الرئيسية / العدد 11 / الوضع العربي: مخاض ولادة أم انتكاسة جديدة؟

الوضع العربي: مخاض ولادة أم انتكاسة جديدة؟

Print pagePDF pageEmail page

 Mideast Egypt Protest

يحمل هذا العنوان إشكالية أدّت، في السنوات الأربع الماضية، الى نقاشات وصراعات فكرية لم تتوقف داخل الأحزاب السياسية وفي مواقع الرأي، بين القائلين، ونحن منهم، إن ما جرى في العالم العربي خلال تلك السنوات إنما هو انتفاضات وثورات لها مسبباتها ومنطلقاتها المستندة الى أنظمة رجعية تابعة وأنظمة ديكتاتورية قمعت شعوبها طويلا، تارة باسم القومية وطورا باسم قضية فلسطين، وبين من يؤكّد أنها من صنع الشيطان الامبريالي الذي يسعى، بعد انفجار أزمته، الى وضع مخططه التفتيتي للمنطقة على نار حامية ومنع إمكانية أيَّ تحوّل غير مسيطَر عليه.

هذه الإشكالية، طُرحت سابقا، في الحزب الشيوعي اللبناني، منذ شباط 2011 وفي وهج ثورتي مصر وتونس؛ وهي، إذ تعود اليوم الى الواجهة، بالترافق مع تحضير وثائق المؤتمر الحادي عشر، فلسببين أساسيين بنظرنا، أوّلهما أن السنوات العشرين التي تلت انهيار الاشتراكية المحقّقة في الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية الأخرى في أوروبا قد أدّت الى أزمة داخل الأحزاب الشيوعية واليسارية تجلّت، خاصة في منطقتنا، بانكفاء حركة التحرر الوطني العربية ومشروعها الهادف إلى كسر التبعية التي أسست لها الأنظمة الرجعية والبرجوازية، وبالتحديد الطغمة المالية، وإلى وضع سياسات التنمية والتحرر موضع التنفيذ، وفي المقدمة منها الصراع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، في مواجهة تقدّم مشروع “الشرق الأوسط” بمسمياته المختلفة (الكبير أو الموسّع أو، أخيرا، الجديد) مع ما يحمله من أدوار جديدة لإسرائيل وبعض الدول الإقليمية الكبرى، ومنها تركيا على وجه الخصوص. أما ثاني هذه الأسباب، فيكمن في أنّنا، في الحزب الشيوعي اللبناني، نرى أنّ تثبيت التغيير في وطننا (وتجربة سبعينيات القرن الماضي واضحة في هذا المجال) لا يمكن أن يتم إذا لم نأخذ بعين الاعتبار علاقة الداخل بالخارج المحيط، أي أن التغيير بحاجة للحماية من الواقع المحيط (أو لدعمه) حتى يصبح ناجزا.

من هذا المنطلق لا بد لنا، بداية، أن نعود بضع سنوات الى الوراء، وبالتحديد الى الثاني والعشرين من تشرين الأول من العام 2010. في ذلك التاريخ، عقد “اللقاء اليساري العربي الأول” الذي دعا له الحزب الشيوعي اللبناني تحت عناوين ثلاثة هي: تنظيم المواجهة الوطنية للعدوان والاحتلال والسيطرة الإمبريالية والصهيونية – تفعيل العمل بين صفوف الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الشعبية والمثقفين وصياغة برنامج النهوض الاقتصادي والتنمية والتطور الاجتماعي – الدفاع عن الديمقراطية والحريات العامة والمساواة. نتج عن هذا اللقاء الأول برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي للتغيير عنوانه الأساس إقامة حكم وطني ديمقراطي بأفق اشتراكي يشكل البديل للأنظمة التابعة ، مع الاتفاق على مهمة متابعة العمل وتوسيع الدعوة الى قوى اليسار العربي، عامة، من أجل التواصل والتنسيق فيما بينها ومع القوى الوطنية والديمقراطية لإرساء أسس للتعاون وطرح الشعارات التي تستجيب لمطامح الشعوب العربية في التحرر والوحدة في مواجهة العدو الامبريالي – الصهيوني.

صحيح أن “اللقاء اليساري العربي” لم يتوقّع كل ما جرى بعد ذلك بقليل، إلا أنّنا كنّا نرى بوضوح أن الأزمة التي تولّدت عن السياسات النيوليبرالية التي عملت على تنفيذها الأنظمة العربية (في ظل التبعية) لا يمكن أن تُحَلّ إلا بتغيير تلك الأنظمة، أي بثورات اجتماعية تطرح في آن معا مهمات وطنية وطبقية. لذا، ربما، لم نفاجأ كثيرا بثورتي تونس ومصر، اللتين كانتا النهاية المنطقية لعقود من القهر والتخلف والتبعية، وكذلك النتيجة الحتمية للكثير التحركات والإضرابات والتظاهرات في هذين البلدين.

فدَعَوْنا الى اجتماع استثنائي ثان، في شباط 2011، حدّدنا فيه، أولا، “أن ما نعيشه من انتفاضة شعبية، في تونس ومصر، تحمل في طياتها بذور ثورة شعبية حقيقية، شارك فيها العمال والفلاحون والفئات المتوسطة والمثقفون والشباب الذين كانوا شرارة انطلاقة الانتفاضة (حيث الفئة العمرية ما بين 15 و30 تشكل أكثر من ثلث السكان)”، لنستنتج “أنّ المدّ الثوري الذي انطلق في تونس ومصر قد تجاوز حدود هذين البلدين، فألهم حركات شعبية واسعة على امتداد العالم العربي من المحيط الى الخليج… مضيفاً زخماً جديداً الى الزخم الذي شكلته المقاومة الفلسطينية، ومن ثمّ المقاومة الوطنية اللبنانية، في استنهاض كفاحيّة الشباب العربي والشعوب العربية من أجل التحرر الوطني والاجتماعي” ولنطرح، بعد ذلك مسألة حماية هاتين الثورتين وتوسيع مفاعيلهما، مع أخذنا بعين الاعتبار أن قوى الثورة المضادة، المستندة الى بقايا الأنظمة المنهارة والمدعومة من الامبريالية والرجعية العربية، ستلجأ الى التحرّك لاستعادة المواقع المنهارة ولتفجير أزمات في بلدان عربية جديدة، مستخدمة في سبيل ذلك كل الأدوات التي تمتلكها، بما في ذلك أدوات التفتيت الديني والطائفي والإثني الذي شهدنا بعضا من مفاعيله في السودان ومصر والخليج والذي نشهد اليوم أبشع صوره في ما يجري في سوريا والعراق ولبنان.

وهنا، لا بد لنا من التوقف عند مشروعين خطيرين مترابطين برزا مؤخرا: مشروع القوى الإرهابية الجديدة التي تُذكّرنا بـ “القاعدة”، والتي تتخذ من الدين قناعا لها، والمشروع الأميركي الجديد المستند الى تحالف يضم، الى الاتحاد الأوروبي، رجعيات المنطقتين العربية والشرق أوسطية التي ساهمت بشكل مباشر في تغذية الارهاب والانقسامات الطائفية والاثنية بكافة أشكالها. فالمشروع الامبريالي – الأم يعود اليوم الى الواجهة، بعد تعثره في العراق وأفغانستان، مستفيدا من تأجيج الصراع الطائفي في العراق وسوريا. والخطورة في تلك العودة تكمن في رهان بعض القوى السياسية على التدخل العسكري للتحالف الإمبريالي الجديد، ظنّا منها أنه يسعى فعليا لمحاربة الإرهاب، بينما الواقع يدلّ على أنه عمل ولا يزال على تغذية هذا الإرهاب عسكرياً ومالياً (عبر قطر وغيرها)، دون أن ننسى الدور الذي تلعبه بعض دول التحالف، وبالتحديد تركيا، في تغيير خارطة الحدود مع سوريا تمهيداً لتقسيمها وانشاء دويلات متصارعة ضمنها.

في هذا الوقت، يسعى الكيان الصهيوني لزيادة تقدّمِه على الأرض، ولطرح مشروعِه المرحلي المتمثل بشعار “إسرائيل دولة اليهود في العالم”، والهادف الى تصفية القضية الفلسطينية نهائيا وإنجاح المرحلة الثانية من مشروعه العام المسمى “إسرائيل الكبرى”، مستفيداً من استمرار حاجة الامبريالية – الأميركية تحديداً – إليه للسيطرة على منطقتنا وما تختزنه من ثروات وما لها من دور استراتيجي.

وفي هذا المجال، نود أن نلفت النظر الى بعض ما يقال حول أن الولايات المتحدة ستتخلى تدريجيا عن الشرق الأوسط وبتروله وغازه المكتشفين قديما وحديثا، بعد أن بدأت تؤمّن حاجاتها من الطاقة البديلة (غاز الشيست)… إلا أن الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة لا تقتصر على الكفاية المشار إليها بل تتعدّاها الى ارتباط مشروعها لمنع انهيار سيطرتها الآحادية على العالم (والتي تلقت ضربات موجعة في أميركا اللاتينية وأوروبا وكذلك في الدور المرتقب للصين) بالسيطرة على منطقتنا العربية بالتحديد (أي على المشرق والمغرب العربيين) لما لها من دور أساس في حصار الصين وروسيا والتحكم بالطاقة التي تحتاجها أوروبا الغربية، هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية، الدور الذي يمكن أن يلعبه المغرب العربي كفاتحة لاحتلال أفريقيا التي سيكون لها موقع أساس في الحروب المقبلة التي تحددت تحت شعاري حروب المياه وحروب الغذاء.

لذا، نعتقد أن ما صاغه العقل المشترك بين قوى اليسار، خاصة في الاجتماع الرابع الذي حصل على مشارف ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، التي أسقطت حكم “الإخوان المسلمين” وقطعت الطريق على تمدد الثورة المضادة عبر استخدام القوى السياسية الدينية، يمكن أن يشكّل مدخلاً جدّياً للولوج الى المرحلة الانتقالية التي دخلنا فيها، والتي لا بد أن تجمع بين النضال التحرّري والوطني والتحرّر الاجتماعي. فانطلاقا من ترابط قضايا التحرّر وكسر التبعية والتنمية، وكذلك من المواجهة السياسية والاقتصادية والإيديولوجية مع المشاريع الامبريالية والصهيونية التي أشرنا إليها، يمكن تحديد المرحلة الراهنة – وأقتبس من المشروع المقدّم أمام الحزب لدراسته في المؤتمر الحادي عشر – بأنها “مرحلة ثورة وطنية ديمقراطية تهدف الى إسقاط حكم الطغمة المالية والتبعية، والى إقامة حكم وطني ديمقراطي يقاوم الاحتلال ومشاريع الهيمنة الامبريالية. هذه المرحلة التي عبّرت عنها الجماهير العربية في الشعارات التي رفعتها انتفاضاتها وثوراتها، والمتمثلة بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية والتقدم الاجتماعي”. من هنا، نعود لنؤكد على أهمية تأسيس “جبهة مقاومة وطنية عربية” مهمتها مواجهة الامبريالية والمشاريع الإرهابية الرديفة والنضال من أجل التغيير.

ماري ناصيف الدبس

عن ماري ناصيف الدبس

نائب الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني. استاذة في الجامعة اللبنانية

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>