الرئيسية / العدد 11 / أبو شبكه في “البقعة الرمادية”

أبو شبكه في “البقعة الرمادية”

Print pagePDF pageEmail page

menassa2-640_687366_highres

في “البقعة الرمادية” عاش ونعيش.
هذا الماسوني أو الشيوعي أو المتفلسف،كما ينعت الناس “كل رجل خرج عن القاعدة المألوفة” كما يشير صديقه فكتور حكيم.
هذا “الابو شبكه” تنفّس دوما في فضاء رمادي.
تمدّد مزاجه بين العنف والرقة، متوتر، شبّهه مارون عبود “بوقيد البلان” وكرم ملحم كرم بـ “الوثاب العجول”، وثبّته رئيف خوري في “لبنانية صميمة”.
*******
يجسّد أبو شبكه الشخصية اللبنانية الرمادية، بين لونين، شرقي وغربي، مسلم ومسيحي، والالحاد فعل ناقص…
لا أربط أبي شبكه بأي صراع خارج ذاته. فالرجل مسكون بعفاريته، مذ مات والده باكرا، فقدَ برحيله الغنى واليسر. فالوالد من طبقة الخواجات، أي البورجوازية الناشئة في أواخر القرن التاسع عشر، تتقدّم على اقطاعية طوتها المتغيرات.
في عزِّ بورجوازي ولد هذا الشاعر، وفي الفقر مات، مال الى رفض اكتسبه ذاتيا وجماعيا. فزوق مكايل التي أحبها أبو شبكه كثيرا، ثائرة في ومضاتها التاريخية، انطلقت من سوقها ثورةُ الفلاحين بقيادة ابنها البار الياس المنيّر قبل أن يقودها طانيوس شاهين.
المنيّر من أوائل الثائرين المثقفين في لبنان، صدح صوته في الجماهير، رافضا “رق العبودية”.
هذا المنيّر الكاريسمي، هتفت له الجماهيرُ الكسروانية: “يا بو الهدوب/ يا زغيّر-يا بو الرايات/ يا منيّر…” في حين لم تتفاعل لاحقا مع أحمد فارس الشدياق العشقوتي الذي تمادى… وهذا ماوعاه أبو شبكه، فبقي في الخط الرمادي الفاصل بين المقدّس الطائفي والشطط خارجه.
في البعد الاجتماعي-السياسي اندفع أبوشبكه. كسر مُحرّمات عِدّة…. لكنه لم يصل الى ما وصلت اليه بيئته في كسر السلطة الاقطاعية، في ثورة الفلاحين أولا، وفي عاميّة سنة 1902 ثانيا، أي قبل سنة من ولادته.
يتذكر فكتور حكيم أن أبو شبكه يضحك استثناءا، حين يروي حكاية “الراهبة الشيخة” التي دعت العسكر التركي الى أخذ دِكَّة سروالها لتكبيل الزوقيين الثائرين على عادة دفن موتى الاقطاعيين داخل كنيستهم، وهي عاميّة شعبية يعرفها جيدا أبو شبكه، قاوم فيها أهله تقاطعَ مصالح الاتراك وبكركي والاقطاع، وانتصروا في انتفاضة مدهشة.
أذكر هذا المدخل لاشير الى أن ابو شبكه الثائر، هو ابن بيئته، هذه البيئة التي انسلخت أصلا عن جذورها “كطائفة سريانية”، لتتعرّبَ بملء إرادتها، وتتحول الى حارسة اللغة ومداها النهضوي، من أبرشيات حلب الى صوامع الجبل، ترفض التتريك، وتبحر في اللغة، في مهاجرها وفي أوطانها… الياس أبو شبكه واحد من هذه الجماعة التي راهنت على اللغة كهمزة وصل، فعبّر فيها وتفرّد.
في اللغة العربية صفا قلم الياس أبو شبكه، برغم أنّ مدادَه من محبرة اللاتين. هذا الرومنطيقي الذي مجّد فرنسا وحضارتها، التصق في عروبة يتأرجح في مداراتها بين شك ويقين. الياس أبو شبكه يختزن ثنائيات بيئته، يعاني مرضَها في ازدواجية الشخصية. عروبي وفرانكوفوني، استقلالي وانعزالي، يردد في مجالسه: “المسيحيون نقطة في بحر ستزول”، هو الكتلوي في الزوق نكاية بابن بلدته الدستوري سليم تقلا، وهو الشيوعي في بيروت رافضا الاقطاع السياسي .
هذا الأبو شبكه الذي ضاع بين ألقاب الاستاذ والخواجه والأخْوَتْ… انتظم رماديّا في إطار وطني، لم يلتزم… كتب في صحف بيروت والقاهرة من دون أي حساب لانتماءاتها، انتسب الى جمعيات أدبية معروفة من دون خلفيات عقائدية، ظهر وجهه الفاجر في انتقاده السياسيين بالجملة، لكنه مدحهم في المفرق.
هذا الأبو شبكه الذي مزج الادب والسياسة في مقالاته، شهد على عصر لبناني اكتنز بتفاؤل في الانجاز، يثق اليمين الانتدابي في حكمه وديمومته، ويأمل اليسار الوطني في الانقلاب عليه، يحلم المسيحيون في الوطن الملجأ، ويطمح المسلمون بالعودة الى الشام، ينتفض البطريرك على الاحتكارات الانتدابية (المونوپول)، ويتمسك باحتكار السلطة، هذه الرمادية تطغى على المواقع والامكنة خصوصا في زواياها الاجتماعية، فَعَلَتْ أصواتٌ جريئة تتحدث لغة العدالة الاجتماعية والمساواة ومكافحةَ البطالة والغلاء،تطالب بقانون عمل، وحقوق عمال وكادحين، فتآلف المثقفون والنخبويون بين رجع صدى الثورة الفرنسية، وتردّدات الثورة البولشفية، ولم يلتقيا في منصة جامعة.
في هذا التنازع على المساحة المشتركة، نجح الاديبُ المندفع يوسف يزبك، بدعوته العلنية الى الاشتراكية العلمية، في جذب الشاعر الشاب الياس أبو شبكه، في الوقت الذي كان أبو شبكه يشارك في حلقات ثقافية وسياسية ينظمها في بيروت الرسام قيصر الجميّل. فتظاهر أبو شبكه سنة 1925 مع الجميّل، وأديب مظهر، ونعمة الله البعقليني، وبدوي الجبل لاسقاط مجلس النواب الانتدابي ولقيام حكم وطني. وشارك في الاحتفالية الاولى للحزب الشيوعي الناشئ، لمناسبة عيد العمال في مسرح الكريستال، القى فيها أبو شبكه قصيدة “طنانة” كما يصفها جميل جبر.
يقول:
لهَفي على وطنِ تُضامُ أُباتُهُ ويسود فيه النّذلُ باستبدادِهِ….
من يسترق قوما يعيشُ بمالهم فلتبصُق الدنيا على ألحادِهِ
هذه الاطلالة الجماهيرية تزامنت مع انتقال ابوشبكه من الهواية الى احتراف الكتابة، لتتبلور أفكاره الثورية أكثر فأكثر، من دون أن يحمل أيَّ بطاقة حزبية.
في قصيدة لاحقة عنوانها “الثورة العظمى” يقول صراحة:
لينينُ أحلامُك الغراءُ قد صدقتْ فانفضْ ترابَكَ،يكفي ذلكَ الغرقُ
لم يبقَ من شرعة ِالدنيا سوى رمقٍ والمُستَرِدونَ باقٍ منهُمُ رمقُ
بوركتِ يا نهضة ًللشعبِ ثائرة ً هذي الروائعُ من إيمانِها عبَقُ
إنّ البقاءَ على الايمان ِمرتكِزٌ الاقوياءُ مضَوْا والمؤمنونَ بَقُوا
******
عاش الياس أبو شبكه حياته في البقعة الرمادية، لم يلتزم… صرخ كثيرا.
لم يغادر طائفته ولم يبقَ فيها. تزوج ولم يدخل القفص، اشتهى امرأة غيره فانزوى في المطهر، تأرجح بين التقليد والتحديث، بين القصيدة الكلاسيكية والقصيدة المجنونة…
بحث دوما عن وطن، عن استقرار، عن بحبوحة، عن مجالٍ آمن ٍ للحلم…. لكنّ بحثه عن المرأة كان أعنف، في عمقها غاص، هذا المتمرد على كل شيئ، أخضع نفسه لسلطان النساء، فعبَرَ معهنّ من البقعة الرمادية الى صفاء الخطيئة، ونقاوة اللغة، وأنوار الابداع…
وفي كل أحواله المتناقضة صحّ فيه ما قاله عنه الزوقيون: “أيش هالاخوت”.

انطوان سلامة

عن انطوان سلامة

صحافي وكاتب لبناني

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>