الرئيسية / العدد 11 / مسؤولية النموذج الإقتصادي اللبناني عن اقتلاع شعب لبنان من أرضه

مسؤولية النموذج الإقتصادي اللبناني عن اقتلاع شعب لبنان من أرضه

Print pagePDF pageEmail page

 tarik05

قد يكون من الصعب أن نجد تجربة إقتصادية مكلفة لجهة تهجير شعب من أرضه، بمقدار كلفة التجربة اللبنانية. سوف أركّز على عنصر اقتلاع اللبنانيين من أرضهم الذي تسبّبت به التجربة الإقتصادية اللبنانية، ومن ثم أعود إلى البدائل إذا أمكن.

- بدأت عملية اقتلاع اللبنانيين من أرضهم أيام المتصرفية. عبّرت أكثر من مرّة عن استغرابي للتقريظ الذي حظيت به هذه التجربة، في حين أنها كانت منطلق تجربة طويلة أصبح عمرها 150 عاماً، عنوانها الفشل الإقتصادي الذريع، الذي ينعكس اقتلاعاً لهذا الشعب من أرضه. خلال 13 سنة فقط من عمر المتصرفية، أي بين 1900 و 1913، هاجر 100 ألف من الـ 422 ألف الذين كانوا يشكلون سكان المتصرفية. لماذا حصل ذلك؟ لأن لبنان-المتصرفية شكّل نموذجاً لكيفية ربط أقاليم السلطنة العثمانية بحاجات الصناعات الأوروبة، كإقتصاد تابع منتج للمواد الأولية الزراعية المعدّة للتصدير. تخصّص لبنان بإنتاج خيوط الحرير الطبيعي. وعلى مدى ¾ القرن (1840-1915)، كان 75 % من سكانه يعملون في هذا القطاع الذي كان 100 % من إنتاجه يذهب إلى مصانع ليون عام 1913. كان ضعف المداخيل المترتب على هذا النشاط الإنتاجي، وانفتاح أبواب الهجرة إلى الأميركتين، وراء هذه التجربة الأولى في اقتلاع اللبنانيين من أرضهم.

- عام 1913، عكس الأب جوزيف ديلور اليسوعي بفزع حالة إفراغ الريف من أهله التي كانت تتم بفعل الهجرة. وحين أتى الحصار المجرم للشواطئ الذي قام به الحلفاء في مناسبة الحرب العالمية الأولى، مضافاً إليه إجرام الإدارة العثمانية المحلية في قطع سبل التموين عن السفوح الغربية لجبل لبنان، كان ثمة اقتصاد متخصّص لا يلحظ إنتاج سلع تموينية. وقد أضعفته إلى حد كبير هجرة شبابه. هنا حصلت النكبة الديمغرافية الثانية. وقد مات 41 % من سكان المتصرفية وولاية بيروت خلال سنوات الحرب.

- يقول المؤرّخ الإقتصادي الكبير روجر أوين، أن السلطات الإنتدابية لم تكن تقبل بأي شكل من الأشكال أن تنفق قرشاً واحداً بما يتجاوز المداخيل الضريبية الشحيحة. وقد كان نموذج الدولة الليبرالية، التي تلتزم بتوازن الموازنة وعدم تدخّل الدولة في الإقتصاد، أي عدم تحمّل مسؤولية أي نوع من الإستثمار الحكومي، كان هذا النموذج سبباً في استمرار الهجرة بوتائر مشابهة لما سبق.

- بعد الإستقلال، وعلى مدى نحو عقدين (1943-1962)، إلتزمت دولة الإستقلال بتطبيق مبدأ تحقيق فائض في الموازنات السنوية للدولة. كانت تضيف عاماً بعد عام الفائض السنوي المتحقّق إلى الإحتياطي المتراكم لديها. كان الإنفاق العام لدولة حصلت حديثاً على استقلالها، ضعيفاً إلى درجة أن 3 مشاريع فقط، هي بناء مطار بيروت، وتوسيع المرفأ وشبكة تلفون بيروت وضواحيها، استحوذت على 60 % من الإنفاق العام بين عامي 1945 و 1954 (داغر، 2012: 154).

- وحين جاء فؤاد شهاب إلى الحكم، أمضى النصف الأول من عهده في تطبيق قاعدة تحقيق فوائض في الموازنات السنوية، أي طبّق قاعدة عدم تحمّل الدولة أية مسؤولية تنموية. لم يتغيّر الأمر إلا بعد انقلاب القوميين. وخلال سنتين فقط، أنفقت الدولة كل ما كان موجوداً في الإحتياطي المتراكم الذي موّلت به تنفيذ القوانين-البرامج التي أعدتها الإدارة الشهابية. ربما كان أسوء تلك البرامج، ذلك الذي توخّى ربط القرى المعزولة بشبكة الطرق العامة وبالساحل. كان عدد هذه القرى 600 من أصل 1600 قرية وبلدة هي مجموع الوحدات السكنية في لبنان آنذاك (المصدر نفسه: 147).

قبل أن ينتهي عقد الستينيات، كان قد تم ربط كل القرى المعزولة بالساحل. أتاح هذا “الإنجاز التنموي” إفراغ ريف لبنان من أهله خلال عقد واحد من الزمن. عام 1970 أجرت مديرية الإحصاء المركزي مسحاً سكانياً تبيّن بنتيجته أن “الهجرة الداخلية”، أي ترك المواطنين لأرضهم إلى المدينة، طال 689 ألف شخص، وهم يمثلون ثلث الشعب اللبناني الذي كان تعداده آنذام 2.25 مليون شخص. وفي الأرقام التي أوردها سليم نصر، أن الهجرة من الريف كانت عام 1975 قد طاولت 65 % من أبناء الجنوب و50 % من أبناء البقاع و 40 % من أبناء ريف لبنان ككل ( المصدر نفسه: 129).

إلتزم اللبنانيون وأهل الريف بما قاله لهم ميشال شيحا في مطلع الخمسينيات. قال لهم: ماذا تفعلون في قراكم الضائعة هذه؟ ينبغي أن تتركوا أرضكم وتتخصّصوا في العمليات المالية الدولية. أي تتركون معاولكم ومحاريثكم وتتحوّلون بين ليلة وضحاها إلى خبراء ماليين دوليين. فالثروة “يجسدها رجال مبدعون (…) يعالجون بدون كلل قضايا إقتصادية ومالية ذات طابع دولي” ( المصدر نفسه: 154). وقد تركوا أرضهم وهاجروا إلى استراليا وكندا إلى غير رجعة. لم يكن ممكناً أن يُكرّر كلام كهذا على صفحات الجرائد على مدى سنوات لولا الدلع الذي دلّعته دولة الإنتداب لهذا النوع من الناس، ولأنه لم ينبرِ زعيم واحد من زعماء الريف لإسكات صاحبه.

- هناك رقمان يكفيان للإستدلال على كيفية تعاطي هذه الدولة التافهة مع شعبها. رصدت الخطة الخمسية الأولى التي أُنجِزت في 1958، 4 % من الإنفاق الذي اقترحته للريف الذي كان يحتوي على نصف القوى العاملة اللبنانية آنذاك. والرقم ذاته، أي 4 % هو حصة الإنفاق المخصّصة للريف الواردة في الخطة الخمسية الثانية (1965-1969) التي أعدها عهد حلو. كانت حصة الريف 4 % من الـ 30 % التي أُنفقت فعلاً من المبالغ المدرجة في الخطة، أي لا شيء (المصدر نفسه: 148).

- إستعدتُ خلال الشتاء الماضي، في نص نُشِر تحت عنوان “التهيئة للحرب الأهلية”، تجربة السنوات التي سبقت مباشرة الحرب الأهلية عام 1975(داغر، 2014). أستلّ منه نقطة واحدة تتناول مستوى التضخم أو ارتفاع الأسعار خلال النصف الأول من السبعينيات وعملية تصحيح الأجور التي حصلت آنذاك. خلال 1973 وحده، إرتفعت أسعار المواد الغذائية بين 30 % و 100 %، وأسعار مواد البناء بنسبة 50 %. وخلال 1974، كان ارتفاع الأسعار بنسبة 36 % وارتفاع أسعار السلع الغذائية الأساسية بين 100 % و 200 %. جرى على مدى الحقبة تصحيحان للأجور، الأول بنسبة 5 % حصل عليه العاملون في القطاع الخاص عام 1972 و العاملون في القطاع العام بعد عام من ذلك التاريخ. أما التصحيح الثاني فكان بنسبة 10 % ، وتقرر إعطاؤه في مطلع 1975.

- في جو الإحتقان الإجتماعي هذا، وجدت أميركا أن من مصلحتها دفع البلاد إلى أتون الحرب الأهلية. لم يكفِ اللبنانيين ما أصابهم على يد نظامهم على مدى حقبة الإستقلال. كان ينبغي أن يتحمّلوا أيضاً كلفة حرب أهلية دامت 15 عاماً، وكان يمكن أن تطول إلى ما لا نهاية، من دون أن تجد الأطراف الخارجية التي أشعلتها، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أي حرج أو أسباباً كافية لوقفها. إنتزعت حرب لبنان 990 ألفاً من شعبه، ورمت بهم في المغتربات وإلى غير رجعة. وهم مثّلوا لو اعتمدنا تعداد السكان لعام 1987، الذي حققه روبير كسباريان في مناسبة دراسته عن المهجّرين، وهو 3-3.5 مليون، نحو 30 % من شعب لبنان.

- لقد كانت تجربة ما بعد الحرب في ظل النظام السياسي ذاته الذي أُعيد إنتاجه، بمستوى سوء حقبة الحرب لجهة تهجير اللبنانيين. عام 2001، أجرى “المرقب للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية” في الجامعة اليسوعية، بإشراف روبير كسباريان وزوجته، إستقصاءً عن السكان في مناسبة إعداد دراسة عن هجرة الشباب. أعادوا التجربة ذاتها عام 2007. وأمكن إصدار كتاب بجزئين حول الموضوع صدر عام 2009. وفقاً لهذا المصدر هاجر بين 1992 و 2007، أي خلال 15 عاماً فقط، 466 ألف شاب وفتاة، من الفئة العمرية بين 20 و 35 عاماً. لو أخذنا عدد السكان وهو 4 ملايين أو أكثر قليلاً، ونسبة الناشطين المعتمدة، لكان عدد هؤلاء 1.5 مليون، ذهب ثلثهم إلى المهاجر خلال 15 عاماً فقط.

- وبعد، خذوا مطلق لبناني واسألوه عن أولاده. لا تقتصر الهجرة على فرد من العائلة أو واحد من الأولاد. تطال أكثر من واحد، وقد تشمل كل شباب العائلة. لا يزال هناك لبنانيون في لبنان، سبب بقائهم فيه تعليم أولادهم. وحين يشب هؤلاء عن الطوق، يختفون في المهاجر. هذا سبب واحد وجيه لكي نستعجل في تغيير هذا النموذج اللبناني، لتسبّبه باقتلاع شعبنا من جذوره.

البر داغر

******

المراجع

- ألبر داغر، أزمة بناء الدولة في لبنان، دار الطليعة، 2012، 224 صفحة.

- ألبر داغر، “التهيئة للحرب الأهلية (1975­- 1990)”، الأخبار، 6 و 8 أيار، 2014.

عن البر داغر

باحث اقتصادي. استاذ في الجامعة اللبنانية.

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>