الرئيسية / العدد 11 / محاولات لقراءة الجماليَّة في شعر الياس أبو شبكة

محاولات لقراءة الجماليَّة في شعر الياس أبو شبكة

Print pagePDF pageEmail page

menassa3-640_755081_large

تميَّزت النَّظرة العامَّة إلى الجمال، بكونها اعتمدت الفكر الغيبي منطلقاً لها؛ فرأت أن الجمال نوع من السِّحر الفاتن القائم على عبقرية خفية المصدر. وتأتي، اليوم، النَّظرة النَّقدية المعاصرة إلى الجمال، متميِّزة بكونها ترتكز على فكر موضوعي علمي؛ فترى في الجمال جهداً إنسانيَّاً تنتظمه آليَّات نفسيَّة فردية وجمعيَّة وأخرى تعبيريَّة ناتجة عن امتزاج بين ثقافة مجتمعيَّة معيَّنة وثقافة فرديَّة ذاتيِّة. من هنا، فإنَّ الانطلاق، في البحث عن بعض ما هو جمالي في شعر الياس “أبو شبكة”، سيكون من قراءة شعر “أبو شبكة”، من الشِّعر عينه؛ وليس من أي مصدر آخر؛ ولعلَّ لعلَّ المفتاح الأبرز والأكثر انتشارا، في هذا المجال، يكمن في نصٍّ من ديوان “أفاعي الفردوس” لـ”أبو شبكة”. إنَّه النَّصُّ الذي تخاطب فيه الأفعى دليلة، حاضَّة إيَّاها على إغواء شمشون:

مَـلّقيـهِ بِـحُسنِـــكِ المَأجـــورِ   وَاِدفَعيـهِ لِـــلاِنتِقـامِ الــكَبيرِ

إِنَّ في الحُسنِ يا دَليلَـةَ أَفعى   كَم سَمِعنا فَحيحَها في سَريـر

أَسكَرَت خدعَةُ الجَمالِ هِرَقْلاً    قَبل شَمشونَ بِالهَوى الشِرّيرِ

وَالبَصيرُ البَصيرُ يُخدَع بِالحُسْـ   نِ وَينقــادُ كَالضَريرِ الضَريـرِ

يُجمع كثير من دارسي هذا النَّصِّ على جماليَّةٍ أخَّاذة فيه، جعلت منه واحداً من أشهر نصوص “أبو شبكة”. جرت، سابقا، دراسات بلاغيَّة للنَّصِّ؛ ركَّزت، في معظمها، على قوَّة مباشرته للموضوع، وأشارت إلى حِدَّة معاني ما فيه من ألفاظ. وثمَّة دراسات أخرى اعتمدت الجانب النَّفسي، محاولة استكناه موقفٍ للشَّاعر من المرأة بشكل عام؛ وكادت بعض هذه الدِّراسات تُدخِل صاحبَ النَّصِّ ضمن تصنيفات مَرَضيَّة وَوِسْواسيَّة. كل هذا لم يتمكَّن من سبر عوامل الجمال في النَّصِّ، ولم يتمكَّن من الوصول إلى الكلام عن ما يجعل من النَّصِّ جميلاً بحد ذاته. إهتمُّوا للغة ولنفسيَّة الشَّاعر ولم يتمكنُّوا من توقُّف مريح عند جماليَّة النَّص. نعم ثمَّة جمال، لكن هذا الجمال لا يأتي أو يتحصَّل من فراغ. ثمَّة ما يجعل من الجمال جميلا. ويبرز التَّساؤل عن كيف يمكن أنْ تتحصَّل فاعليَّة الجمال في هذا النَّصِّ؟ واقع الحال، ثمَّة ربط جامح بين متناقضات في الثقافة الجمعيَّة العامَّة والثقافة الفرديَّة العاديَّة في هذا النَّصِّ؛ وهي متناقضات يعمل تشكّل النَّصِّ، عبر جدليَّةٍ للوجود بين معانيه وألفاظه، على إبرازها بوضوح وقوة وربما بعسف.

إنَّ التملُّق والحسن أمران ينهضان على النعومة والملاينة والمسايرة والسَّعي إلى نيل القبول الهادئ من الآخر الذي يتوجه بهما إليه. في حين أنَّ الإستئثار والانتقام أمران ينهضان على قسر وعنف وقهر لابدَّ منهما لإخضاع من يتوجَّه بهما إليه. وهنا يبرز تلاحم متناقضات فيما بينها. إنَّه تشكُّل تناقضي يظهره بيان رائع في أدائه. يتحوَّل التناقض إلى وحدة متكاملة في ما بينها. يتَّحد الحسن والتملُّق مع الإستئثار والانتقام. تتشكَّل وحدة عضويَّة، يسعى متلقِّيها إلى عيش اندماجات عناصرها. هذا السَّعي إلى عيش اندماجات العناصر المتناقضة أساساً، يتجلَّى عبر قبولها، في تذوُّق جمالي خاص لا يكون إلاَّ بها وحدها من دون سواها.

تتحقَّق للنَّصِّ جماليته الخاصَّة به؛ يحصل النَّصُّ على تذوُّقه الجمالي من المتلقِّي. يعيش النَّصُّ في ذائقة المتلقِّي وجود قوَّة فاعلة بإيجاب. وتتأكَّد عبقريَّة التَّشكُّل الفنيِّ للنَّصِّ وتترسَّخ ضمن فاعليَّات الثقافة الشِّعريَّة للمرحلة.

نصٌّ آخر لـ”أبو شبكة”:

أَسمِعيني لحنَ الرَدى أَسمِعيني          فَحَيـاتي عَلـى شفـارِ المنــونِ

وَاذرُفـي دَمعـَةً عَليَّ فَبعــد الــ          موتِ لا أَستَحـقّ أَن تَبكينـي

يـــا سُلَيمى وَقد أَثــارَ نُحولـي           كامِناتِ الرَدى عَلى العِشرينِ

مـــا تَقوليـن عِندَمــا تَنظُريـن           القَومَ جاءَوا إِلَيَّ كَي يَحمِلوني

وَأَنــــا جثَّــــةٌ بِـــدون حـراك           وَخيال الحِمـام فَوقَ جَبيـني

يــا سُلَيمى أَنــا أَموتُ ضحوكاً            لَيسَ هذا الوجودُ غير مجونِ

إِنَّ مـَن عـاشَ فيهِ عمراً قَصيراً            كَالَّذي عاشَ فيهِ بَعضَ قُرونِ

يـا سُلَيمى وَكم أُنادي سُلَيمى             فَاسمُها بلسمٌ لِقَلبي الحَزينِ

لَـكِ عِندي وَصيَّةـٌ فَـاِحفَظيها              هيَ بَعد المَمـاتِ أَن تَنسيني

إنَّ “الاستمرار”، عن وعي أو عن غير وعي، هاجس معظم النَّاس؛ ولعلَّ الأمر ينهض على غريزة إنسانيَّة بين البشر. ما من أحد، ولو أنكر، إلاَّ ويعيش مسكوناً بهذا الهاجس. ولضمان الاستمرار بعد الموت، يسعى كثيرون إلى القيام بأعمال يظنون فيها ما قد يخلِّد ذكرهم. الإقرار بالموت، وهو العدم، يأتي مناقضاً لما يمكن أن يكون غريزة الهجس بالاستمرار. من هنا، يخاف النَّاس، أو معظم النَّاس، الموت. يصابون بالحزن عند حصوله أو عند إدراكهم أنهم باتوا وجها لوجه معه. المحبُّ، ههنا، يستقبل العدم بالضَّحك! إنَّ النَّص، ههنا، ينهضُ في جماليته على إقامة تشكُّل بين هذين المتناقضين المتصارعين. الاستمرار والعدم.

يطلب المحب من مُحبَّتِه ألاَّ تحزن على كونه سيصير عدما. يصر على أن تبكيه طالما هو حيّ، فإذا ما وصل إلى رحاب العدم يصرُّ على أن لا تبكيه أبدا. الأدهى في بناية جماليَّة من هذا التناقض، أنَّ المحبَّ يطلب من محبَّتِه أن تنساه؛ أي تؤكّد عدم استمراريته. هذا التناقض يأتي متلاحماً عبر تشكُّل عضوي أخَّاذ تتحصَّل منه جماليَّة فريدة تتجلَّى عبر النَّص.

كثير من هذا يتألق في شعر إبو شبكة. كثير جدَّاً من هذا يطبع شعره، ويساهم في فرادة شعريَّة قلَّ أن انتبه دارسون إلى وجودها في أعماله. ليس في الأمر أيُّ سحر أو سر؛ كل الواقع أنَّ “أبوشبكة” كان يصوغ متناقضات لا يمكن لها أن تتَّحد في ما بينها، وفاقاً للمفاهيم الثقافيَّة والجمعيَّة والفرديَّة العامَّة؛ بيد أنَّها وجدت تبلوراً لها في شعره.

واقع الحال، لو كان من عَوْد إلى شخص الياس أبو شبكة، لتبيَّن أنَّه كان يعيش بناء على بنية عصبيَّة مفرطة الحساسيَّة قائمة على كثير من التطرُّف والقلق. ومن يراجع ما كتبه المؤرخون والدَّارسون عن شخصيَّة أبو شبكة وشدَّة عصبيّته واستمرار قلقه، قد يجدون أنَّ في الانطلاق من نصوص أبو شبكة ما يقود إلى حتميَّة الكشف عن واقع شخصيّته وحقيقتها. وهذا فعل أشد مصداقيَّة في النَّظر النَّقدي الأدبيِّ من الانطلاق من الشخصيَّة لدرس الشِّعر. إنَّ في الانطلاق من الشخصيَّة لقراءة النَّص نوع من الفكر المسبق الذي يمكن أن يهيمن، بطريقة أو أخرى، على قراءة النَّص. في الانطلاق من النص حريَّة مطلقة في التعامل مع الأدب، ويمكن تالياً الإفادة منها لفهم شخصيَّة صاحبه.

 

وجيه فانوس

عن وجيه فانوس

استاذ جامعي، محاضر في علوم المنهج والحضارة المعاصرة- الأمين العام لاتحاد الكتّاب اللبنانيين

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>