الرئيسية / العدد 11 / بين أزمة الشيوعية والحزبية واللبنانية

بين أزمة الشيوعية والحزبية واللبنانية

Print pagePDF pageEmail page

 tarik04

أعتبر نفسي شيوعياً أو إشتراكياً أو يسارياً أو ماركسياً كما تريدون منذ 45-46 سنة (أي نصف عمر الحزب) وأنا مستمر على هذا الدرب. لم أنتسب يوماً إلى الحزب الشيوعي اللبناني ولكن أعتبر نفسي من أصدقائه حسب التعبير اللطيف لأحدهم. غبت عن البلد خلال العقد الأخير عاملاً في الإعلام في أميركا الجنوبية، ولم أعد إلا قبل سنة. لذلك أجهل كواليس أزمة الحزب، على الأقل منذ عقد. بالرغم من هذا وذاك، أي غيابي وجهلي، أتجرأ وأتمنى أن أنجح في إيصال بعض الأسئلة أو الإشكالات المفيدة…

دعونا نفترض أن أزمة الحزب الشيوعي اللبناني نتاج أو تجسيد لأزمة الشيوعية ولأزمة الحزبية ولأزمة اللبنانية إذا صح التعبير… ودعوني أحاول مناقشة كل أزمة على حدة بسرعة، وربما تجدون في تركيب الصورة الإجمالية أضواء تساعد على إدراك مبتغانا المشترك….

- أولاً، أزمة الشيوعية

الشيوعية التي عرفنا في القرن العشرين تعيش الآن حالة موت سريري منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي. كيف إنهار الإتحاد السوفياتي؟ ليس موضوعنا الليلة… هناك دول تحكمها أحزاب تقول عن نفسها أنها شيوعية… التسمية الحزبية أتت في نهاية العشرينات بقرار روسي لتأسيس أمميته. في الواقع المحَقّق، بعد عقد ونصف، ستتحول الصين إلى أول ناتج قومي عالمي وأكبر إقتصاد سوق رأسمالي عرفته الإنسانية وبنظام الحزب الواحد. فيتنام واللاوس، أيضاً رأسمالية السوق وحزب واحد بس على صغير…كوبا، حزب واحد وإقتصاد أقرب إلى رأسمالية الدولة ولكنه في العناية الفائقة، ويستمر بمساعدة فنزويلا والبرازيل والسياحة وتحويلات الكوبيين من الولايات المتحدة وتحويلات الأطباء الكوبيين في البعثات في الخارج…. أصلاً، لننتهي من قصة الشيوعية المحقّقة، إنها مستحيلة في بلد واحد… أيّاً يكن، لم يعد من الممكن تصورها اليوم إلا على المستوى العالمي وإلا بعد إنهيار مفاجىء وغير قابل للإصلاح للنظام الرأسمالي. إن لم تكن الشيوعية، فالإشتراكية إذن؟ نسأل. أين الإشتراكية؟ أية دولة نُجمِع اليوم، نحن المجتمعين هنا بأنها إشتراكية؟… الحديث يطول، وصدّقوني لن نصل إلى جواب… في لبنان الجغرافيا، الشيوعية بالتأكيد غير واردة… أما الإشتراكية (إذا كانت ممكنة) فتتطلب أرضية على الأقل بمساحة المشرق العربي…

طيب، و”النظرية العلمية” يا أشقر؟ برأيي المتواضع، لا يوجد نظرية علميّة … في المقابل، يوجد –بلى – عملاق الفكر الإنساني الحديث الذي ظهّر قانون صراع الطبقات والذي شرّح الرأسمالية الأكثر تقدماً في عصره والذي ما زال بعد مرور 130 سنة على وفاته بألف خير… نعم العبقري كارل ماركس بألف خير… ومن المستحيل أن تتدخل اليوم في أي من العلوم الإنسانية بالمعنى العريض (أي ما يشمل من الفلسفة والإقتصاد إلى علم النفس ضمناً) دون الإنطلاق أو التعريج أو الإستناد إلى ماركس لنفيه أو لتطويره… وبهذا المعنى هناك ماركسيون جدد بهذه النسبة أو تلك، وهم علّامة في مجالهم، لم يسمع بهم الشيوعيون، وهذا محزن، وهم في جزء كبير منهم لا علاقة لهم بالأحزاب الشيوعية… هذه “علمية” الماركسية الحقيقية، وليست “تلك” التي زينّاها وجمّدناها وحنّطناها بصور ماركس وأنغلز ولينين (وغيفارا أيضاً يا شباب!) كأنها أصنام أو صور أنبياء أو قديسين…

مثل واحد أكتفي به للتدليل على ضرورة تفحص أوراقنا السابقة. حصلت تغييرات بنيوية في الطبقة العاملة في الإقتصادات المتطورة ، فصار لها الكثير لتخسره وأخذت تتقلص عددياً. ماذا يعني ذلك بالنسبة لنا الذين نشأنا حول مركزيّتها ونحن نمثل حزب”ها”؟ ما الذي تساقط من قاموسنا وما علينا نحن أن نضعه جانباً، وبما نستبدله في الهارد ديسك الشيوعي؟ سؤال كبير. عندما إستعَرَت في الثمانيات الهجمة الإستعادية restaurationniste ، راية الردّة المحافظة، أجاب كورنيليوس كاستوريادس، أحد مطوري الماركسية على صعيد صراع الأفكار، بأن علينا البحث كمجموعة في كل مكان وزمان عن نقطة التقاطع الأكثر طموحاً بين الحرية والعدالة. بالتأكيد تحديد هذا التقاطع جماعياً أصعب بكثير من ترداد وصفات جاهزة إعتقدناها علمية قبل أن يتلفَها التاريخ. في المقابل، هذا الطموح الذي يتطلب منّا جهداً خلاقاً، إذا قمنا به، قد يوفر لنا فرصة عملية لممارسة يساريتنا وإشتراكيتنا وشيوعيتنا اليوم وهنا، وللخروج من أزمة الفكر والعمل الشيوعي لمن يشاء.

- ثانياً، أزمة الحزبية

هل هناك أزمة عالمية للحزبيّة؟ أجيب على السؤال بإقتضاب ولكن غايتي (أيّاً كان الجواب) ليست إعفاء الحزب من مسؤولياته. أقرّ منذ البداية بأن المهمة صارت أصعب للحزب التقليدي. ولكن حذار التعميم. أنا أفهم أنه حصل في نهاية السبعينات وبداية الثمانيات، بالتزامن مع صعود النيوليبرالية تغيير في أنماط الحياة، وفي القيم المواكبة لها، أدى إلى تسارع في إكتساح الفردية للعلاقات المجتمعية في المجتمعات ما بعد الصناعية (وأيضاً الماقبل صناعية إذا نظرنا إلى لبنان)، ما أدى إلى تغيير في تركيبة الفرد المواطن وفي تركيبة الفرد الحزبي وعلاقتهما بالشأن العام… وبدأت الأحزاب تتعثر وبدأت تتراخى العلاقات بين الأحزاب والمجتمع. إنها مشكلة مزمنة ومتصاعدة في المجتمعات المستهلكة. (في ما يخص الشيوعيين تحديداً، تراجعت أحزابهم أكثر من غيرها، وذلك قبل إنهيار الإتحاد السوفياتي… وبإستثناء الحزب الإيطالي الذي هو اليوم بالسلطة وصار إسمه الحزب الديموقراطي، وزعيمه الحالي آت من جناح من الحزب الديموقراطي المسيحي الذي كان خصم الشيوعي اللدود خلال عقود!)….. في الفترة نفسها وفي الغرب نفسه وأوسع منه نشأت أحزاب الخضر التي نجحت على الأقل في وضع أجندا البيئة في برامج كل الأحزاب الأخرى… وفي نفس الحقبة في البرازيل (وهي غرب أقصى) نشأ حزب عمالي من نوع آخر (حزب الشغيلة PT ) وقد وصل إلى السلطة ديموقراطياً بعد أقل من ربع قرن على تأسيسه وما زال ، وفي الأوروغواي، إئتلاف يساري من نوع جديد (الجبهة العريضة Frente Amplio ) نجح في خرق إستقطاب المجتمع بين حزبين محافظين كان عمره أكثر من 150 سنة، وفي تشكيل أكثرية كانت تبدو مستحيلة. (في البرازيل، لا دور في الحزب الجديد للشيوعيين، في الأوروغواي، دور مهم في الإئتلاف. مجرد أمثلة ولكن بشكل عام، دور الشيوعيين متواضع في الموجة اليسارية التي عرفتها أميركا اللاتنية). في التسعينات وبداية القرن الواحد والعشرين، الحركات “المناهضة للعولمة”، التي تبدل إسم شبكتها مراراً وأصبح اليوم “عوالم أخرى ممكنة”، (المنتدى الإجتماعي العالمي في بورتو أليغري نموذجاً)… قبل سنوات قليلة، حركات وأشكال إحتجاجية جديدة مثل indignados “الغاضبون أو المغتاظون” (إسبانيا، البرتغال، إسرائيل، البرازيل) أو مثل occupy “لنحتل” (الولايات المتحدة، اليونان، تركيا)، وحركات أكثر “تلويناً” مثل أوكرانيا، إيران… وحركات أكثر تعصباً وعنصرية (في كل أطراف أوروبا…) والحركات الدينية عندنا وخصوصاً الإسلامية منها (التي للأسف لا مجال لمناقشة تحدياتها الآن)… بشكل عام، الشيوعية غائبة عن أكثرية هذه الحركات، وفي المقابل ليس نادراً أن تجد شيوعيين سابقين على رأسها أو فيها. كدت أنسى وأقول أن هناك في الغرب حتى أحزاب إلكترونية نجحت في إيصال نواب على قاعدة مطلب واحد حول الحريات الإلكترونية… هناك قراءة للأحداث التي هزت وما تزال تهز عالمنا العربي قائمة على تركيب وإقامة توازن نسبي بين هذه النماذج الحديثة التي ذكرتها… لا مجال للتحدث الآن عن دور الجمعيات غير حكومية وتأثيرها على أدوار الدولة وأدوار الأحزاب والمجتمع، وهو مهم… أيّاً يكن، وبالعودة إلى الأزمة الحزبية، السرد التاريخي كان الهدف منه الإيحاء بأنه عندما تنوجد قضية أو ظروف (هل أضيف شخصية خارقة؟) تنوجد الأداة… أو لنكن متواضعين تنوجد إمكانية توافر الأداة…

في خلفية كل هذا الكلام وأهم منه محاولة تحديد علاقة الهوية بالمصلحة في تحرك الفرد (لماذا أنا هنا في هذه الندوة؟ لماذا أنا شيوعي؟) وفي تحرك المجموعة (ما الذي يجمعنا في الحزب الشيوعي؟) وفي تحرك الشعوب (لماذا تنتفض؟)… الحرية والعدالة اللتان تم ذكرهما من قبل ليستا بالنهاية إلاّ وجهين للمعضلة نفسها. صدّقوني، إنها معضلة تشغل كافة العلوم الإنسانية صباح ومساء، فلنتمهل قبل التسرّع في الإجابة على هذه الأسئلة الجِدّية. أعود إلى أزمة الحزبية … قلت أفهم أن العمل الحزبي صار أصعب بالأشكال القديمة، ولكنه أيضاً صار أسهل بالأشكال الجديدة… إن من تحت إلى فوق أو من فوق إلى تحت… الإقتراع، الإطّلاع، التعليق، التواصل، أسهل بمئات المرات بالوسائل الحديثة. أفهم تباطوء البعض (في الصحافة حدث الشيء نفسه: صحافيون لا يريدون إستعمال الكومبيوتر، وخلال فترة إنتقالية، صار هناك موظفون يعملون في “دَقّ” مقالات الآخرين، كما كان هناك ناس من قبل يعملون في “صَفّ” مقالات الآخرين!). الآن حذاراً، الأدوات ليست المشكلة كما أنها ليست الحلّ، إنها مجرد وسائل حيادية. المشكلة تكمن (والحلّ أيضاً) في مَن يغذيها (إذا كان جديداً كحزب وكعقل)، وبماذا يغذيها (بأي مضمون ومشروع ومبادرات؟)

على المنوال نفسه، وبعيداً عن فترة كنا نرى في الديمقراطية نقيضاً للشيوعية، أنا لا أتصور يساريّتي إلا كتطوير للديموقراطية، إلا كديموقراطية متقدمة إجتماعياً… وما أريده للمجتمع ومنه، أريده لحزبي ومنه. سُنّة الديموقراطية إستقرت في الدول الرئاسية (والحزب مؤسسة رئاسية أم لا؟) بين القبول بتجديد واحد للرئاسة وللمراكز القيادية والتنفيذية، أو عدمه. قيل لي أن الحزب الشيوعي أقرّ مبدأ كهذا في علاقاته الداخلية، فليطبّقه، وليكن له الشرف بأن يكون أول حزب يطبقه في لبنان (هل هو الأول؟ للحقيقة لا أدري). هل أقول أن تطبيق النظام الداخلي يكفي لإخراجنا من أزمتنا؟ لست بهذه السذاجة ولا أنسى أني دُعيت عام 2002، أعتقد، في مؤتمر للحزب، للتحدث (ولو تحت عنوان آخر…) عن أزمة الحزب!. (بس ما تصير مهنة!!!) في المقابل، أرى أن تأجيل القرار رسالة سيئة ومحبطة، وأكرر أن مواطن ومناضل القرن الواحد والعشرين يختلفان نوعياً عن مواطن ومناضل القرن العشرين، وأن المطلوب معطى جديد كي نخلق صدمة نحن بأمس الحاجة إليها، وتحديات نحن بأمس الحاجة لمواجهتها، لعلّ هذا المعطى الجديد يتيح، أو لنقل يسهّل، تخطّي أزمة العمل الحزبي.

- ثالثاً، وأخيراً، أزمة اللبنانية

أو بالأحرى أزمة العمل السياسي في لبنان. أزمة الحزب الشيوعي اللبناني شبيهة بأزمة المجتمع اللبناني. بدأت على الأقل مع بداية الحرب ولم تنته مع نهايتها. في الجزء الأخير لمداخلتي إسمحوا لي بأن أعكس المقاربة، أي أن أتكلم بداية عن أزمة الحزب الشيوعي في لبنان ثم أختم عن الوضع اللبناني…

لم أسمع أو لم أستوعب موقف الحزب الشيوعي عن إدائه في الحرب الأهلية، كيف دخلها وكيف خرج منها… أدري أن هناك مساهمات قيّمة في مقابلات وحتى كتب (منها صادرة عن رفاق حول هذه الطاولة)… لكن التقييم الجماعي المفيد، “العلمي” إذا شئتم، لنستخلص العبر، “لنمشي ونكمل الطريق” لم يصدر. الأسباب متعددة، وناهيك عن التفسيرات الذاتية (وهي مهمة كما نعلم)، يبدو أنه حصل توافق على أن هذه الصيغة تسمح بجعل الحزب يجتاز ما بعد الحرب بأقل كلفة ممكنة. الكلفة كانت باهظة يا رفاق لأن بعد الصمت حول تجربة الحرب، أتى الصمت حول لا تجربة ما بعد الحرب. ومجدداً لم أسمع أو لم أفهم أو لم أستوعب كلاماً مفيداً خلال الهيمنة السورية، ولا وقت إنقسام المجتمع، وحتى الهواء، في بلدنا، بين 8 و14، ولا في كل الأحداث العظام المحلية والإقليمية وبعضها مصائب ونكبات، لا ضرورة ولا وقت لذكرها الآن. مجدداً، الأداء نفسه: تعبير عن آراء أكثر من اتخاذ موقف. آراء خجولة، حائرة، مُحرَجة، مُلحَقة كسلاً، رد فعلية أكثر من أي شيء آخر… هذا عن أزمة العقل أو الفكر كما تقولون…

إلا أن موضوع كيفية الدخول والخروج من الحرب تسللاً ليس تفصيلاً برأيي في الأزمة وله علاقة أيضاً بصحة الحزب الداخلية وبتشويه جسمه. أدت التطورات (والصمت؟) إلى إختفاء الصوت الشيوعي من المدن. بيروت، طرابلس (آه طرابلس)… بلى ما زلت أرى شيوعيين في التحركات المدينية والمدنية والقطاعية، وهم أحياناً أساسيون (حنا نموذجاً) ولكني أخرج كل مرة بإنطباع أنني رأيتهم هم أكثر مما رأيت الحزب. عفواً رفاق، أراكم ولا أرى مشروعَكم وخطَكم.. ولا أرى حتى ملجأً للباقين. الأحزاب، خصوصاً أحزاب مثلنا، ليس لديها قضاء أو طائفة تتحكم به أو بها، لا تشعشع إلا في المدن بداية، ثم يُسمع صداها في البلدات، تبلور مشروعها في المدن وتحمله فيها حيث تتقاطع وتختلط الأصول والفصول… قمتم أو للدقة قام أسلافُكم (وأسلافُنا) بالأصعب، بمهمة تبدو اليوم شبه مستحيلة… إقامة جسم مستقل متواجد على كامل الاراضي اللبنانية… هذا الجسم إرث ومسؤولية، والأهم كنز. إنه ميزتنا التفاضلية. لا أحد يملك هكذا كنز في لبنان ولا أحد يستطيع أن يراكمه… واليوم أكثر من الأمس… ولكن أيضاً لم يعد ممكناً اليوم الحفاظ على هذا الكنز إلا بتوظيفه وتشغيله أو حتى تسييله. صرنا جسماً هامداً، وليس محسوماً إنْ كان من الممكن بعد تفعيلُه … للمرة الأولى (والأخيرة!!) هذه الليلة، أحذر: إذا إنطفأ التيار في المراكز، إن لم تتحركوا للخروج من هذا الرماد الراقد، عاجلاً أم آجلاً ستأكل أية قوة تتحرك أو أية قوى تتحرك (عندئذ هوية الآكل لا تهم) هذا الجسم الذي إعتقد نفسه يوماً طليعياً، ستقضمه من الأطراف بداية، ستعطل أجزاء منه، ستفتّته وتجبره على التقوقع كما بدأ يحدث… وكما عرض بإحترام لمن رآووه فيلم “شيوعيون كنا”… ألخّص السيناريو للباقين تحت رقابة المخرج: أصدقاء دخلوا الحزب كتلة واحدة في الثمانيات إعجاباً بالمقاومة الوطنية، وغياب المشروع (أم هو الصمت؟) جعلهم يبتعدون عن بعضهم وعن الحزب فيما يقترب كل واحد من بيئته، من طائفته إذا فضّلتم… رحلات صيد الطوائف في بيئات الحزب الشيوعي اللبناني ومراعيه بعدسة أو ريشة ماهر أبي سمرا. مشاهد حقاً مثيرة!!!

أبعد وأهم – بلى أهم إسمحوا لي – من أزمة الحزب الشيوعي ومن أزمة العمل الحزبي اليساري، أزمة لبنان، وطناً ومجتمعاً ودولة وديموقراطية. حولنا من كل صوب خراب البصرة وبكاء على الأطلال.. في لبنان… والمنطقة أيضاً… دعونا في لبنان… ما هو الحزب الذي يحتاجه لبنان اليوم؟ بدلاً من ما هو اللبنان الذي يحتاجه الحزب الشيوعي اليوم؟ هكذا أفهم، كان ليتساءل فرج الله الحلو… بإعتقادي، وتماشياً مع حاجاته الراهنة، إن الحزب الذي يحتاج إليه اليوم لبنان – التوصيف في هذه اللحظة أهم من التسمية – هو حزب يعبّد الطريق لأحفادنا (للأكبر سناً) ولأولادنا (للأصغر سناً بيننا)، حزب يعيد تأهيل الأساسات لنا ولهم، يعيد بناء الأرضية ويرفع السقف بعد الزلزال الذي لم تنته آثاره بعد… لكي نعود ونقف دون أن تنهار الأرض أو السقف، لكي يكون لدينا أرضية نقف عليها وسطح نقف تحته، نحن اليساريين، وغيرنا من اللبنانيين وأحفادنا، يساريون كانوا أم لا… المهام الحقيقية هي إنقاذ أو إعادة بناء الوطن والشعب والدولة والديموقراطية…كل شيء إذن وبهذا المعنى، الوضع تأسيسي… ولبنان بحاجة لكي نتجمع كيساريين و/ أو ديموقراطيين (كما تشاؤون) ونعود ونبادر وننتج مشروعاً بمستوى أزمة هذا البلد، مشروعاً واقعيّاً، حقيقيّاً، إصلاحيّاً، عادلاً، مستقلاً، ديموقراطيّاً، لا طائفي، حديثاً، منفتحاً، جريئاً، وطنياً، مواطنيّاً… هل لدينا/ لديكم هكذا مشروع؟ في حال الإيجاب، لنقدمه للرأي العام… لنحجز مكاننا تحت الشمس وتحت المطر ونصمد فيه بداية، ولِنَقِسّ من خلال عملنا بما تبقّى لنا من حيوية ومناعة وقدرة على التراكم، الأمراضَ التي صار يعاني منها العمل المدني اللبناني. لنطمح أن نكون الخيار الثاني لكل الذين لا نستطيع أن نكون خيارهم الأول الآن (أقصد بمقاربة إنفتاحية ومثابرة وموجودة لتبقى، وليس بمقاربة تقوقعية أو إستعراضية أو ظرفية). لنجتمع كلاطائفيين ولنتوجه إلى ما بقي لاطائفياً ومواطنياً في داخل كل المواطنين، وِليُجِبْ مشروعُنا على هذه الثغرة/ التناقض في كل واحد(ة) منهم، إنها الوسيلة الوحيدة لتعطيل اللعبة الطائفية بدلاً من أن تعطّلنا. هذا تحدٍّ – يوجد تحديات أخرى – بمستوى أزمتنا، وهو تحدّ – وهذا الأهم – يخدم البلد الذي هو بأمس الحاجة إلى جرعات من المناعة. في حالتنا، “إلى العمل” بموازاة أو حتى قبل “ما العمل”، ولكن وقبل هذا وذاك، لنفتح لمشروعنا الطريق في صفوفنا بداية، لنخرجه من جلدنا، لنقبل بتخطّي، ليس القناعة والطموح، بل الطقس المتحجر واليقين المتعالي والروتين، لننفض الغبار المتراكم عن أثاث بيتنا وأيضاً الغبار الذي تسلل إلى داخلنا والذي أخذ يسدّ شراييننا…

هل لَديّ شكوك بقدرتنا على القيام بهكذا مهام؟ أكيد، ولَديّ أكثر من شكوك. فأنا مثقل بنصف قرن من الفشل. هل لدي أمل؟ لدي أمل، “لولا فسحة الأمل” لما كنت هنا… ولكنَّ أمَدَه محدود.

ختاماً أترك بين أيديكم هذه العبارة للمفكر كاستورياديس الذي عمل كثيراً أيضاً على علاقة علم النفس بالسياسة، يقول: “في ظروف متجددة، إعادة التفكير بالذات (من قبل الفاعل أو المجموعة) والعمل على تغييرها شرطان ضروريان لبروز ذات جديدة ومجتمع جديد…”. وأنا أضيف: وحزب جديد… ليكن عيدُكم فرحاً ومنتجاً.

بول الياس الاشقر

عن بول الياس اشقر

إعلامي سابق وناشط اجتماعي لبناني

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>