الرئيسية / العدد 11 / “الديموقراطية المدنية” بديلاً لـ “الديمقراطية العلمانية”

“الديموقراطية المدنية” بديلاً لـ “الديمقراطية العلمانية”

Print pagePDF pageEmail page

wael_ladiki

ملاحظة استهلالية: بتاريخ 28 تشرين الأول 2014 توجهت لمتابعة ندوة حول “أزمة الحزب الشيوعي اللبناني” في إحدى قاعات مبنى قصر الأونيسكو ببيروت. وعند المدخل صادفت الأمين العام للحزب الشيوعي، د. خالد حداده، فبادرني بالقول: “إنت عم تخوفنا”، في إشارة إلى مداخلتي في اليوم السابق في إطار ندوة، انعقدت في المبنى عينه، حول “الدولة الديموقراطية العلمانية: قوانين أساسية”. فسألته: “ما الذي أخافك: الصوت أم ما وراء الصوت؟” فكان جوابه: “أكيد مش الصوت”. فأتى قولي: “لا بأس”.

وعلى الرغم من احتمال الدلالة السلبية لتعليق الأمين العام فقد كنت مسرورًا بسماع ما قال. إذ أدركت أن الرسالة قد تمّ التقاطها من “القيادة”. والرسالة هي، بوضوح صريح، تتعلق بأمر محدد: مسؤولية الحزب عن صياغة شعارات “مغامرة” لا حظ لها بالنفاذ حتى في المستقبل المقدر (وليس فقط المرئي) (لا شرط تاريخيًا، لا حامل أكيدًا، ولا فاعل ملموسًا في المدى المنظور). يعني ذلك أن الحزب الشيوعي، وهو يقوم بدوره المطلوب المتمثل بعدم الإنحناء أمام ترسخ النظام الجماعاتي/الطائفي، عليه، مع ذلك، أن يطرح شعارات ومطالب يتوفر فيها شرطان: الأول، أن تشكل “تجاوزًا” لوضع مترسخ ومعوِّق (التخندق في انتماءات عمودية تبدو صلبة وعصية راهنًا) من جهة أولى، والثاني، أن يحدد الحزب بوضوح كامل الحامل الاجتماعي لهذا المطلب او الشعار في وضع طبقي شديد التعقيد والتداخل (بسبب الميوعة في المواقع الاجتماعية/المهنية وبسبب السيولة الاجتماعية المرهونة غالبًا للعمل في الخارج او للتحويلات التي يوفرها هذا العمل، وأخيرًا، وليس آخرًا، بسبب التشويه الذي يطال، بقوة، تركيب الطبقة العاملة في لبنان) وأن يتحقق من جاهزية الفاعل الاجتماعي (الحزب الشيوعي، المنظمات المدنية، النقابات، المنظمات الشبابية والنسائية، بالإضافة إلى المنظمات المهنية، الخ). ما عدا ذلك يتحول طرح شعار بهذه الأهمية (يمكنه أن يشكل خرقًا هامًا في بنية النظام الحالي الحقوقية والسياسية على السواء ويسمح كذلك ببعض الخروقات الطبقية) إلى مجرد تسجيل موقف ليس إلاّ.

السياق الذي يطرح فيه شعار “الدولة الديموقراطية العلمانية”: في ضؤ هذه المقاييس والمؤشرات المركبة كيف يمكن تبرير طرح شعار: نحو دولة ديموقراطية علمانية: قوانين اساسية؟ وبغض النظر عن التناقض الصريح بين مكوّني الشعار (القوانين الأساسية المقصودة من جهة والدولة الديموقراطية-العلمانية من جهة ثانية) فإن ما تطرحه القوانين المقصودة، المعلن منها والمضمر، حتى في حال إقرارها وتطبيقها، لا ينطوي بالضرورة، على “علمانية” النظام السياسي والدولة!!

في مطلق الأحوال، من المهم أن نبدأ من حيث يقترح فلاديمير إيليتش لينين: التحليل الملموس للوضع الملموس، وأن نتفحص ما يضمره عنوان الندوة في ضوء تقديم مدير الندوة للموضوع توضيحًا وتفصيلاً. فمن خلال ذلك يمكن أن نتأكد من مدى مشروعية هذا الشعار في الظرف اللبناني الراهن وفي المدى الأبعد.

تعدّل تركيب النظام السياسي الطائفي في لبنان

كيف استقر النظام السياسي، ومعه بناء الدولة، في لبنان منذ ما قبل الحروب المبتدئة في العام 1975؟

  • من نظام “الهيمنة الطائفية” وما يعتبره نقطة انطلاق في فهم “الحقيقة” اللبنانية السياسية، أي هيمنة “طائفة” أو التحالف السائد (سياسيًا و/أو طبقيًا) ضمنها على باقي “الطوائف”.
  • إلى نظام “التوافق الطائفي” الذي اعتبر أن النظام السياسي اللبناني هو نظام توافقي لأنه يقوم على الإعتراف بالأختلاف (الديني/الطائفي/المذهبي) قاعدة لصياغة “ميثاقية” تشكل مرتكز “العيش المشترك” والنظام السياسي.
  • إلى اتفاق الطائف الذي حوّل الطوائف إلى مكوّنات صلبة في نظام سياسي هو نفسه متصلب وغير قابل للتعديل إلاّ في سياق إكراهي (تعدّل جذريًا مرتين في سياق العنف الدموي : في 1958 وفي 1990).

هذا الإنتقال بالنظام السياسي اللبناني إلى صيغته الحالية التي تتميّز بهيمنة إمبريالية الطوائف الكبرى على القرار السياسي والقرار الإقتصادي والإجتماعي للدولة (الهيمنة التي يعبر عنها “حق الفيتو” الحصري بالطوائف الكبرى) يجد ترجمته الإجتماعية/السياسية في تحوّل الطوائف “الكبرى” إلى “كيانات جمعية متعضية” (Entités communitaires/Communitarian entities) إيديولوجيًا إلى حدٍّ كبير (إنتاج هويات منغلقة بالأخص، تملك كل منها قراءتها الخاصة للبنان وتشكّله تاريخيًا وسياسيًا) ومجاليًا وحتى اقتصاديًا (بحدود ما تسمح به موارد كل كيان جمعي وبقدر ما يتمكن من نهب الموارد العمومية أو، في أقل الإحتمالات، وضع اليد عليها)[1].

لكن انتقال النظام السياسي الطائفي من “الهيمنة إلى “التوافق” وأخيرًا (وليس آخرًا!!) إلى الصلابة الكيانية للطوائف “الكبرى”، والإسلامية منها بالأخص[2]، صاحبه نقل لمركز الثقل في القرار السياسي من الآليات الدستورية والمؤسسية الداخلية إلى “الضامن الإقليمي” لإتفاق الطائف، أي النظام السوري. وهكذا، لم يعد بناء الدولة أو تعديله أو تعديل النظام السياسي الذي يتحكم بآداء الدولة، مهمة مطروحة على جدول أعمال القوى المحلية، حتى القوى التغييرية، إلا بصفتها شعارًا مبدئيًا يتكرر بدون أي أفق واقعي للتحقق.

بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في العام 2005، انتقلت الوصاية السياسية، والأمنية في حدود معينة، إلى قوى إقليمية استدعتها، من جهة أولى، استراتيجياتها الإقليمية المتعارضة (“المستقبل” وتبعيته الإقليمية للسعودية، وحزب الله وعلاقته العضوية المركبة مع جمهورية أيران الإسلامية، الخ.)، ومن جهة ثانية، تكريس موازين القوى “الكيانية” لقوى محلية رئيسة ضمن النظام السياسي اللبناني المكتسب صلابة إضافية بعد أن أصبحت الحياة السياسية في لبنان محكومة بتوازن بين الكيانات الطوائفية الصلبة في غياب الضابط السوري.

تعدّل تركيب الرأسمالية اللبنانية

رافق هذا التغيير في النظام السياسي والحياة السياسية تعديل كبير (وهو جذري في بعض الأنشطة الرأسمالية غير المنتجة) في تركيب الرأسمالية اللبنانية. وهو تغيير استوى على صعيدين رئيسين بالأخص: صعيد المصدر الاجتماعي (الطبقي)-الطائفي لشريحة رأسمالية مستجدة آتية من خارج المصادر التقليدية التاريخية للرأسمالية اللبنانية من جهة، وصعيد المصالح التي تحملها هذه الرأسمالية الوافدة إلى حضن الرأسمالية اللبنانية من جهة أخرى.

فعلى صعيد المصدر، كان للثروات التي تكوّنت بصورة غير شرعية (استيلاء قسري على أملاك خاصة وعامة كما على مقتنيات وأرث (patrimoine) عشرات الآلاف من اللبنانيين المقتلعين والمهجّرين في سياق الحروب المختلفة، جباية “الضرائب والمكوس والرسوم” من قبل مليشيات وأحزاب، الاتجار بالممنوعات، تصريف العملة المزورة وتبييض العملات الناتجة عن نشاطات غير قانونية في مسالك مالية واقتصادية قانونية، الاستيلاء على المال العام عبر آليات تعويضية لا تخضع، فعليًا، للرقابة، الخ. هذه الثروات التي تكوّنت من خلال آليات تحاكي “التراكم الأولي” (ماركس) في بعض وجوهها، بالإضافة إلى تلك التي تكوّنت من خلال عائد السمسرة الإقليمية والمقاولات في بلدان الخليج العربي بالأخص، آلت إلى تكوين شرائح من “الرأسماليين الجدد” الذين احتموا بشراكتهم لممثلي النظام السوري، الذين تعهدوا حمايتهم من جهة أولى كما أحتموا، من جهة ثانية، بالوعاء الطائفي أو المذهبي الذي أضفى مزيدًا من الفعالية على هذه الحماية.

أما المصالح التي حملها هؤلاء الرأسماليون الجدد فهي تنتمي إلى عالم النشاط الريعي (التملك العقاري عبر وضع اليد والمصادرة بقوة “القانون” -مثال السوليدير- واستثمار الإحتلالات الموّلدة لتعويضات هائلة دفعت أساسًا من المال العام) والسمسرة بالإضافة إلى تسيّيل الأموال والتوسع المصرفي. في ذلك كله لعب هؤلاء “الرأسماليون الجدد” دورًا حاسمًا في الإنعطاف الحاسم للرأسمالية اللبنانية نحو الأنشطة غير المنتجة، بحيث أنتهت حصة الصناعة والزراعة إلى حوالي 20% بعد أن كانت قد بلغت 30% عشية ابتداء الحروب في عام 1975. وتركيب الرأسمال الريعي والمالي هذا، بقديمه وبالأخص بجديده، والمصالح التي يمثّلها، آل إلى تعظيم الأثر الخارجي في تحديد طبيعة النظام السياسي اللبناني. وقد عزز هذا التركيب الريعي للإقتصاد اللبناني الحجم الكبير لتحويلات العاملين اللبنانيين في الخارج والتي تكاد تشكل حوالي خمس مجموع الدخل الوطني الإجمالي السنوي (ما بين سبعة وثمانية مليار دولار أميركي سنويًا) والموظفة، أساسًا، في العقار والمصرف.

وهكذا، فإنّ الرأسمال هذا، في صعيدي المصدر والمصالح على السواء، لا يمكن اعتباره حاملاً لمشروع “الدولة الديموقراطية العلمانية” طالما أن القوى التي يمثلها، خارجيًا ومحليًا، تجد في “الديموقراطية والعلمانية” كابحًا لتوسع هذا الرأسمال. ويتمثل هذا الكابح أساسًا بالقيود السياسية والرقابية التي تستدعيها الديموقراطية من جهة أولى، وبمواجهة الدّين التي تفترضها “العلمنة”. فلماذا يخاطر إذًا بموقعه السائد اقتصاديًا مقابل كوابح تهدد ربحيته و “حرية” آدائه خارج القيود والرقابة؟

تعدّل تركيب الطبقة العاملة والأجراء عامة

إلى ذلك، فإنّ هذا الرأسمال بالأخص أرسى حدًا من التشويه في البناء الطبقي اللبناني لا سابق له. فهو أعاد، مع الحروب المتتالية منذ 1975 ونتائجها (التهجير والهجرة القسرية، إقتلاع عشرات الألاف من اللبنانيين والاستيلاء على ثروة المقتلعين وإرثهم، إعادة التوزيع الديموغرافي مجاليًا، التدمير المنهجي المتصل وشبه الشامل للعمران، تدمير مواقع الإنتاج والعمل، الخ) أنتاج بنية نموذجية بتشوّهها: رأسمالية مدجّنة تحت سقف الهيمنة السورية ونظام الطائف، حيث تحتل شرائحها الوافدة لعالم الرأسمال مواقعها انطلاقًأ من أكثر المداخل عنفًا وتسلطًا. شرائح متوسّطة تتعلّم كي تهاجر فترسل تحويلاتها إلى لبنان كي تغتني بالمضاربة العقارية والنشاط الريعي. طبقة عاملة تضمر وتحل محلها بكثافة، في مواقع العمل الصناعي والحرفي، كما في البناء والإنشاءات والزراعة، قوة عمل عربية أو أجنبية تعمل بأدنى الأجور وبغياب الضمانات سعيًا وراء تحصيل ما تيسر من الدخل كي تحوّله إلى حيث انطلقت أصلاً. وهكذا، قام هذا الرأسمال بتكوين فائض ضخم عاطل عن العمل، من قوة العمل البسيطة أو شبه المؤهلة، بفعل المنافسة غير المتكافئة التي خلقها ضمن شرائح الطبقة العاملة المكّونة من لبنانيين وغير لبنانيين، بحيث “ضبط” تحركها في أدنى المستويات كما جعل من تحركها كفاعل سياسي ضد النظام القائم في موقع جدّ متدن.

وإلى هؤلاء ثمة شرائح أجراء يعمل أغلبها في نشاطات خدمية وتجارية حيث لا ضمانات ولا فرص تدرّج مهنية مع أجر يتمثل أغلبه بالحد الأدنى أو ما يدانيه. وقوة عمل نسائية في مواقع العمل الأقل استجابة لإلزامات قانون العمل ولنظام الضمان الاجتماعي[3]. كما أنّ العمل “المؤقت” والذي يتصف بالسعي الحثيث لمقابل نقدي بدون أي أفق مهني أو ثبات ضمن علاقة الأجر (كل أنواع النشاط الملحق بالخدمات الشخصية: تأمين مواقف السيارات، إيصال الطعام إلى منزل أو مكان عمل طالبيه، الأمن الخاص، الخ.).

تعدّل تركيب الشرائح الوسطى

حتى “الشرائح المتوسطة” العاملة بأجر، والتي تتصف بتأهيل علمي/مهني متوسط أو عالي، لا تبدي علامات واضحة ومحددة على جهد هادف لتغيير النظام السياسي الحالي بآخر ديموقراطي/علماني. إذ تندرج هذه الفئات في سعي حثيث لتعزيز وضعها الطبقي وتركيزه عبر التملّك والتقوقع المجالي سكنيًا مع استعداد للإندراج سياسيًا في الإنقسام السياسي-الطائفي-المذهبي المسيطر. وهذا وضع يشاهد بوضوح ضمن الشرائح المتوسطة المنتمية للمهن المقوننة ممارستها والخاضعة لإلزامات الجسم المهني المنتمية إليه، أو ما يسمى “المهن الحرة”. إذ يكفي إلقاء نظرة، ولو سريعة، على نتائج الإنتخابات المهنية التي تنتمي إليها هذه الشرائح (الأطباء، المهندسون، المحامون، الصيادلة، الخ. ومعهم أساتذة الجامعة اللبنانية) حتى “نكتشف” كيف تندرج “الطبقة الوسطى الحديثة” في منطق الطوائف وانقساماتها وكيف تستخدم خطاب هذه الطوائف ورمزياتها كي تتخندق في مواقع لا يقررها موقعها المهني ولا “توقها” المفترض إلى لبنان ديموقراطي-علماني.

فاي من هذه الطبقات والشرائح الاجتماعية يمكنه أن يشكل، في اللحظة التاريخية الراهنة، حاملاً للدولة الديموقراطية العلمانية موضوعيًا؟

من الواضح أن ليس ثمة حاملاً اجتماعيًا صريحًا للنهوض بمهمة تغيير النظام السياسي الحالي ضمن شرائح الأجَراء، سواء أكانوا عمالاً أو أجَراء مماثلين لهم وضعًا وشرطًا، أو ضمن الفئات المتوسطة سواء كانت أجيرة أم لا. كما أن شرط توحد هذه الطبقات والفئات، أو بعضها، لتحقيق التغيير السياسي لا يسعفه النظام السياسي-الإقتصادي السائد والتفتيتي الوجهة. ومن المؤكد أن ليس ثمة ما يفاجيء في هذه النتيجة في ضؤ ما تقدم. ومع ذلك فتغيير النظام السياسي اللبناني الحالي بآخر مبني على شرط المواطنة، يبدو، تاريخيا، ضرورة ملحّة. فلبنان المجتمع والدولة كان قد قطع شوطًا كبيرًا في سياق “التفتت والتفتيت” منذ ثمانينات القرن المنصرم، أي قبل انهيار كيان “الدولة-الأمة” أو “الدولة الوطنية” في العديد من البلدان العربية. فكيف الأمر وقد أصبح التفتيت شاملاً وعامًأ؟

يبقى السؤال عن الفاعل الاجتماعي.

لا زال الحديث عن تغيير النظام السياسي اللبناني، بما يسمح ببناء” دولة ديموقراطية علمانية”، ينطلق من مسلمة سابقة على التعديلات التي أتى بها نظام الطائف على بنية الدولة في لبنان. فهذا الحديث يتّكىء ضمنًا على مقولة الدولة – الأمة، حيث تشكّل هذه الأخيرة كيانًا سياديًا، وحقل انتماء وطني، وساحة للصراع الطبقي، وإطارًا “للإصلاح” السياسي والإقتصادي والاجتماعي. في حين أن مؤدّى التحليل الذي سبق يفيد أن لبنان الطائف، بالأخص، هو عكس ذلك تمامًأ. من هنا أهمية تعديل النظر إلى طبيعة التغيير السياسي – الحقوقي للنظام اللبناني بالإضافة إلى ضرورة تعيين الفاعل الذي يمكنه أن يقوم بهذه المهمة.

وهكذا، فإنّ الرهان على هذا الفاعل مفتوح على شعار يمكنه أن يخرق حدود الصلابة الكيانية-الجمعية ويضعف آثار التدخل الإقليمي ويعبّىء أكثر من حامل اجتماعي وفاعل “مدني”. إنّه شعار الدولة الديموقراطية – المدنية العابر للطبقات والشرائح الأجتماعية-المهنية والذي يجمع حوله عدة فاعلين اجتماعيين: منظمات شبابية ونسائية، نقابات، منظمات مهنية، منظمات غير حكومية، أحزاب سياسية، الخ.

إنّ تغيير النظام السياسي في لبنان، في سياق إقليمي متداخل ومُحَدِّد، في مدى معين، عبر قوى محلية رئيسة، ليس مهمة من النوع الذي يمكن تصوّره بدون مسؤولية استثنائية. إنّ المغامرة سياسيًا مقبولة لكن ضمن حسابات لا تبغي الفشل مسبقًا، وإلاّ تصبح خارج المسؤولية لأنّها يمكن أن ترضي الذات بدون أن تقدم مخرجًا من أزمة كيانية. وبهذا المعنى، فإنّ تعيين الشعار لا يمكن أن يتمّ، نظريًا و/أو سياسيًأ، خارج الإمكان التاريخي، أي خارج حركة القوى الاجتماعية/السياسية اللبنانية الراغبة بالتغيير والعاملة عليه (الكتلة التاريخية/غرامشي). وهذه حركة لها تاريخ. وهو منغرس في ممارسة لا يختص بها فقط الحزب الشيوعي. بل هي تشمل، بالإضافة إليه، حركات شبابية ونسائية، ومنظمات مهنية ونقابية، وجماعات يصعب تحديدها اجتماعيًا لكنها تنتظم سياسيًا في منظمات غير حكومية، أو في تجمعات وأطر مختلفة. وإلى هؤلاء جميعًا ثمة أطراف سياسية، يسارية وعلمانية، تسعى للهدف نفسه. في سياق كهذا، يصعب التصوّر أنّ التعديل المطلوب على البنية المؤسسية والقانونية للنظام “الطائفي” القائم هي مهمة حامل اجتماعي بعينه أو مرهونة بفعالية فاعل اجتماعي دون غيره. على العكس من ذلك، فإنّ أي تغيير تشكل القوى الإجتماعية الحاملة له فاعلاً مركبًا يمكنه أن يعبيء ويحرك ويحرض قوى اجتماعية/سياسية أوسع بحيث يجعل من مهمة الوصول إلى دولة ديموقراطية مدنية عملية ممكنة، تمامًا كما هو الحال الحاصل راهنًا في تونس دون أن تكون “العلمنة” شرطًا مسبقًا مستفزًا لقوى إقليمية ومحلية، تستخدم الفعالية الاستثنائية للدين (الإسلام تحديدًا) كي تحبط كل عملية تغيير. وبالأخص في سياق انهيار كيان الدولة-الأمة (أو الدولة الوطنيةÉtat-nation/Nation-state ) في العديد من البلدان العربية (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا) ومعه تصدّع فكرة القومية العربية، بصفتها إيديولوجيا ما فوق وطنية شكلت في القرن المنصرم الرابطة السياسية الأهم ومنبع العديد من المحاولات الهادفة لمواجهة أسرائيل ومقاومة الأمبريالية. كذلك، فإنّ الوضع الإنحساري الراهن لليسار في لبنان والعالم العربي نظريًا وسياسيًا وجماهيريًا، يجعل التغيير الجذري غير وارد الاحتمال راهنًا.

دولة مدنية ديموقراطية مقابل دولة ديموقراطية علمانية

وعليه، فإنّ القوى الدافعة للتغيير في النظام السياسي اللبناني لا بدّ أن تكون متسعة، متعددة المشارب الإيديولوجية (ليبرالية، اشتراكية – وسطية، ماركسية) والتطلعات السياسية، ولكنها تتفق على ضرورة تعديل رئيس في بنية هذا النظام وأدائه. ولا يستصغرنّ أحد الأهمية التاريخية لإمكانية الإنتقال إلى نظام سياسي مدني. إذ يكفي التنويه بالأفق الذي يمكن أن يفتحه هذا الإنتقال الصعب: توحيد الوضع المدني لكافة المواطنين دون المرور بالحاجز الطائفي/المذهبي وبالكيفية التي ينعكس فيها ذلك على اللبنانيين بصفتهم مواطنين (وليس رعايا) عائليًا، اقتصاديًا (الأرث/التوريث)، سياسيًا وحقوقيًا. وبمعنى آخر، المهمّة صعبة إلاّ أنّها شرط ضروري لإنجاز “الدولة/الأمة” في ظرف لبنان الخاص، إذا كان ذلك لا زال ممكنًا. ويبدو لي أن هذا الاحتمال هو مدخل هام، على الرغم من أنه ليس ضروريًا بالمعنى التاريخي، لتشكيل “هوية” وطنية لبنانية ما فوق طائفية أو جماعاتية.

[1]- حول هذا الموضوع يمكن مراجعة عملي حول الدولة في لبنان في كتاب:” إشكالية الدولة والمواطنة والتنمية في لبنان”، من منشورات دار الفارابي 2009.

[2]- بما في ذلك الطائفة الدرزية.

[3]- أصبح من الصعب على المرأة المتزوجة، سواء أكانت أمًأ أم لا، أن تجد عملاً في القطاع الخاص بسبب التعديل على قانون العمل الذي منحها إجازة أمومة مدفوعة الأجر من قبل رب العمل، وليس من فرع ضمان الأمومة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي!

جاك أ قبانجي

عن جاك ا. قبانجي

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>