٌّ لإصلاح المجتمع، فكانت هذه الثورة، وكان صداها في الثلث الأول من هذا القرن. أبو شبكة ورئيف خوري وعمر فاخوري وفؤاد حبيش وخليل تقي الدين ويوسف غصوب وتوفيق يوسف عوّاد، ومن الجانب الآخر جبران ونعيمة والريحاني، كانوا بناة هذه النهضة الأدبية الرائدة التي غيَّرت موازين الأدب ومسحته بفنِّها المتجدِّد. إن أبو شبكة الذي مثَّل دوره، وعاش صراع عصره، وعكس اشكاليّاته وعقدَه النفسية والسياسية والاقتصادية والفكرية في أجلى توّهّجاته الفنيّة شعراً ونثراً، كان عمله هذا قد شكَّل تحوّلاً طليعياً ورياديّاً على لبنانيته وعروبته أزالتِ العديدَ من العقد، وأثَّرتْ في تكوين تيّارٍ جديدٍ لاقى في فضائه حرارة وإحساساً إنسانياً، سَواء جاء بشكل سُويدائي نَزِقٍ وثوري رومنطيقي أو بذاتيّةٍ فيها النّبل والغنى الفنيُّ، فإنَّ البصمات التي تركها أبو شبكة في الشعر العربي الحديث هي كالبصمات التي تركها شعراء عالميّون في شعر بلادهم وخارجها من أمثال بابلو نيرودا، وناظم حكمت، وغارسيا لوركا، ولويس أراغون، وسواهم. فالحياة والحركة التي رسمها في الشعر ستبقى حيّةً.

إنما المهم أن الاتجاه الوطني الذي لم يسمح لي الوقت بأكثر من ذلك لأظهره في شعره لا يقل أهمية، لا مبنى ولا معنى ولا أسلوباً، فعارٌ أن يُهملَه النقّاد، والشاعر نفسه قد كتبه بقالبٍ ملحميِّ وإنسانيٍّ. وأبو شبكة الشاعر والأديب والنّاقد والمفكّر هو نفسُه الإنسان الللبناني الذي أغنى أبناءَه بعطائه.

شفيق البقاعي

عن شفيق البقاعي

أستاذ في الجامعة اللبنانية

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>