الرئيسية / العدد 11 / نحو الدولة الديمقراطية العلمانية

نحو الدولة الديمقراطية العلمانية

Print pagePDF pageEmail page

 22015510179

العنوان المطروح ليس جديداً، لكنه المتجدّد دائماً. لذلك فإن البحث فيه، مع كل محطة “إبداعية” جديدة لأرباب النظام السياسي – الطائفي القائم، يقودنا الى “ما العمل؟”. الحزب الشيوعي اللبناني خلال مسيرته النضالية طيلة تسعين عاماً لم يتوقف فيها النضال من أجل البديل الوطني الديمقراطي والبحث عن آليات تحقيقه.. والتاريخ المعرفي والنضالي والثقافي هو الشاهد على أقوال وأفعال السنديانة الحمراء.

الديمقراطية هي منظومة مبادئ متكاملة، ومن جملة فلسفتها انها تقوم على الإرادة الشعبية وتحقق للمواطنين الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة، وتخضع السلطة فيها لرقابة رأي عام حر، له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها له. وأهم ما تتميز به هو اعتبار الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات يمارسها عبر المؤسسات الدستورية. بمعنى كل شيء بالشعب، وكل شيء للشعب.

لذلك، فإن الحديث عن بناء الدولة الديمقراطية، لا يمكن أن يتم دون تجسيد الديمقراطية في القانون وفي ممارسة تطبيقه.. ويكاد هذا الأمر أن يكون مستحيلاً في جمهورية يتم جمع رعاياها على أسس ما قبل الدولة .. أسس العائلية والمذهبية والطائفية.. بحيث السلطات المتعاقبة تدير مصالحها بعباءة طائفية، وبغطاء مقدمة الدستور التي تقول في الفقرة (ج) إن “لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية تقوم على احترام الحريات العامة… وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة .. دون تمايز أو تفضيل”.

والفقرة (د) من المقدمة تقول: “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية…”.

ونكمل في الفقرة (ح): “إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية…..”.

الفقرة (و) “النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة”.

المادة 9: “حرية الاعتقاد مطلقة….. واحترام نظام الاحوال الشخصية والمصالح الدينية…”.

المادة 10: “التعليم حر…… وإنشاء الأديان والمذاهب مدارسها الخاصة….”.

ما تقدم من مواد قانونية ومقارنتها مع الواقع، يكفي لاستنتاج أن البحث عن خلاص من هذا النظام السياسي – الطائفي انطلاقاً من قوانينه، لإقامة دولة ديمقراطية علمانية، هو عملية إعادة إنتاج للنظام القائم.

النظام السياسي القائم في لبنان وقوانينه تقود إلى طرح مجموعة من الأسئلة: هذه الديمقراطية المتوفرة لمن؟ وماذا تمثل؟ وهل تحقق ما تصبو اليه من أن الديمقراطية للشعب، أم تحقق المصالح الطبقية والفئوية للبرجوازية الطائفية  المسيطرة؟

الإجابة على الأسئلة المطروحة أعلاه تقوم على أساس طبقي للتغيير الديمقراطي يتمثل بأن الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية هي الدولة المنشودة.. وهي غاية كل مواطن ومواطنة، وللوصول إلى هذه الغاية لا بد من اعتبارها من المهمات الأساسية التي تعني كل فرد منّا، لابل تلتصق به الآن أكثر من أي وقت مضى، لأن ما سمي بالدولة هو في حقيقته فيدرالية الطوائف الآخذة بالاضمحلال والتلاشي، وفي الطريق تعرّض الوطن والمواطن الى المزيد من الانقسام والالتحاق والارتهان والفقر والدمار..

الطائفية: من العرف إلى الدستور

كانت “الطائفية” أيام “الصيغة” عرفاً، ثم تحوّلت مع “الطائف” إلى دستور. بعدها، جاء اتفاق “الدوحة” ليضيف لمساته المذهبية، بإقرار أطرافه قانون الستين الإنتخابي، الذي أنتج مجلساً نيابياً بأصوات تكاد تكون صافية طائفياً ومذهبياً، وذلك وفقاً لتقسيمات القانون، المخالف نصاً وروحاً لدستور “الطائف”، ولمقولة أن عضو المجلس يمثل الأمة جمعاء. فكيف له ذلك؟ عجباً!!

إن النظام السياسي القائم جعل الطائفية تنعف في أعماق الدولة ومؤسساتها نعفاً، وتتغلغل في داخل حياتنا، وتعبث بمستقبلنا وبمصير شبابنا، وتقتحم، من دون إستئذان، كل شريان من شرايين مجتمعنا الذي بات مكبلاً، بالمطلق، بمعادلات الطبقة البرجوازية المسيطرة، رغماً عن إراة الشعب وقناعاته. وبتنا أسرى نقاشات الفكر اليومي، وسياسة الأحداث الظرفية، وكدنا أن نستسلم لواقع طائفي طال أمده، ولنظام سياسي أشهر إفلاسه في قدرته على قيام دولة، التي أصبحت كحلم مستحيل التحقق في كنف رعايتها لطوائفها على حساب ولو “طائفها”.

إتـُهمنا، كحزب شيوعي بخشبية الخطاب، وبالتخلف عن مواكبة طرفي النزاع الآذاري السلطوي، وكثرت الانتقادات علينا من كل حدب وصوب لأننا خارج الصورة والمشهد وصناعة الحدث. وإذا كان النقد البناء يفيدنا ويصوب عملنا، ويعطينا قوة دفع وثبات وعزيمة نضالية، فإنّنا نحيل الإجابة على النقد الهدام إلى الوقائع الراهنة لتبرهن صحة وضرورة طرح المشروع الوطني الديمقراطي العلماني المقاوم، والتمسك به، والإصرار على طرحه، والعمل من أجله، كونه لا يخدم طرفاً، أو فئة، أو طائفة، أو حزباً، بل يخدم لبنان أرضاً وشعباً ومؤسسات، ويخدم دوره ووظيفته وموقعه في الصراع ضد المشروع الإمبريالي الأميركي، وضد العدو الصهيوني، وضد كل مشاريع التفتيت والتقسيم والتطييف والالتحاق والارتهان والتبعية.

إن الأزمة اللبنانية غارقة في وحول مستنقعات أهل النظام، وكلما اشتدت يشتد أزر العصبيات الطائفية والمذهبية بشكل متوازي معها، ويتم تفريق الكتلة الشعبية الى فرق متناثرة ومتنابذة، ويجري تحويلها الى قوائم وأرقام طائفية ومذهبية، لأغراض سياسية فئوية ضيقة، بعيداً عن قضاياها وهمومها ومشاكلها الحياتية، وهي الكتلة الفقيرة المفلسة التي بالكاد تؤمّن خبزها اليومي، بينما أرباب النظام في مشهد الإفلاس السياسي والاقتصادي والاجتماعي، هم المتصارعون لا يتعبون، ولا يرتاحون.. والأبطال هم ذاتهم، أو أولادهم أو أحفادهم، اقطاع طائفي، هم الطبقة البرجوازية الحاكمة الفاعلة ذاتها، أما الضحايا فهم الطبقة الكادحة المسلوب كدحها والمغتربة عن فائض قيمة إنتاجها، هم الشعب، شيباً وشباباً وأطفالاً وموظفين وعاطلين عن العمل في حالتي السلم والحرب، وفي فترات المد والجزر بين أطراف السلطة. وبالتالي النتيجة واحدة المزيد من الفقر والبطالة والتهميش والاقصاء والتهجير والهجرة، مقابل المزيد من الهدر والفساد والمحسوبيات للطبقة البرجوازية الحاكمة اللابسة القناع الطائفي، التي استولت بأحزابها ومؤسساتها وتسوياتها على حقوق المواطن، بإسم حقوق الطوائف، ثم عمدت الى تقطيع أوصال الوحدة الوطنية الى طوائف متفرقة بداعي حمايتها، مغلقة جميع المنافذ المؤدية الى طريق الإصلاح والتغيير الديمقراطي.

المشهد اللبناني راهناً، في أعلى سلم الإصطفاف الطائفي والمذهبي، بحيث بات من الصعب التعرف إلى اللبناني خارج هذا الإطار. بعد أن إتفقت البرجوازية اللبنانية على أن تشكل “الطائفية” قاعدة لعلاقة الفرد بالدولة. لكن هشاشة ” الصيغة” وتناقضاتها جعلت منها ولاّدة أزمات أفقية وعمودية، ترجمت بصراعات دورية، كانت البرجوازية تلبسها ثوباً طائفياً أو مذهبياً لطمس جوهر الصراع الطبقي، ولو بتدخل خارجي، لإعادة إنتاج صيغة طائفية جديدة مع إختلاف كمية الحصة لهذا الطرف الطائفي أو ذاك، ومع لازمة لا غالب ولا مغلوب.
ومع كل تسوية، كانت مظاهر الدولة تتراجع لمصلحة تقدم مظاهر دويلات الطوائف، على حساب الانتماء والهوية والوحدة والثقافة الوطنية، ومن “كيس” العمال والكادحين والمزارعين والشباب والنساء والمعلمين والموظفين والحرفيين الذين تحوّلوا من مواطنين إلى رعايا، ومن رعايا إلى رهائن في فيدرالية الطوائف.

لقد أثبتت التجارب الملموسة، أن النظام السياسي- الطائفي لم يكن، ولن يكون يوماً نظاماً للمستقبل وصولاً إلى التجارب التي نعيش فصولها الراهنة، من الحرب ضد الجيش في طرابلس، وعقدة الفراغ الرئاسي، وعقدة التشريع، إلى النأي بالنفس عن معالجة مشاكل الأمن والخبز والفساد والهدر… والانكى أن صبر المواطنين استجابة لخطابات بعض القوى الداعية إلى الإصلاح يكاد ينفذ، لأن اعلان النوايا لم يعد كافياً لتبديد المخاوف من تسوية جديدة ما، تعيد أحياء الميت، أي تعيد انتاج المنتج ذاته، في حال لم تترجم هذه النوايا الى أفعال ذات صلة بالمشروع الوطني الديمقراطي، وفي مقدمتها مسألة الديمقراطية وشقيقتها العلمانية التي تشكل مفتاح عملية إلإصلاح، وقاعدة أساسية لبناء مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات، هي الأساس في بناء دولة وطنية.

ليست العلمانية موضوعاً طارئاً على جدول الأعمال، بل هي مهمة وطنية منذ خمسينيات القرن الماضي، هدفها نقل المواطن الى فضاء دولة المواطنة. وبرغم ما تعرض له مفهوم العلمانية من حملات تشويه سياسية وأيديولوجية ودينية مركزة وحادة، وهي بالمناسبة جزء من عدة شغل النظام السياسي –الطائفي، كاتهام أنصار العلمنة بالعمالة والكفر والالحاد.. لكن العلمانية، في الأمس واليوم وغداً، هي حصيلة مسار تقدم البشرية في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية ضد الموروثات والغيبيات، قاعدتها الحريات الديمقراطية، والتقدم الاجتماعي، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، واتصالها عضوي بالديمقراطية.

في هذا المجال، تشكل الديمقراطية والعلمانية أحد الأسس لإقامة الدولة الوطنية، أي دولة المواطنة في نظام وطني ديمقراطي.

إن نموذج نظامنا السياسي، فريد في قلب الأدوار بحيث فرض الخاصُ (الطائفي) على العام (الدولة) التقاعدَ في تطبيق الدستور والممارسة. نجمت عن هذه الفرادة تَعَطّل وظائف الدولة بحكم السيادة الطائفية الخاصة، التي منعت قيام الدولة الوطنية الديمقراطية أو حتى توفير فرص نجاحها. لذلك، فإن العمل على تكريس قانون ديمقراطي عصري للانتخابات يقوم على أساس النسبية والدائرة الوطنية الواحدة من خارج القيد الطائفي، لن يقوم إلا بفصل الدين عن الدولة ـ واعتماد القانون المدني الموحد الالزامي للأحوال الشخصية. (بديلاً عن نظام الأحوال الشخصية لـ 18 طائفة و15 قضاء مذهبي وروحي وطائفي).

زاويتان أساسيتان في بناء الدولة الوطنية يكملان المسألة الوطنية في السيادة الكاملة والاستقلال، ويحصّنان موقع لبنان ووظيفته في حماية ذلك ضد كل اشكال الاحتلال والتدخل الخارجي على أنواعه .. وبرأينا ، أن هذه المرتكزات النقيضة للمرتكزات القائمة تشكل المضاد الحيوي لمقاومة إلتهابات أمراض الطائفية، وأربابها في النظام السياسي، التي أبقت أبوابنا مشرعة أمام لعبة الأمم المضادة لوحدتنا وديمقراطيتنا وعروبتنا واستقلاليتنا، ولصمود شعبنا وإنتصارات مقاومته التاريخية التي تغنى بها كل أحرار العالم.

ما العمل؟ سؤال علينا، دائماً، البحث عن حلول له في قلب المعركة الوطنية والاجتماعية.

لقد طرحنا في مؤتمرات المبادرة الوطنية للانقاذ وإعادة التأسيس، مسألة توليد مجلس تأسيسي جديد يقوم على هذا المرتكزات المذكورة.. دون أن نغفل أن توجيه الضرب نحو الرأس الامبريالي والقلب الصهيوني هو الأساس، ونكون أقوى وأفعل في ظل دولة وطنية ديمقراطية علمانية مقاومة.

يريدون قتل الحلم.. لكن حلم التحرير والتغيير لن يموت، لأن الفكر لا يموت.

سمير دياب

عن سمير دياب

كاتب واعلامي، عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>