الرئيسية / العدد 11 / إفتحوا النوافذ

إفتحوا النوافذ

Print pagePDF pageEmail page

 tarik03

لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء عاليه، كان شيوعياً، إلا من خلال احترام الناس له وحملة رجال الكهنوت عليه.

ولم أعرف أن الأستاذ الثاني الذي متّن لغتي وأكد لي ثقتي بنفسي لأشق طريقي في الصعب، كان شيوعياً ، إلا من خلال التقدير العالي الذي كان يكنه له أهالي بلدتنا شمسطار في بلاد بعلبك ، والذي كان يرجعه إلى جهده وإخلاصه في تأهيل طلاّبه للنجاح وليس إلى نسبه ذي التاريخ المميَّز.

ولكنني سرعان ما تلقّيت وأنا يافع الصدمة الأولى عبر موقف الحزب الشيوعي من فلسطين، إذ بدا لي وكأنه ينفصل عن بيئته الأصلية وعن جمهوره الطبيعي..

على أنّ هذا الانفصال لم يعمّر طويلاً، إذ التقيت بعد سنوات قليلة في شوارع بيروت، وعبر التظاهرات الهادرة استنكاراً للعدوان الثلاثي على مصر، شباب الحزب الشيوعي وطلابه يوزّعون صور جمال عبد الناصر بلباسه العسكري ورتبته تركية التسمية: البكباشي، مع انه كان قد غدا رئيساً لمصر.

بعد ذلك سيفاجئني موقف الحزب من قيام دولة الوحدة التي جمعت مصر إلى سوريا في الجمهورية العربية المتحدة ، وكان عنيفاً في هجومه على عبد الناصر والدولة التي كان قيامها في مستوى الأحلام…

وسيكون عليّ أن انتظر العام 1964، ومشهد القائد السوفياتي خروشوف يضغط بيده مع جمال عبد الناصر لتفجير الصخور في أسوان إيذانا بمباشرة العمل في بناء السد العالي، لكي تتم المصالحة بين الحزب وجمهوره الطبيعي، وموقعه في بلاده.

ولسوف تنتظم بعد ذلك علاقتي مع حزب البروليتاريا في الكيان الطائفي، وسيراني الرفاق صديقاً، وأرى نفسي قريبا بالفكر منه، مع جرعة إضافية من العروبة.

وبهذه الصفة التي اعتز بها، والتي رافقتني مع العديد من الرفاق الحزبيين، صارت ” السفير” جريدة قريبة من هذا الحزب، وما تزال، تفتح صدر صفحاتها للكتّاب من كوادره، من دون أن يمنعها هذا القرب من نقد بعض المواقف، والخوف على مستقبل هذا الحزب ودوره في النضال من أجل حقوق الشعب في غدٍ أفضل، وفي دولة تعمل في خدمة الأغنى والأعتى طائفية وليس من أجل وطن حرّ وشعب سعيد.

تسعون عاماً وكأننا بعد في نقطة البداية: نسعى لإستيلاد الحزب من الشيوعيين الذين سبقوه إلى الحياة.

.. ونسعى لحماية الشيوعيين من خلافات الحزبيين الذين أفسدهم النظام اللبناني الذي تبدى في وجه محاولات التغيير وكأنه أقوى من شعبه، لأنه يختصر الدولة في طوائفه ملتهمة الدين والعقائد والأفكار والمناضلين. فالطائفية استثمار مجزٍ من دون رأسمال… فكيف يمكن الانتصار بكتاب كارل ماركس على الغرائز التي يمكن أن تغتال أحلام الفقراء، ودواوين الشعراء، وعرق جباه المناضلين من أجل حق الإنسان في غد أفضل؟

.. ونسعى لإقناع التقدميين أنّ العروبة طريق إلى الغد وليست عودة إلى الماضي، وأنّ الوطنية تتجاوز الدين والطائفة إلى حماية الأرض باعتبارها شهادة ميلاد إنسانها، وأنّ استلهام التاريخ فعل تقدم وليس تعلقاً بالأسطورة؟

تسعون عاماً من النضال: أين ذهبت أعمار التضحيات، بمقاومة الظلم والاستعمار والطائفية والصهيونية والامبريالية؟!

لقد جاء زمن الأسئلة، وقد أرجأنا الإجابات عقوداً، وها نحن نواجه سداً من الأسئلة: لماذا وكيف ومن هو المسؤول عن هدر الزمن وحياة أجيال من المناضلين؟.

هل قرع جرس الانصراف للمناضلين؟! هل تقدم الخصوم فاقتحموا العالم الجديد وحصنوه واقفلوا أبوابه في وجه الساعين إلى التغيير؟

هل يلغي الكومبيوتر ومشتقاته زمنَ الطبقةِ العاملة وقهرَ المضيَّعةِ حقوقُهم، ويوهم الفقراء بأنّهم قد باتوا متساوين مع الأغنياء بدليل أن كلاّ منهم يحمل جهاز خليوي ويدخل إلى مختلف المواقع الالكترونية؟

 أيها الأصدقاء،

فلنقل إنّ هذه بداية جديدة في قلب النهايات متعددة الأسباب والأزمان، وقيادات التباطؤ في زمن الومضة، أو قيادات التسرّع في زمن صراع الأفكار مع أسباب التقدم.

إننا نعيش زمناً مختلفاً ، يدهشنا ويكاد يجعلنا أغراباً فيه إذا لم نفهم حجم المسافة التي تفصل بين جيل الآباء وأبنائهم، فكيف بالأجداد وسائر السلف الصالح؟

ليس من حقنا أن نمارس ترف الوقت.

لم يعد القرن وحدة الزمن، ولا الجيل. صارت اللحظة، طرفة العين، ولمسة الأصبع تكفي لكشف المسافة بين الوالد وابنه، أما الحفيد فالمعضلة معه أمرّ وأقسى.

لا عمرَ للأفكار وهي تتجدّد وتفرض عليك أن تتغيَّر وأن تُغيِّر الكثير مما نشأتَ عليه، وإلا وجدتْ نفسها خارج العصر تعاني من الغربة.

حزبكَ قام بالأفكار وعليها.

قام على مبدأ تغيير الكون، فكيف لا تتغير القيادات والأساليب ومناهج البحوث.

ما مرّ من الزمن لا يعوَّض.

المجد للشهداء، لكن الماضي لن يعود.

والمستقبل لن ينتظر نهاية الجدل الأيديولوجي. إنّه ليس مجرد امتداد للماضي وإلاّ صار عجوزاً.

الماضي عاقر إذا نحن سكنّا فيه.

والحاضر بوابة المستقبل فلنفتحْها على مداها بالأفكار.

إفتحوا النوافذ. أضيئوا مصابيح العقل.

ليدخلِ العصر إلى الحزب، وإلاّ صار الحزب غريباً عن أهله، في حاضره، ولاجئاً سياسياً في أحضان خصومه وأعدائه، في مستقبله.

أيها الرفاق : لنبدأ مهمة تأسيس الحزب.

أيها الأصدقاء،

لقد تجنّبتُ الحديث عن الوضع العربي للأنّ من المبكِّر توصيفَه وتوقّعَ المسار الذي ستتخذه الانتفاضات الشعبية التي تجري محاولات حثيثة لاغتيالها بالشعار الديني أو بتزكية العسكر بوصفهم القوة القادرة على استنقاذ الحاضر… أما المستقبل فمتروك لله.

على أنّ من الظلم لهذه الانتفاضات المجيدة التي خلخلت أركان الطغيان قي عواصم عدة، وخلعته في عواصم أخرى، أن نحكم عليها بأنها قد أسلمت الروح أو أسلمت قيادتها للعسكر أو للطائفيين.

إن الشباب موجودون، والميدان ما زال مفتوحاً،

هي لحظة مراجعة وإعادة نظر في أسلوب الحركة وفي قواها الفاعلة التي شكّلت طوفاناً شعبياً عظيماً بلا رأسٍ، ولا برنامجٍ يحدد المسار بمراحله المختلفة في اتجاه تحقيق الهدف.

وبالتأكيد فإنّ ميدانا جديداً أكثر نضجاً وأعظم وعياً وأخطر استعداداً هو الآن قيد التكوين… ونتمنّى ألا يغيب عنه، مرة أخرى، ” الرفاق” في انتظار جلاء الصورة.

ليس أكثر من المعارك التي يجب أن تخاض..

لكن القاعدة الذهبية تُعلِّمنا “ابدأ بنفسك ثم بأخيك”.

ونتمنّى أن يتصالح الشيوعيون مع العروبة لكي تنتعش أحلامنا بالغد الأفضل.

.. وهي أحلام كثيرة وعظيمة وجليلة تنتظر مباشرة العمل.

ولأنّنا في هذا المقام، فلا بدّ من تحية رقيقة كنسمة للنبيل جوزف حرب وللمبدع محمد دكروب.

فإلى العمل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طلال سلمان

عن طلال سلمان

ناشر ورئيس تحرير جريدة "السفير" اللبنانية

شاهد أيضاً

tarik04

بين أزمة الشيوعية والحزبية واللبنانية

  أعتبر نفسي شيوعياً أو إشتراكياً أو يسارياً أو ماركسياً كما تريدون منذ 45-46 سنة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>