الرئيسية / العدد 11 / عناوين بحث لتجديد برنامج التغيير للحزب الشيوعي واليسار

عناوين بحث لتجديد برنامج التغيير للحزب الشيوعي واليسار

Print pagePDF pageEmail page

4580387699_361ba2d59b_b

يرتبط تفاقم أزمة الحزب الشيوعي اللبناني بالعديد من العوامل المؤثّرة. بعض هذه العوامل ذو طابع موضوعي، ويتصل بالتداعيات الثقيلة التي أفرزتها على غير صعيد أزمة الدولة والمجتمع في لبنان خصوصا بعد عام 2005، وكذلك أزمة المحيط العربي المتفجّر منذ بدء إندلاع الإنتفاضات عام 2011. في المقابل، يطغى على البعض الآخر من تلك العوامل الطابع الذاتي الذي يعود في جانب أساسي منه الى خلل كبير في نهج العمل الحزبي القيادي وفي نمط تنظيم وإدارة موارد الحزب المتاحة، البشرية منها وغير البشرية، مع ضرورة الإشارة الى أن الجانب الموضوعي من الأزمة هو الذي ساهم الى حدّ كبير في كشف حجم القصور القيادي الذاتي، في بعديه السياسي وخصوصا التنظيمي. إن هذه الورقة تحصر بحثها في الجانب المتعلق بالعوامل الذاتية التي تشكّل الحيّز الذي يفترض أن يمتلك الشيوعيون القدرة على الفعل والتأثير والتغيير فيه، بخلاف محدودية قدرتهم – على الأقل في المدى القصير والمتوسط – على التأثير الفعلي في العوامل الموضوعية. ولا تعود أسباب الخلل الذاتي حصرا الى إعتبارات إدارية أو تقنية أو تنظيمية بحتة، بل هي تعود في الأساس الى نواقص وفجوات كثيرة، نظرية وتحليلية، في نمط مقاربة الحزب للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في لبنان (وكذلك في المنطقة)، كما هو معبّر عنها في الوثائق والأدبيات الحزبية المتداولة منذ فترة غير قصيرة. وما من شك في أن مثل هذه النواقص والفجوات – التي نعرض نماذج وأمثلة محدّدة عنها في متن هذه الورقة - تعرقل عمليا سعي الحزب الى إعادة إجتذاب وتعبئة الفئات الاجتماعية التي يفترض فيه التعبير عن مصالحها، ومن ضمنهم العمال والأجراء في القطاعين العام والخاص، وصغار المنتجين، والمجتمع المحلي الريفي والزراعي، والشباب والطلاب والمرأة، والمثقفون، والمتعطلون عن العمل، والداعمون لمقاومة الخطر والإحتلال الإسرائيليين والغزوات الإستعمارية المتزامنة معه، والباحثون عن مفهوم عصري وجامع وديمقراطي لفكرة العروبة…….

إن الهدف الأساسي من مراجعة نمط إعداد الوثائق الحزبية، هوتشجيع الحزب – كل الحزب – على إعادة الإعتبار للفكر العلمي، في بعديه النظري والتطبيقي، كأداة لصياغة الوثائق الحزبية المؤتمرية (وبخاصة برنامج عمل الحزب)، بحيث تشكل هذه الأخيرة أرضية صلبة لوضوح الرؤية بين الشيوعيين وأصدقائهم، ولتعزيز وحدتهم في تعاملهم مع مشكلات بنيوية ومعقّدة كتلك التي تعصف بالمجتمع اللبناني وكذلك بالمجتمع العربي والدولي عموما. ففي عالم تشهد ساحاته مثل هذه التحولات المتسارعة، أصبح من الضروري – بل من المحتّم – تجاوز الإعتماد على الصياغات الجاهزة والاستخدام المفرط للجانب السلبي (أو بالأحرى اليميني) من الخطاب الايديولوجي المشبع بالعديد من المفردات والمفاهيم التي – وإن بدت “ثورية” في الشكل – أصبحت تحتاج كي يصحّ إنطباقها الفعلي على الواقع اللبناني، الى تمييز مضمونها الملموس ضمن هذا الواقع بالذات.

1– الأسباب الموجبة لإعادة النظر في نمط إعداد الوثائق الحزبية والمؤتمرية:

في محاولة للإحاطة بأهم أسباب الخلل المتزايد في أدبيات الحزب ووثائقه، يمكن التوقف بشكل مكثّف عند عدد من العوامل الأساسية، أبرزها الآتي:

على المستوى الداخلي، يبرز قصور الأدبيات والوثائق الحزبية في الاحاطة الوافية ببنية سياسية وإجتماعية معقدة كالبنية السياسية والإجتماعية اللبنانية، وبديناميات الإصطفافات الطبقية المستجدة التي أملاها تطور تركيبة الإقتصاد اللبناني وتغير وظائفه العربية، والتقاطع داخل هذه التركيبة بين مندرجات الظاهرة الطائفية وآليات الصراع الإجتماعي، وذلك وسط تحولات عميقة ما برحت آخذة مداها منذ أكثر من عقدين، وأبرز سماتها: تعاظم وزن إقتصاد الريع وإستظلاله المتزايد بالتحالف الطبقي-الطائفي المهيمن، الذي يلعب فيه رأس المال المالي والمصرفي والعقاري الدور الرئيسي والمحدّد؛ إستمرار إنحسار وزن الصناعة والزراعة بالتزامن مع تزايد طفرة الخدمات البسيطة ومؤسسات الإنتاج المتناهية الصغر وإستمرار الميل نحو تفتّت الحيازات الزراعية؛ إتساع نطاق الإقتصاد غير النظامي في المدن والأرياف مع ما ينطوي عليه ذلك من هشاشة إقتصادية وأوجه عدم عدالة إجتماعية؛ تفاقم أزمة الأداء الوظيفي للدولة ومؤسساتها العامة وإنعكاس ذلك ضمورا مريعا في حجم ونوع الخدمات العامة الأساسية التي خضعت أجزاء متزايدة منها للخصخصة العملية أوغير المباشرة؛ ترسّخ ظاهرة إحتكار القلة وتصاعد الأسعار ومعدلات التضخم في معظم أسواق الإستهلاك الداخلية؛ تفاقم معدلات الهجرة الخارجية خصوصا في صفوف الكفاءات الشابة، بالتزامن مع إرتفاع معدلات البطالة والإقصاء الإجتماعي والفقر؛ تردي نوعية التعليم الرسمي، العام والجامعي والمهني، وشبكات الرعاية الصحية والحماية والتأمينات الاجتماعية؛ إستمرار إستفحال الخلل الضريبي وظاهرة الدين العام التي ما برح لبنان واقعا في أسرها منذ التسعينات والتي يجري تحميل وزرها الأساسي للفئات الفقيرة والمتوسطة؛ هذا مع الإشارة الى معضلات بنيوية أخرى إستجدت مؤخرا – بفعل تداعيات الأزمة السورية المتمادية – وهي تتطلب من الحزب الإنكباب على إستكشاف ومعالجة إنعكاساتها المتوسطة والبعيدة المدى على مستقبل لبنان السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

على المستوى العربي، يستمر تعاطي الوثائق الحزبية بشيء من الاختزال والتبسيط مع التحولات العارمة التي طالت النظام الرسمي العربي، ومن ضمنها: إنتقال مركز القيادة في هذا النظام من بلدان المشرق العربي الى “القاطرة” الخليجية (السعودية) المحكومة بتبعية سياسية وإقتصادية صارمة لمشاريع الهيمنة الأميركية على المنطقة، وذلك بالتزامن مع خروج مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي والعزلة المحكمة التي فرضت على النظام السوري والتشظي التدريجي للعراق بفعل حربي الخليج الأولى والثانية وما تلاها من غزو إميركي مباشر لهذا البلد؛ إضطلاع هذه “القاطرة” بالدور الأساسي الموجّه والمقرّر والمموّل للسياسات والخيارات الإستراتيجية – في الحقلين الخارجي والإقتصادي – التي دفعت الى تبنيها المكوّنات المختلفة المنضوية تحت مظلّة هذا النظام، بصيغ متنوعة من الترهيب والترغيب؛ إقتران تلك التحولات بنمو ظاهرة الحركات الإسلامية على نطاق واسع في العالمين العربي والإسلامي، بما في ذلك لبنان، مع تشعّب أصول هذه الحركات وتنوع وجهتها وتحولها المتسارع الى محرك أساسي للنزاعات الأهلية المسلّحة التي تكاد تطيح راهنا بالحدود الجيو- سياسية للعديد من بلدان المشرق والمغرب العربي؛ إفتقاد الأدبيات الحزبية الى تحليل معمّق وواف للمحددات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحكمت بنمو هذه الحركات الإسلامية التي تغذّت من إنعدام الديمقراطية والعدالة وشيوع الإستبداد والقمع والبطالة والإقصاء الإجتماعي والفقر والإستلاب، مع غياب البديل الثوري القادر إما على إجتذاب بعض شرائحها أو على الأقل على كسر حلقاتها الأساسية؛ تشكيل تلك المحدّدات – عبر تفاعلاتها التراكمية – بيئة ذات قابلية عالية للتوظيف السياسي والأمني المتعدد المقاصد ولتدخلات دول الجوار الإسلامية والعربية (إيران، السعودية، قطر، تركيا)، وفق آليات تجميع وتفتيت لا تنفك تميل نحو التغير تبعا لتغير الأهداف المعلنة والضمنية المتوخاة من هذا التوظيف؛ التقصير الفادح في محاولة فهم جانب أساسي من التوظيفات السياسية والإقتصادية للظاهرة الإسلامية، لا سيما ما يتعلق منها بخلفيات وخفايا العلاقة العضوية– المعلنة أحيانا والملتبسة أحيانا أخرى – القائمة بين “أمراء” النفط والمال وأجهزة مخابراتهم (ومن خلفهم الراعي الإمبريالي) من جهة، و”أمراء” المدارس والتيارات والتشكيلات الإسلامية المختلفة من جهة ثانية.

 

على المستوى الدولي، يسجّل في أدبياتنا الحزبية عدم إستيعاب كاف للمفاعيل النظرية والعملية التي تمخضت عن انهيار تجربة الاشتراكية المحققة، ومن ضمنها: الإرتدادات العميقة في المقاربات الفكرية والشعارات وأشكال التنظيم والأوزان النسبية للأحزاب الشيوعية واليسارية وبخاصة للحركات الشعبية المناهضة للإمبريالية التي تنامت على المستوى الدولي – بصيغ وشعارات شتى – خارج إطار الأحزاب الشيوعية نفسها، وفي بعض الأحيان على حسابها؛ عدم الإحاطة الكافية بانعكاسات تلك المفاعيل على وجهة التصورات السائدة حول مسألة الإنتقال الى الإشتراكية في ظروف عالمنا الراهن، وكذلك حول العديد من المسائل والمفاهيم الأخرى المتصلة بعملية التغيير الاجتماعي عموما، الأمر الذي بات يتطلب إعادة قراءة هادئة لمجمل تلك المسائل، إنطلاقا من الجوهرالمادي (أي العلمي) لمنهج التحليل الماركسي، وليس إنطلاقا من مقولات نسبية مستوحاة من تجارب تاريخية محددة لتحليل ماركسي ينطبق على حقبة معيّنة من مراحل تطور النظام الرأسمالي العالمي في هذا الجزء أو ذاك من العالم؛ إقتران إنهيار النسق المحقق من الإشتراكية بتساؤلات كبيرة تتعلق ببعض الأسس النظرية وبكثير من آليات التطبيق وأدواته، ومن ضمنها مقولة دكتاتورية الطبقة العاملة (التي تراجعت عنها أحزاب شيوعية عدّة) ومفهوم التأميم المنهجي لوسائل الانتاج والميل نحو حصر مفهوم رأس المال في جانبه المادي الضيّق، والنظرة النمطية والإختزالية للفرد وحرياته وعلاقته بالدولة والمجتمع، والتقليل من أهمية الأبعاد التي ينطوي عليها تنوّع العوامل الديموغرافية والأنتروبولوجية والثقافية والدينية، والإتجاه الحثيث نحو إختصار المجتمع بالطبقة العاملة والطبقة العاملة بالحزب والحزب بالجهاز والجهاز برئيسه (أي الأمين العام)، والتطبيق التعسفي والجامد لمباديء الديمقراطية المركزية في زمن تعاظمت فيه ثورة المعلومات وشبكات التواصل؛ وتضاف الى ذلك كله – بل ربما تأتي قبله – الإشكاليات التي عبّر ويعبّر عنها ذلك التلازم الصريح بين إنهيار الإشتراكية المحققة من جهة، وتفاقم أزمة النظام الرأسمالي العالمي بصورة غير مسبوقة من جهة ثانية، وما يطرحه هذا التلازم من تساؤلات مشروعة حول المسارات المستقبلية لتطور البشرية.

على المستوى الدولي أيضا، تنطوي الأدبيات الحزبية على ميل نحو التعاطي بصورة مبسّطة وإنتقائية مع ما أفرزه تعاظم ظاهرة العولمة من تحولات بنيوية معقدة على المستوى الكوني، في حركة الإقتصاد والإجتماع والثقافة والتواصل والإعلام وفي مجمل أوجه الحياة العامة والشخصية للجماعات والأفراد، على النحوالذي يصعب الإستمرار في إختزاله ضمن تصور نمطي واحد أو تبسيطه ضمن “الثنائيات” القصيرة النظر، المحكومة إما بمنطق الشرّ المطلق أوبمنطق الخير المطلق؛ وبصورة أكثر تحديدا، عدم الإدراك الكافي– في تلك الأدبيات – للإنعكاسات الهائلة التي خلّفتها ثورة المعلومات والإتصالات على مدى جواز إستمرار توجّه الأحزاب والحركات الشعبية الى الفئات الإجتماعية والى الناس عموما، بصفتهم “جمهورا نمطيا” أو “جماهير نمطية” يسهل التعامل معها عبر الكلام الإنشائي أو التلقين والوعظ، في الوقت الذي أتاحت فيه تلك الثورة للإنسان الفرد– أيا كانت مشاربه وإنتماءاته الطبقية والسياسية – درجات أعلى من حرية الحركة والتفكير والإختيار على نحو يتيح له بل يشجعه على الإستثمار أكثر فأكثرفي ذاته وفي قدراته وخياراته الشخصية وفي الفرص المتاحة له، مستعينا ومتفاعلا مع شبكات المعلومات وشبكات التواصل الإجتماعي، بمعزل عمّا يمكن أن تنطوي عليه تلك الشبكات من إغناء وترشيد للتحليل أو من تحريف وتجويف له؛…..

2 - نماذج وأمثلة محددة عن قضايا محورية تحتاج الى معالجة و تطوير في أدبيات الحزب:

إن الشيوعيين مطالبين بالمساهمة في النقاش الدائر حول هذا النوع من التساؤلات المشروعة، وبالعمل على إبراز موقفهم الواضح منها، مع تأكيد تمسكهم بالأساس العلمي للمنهح الماركسي كأداة لفهم حيثيات الصراع السياسي والإجتماعي على المستويين الوطني والكوني، وحرصهم على التمييز بين هذا المنهج كمنهج علمي للتحليل التاريخي من جهة، وبين مقولات ماركسية مستمدة من تحليلات نظرية ومفهومية راجت خلال هذه التجربة أو تلك من تجارب الإشتراكية المحققة. إن الموضوعات المطروحة أدناه لا تعبّر عن مجمل القضايا الفكرية والسياسية التي تتطلب المزيد من البحث والتعمّق في إدبيات الحزب المتداولة، بل هي نماذج وأمثلة محددة عن قضايا محورية تطرح حولها أسئلة شائكة لا تزال الاجابات عليها في وثائق الحزب المتعاقبة، إما غائبة بصورة شبه كاملة أو أنها تتسم بقدر من العمومية لا يوفّر الوضوح النظري والعملي الكافي لدى الشيوعيين وأصدقائهم إزاء ما يواجهونه من مهام نضالية شديدة التنوع والتعقيد. ونستعرض أدناه عددا من هذه الموضوعات الفكرية والسياسية البالغة الأهمية التي يفترض بالوثائق المؤتمرية المستقبلية أن تقدم إجابات – ولو أولية – على ما يرتبط بها من أسئلة. وتشتمل تلك الموضوعات على الآتي:

  • ثلاثة موضوعات مفصّلة تتناول:
  • مفهوم وواقع الطبقة العاملة في لبنان،
  • أنماط التقديمات الاجتماعية والخدمات العامة الأساسية،
  • نظام التمثيل السياسي-الطائفي
  • خمسة موضوعات مختصرة تتناول:
  • التحالف الطبقي المهيمن في لبنان،
  • قضية التحالفات من وجهة نظر الحزب،
  • إعادة بناء الدولة والإدارة العامة،
  • المحددات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتحولات الجارية في العالم العربي،
  • المفاعيل المتناقضة لظاهرة العولمة وثورة التواصل والاتصالات والمعلومات.

2-1– الموضوعة الأولى المفصّلة: الطبقة العاملة وخصائصها الأساسية

تكثر وثائق الحزب المتعاقبة في الحديث عن الطبقة العاملة في لبنان، ولكن هذه الوثائق لا تقدم إجابات محددة على عدد كبير من الأسئلة الحيوية التي تتعلق بواقع هذه الطبقة وسماتها الأساسية وبنقاط قوتها وضعفها. إن هذه الفجوة تخلف إنعكاسات سلبية على مسألة التحالفات الطبقية وعلى نمط مقاربة الحزب للمعارك المطلبية الجزئية والوطنية. وهذا ما يستدعي الإنكباب على دراسة هذا الموضوع، ومحاولة تقديم إجابات على العديد من الأسئلة المطروحة، ومن بينها:

أ – حول تعريف المفهوم: كيف نحدد بشكل ملموس مفهوم الطبقة العاملة في الاطار اللبناني، إرتباطا بجوهر منهج التحليل الماركسي وما طرأ عليه من تحولات؟ هل يقتصر هذا المفهوم على فئة العاملين بأجر في قطاعات الإنتاج المختلفة أو هو يتضمن فئات إجتماعية أخرى غير معنية بصورة مباشرة بالعمل المأجور؟ وهل لذلك المفهوم من مندرجات محدّدة في بلد يغطي فيه قطاع الخدمات أكثر من 70 في المئة من مجموع القوى العاملة ومن إجمالي الناتج المحلي؟ ماذا يعني أن تكون الغلبة (الغلبة الكمية على الأقل) في تكوين الطبقة العاملة معقودة اللواء لفئة الأجراء العاملين في المؤسسات الخدمية والمؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر، وليس في مؤسسات الإنتاج المتوسطة والكبيرة؟

ب – حول الوزن النسبي العام للطبقة العاملة: ما هوالوزن النسبي للطبقة العاملة عموما في التشكيلة الاجتماعية اللبنانية؟ وما هي أهم العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد هذا الوزن النسبي وتتحكم في اتجاهه إرتفاعا أو إنخفاضا؟ وما هو تأثير الارتفاع المطرد والقياسي المحقق خلال العقود الثلاثة المنصرمة في نسبة العاملين لحسابهم الخاص (أي العاملين المستقلين)، على حجم ودور الطبقة العاملة؟ والى أيّ حدّ يمكن اعتبار هذه الفئة من العاملين التي تشكل نحو 30% من إجمالي القوى العاملة – أو أقسام منها على الأقل – أقرب الى التماثل في شروط عملها مع الطبقة العاملة؟

ج – حول المكونات القطاعية والمكانية الأساسية للطبقة العاملة: ما هي المكونات القطاعية الأساسية للطبقة العاملة اللبنانية، أي ما هو الحجم النسبي لكل من هذه المكوّنات بحسب قطاعات النشاط الاقتصادي (الصناعة، الزراعة، البناء، الفروع المختلفة من قطاع الخدمات)؟ ثم كيف تتوزّع هذه الطبقة على المناطق اللبنانية المختلفة، وبالتحديد على مستوى المحافظات، بحيث يؤخذ ذلك في الإعتبار في تحديد أولويات عمل الحزب ومنظماته القاعدية بحسب المناطق المختلفة؟ وما هي أهم خصائص التقاطع في تشكّل هذه الطبقة، بين البعد القطاعي والبعد الجغرافي؟ ومن زاوية أخرى، كيف يتوزع العاملون الأجراء بحسب القطاع الحكومي والقطاع الخاص النظامي والقطاع الخاص غير النظامي؟

د– حول مكامن وجود”القوة الضاربة” للطبقة العاملة: إنطلاقا مما سبق، أين تتركز “القوة الضاربة” للطبقة العاملة، وبخاصة في ضوء توزع خارطة العمال والأجراء بحسب فئات حجم المؤسسات (المؤسسات المتناهية الصغر والمؤسسات الصغيرة التي يقل عدد العاملين فيها عن 5 عمال والمؤسسات المتوسطة والكبيرة التي يزيد فيها عدد العاملين عن هذا الحدّ)؟ وبالتحديد أين تتركز المؤسسات المتوسطة والكبيرة، خصوصا في المجال الصناعي، والى أي حدّ يمكن إستهداف تلك “القوة الضاربة” عبر خطة عمل تمكّن منظمات الحزب وقطاعه النقابي من زيادة وزنهما وتأثيرهما في هذا المضمار المؤثر؟

ه– حول بنية موظفي الدولة وأجرائها: كيف يتوزع العاملون في القطاع العام، بحسب موظفي الملاك، والمتعاقدين، والأجراء، والمياومين، وصيغ العمل الأخرى الهجينة التي لازمت تطور هذا القطاع بفعل “التفاهمات الفوقية” بين أطراف الطبقة السياسية؟ وما هي أبرز المشاكل العامة والخاصة التي تعترض كلا من هذه الفئات (مستوى الأجر، ديمومة العمل، حجم ونزع التقديمات، صيغ التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة…)؟ والى أي حدّ يمكن تنظيم وخوض حملات مطلبية في صفوف كل من هذه الفئات العاملة إستجابة لهدفين يجب أن يبقيا متلازمين: هدف الدفاع عن حقوق العاملين عموما من جهة، وهدف رفع مستوى أداء وفعالية الوظيفة العامة وتحسين صورتها أمام المواطنين من جهة ثانية؟

و – حول التباينات الموضوعية في شروط عمل مكونات الطبقة العاملة: الى أي درجة تتقارب – أو تتباعد – خصائص وشروط العمل المميزة لكل من المكونات الأساسية للطبقة العاملة، التي تشمل أجراء القطاع العام من جهة، وأجراء القطاع الخاص النظامي من جهة ثانية، وأجراء القطاع الخاص غير النظامي من جهة ثالثة، لجهة: مستوى الأجر الوسطي، ومستوى التقديمات الصحية والاجتماعية، ومدى ضمان ديمومة العمل، ومدى الاستفادة من تأمينات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، ومدى الاستفادة من بدلات النقل وغير ذلك من شروط؟ كيف ينبغي النظر الى المخاطر الناجمة عن إزدياد الفجوة والتباينات بين مسارات هذه المكونات المختلفة؟

ز– حول مدى تأثير هذه التباينات على إنسجام العلاقة بين تلك المكونات: الى أي حدّ يمكن إنطلاقا مما أمكن تجميعه من معطيات محددة بشأن واقع البنية الداخلية للطبقة العاملة في لبنان، تبيان ما إذا كانت هذه البنية أقرب الى التجانس والانسجام النسبيين، أم أن التفاوتات التي تعتمل داخلها ترتدي الطابع البنيوي الحاد؟ وما هي الإستنتاجات التي يفترض إستخلاصها في كل من هاتين الحالتين وأثرها على وجهة النضالات المطلبية التي تطلقها أو تشارك في إطلاقها القوى اليسارية؟ ما هي المقاربات والتوجهات التي من شأنها تعزيز عوامل التقارب والانسجام على حساب عوامل التباعد والإنقسام؟

ح– حول ظاهرة هجرة اللبنانيين وانعكاساتها على الطبقة العاملة: كيف انعكست هجرة مئات الألوف من الشباب اللبنانيين والكفاءات الى الخارج، على أوضاع وخصائص العمال والأجراء في لبنان، وعلى بيئة وشروط العمل المأجور عموما؟ ألم تؤثر هذه الهجرة سلبا على الخصائص البنيوية الكمية والنوعية للطبقة العاملة، وعلى السقف الموضوعي لنضالاتها المطلبية إضافة الى تأثيرها السلبي على مقومات العمل النقابي عموما؟ ألم تؤدي التحويلات الوافدة من العاملين في الخارج الى “ترويض” جزء من أسر الأجراء المقيمين في لبنان، مما ساهم في تغييبها عن ساحات النضال المطلبي؟ ألم يخفف هذا النزف البشري من حجم ونوع الضغط المنظم الذي كان يمكن أن تمارسه هذه الكفاءات الشبابية المهاجرة – لو أتيح لها أن تنخرط في سوق العمل الداخلي – على الطبقة الحاكمة في لبنان، في إتجاه إلزام هذه الأخيرة بحدّ أدنى من الإصلاحات السياسية والإقتصادية والإجتماعية؟

ط– حول واقع العلاقة بين الطبقة العاملة والحركة النقابية: كيف يمكن توصيف واقع العلاقة بين الطبقة العاملة والحركة النقابية في الاطار اللبناني الملموس؟ كيف ولماذا تتفاوت نسب الانتساب الى النقابات ووتيرة التحركات الإضرابية، بحسب قطاعات النشاط الاقتصادي الأساسية، بما في ذلك المؤسسات العامة وشبه العامة؟ وما هو الموقع النسبي للعمال الشباب في حركة الإنتساب الى النقابات والى العمل النقابي؟ وما هو الدور الفعلي للمرأة اللبنانية في حركة الإنتساب الى النقابات وفي العمل النقابي عموما، والى أي حدّ يتناسب هذا الدور مع وزنها النسبي في القوى العاملة؟ وما هي أهم المعاني والأبعاد المتأتية عن هذا التفاوت الجندري المؤثر في زخم الصراع الاجتماعي؟ وما هو السبيل الى بلورة خارطة طريق واضحة المعالم تتيح إعادة تجديد دور الحزب في معركة النهوض بالعمل النقابي عموما، عبر تجميع القوى لفرض قانون عمل جديد وهيكلية نقابية عصرية؟

ق– حول أثر هجرات اليد العاملة الأجنبية الى لبنان: ما هو حجم ونوع الانعكاسات على الطبقة العاملة اللبنانية من جرّاء تزايد تدفقات العمالة الأجنبية الرخيصة الى لبنان؟ ألا يشكل هؤلاء العمال من الناحية المبدئية جزءا لا يتجزأ من الطبقة العاملة في لبنان؟ وفي هذه الحالة أليست لهذا الواقع من مندرجات كان يفترض بالقوى اليسارية التعامل معها من موقع طبقي بصورة أكثر جدية، في ضوء التجارب التي خاضتها الحركة النقابية العالمية على هذا الصعيد في البلدان التي إستقبلت وتستقبل عمالا وافدين أجانب (فرنسا مثلا)؟ من جهة أخرى، ما هي النسبة من بطالة العمال اللبنانيين التي قد تعود الى تدفقات العمالة الأجنبية، ونسبة الخفض الفعلي في أجور العمال اللبنانيين غير المهرة الذين يتعرضون للمنافسة المباشرة من قبل هؤلاء العمال الوافدين؟ وكيف يمكن لليسار، وبخاصة الحزب الشيوعي، الحدّ من هذا النوع من الخسائر من دون المساس بمصالح العمال غير اللبنانيين؟

ل– حول قدرة الحزب على بلورة خارطة طريق واضحة المعالم في تعاطيه مع القضايا التي تعني الطبقة العاملة: كيف يمكن للحزب الشيوعي – مع امتلاكه للبعض الأساسي من الإجابات على الأسئلة المطروحة أعلاه – أن يصيغ بروح علمية ووضوح برنامج عمله في صفوف مختلف مكوّنات الطبقة العاملة؟ وكيف ينجح بالتحديد في التوفيق بين مصالح هذه المكونات المختلفة مع السعي قدر المستطاع الى عدم التمييز بينها وعدم الإكتفاء بالدفاع عن مصالح مكونات بعينها دون المكونات الأخرى؟ وكيف يمكنه المساهمة بفعالية في إنتزاع الشروط المثلى للعمل المأجور على كافة الجبهات وصولا الى فرض عملية تحسين في ميزان القوى بين رأس المال والطبقة العاملة عموما؟

2-2- الموضوعة الثانية المفصّلة: كيف نقارب “فلسفة” أنظمة التقديمات الاجتماعية والخدمات العامة الرئيسية التي تهمّ الطبقتين الفقيرة والوسطى؟

تشكل التقديمات الاجتماعية والخدمات العامة الرئيسية محورا أساسيا من محاور نضال الشيوعيين واليساريين في لبنان وفي غيره من البلدان. ويتفاوت الى حدّ كبير نصيب مختلف مكوّنات الشعب اللبناني من التقديمات الاجتماعية والخدمات العامة الأساسية المتاحة. ويرتبط هذا التفاوت عموما بتباين وضعية وموقع اللبنانيين في سوق العمل (عمال وأجراء نظاميون وعمال وأجراء غير نظاميين في القطاع الخاص، موظفون رسميون وفق صيغ عمل متنوعة، مزارعون، أصحاب أعمال حرّة، عاملون لحسابهم، متعطلون عن العمل، طلاب، ربات أسر لا يعملن ….). كما يرتبط أيضا بالتأثير البالغ الأهمية الذي تمارسه التشكيلات السياسية والطائفية المهيمنة، في مجال تقريرها لنسق أنتاج وصيانة وتوزيع وتسعير الخدمات العامة ومرافقها الأساسية في البلاد.

إن الكثير من القوانين والتشريعات المقرّة رسميا، يتناول حق اللبناني في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والعمل (وغيرها من الحقوق)، بدءا من الدستور ومرورا بقوانين إنشاء وزارات الخدمات العامة الأساسية (لا سيما وزارات التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية)، وإنتهاء ببعض نظم التأمينات العامة وشبه العامة. غير أن التجسيد الحي لهذه الحقوق يصطدم بفجوات وعراقيل متوارثة ومستعصية وبأوجه تحيّز وعدم عدالة فاقعة. وغالبا ما تؤدي هذه الفجوات الى أشكال من الفوضى التي تحول دون تحقيق مستوى مقبول من التوازن بين حقوق اللبنانيين من جهة وواجباتهم من جهة ثانية. وتستغل الطبقة السياسية بشكل عام هذه الفوضى العارمة لإجراء “مقايضات” فوقية تمكنهم في كثير من الأحيان من أن يستعيدوا بيد ما قدموه باليد الأخرى، أو أن يمنحوا “مكاسب” مؤقتة ومرتجلة لمجموعات محددة (ومحدودة) من الفئات الفقيرة والمتوسطة على حساب خفض المكاسب الخاصة بمجموعات أخرى من هذه الفئات بالذات.

لقد أولت وثائق الحزب – من الزاوية التاريخية – إهتماما كبيرا بالعديد من الجوانب ذات الصلة بموضوع التقديمات الاجتماعية والخدمات العامة الأساسية، وتمّت بالاستناد الى هذا الجهد بلورة وتنفيذ العديد من الحملات المطلبية التي حققت نصيبها المتفاوت من النجاح والفشل. ولكن حجم ونوع التحولات الاقتصادية والاجتماعية البنيوية التي عصفت في البلاد في العقدين الأخيرين، باتا يتطلبان الإرتقاء الى مقاربات تحليلية لا تقف فقط عند جزئيات وتفرعات هذا الموضوع – على أهميتها – بل تتجاوزها الى وجوب تشريح وتعرية منطقه “الكلي”، حيث يبرز العديد من الأسئلة المحورية التي لم تقاربها الوثائق الحزبية السابقة، والتي أصبحت تحتاج الى إجابات – ولو أولية – تمكننا من إمتلاك المزيد من الوضوح في الرؤية والمزيد من الفعالية. ومن ضمن هذه الأسئلة، يمكن طرح الآتي:

أ حول “نطاق” تدخل الدولة في مجال الخدمات والتقديمات العامة؟ الى أي درجة حدّدت الدولة – عبر القوانين والتشريعات – نطاق تدخلها الفعلي في مجال توفير الخدمات العامة الأساسية (وبخاصة خدمات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتنمية المحلية….)؟ لماذا إكتفت الدولة غالبا بالإبقاء على الصياغات الإنشائية العامة في نصوص القوانين والتشريعات الصادرة، ولم تعمد الى تحديد دقيق لالتزاماتها المبدئية في هذا المجال، عبر الإصرار في معظم الأحيان على تغييب النصوص التنظيمية والتنفيذية المفصلة التي ترعى تطبيق دقائق تلك الإلتزامات؟ ألا يسهّل وجود مثل هذه الفجوات الصارخة – بين النصوص العامة وواقع الخدمات العامة المرير – تملّص الدولة من مسؤولياتها العامة المنصوص عنها في تلك القوانين والتشريعات؟ واستطرادا أليس من واجب الشيوعيين الإنكباب على تحليل تلك الفجوات وإقتراح سبل ردمها، كي يتمكنوا من إكتساب المزيد من الفئات الاجتماعية ويشجعون إنخراطها في المعارك الاجتماعية والطبقية؟

ب –حول مدى تفاوت حجم ونوع التقديمات الإجتماعية بحسب أنماط العمل المأجور المختلفة: الى أي مدى أو حدود، ينبغي القبول الضمني (الطوعي أو القسري) باستمرار الربط المحكم بين توفير أنواع أساسية من التقديمات الاجتماعية للأجراء (التغطية الصحية، التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة، بدلات النقل، منح التعليم…) من جهة، والوضعية الخاصة لعمل هؤلاء كجراء نظاميين من جهة ثانية؟ وهل ثمة إدراك لتبعات إستمرار حصر هذه التقديمات بالأجراء النظاميين فقط، في وقت يكاد يكون فيه نحو 40% من العمال والأجراء اللبنانيين غير مصرّح عنهم لدى نظم التأمينات العامة وشبه العامة، لا سيما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مما يحرمهم بالتالي من الإستفادة من مختلف تلك التقديمات؟ وهل ثمة إدراك أيضا بأن هذا الواقع ينطبق أيضا على جزء كبير من المجتمع الريفي ومن فئة العاملين لحسابهم الخاص الذين يحرم معظمهم أيضا من تلك التقديمات؟ وماذا يمكن القول – والعمل أيضا – بالنسبة الى عملية الإقصاء الكامل للعمال الأجانب عن كافة أنواع هذه التقديمات؟

ج – حول سبل مواجهة هذا التفاوت: كيف السبيل الى تضييق مروحة الفوارق بين تلك الشروط، مع إحترام المفاعيل الموضوعية المرتبطة بتباين إنتاجية العمل في القطاعات والمهن المختلفة؟ ألا تستوجب هذه الفوارق – من القوى اليسارية عموما – تطوير مقاربات ترمي الى كسر آلية ذلك الربط المحكم – على الأقل بالنسبة الى عدد من الخدمات الأكثر إلحاحا من وجهة نظر العمال وعموم المواطنين – والى محاولة فرض التمويل الجزئي أو الكلي لتلك الخدمات عبر المال العام (أي الضريبة) وتعميمها بالتالي على جميع اللبنانيين المقيمين، بدلا من استمرار تمويلها عبر الإشتراكات التي يدفعها فقط العمال والأجراء النظاميون في القطاعين العام والخاص؟ وما هو في هذه الحالة نوع الإصلاح الضريبي المنشود الذي يتيح تعزيز الايرادات الضريبية المباشرة – وبخاصة الضرائب على الريوع العقارية وأرباح رأس المال الكبير- بغية تسهيل عملية التحول الجذري نحو هذا النوع من صيغ تمويل الخدمات العامة الأساسية؟

د– حول إمكان إجراء مفاضلات بين المصالح الطبقية الجزئية والمصالح الطبقية الأوسع نطاقا: ألم تنضج الظروف لتطوير النقاشات في وثائقنا المؤتمرية، بحيث تطال محاور وملفات لطالما جرى تحاشي البحث فيها، بالرغم من كونها تندرج في صلب الصراع الاجتماعي والطبقي، وتتجاوز المصالح المشروعة (وأحيانا الضيقة) لهذا المكوّن الاجتماعي أو ذاك، لتنفتح على شبكة المصالح التي تعني الغالبية الساحقة من العمال والأجراء والفئات المتوسطة والفقيرة؟ وبكلام أكثر تحديدا، ألا يجوز البحث عن”مفاضلات” (أو “مقايضات”) تشجع القبول بالتنازل (لقاء دفع تعويضات مشروعة عن حقوق مكتسبة) عن مكاسب جزئية خاصة بأحد مكوّنات الطبقة العاملة أو أحدى مكونات تحالفها الطبقي، في مقابل التمكن من إنتزاع مكاسب ذات بعد وطني تستفيد منها كتل اجتماعية متنوعة وواسعة النطاق؟

و–حول حالات محددة من تلك المفاضلات المحتملة في المجال الصحي: ألا يمكن اعتماد مثل هذه “المفاضلات” المبدئية – على سبيل المثال – لدى إجراء خيار بين إستمرار تعدد نظم التأمينات الصحية العامة وشبه العامة من جهة – التي لا تكاد تغطي راهنا نصف إجمالي اللبنانيين المقيمين – وإمكان إستبدال هذه النظم من جهة أخرى بنظام وطني للتغطية الصحية يشمل جميع المقيمين وليس فقط العاملين في الأنشطة النظامية في القطاعين العام والخاص؟ وهل يتعارض هذا النوع من المقايضات مع مبدأ حماية الحقوق المكتسبة (الذي تتمسك به عن حقّ الحركة النقابية)، لا سيما إذا هو تضمن التعويض عما قد تخسره بعض مكونات الطبقة العاملة النظامية من جرّاء إنتقالها من نظم التأمينات الخاصة بها الى نظام وطني شامل للتغطية الصحية؟

ز–حول حالات محددة من تلك المفاضلات المحتملة في مجال التعليم: على صعيد آخر، ما هو مقدار الجدية – من جانب القوى اليسارية – في إصرارها اللفظي على طلب تحسين نوعية التعليم الرسمي، بينما لم تطور هذه القوى مقارباتها وتحركاتها العملية في مواجهة إستمرار تراجع هذا التعليم، كما ونوعا، وإستمرار ترسّخ نظام المدارس الخاصة المجانية (نحو 100 ألف تلميذ)؟ وما هي المبررات والمسوغات التي تجعل تلك القوى تتحاشى إتخاذ موقف واضح وصريح إزاء إستمرارالدولة في تمويلها المباشر– من أموال المكلفين التي يتأمن معظمها من الفقراء – لنفقات التعليم الخاصة بغالبية أبناء موظفي الدولة في المدارس الخاصة بالذات، مما يعكس إنعدام أي جدية في شعار تحسين التعليم الرسمي؟ ألا يشكل إستمرار هذا التمويل إحدى العقبات الأساسية التي تعرقل التقدم الفعلي على طريق تحسين نوعية التعليم الرسمي؟ ثم كيف يفترض التعامل مع الفجوة المتزايدة بين نوعية التعليم الرسمي (لا سيما في المرحلة الإبتدائية والتعليم الأساسي) ونوعية التعليم الخاص، بينما تكاد كلفة التعليم للتلميذ الواحد تتساوى في القطاعين؟ ألا يشكل هذا الواقع حافزا لبعض ذوي “الرؤوس الحامية” للمطالبة بخصخصة التعليم الرسمي، بحجة أنه مكلف وضعيف الإنتاجية في آن معا؟ وكيف ينبغي للقوى اليسارية أن تتعامل بشكل ملموس مع هذا الواقع؟

ح– حول حالات محددة من تلك المفاضلات المحتملة في مجال نظم التقاعد: كيف يمكن تسريع الخطى نحو إقرار نظام وطني للشيخوخة والتقاعد – مع إحترام مبدأ الحقوق المكتسبة للعاملين– مع العلم أن نحو عقدين قد إنقضيا منذ أن بدأت مناقشة حيثيات هذا النظام في أواسط التسعينات، وصدرت مذاك صيغ عدّة منه؟ وما العمل لجعل شروط التقاعد للعاملين في القطاع الخاص (النظامي) شبه موازية للشروط المعمول بها في القطاع العام؟ ألم تنضج الظروف بعد لوقف إستمرار “مهزلة” نظام تعويضات نهاية الخدمة الذي يكرّس فوارق بنيوية فظيعة بين مكونات الطبقة العاملة؟ وماذا عن تعويضات التقاعد أو نهاية الخدمة التي يفتقد اليها أؤلئك العمال والأجراء المنسيين الذين يعملون في أنشطة غير نظامية (والذين لا يقل عددهم عن 200 ألف عامل)؟ وما العمل لتجميع وتنظيم هؤلاء العمال والأجراء غير النظاميين لفرض التصريح عنهم من قبل أصحاب العمل، وتمكينهم بالتالي من الاستفادة من مختلف أتواع التقديمات الاجتماعية؟

2-3 الموضوعة الثالثة المفصّلة: حول نظام التمثيل السياسي-الطائفي

أكّدت حقبة ما بعد إتفاق الطائف الإرتفاع الإستثنائي في حجم التوظيف السياسي للظاهرة الطائفية وإرتداداتها المعقدة على مختلف ساحات الحياة العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة على مضمون ومسار عملية التمثيل السياسي في البلاد. وتجلى الوجه الآخر لتفاقم هذا التوظيف المقصود، تراجعا في مستوى وعي الناس (بصفتهم مواطنين) لحقوقهم ومصالحهم الفعلية والمباشرة في تلك الساحات كافة، في مقابل ترسّخ خضوعهم / إخضاعهم من قبل الزعامات الطائفية والطبقية، للعصبيات والإنتماءات الضيقة وما دون الوطنية التي كرسّت وتكرّس تبعيتهم المطلقة لتلك الزعامات. وبالرغم من أن نضالات مطلبية كثيرة – بما فيها نضالات شاركت فيها مروحة واسعة من القوى ذات قاعدة إجتماعية عريضة – قد خيضت خلال السنوات الأخيرة وانتهت الى إنتزاع مكاسب إجتماعية مهمة نسبيا، إلا أن هذه النضالات لم تنجح في فتح كوة في جدار النظام السياسي- الطائفي المسيطر.

فقد إمتلك هذا النظام معظم الأحيان – مع إستثناء نسبي ومؤقت في التجربة الراهنة لهيئة التنسيق النقابية – القدرة المعلنة والخفية على تفريغ المضامين والمفاعيل السياسية لتلك النضالات من معانيها، وعلى إعادة ضبط إيقاعها ضمن منظومة المصالح الضيقة الخاصة بالتوازنات السياسية والطبقية الداخلية التي يقوم عليها هذا النظام. وهذا ما أتاح للنظام إعادة إنتاج نفسه بصورة شبه دائمة والحؤول دون القيام بإصلاحات سياسية جدية وقابلة للحياة، بالرغم مما إضطر أحيانا الى تقديمه من تنازلات في المجال المطلبي البحت. وفي الحالات القليلة التي تمّ فيها إنتزاع مثل هذه الإصلاحات في فترات معيّنة، فان النظام لم يتردد أو يرتدع عن العمل على تقويضها وإفراغها من محتواها الإيجابي والواعد كلما سنحت له الظروف بذلك. إن هذا ينطبق على السقوط العملي لمحاولة الإصلاح الإداري الجدية التي خاضها الرئيس فؤاد شهاب في الستينات (إنشاء المصرف المركزي ووزارة التصميم وهيئات التفتيش المركزي والخدمة المدنية وعدد من الؤسسات العامة الأخرى..). كما ينطبق على الوضع المرير والبائس الذي إنتهى اليه واقع التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية بعد عقود من إنطلاقتهما، مع العلم أن هذين الصرحين إضطلعا ذات يوم بدور مهم في تعزيز صفوف الطبقتين الفقيرة والوسطى على حساب ما وصفه الرئيس شهاب نفسه آنذاك، “طبقة الأربعة في المئة”.

إن هذا الواقع يطرح– في مجتمع كالمجتمع اللبناني – إشكالية العلاقة بين سيرورة النضال الإجتماعي (والطبقي) من جهة، وسيرورة النضال السياسي والديمقراطي من جهة ثانية، أي مدى التزامن الايجابي بين القدرة على تحقيق مكاسب وإنجازات على الجبهة الأولى، والقدرة على ترجمة هذه المكاسب والإنجازات الى إصلاحات سياسية وديمقراطية مباشرة على الجبهة الثانية. إن إيجابية هذا التزامن التي بدت قوية وصريحة في تجربة البلدان الرأسمالية التي سبقتنا على طريق النمو، لم تكتسب هذا القدر من القوة والصراحة في الحالة اللبنانية، وذلك بالرغم من تميّز هذه الأخيرة بأوجه عدم عدالة وعدم مساواة فاقعة. إن أسبابا عدّة قد سمحت للظاهرة الطائفية بالإضطلاع بدور “المرايا المزيفة”،وأهمها التوظيف السياسي للظاهرة الطائفية، الذي حوّل “جماهير الطوائف” الى إحتياط محكوم بالتبعية لزعامات النظام الطبقي والطائفي القائم. وبالنظر الى كون “الطائفية هي الشكل السياسي للحكم ولسيطرة البورجوازية فيه”، فان مهمة فهم وتشريح وفكفكة هذه الظاهرة وتوظيفاتها السياسية تطرح الكثير من الأسئلة التي تتطلب بلورة إجابات ولو أولية عليها.

أ – حول مخاطر المقاربة التبسيطية للمسألة الطائفية: الى أي مدى يجوز إختزال الظاهرة الطائفية عبر إعتبارها فقط جزءا من البناء الفوقي للمجتمع الرأسمالي، أو عبر تفسيرها إنطلاقا فقط من طرح فكري صارم يراد له أن يكون طرحا طبقيا، فيما هو لا يخلو من جمود وتعسّف فكري، عبر ميله – عن قصد أو غير قصد – نحو التبني الضمني لمقولة “الطبقة-الطائفة”؟ وهل يصمد مثل هذا التحليل التبسيطي أمام الجذور العميقة لهذه الظاهرة وتوظيفاتها السياسية المتعددة وإنسحاب مفاعيلها بشكل حثيث على كافة مناحي الحياة اليومية في البلاد، بدءا من إدارة الشأن العام والمرافق والوظيفة العامة، والتعليم والثقافة والإعلام، ومرورا بخدمات الصحة وأنماط الحماية الاجتماعية السائدة، وصولا بشكل خاص الى الآليات الأساسية الناظمة لسوق العمل وسوق السكن؟

ب – حول أولويات التصدي لهذه الظاهرة: هل يتمّ هذا التصدي دفعة واحدة على الجبهات كافة، الأساسية والفرعية، المتصلة بعوامل هذه الظاهرة المعقدة وجذورها المتشعبة، أم يصار الى التركيز على أولويات محورية ومحدّدة ضمنها؟ أليس إسقاط نظام التمثيل السياسي الطائفي هو بالتحديد الذي ينبغي أن يحتل الموقع الأول في تلك الأولويات، وأن تسخّر له كل الجهود (الفعلية وليس الخطابية فقط) من قبل أحزاب اليسار، وفي طليعتها الحزب الشيوعي؟ إذا كان ذلك كذلك، أي قانون تمثيل نيابي هو الأكثر تناسبا مع متطلبات تفكيك وإضعاف آليات الظاهرة الطائفية في لبنان، بعدما توافقت كل أطراف الطبقة السياسية اللبنانية خلال العقدين المنصرمين على إختبار العديد من قوانين الإنتخاب القائمة على المبدأ الأكثري، بدعم وتشجيع من “اللاعب” العربي (السوري والسعودي أساسا) واللاعب الدولي (لا سيما الأميركي والأوروبي)،الساعيين دوما الى ضمان إعادة إنتاج التوازنات الهشّة بين الزعامات الطائفية والطبقية اللبنانية المختلفة؟

ج – حول إمكان تمرحل معالجات الظاهرة الطائفية عبر التدرج في قوانين التمثيل: إن إختلال مجمل قوانين التمثيل القائمة على المبدأ الأكثري – والتي لم تفعل سوى تدعيم الظاهرة الطائفية وتوظيفاتها السياسية المختلفة – قد دفع القوى اليسارية والديمقراطية اللبنانية عموما، إضافة الى خليط من القوى السياسية الأخرى، الى تبني الشعار العام المؤيد للنظام الإنتخابي القائم على النسبية. ولكن لماذا لم يجر تحويل هذا الشعار العام الى خارطة طريق تنفيذية تستقطب فعليا جمهور اليسار والقوى الإجتماعية الطامحة نحو الإنعتاق من الطائفية؟ ولماذا لمم تتمّ بصورة كافية ومفصّلة دراسة التطبيقات المختلفة لهذا الشعار، مع الأخذ في الإعتبار تنوعها وتفاوت نتائجها تبعا لنظام الدوائر المعتمد (دوائر متعددة أو دائرة وطنية واحدة)؟ ألم يكن التنوع الشديد في مضمون هذه التطبيقات في البلدان التي إعتمدت على النسبية، يقتضي من اليساريين اللبنانيين إجراء إختباراتهم الخاصة على هذه الطرق المختلفة، والمفاضلة بينها إستنادا الى الشروط اللبنانية الملموسة، بغية توسيع مروحة الخيارات الممكنة والوصول بالتالي الى مشروع جامع ينزع نحو تحقيق صحة التمثيل وشموليته ويعزّز إستقطاب الناخبين، وبخاصة غير الطائفيين منهم؟

د – حول العلاقة بين قوانين التمثيل وتوازنات القوى القائمة: إن رفع شعار التمثيل النسبي خارج القيد الطائفي في لبنان دائرة واحدة، هو شعار إستراتيجي صحيح من حيث المبدأ، وقد أجمعت عليه العديد من القوى اليسارية والمدنية العلمانية. ولكن ألا يبدو ضروريا – بالنسبة لأحزاب اليسار وبخاصة الحزب الشيوعي – التحضير (على الأقل في منابرها الداخلية) لخيارات مرحلية – ذات صلة – تمهد أو تهيئ تدريجيا لوضع هذا الشعار الاستراتيجي موضع التنفيذ، متى ما توفّرت ونضجت التوازنات الطبقية والسياسية التي تسمح بذلك؟ فألى أي حدّ يمكن المراهنة على الإكتفاء برفع شعار إستراتيجي (صحيح مبدئيا)، في الوقت الذي لا تسمح بتحقيقه لا الشروط الذاتية (الأوضاع المأزومة للأحزاب والقوى اليسارية والعلمانية) ولا الشروط الموضوعية (الانقسام والتشظي الطائفيان المستحكمان بالمجتمع اللبناني وفي المنطقة)؟

ه – حول أمثلة محددة عن المعالجات المتدرجة: إذا كان الهدف الأساسي في المدى المتوسط والبعيد هو كسر حلقات النظام السياسي الطائفي، ألا تتيح بعض الخيارات المرحلية وذات الصلة – إذا ما تمّ وضعها موضع التنفيذ – بتحقيق بعض المقومات الأساسية لهذا الهدف الإستراتيجي؟ ألا يندرج ضمن تلك الخيارات المرحلية مثلا إنتزاع قانون يقرّ تنظيم مفهوم الإقامة إستنادا الى معايير موضوعية وشفّافة، مما يوجّه ضربة قوية لآليات التعامل مع “جماهير الطوائف” كاحتياط تابع، عبر إستمرار إخضاعها لأماكن تسجيلها (في سجلات النفوس)، بدلا من التعامل معها على أساس مشروع قانون الإقامة المقترح؟ ألا يصب في الإتجاه ذاته فرض تطبيق قانون طوعي للأحوال الشخصية، مما يقوّض جزءا مهما من سلطة المؤسسات والزعامات الدينية والطائفية ومن قدرتها – عبر علاقتها الممأسسة بالدولة – على التحكم برقاب العباد؟ ألا تستدعي مثل هذه المشاريع المزيد من الجهد والتحليل والربط، كي تصبح أداة أساسية إضافية من أدوات نضال الشيوعيين والقوى الديمقراطية والمدنية؟

و – حول مدى الوضوح والتفصيل المطلوبين: هل يمكن إيهام النفس بالقدرة على التحول الى قوة تغيير فاعلة ويحسب لها حساب، من دون تحقيق قدر أكبر من التفصيل والوضوح في محاولة الإجابة (ولو الأولية) على هذه المروحة من الأسئلة المطروحة، التي لا تنحصر في الإطار السياسي والقانوني والتشريعي، بل لها مندرجات إقتصادية وإجتماعية وثقافية متنوعة؟ هل يمكن فعلا التقدم من دون العمل على تحويل تلك الإجابات الى قوة دفع قادرة على إستنهاض كتل إجتماعية وسياسية تاريخية مهيأة لخوض نضالات منظمة بهدف كسر التوظيف السياسي لمفهوم الطائفة، الذي تدفع ثمنه في المطاف الأخير “جماهير” الطوائف نفسها؟ كيف يمكن توضيح وإبراز إشكاليات التناقض بين هذا المفهوم كما تروّج له الزعامات الطائفية والطبقية في الإطار اللبناني، ومفهوم الطائفة كما وصفه مهدي عامل ذات يوم “بأنه تلك العلاقة السياسية من التبعية الطبقية التي تربط الطبقات الكادحة (أو معظمها) بالبورجوازية في علاقة تمثيل سياسي طائفي”؟

3- عناوين مختصرة لموضوعات أخرى يجب إعادة إخضاعها للبحث:

إن لائحة موضوعات البحث البالغة التأثير – بالنسبة الى عمل الحزب – مرشحة لأن تطول (وسوف نترك تحديدها والبتّ بها الى “هيئة” مقترح إنشاؤها في الجزء الأخير من هذه الورقة). ومن ضمن هذه الموضوعات التي تضاف الى الأمثلة الثلاثة التي جرى تفصيلها أعلاه، يمكن إستعراض عناوين أولية لأمثلة أخرى عن موضوعات – تحتاج الى مزيد من البلورة والتعميق في أدبيات الحزب ووثائقه – ويفترض أن تشملها تلك اللائحة:

أ -التحالف الطبقي المهيمن في لبنان:

ما هي أهم المرتكزات الاجتماعية والقطاعية للتحالف الطبقي المهيمن، إنطلاقا من واقع البنى السياسية والاقتصادية المترسخة الوجود ومما طرأ عليها من تطورات نسبية؟ وما هي الخصائص الأساسية لكل من مكونات ذلك التحالف، وللآليات الناظمة لعلاقة الجذب والنبذ بين تلك المكونات المختلفة؟ والى أي حدّ يمكن الحديث بالملموس عن سيطرة إحتكارات متوارثة تستأثر بالثروة والدخل وتتقاسمها عبر عشرات من البيوتات العائلية؟ هل ثمة مجال لإجراء بعض التمييز بين أطراف هذا التحالف (على سبيل المثال، كبار المستوردين والمصرفيين، ممتهنو الأنشطة الريعية والعقارية من جهة، وأصحاب المؤسسات الصناعية وغير الصناعية الصغيرة والمتوسطة ومنتجي الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، من جهة ثانية….؟)، والتثبّت من مدى إستعداد وقابلية بعض هذه الأطراف لأن تكون جزءا من مشروع بديل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ ما هي أشكال تقاطع المصالح أو تقسيم العمل بين مكونات التحالف الطبقي المهيمن و”الطبقة السياسية” المسيطرة، بما في ذلك الزعامات الطائفية؟ من يغطي من، في تقسيم العمل هذا، وكيف تتوزع المنافع بين الأطراف المعنية به؟ ما هي أهم سمات التوظيف السياسي للظاهرة الطائفية وإرتباطاتها المعلنة والمستترة بمصالح التحالف الطبقي المهيمن؟ وما هي الأليات والأشكال الملموسة لارتباط التحالف الطبقي المهيمن بالخارج وتبعيته له؟….

ب – قضية التحالفات من وجهة نظر الحزب:

ما هي المرتكزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لقضية التحالفات من وجهة نظر الحزب؟ أي أولويات ينبغي مراعاتها في بناء التحالفات: هل تكون عبر الاتجاه نحو تغليب العلاقة مع قوى فوقية وشخصيات سياسية عامة، أوعبر العمل على تنظيم وإجتذاب قوى طبقية واجتماعية محددة وذات مصلحة في التغيير، يتم العمل على زيادة وعيها لمصالحها الإجتماعية الخاصة من خلال خوض نضالات مشتركة حول مسائل محددة تتصل بمصالحهم المباشرة؟ هل يمكن خوض سياسة التحالفات من دون وضوح التحليل حول واقع القوى الإجتماعية والطبقية في البلد، وبخاصة ما يتعلق منها بواقع الطبقة العاملة (بحسب ما جرى توضيحه في المثال الأول المذكور أعلاه)؟ وكيف يفترض التعامل مع إحتمالات ثبات أو تغير التحالفات، تبعا لتطور الواقع الإقتصادي والإجتماعي في البلاد؟ وكيف التوليف – في إطار التحالف – بين النزعة نحو التوافق حول بعض جوانب الأجندة االإقتصادية والإجتماعية، والنزعة المحتملة نحو التباين والاختلاف حول أساسيات الأجندة السياسية وقضية التحرر الوطني؟ ما هو مدى القبول بمبدأ الإستقلال النسبي للتحالفات على المستوى المناطقي والبلدي، إزاء التحالفات القائمة على المستوى المركزي؟ وأي مهمات محددة يمكن طرحها على المنظمات الحزبية القاعدية كي تتمكن فعلا، عبر تحالفاتها المحلية، من تشكيل “بلديات ظلّ” تراقب وتواكب وتحفّز عمل المجالس البلدية المنتخبة، بما يساعد تلك المنظمات على إكتساب حضور مادي ومعنوي فاعل في مناطق وجودها؟ ….

ج -إعادة بناء الدولة والإدارة العامة:

في أي وجهة ينبغي تطوير وتحديث المرتكزات القانونية والتشريعية الأساسية لإعادة بناء الدولة والإدارة العامة؟ كيف يمكن إعادة الإعتبار للوظيفة العامة، حقوقا وواجبات، وكيف يمكن تحريرها من إزدواجية المرجعية، ذات البعد الوظيفي من جهة والبعد السياسي الطائفي الزبائني من جهة أخرى؟ كيف يمكن التمييز بين توسع في القطاع العام يقوم على تكريس “السياسات التوزيعية البسيطة” – بضغط من التحالف الطبقي والطائفي الحاكم – وتوسع هذا القطاع إستجابة لمتطلبات تطوير وظيفة الدولة في المجال الإنمائي؟ هل تقوم دولة من دون قوانين عصرية للتمثيل السياسي ولمفهوم الإقامة والتقسيمات الادارية (ربطا بالمثال الثالث المفصّل أعلاه)؟ ما هي الإصلاحات المحددة التي من شأنها تكريس إستقلال سلطة القضاء عن الزعامات السياسية-الطائفية؟ ما هو السبيل لوضع قانون اللامركزية الادارية موضع التنفيذ وتطوير العمل البلدي كي يصبح ركنا أساسيا في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وخلق فرص العمل في المناطق؟ كيف تكون مقاربة عملية ملء الشواغر في ملاك الإدارات العامة إستنادا الى معايير مهنية صارمة، بعدما تجاوزت نسبة الشغور عتبة السبعين في المئة؟ كيف يتم وقف الخصخصة الضمنية الجاري تنفيذها بصورة فجّة في هذه الإدارات، عبر التوسع المستمر في التطبيق العملي لآلية التعاقد الوظيفي، والتغاضي عن تلزيم القطاع الخاص جزءا مهما من خدمات الماء والكهرباء التي كان يفترض بالدولة توفيرها؟ وكيف يمكن التقدم على طريق “إعادة توطين الجزر الإدارية العصرية” المشكّلة في الوزارات المختلفة من جانب البنك الدولي والمنظمات الدولية، على نحو يعزز الهيكل العام الوظيفي للإدارة العامة الرسمية، بدلا من إستمرار إسباغ طابع الإزدواج المشوّه والهجين عليها؟

د – حول المحددات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للتحولات الجارية في العالم العربي:

كيف يتقاطع في بلداننا العربية دور العوامل السياسية (الإستبداد والتسلط والخطاب الديني والنزعة نحو التوارث القبلي والعائلي و”الجهازاتي” و”العصبياتي” للسلطة) – التي كرّست التفرّد بالحكم وإحتكار مقدرات الدولة – ودور العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت التبعية والفقر والبطالة والإقصاء الاجتماعي وعدم المساواة وضمور الطبقة الوسطى؟ كيف تفاوتت بشكل ملموس خصائص هذا التقاطع من بلد عربي الى بلد آخر، في ضوء البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملموسة السائدة؟ وماذا كان وزن”اللاعبين المحليين” – من تحالفات طبقية مسيطرة وقوى إسلامية وطبقة العاملة وحركات نقابية ومدنية ويسارية – في مقابل وزن “اللاعب الاقليمي والدولي” في كل من هذه الحالات المختلفة؟ وإنطلاقا من هذه العوامل والإعتبارات، كيف يمكن بالتحديد قراءة محددات الأزمة السورية ومسارها المتفجر، بعدما تمّ تشتيت القوى الديمقراطية واليسارية – التي كانت السبّاقة في إطلاق شرارة الإنتفاضة السلمية – عبر ضربات النظام والقوى التكفيرية؟ اي وظائف محدّدة لعبها النفط العربي في صياغة البنى السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية السائدة ليس فقط في البلدان النفطية، بل كذلك في سائر بلدان النظام الرسمي العربي؟ وفي إطار ثبات العلاقة الثنائية بين ظاهرة إزدهار دور النفط وتنامي الحركات الإسلامية في هذا الجزء من العالم، كيف تقاطعت وظائف “الدينامو” البترولي مع الدور المتعدد الأشكال والألوان الذي لعبه “الإسلام السياسي” بتياراته المختلفة، لا سيما المتشددة منه؟ وإستطرادا أي أشكال ملموسة ارتداها التوظيف السياسي للحركات والتيارات الدينية المختلفة (من قبل “اللاعب الخارجي”) في عملية إطلاق و/أو مصادرة أوإمتلاك الإنتفاضات الشعبية العربية؟ وما العمل لإطلاق حركة ديمقراطية و يسارية عربية جامعة في عالم عربي تابع، هو أقرب الى “عوالم” متعددة من حيث مستوى تطوره الاقتصادي والاجتماعي الشديد التفاوت؟

ه–المفاعيل المتناقضة لظاهرة العولمة وثورة التواصل والاتصالات والمعلومات:

ما هي أهم إنعكاسات هذه الظاهرة (المعقّدة وأحيانا المتباينة) على صعيد الاقتصاد والمال والاجتماع والثقافة والعلوم والاعلام والتواصل والقانون والتشريعوالتعليم….؟ هل يمكن الإكتفاء بإطلاق حكم واحد على كل هذه الإنعكاسات، أم ترى ينبغي النظر الى الديناميات المعتملة في كل منها – على غرار ما قامت به دول ناشئة عدّة بما فيها الهند والبرازيل والصين وغيرها – للتمييز بين ما يمكن أن نستثمره في صالحنا، وما ينبغي أن نواجهه ونعمل على درء مخاطره؟ ماذا يعني أن يتحوّل العالم الى ساحة يحكم تفاصيلها “المركز” الرأسمالي– ليس عبر حركة رأس المال المباشرة – بل عبر ما يقرره من آليات تحدّد شروط التبادل وتحرير الأسواق وفرض مقاييس ومواصفات السلع والخدمات الخاضعة للتجارة الدولية، وسنّ نظم التشريعات والاتفاقات الدولية الجديدة الراعية للمبادلات في شتى الحقول (التجارة، الاستثمار، التحويلات المالية والمصرفية، الملكية الفكرية، انتقال التكنولوجيا، إستخدام المعلومات…)؟ ألا تؤدي مثل هذه المندرجات الى تقييد فظيع للسيادة الوطنية على القرار الإقتصادي المستقل؟ كيف نجحت بعض البلدان الناشئة التي إنخرطت وتفاعلت بقوة مع ظاهرة العولمة (الصين، الهند، البرازيل …)، من انتزاع مزايا نسبية من الكتل الامبريالية العالمية المهيمنة، إنطلاقا من حجم ونوع الموارد المتاحة لديها، ومن نمط تعاطيها الندّي مع بعض الظاهرات الجانبية التي رافقت اتساع تلك الظاهرة؟ كيف إنعكست وتنعكس هذه التحولات العارمة على بنية وآفاق نضال الحركات اليسارية في العالم وفي منطقتنا العربية بالذات وعلى مفهوم ومضمون العمل الحزبي؟ والى أي حدّ يمكن الجزم في ضوء هذه التحولات ببدء إنتقال العالم من نظام الإستقطاب الواحد الى نظام متعدد الإستقطابات؟

4– نحو مؤتمر حادي عشر يمهد لمؤتمر إستثنائي (المؤتمر الثاني عشر):

أن إعادة إنتاج وثائق الحزب وبرنامج عمله الوطني تتطلب في الدرجة الأولى قرارا سياسيا واضحا من جانب هيئاته القيادية، يقضي بالتهيئة التدريجية للقاعدة الحزبية لإحتضان هذا المشروع، عبر الشروع فورا في إصلاح أوضاعه المتأزمة، وذلك من خلال: خلق بيئة داخلية صحية تحفّز على التفكير والنقاش والمحاججة والمساءلة بين الشيوعيين؛ وتوفير المقومات المؤسسية الشفّافة لتسهيل إيصال الرأي الآخر الى القاعدة الحزبية والإستخدام المسؤول للإعلام الحزبي وغير الحزبي ولشبكات التواصل الإجتماعي تحقيقا لهذا الغرض؛ والعمل الجدي على تأمين عودة الشيوعيين الى حزبهم، بمن في ذلك الذين فصلوا من صفوفه لأسباب ملتبسة أو غير مقنعة؛ وتدعيم منهج العمل القيادي الجماعي الفعلي مع إبراز دور الكوادر الشابة فيه (ذكورا وإناثا)؛ وتعزيز تقسيم العمل داخل الهيئات القيادية بالتزامن مع إعلاء شأن العمل القطاعي داخل هذه الهيئات؛ وحثّ المنظمات الحزبية على بناء وتطوير برامج عمل ملموسة في الإطار القاعدي والمناطقي؛ والعمل على تحديث القاعدة الاحصائية للحزب كأداة لزيادة فعالية نشاط الحزب على مستوى المركز والمناطق والقطاعات على حدّ سواء؛….

ومن الواضح أنه لن يكون من السهل تحقيق هذه الشروط خلال الفسحة الزمنية المتبقية لإنعقاد المؤتمر الحادي عشر. ولذلك قد يتطلب الأمر إنجاز هذه المهمة (الوثائق البرنامجية) بلا تسرّع عبر آلية تمتد على مؤتمرين مترابطين. مع اقتراح انعقاد المؤتمر الحادي عشر قبل منتصف عام 2015، مثلاً، على أن يصار خلال ما تبقى من فسحة زمنية الى إدخال ما يمكن إدخاله من تحسينات على الوثائق المنجزة، وتتابع القيادة الجديدة المنتخبة في المؤتمر الحادي عشر، استكمال إنجاز تلك الوثائق في غضون فترة محدّدة، والدعوة الى عقد مؤتمر إستثنائي لاعتمادها.

زياد هادي  – عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني

عن زياد هادي

عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني

شاهد أيضاً

tarik04

بين أزمة الشيوعية والحزبية واللبنانية

  أعتبر نفسي شيوعياً أو إشتراكياً أو يسارياً أو ماركسياً كما تريدون منذ 45-46 سنة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>