الرئيسية / طريق الادب والفن / المسرح فعل اجتماعي مؤجل؟

المسرح فعل اجتماعي مؤجل؟

Print pagePDF pageEmail page

dream_theater_by_pacsaman-d4iekzm

في كل مرّة تسود فيها الثورات أو الإنتفاضات أو الإضطرابات السياسية والإجتماعية، مطاولة علاقات الشعب بالسلطة، أو علاقة الإنسان بمدى حريته الفردية والإجتماعية، يعود السؤال القلق القديم الجديد إيّاه، ليطرح نفسه، مُسْتَفْسِراً بقصد الإطمئنان عن دور المسرح في مثل هذه الظروف، وعن طبيعة علاقة المسرح بالمجتمع، خاصة وأن العالم العربي يمرّ حالياً بظروف من هذا القبيل، كما مرّ سابقاً بظروف مشابهة أيضاً، إزاء المستعمر.

ومن بين وسائل التعبير التي تسلح بها المواطن، بالإضافة لوسائل أخرى، كانت الفنون ومن بينها الفن المسرحي على وجه التحديد.

فهل نكتفي يا ترى بجعل المسرح فقط أداةً للتعبير ووسيلة من بين وسائل مختلفة للنضال والتعبئة، أم أن المسرح يستطيع أن يكون وسطاً فاعلاً وبديلاً عن الوسط الإجتماعي أو أنه من طبيعة أخرى؟

ثم، أين يجد المسرح مكانه ومكانته، عندما تغدو الحياة الإجتماعية بحد ذاتها مسرحاً، إبان الانتفاضات والثورات والحروب؟ أي عندما تطفو أشياء الحياة المخبّأة والدفينة على السطح؟

إنه سؤال، على الرغم من أهمّيته، لا يجعلنا نعتقد بأن الخلق المسرحي هو انعكاس بسيط فقط للأوضاع الإجتماعية بشكل عام. فالمسرح، تاريخياً، يُعتبر التعبير الدائم عن حريّة الإنسان المخنوقة إزاء التقييدات والمضايقات والتناقضات التي لم يكن ممكنناً تجاوزها أو التغلّب عليها في الحياة الإجتماعية المحسوسة. يضاف إلى ذلك أن التمثيل المسرحي يحرّك المعتقدات والإنفعالات التي تجيب على النبض الذي تنتعش به حياة الجماعات والمجتمعات.

فما هي طبيعة هذا الفن؟ ولماذا يكتسب هذه الفاعلية والتأثير؟ خاصة في الأزمنة العصيبة وأزمنة التحوّلات؟

أولاً: في فرادة الفن المسرحي وتميّزه

بين تركيبته الداخلية كتوازن بين الديونيزوسية والأپولونية([1])، يأتي المسرح كمنقذ مؤقت للبشرية في تطلعاتها المستقبلية، من شجونها ومعاناتها، بين عواقب الإندفاع الغرائزي أو التدمير، أو الثورة على المألوف، إلى الصفاء الذهني والعقلي والتعبير الجمالي الذي يخفّف بهندسته الجمالية وعقلنته من عبء قبح الفوضى العارمة، فتكتمل المتعة وتصل الفكرة.

إن قيام المسرح على هذا التوازن كفن يدعم في تركيبته الداخلية هذين العنصرين، ديونيزوس وأپولو([2])، يستطيع أن يعمل على التثوير خارجه، لكن فعله فعل غير واقعي، إنه فعل اجتماعي مؤجل ودينامية مؤجلة.

بين الشراكة والتفرّد، بين العزلة والانفتاح، وبين الإحجام والاندماج، بين وحدة الرهبان واندفاع الشارع الصاخب، يرسم المسرح هويته بين الإلتزام وعدمه. إنه ليس بخلفية للأوضاع الأخرى ونتاج لها، بقدر ما هو سبب في إعادة رسم واجهتها. فما هي فاعلية المسرح إذا كان فعله كالذي يجري في الأحلام، لكنه فعل يُرى ويُحَسّ ويُفكّر على الخشبة؟ وما هي يا ترى الفاعلية الواقعية للفعل الإجتماعي المؤجّل والدينامية المؤجّلة؟ إلى متى؟

ثانياً: في ضرورة المسرح

إن ضرورة المسرح كأحد الفنون الطليعية وأهمها، قد تتعلق بمدى النفع الذي يجنيه المجتمع منه. وكذلك، بمدى المتعة الحسيّة والفكرية التي يبعثها فينا.

هنا، يصبح السؤال التالي ممكنناً: هل أن الفن المسرحي بقادر على جعل المجتمع يتبدّل ويتحوّل أو يتطور؟ وهل هو بالتالي قادر على إيجاد التوازن البشري على الصعيد الفردي والجمعي في أوقات القلق الكبير وفي زمن الملمّات والقلاقل؟

لا شك أن التعبير مهما كان نوعه ومهما كانت وسائله وأدواته، وفي شتّى الميادين، وبخاصة في ميدان المسرح، يُعتبر الرصيد الاحتياطي، أو بالأحرى النشاط الإستباقي من أجل الإستمرار والتقدّم البشريين.

إنه الإفتراض الذي نضعه أمامنا، أي أمام الحياة البشرية، فتلحق به نموذجاً يُحتذى، نموذجاً جميلاً، خالصاً رائعاً.. ودليلاً على الأمل..

إن الفن المسرحي يصبح، في هذا الإطار، تلك الصورة التي نضعها أمامنا للّحاق بها فتقتل الضجر والسأم والملل. إنه الشغف القوي والذي لا يُقاوَم، الذي عبثاً نحاول أن نستقوي به على الموت بالحياة.

إن هذا التعبير لفن المسرح يبلغ درجته القصوى في الإبتكار والإبداع الدائمين.

وإذا كانت ضرورة المسرح بالنسبة للمجتمعات هي كالواحة للضالين في صحراء الحياة، فإن هذه الضرورة تصبح أكثر إلحاحاً في المسرح الملتزم بقضايا النضال والثورات وبالأحداث المباشرة في المجتمع أكثر منها في المسرح غير الملتزم إذا جاز التعبير.

ثالثاً: المسرح بين الإلتزام وعدمه وتأثيره على التواصل الإجتماعي

تاريخياً، جرى إطلاق صفة الإلتزام على المسرح، (المسرح الملتزم)، عندما يكون المسرح معنياً بشكل إيديولوجي بالنضال المباشر ضد التسلط والطغيان والإستعمار. إن هذا الإطلاق في إطلاق صفة الملتزم على هذا النوع من المسرح، لا يُجرِّد المسرح الآخر من هذه الصفة. إن كل الأعمال الفنية المسرحية تلتزم قضايا الناس سواء كانت فردية أو جماعية، سواء كانت تتناول جزءاً من الحياة أو الحياة برمّتها، أو تتناول المتعة الشخصية لرجل المسرح، أو هماً خاصاً جداً.

إن الإلتزام بقضايا الإنسان تتراوح بين الجزء والكل، وبين الفرد والجماعة، وبين الخاص والعام، لكن الإلتزام بالقضايا الكبرى يقوّي التواصل الإجتماعي ويغنيه، ويعبّىء الشعور الجمْعي ويوحِّده من أجل هدف عام واضح وجليّ.

فالتواصل الإجتماعي، الذي يحصل بين جماعة اجتماعية وجماعة أخرى، وبين الفرد والجماعة، وبين الأنا والآخر ثم بين الذات وصورتها لدى الفرد ولدى الجماعة يُؤمّنه المسرح، ليس لوحده بالضرورة، إذ أن هناك فنوناً أخرى ووسائل اتصال وتواصل عديدة، تحقّقه جزئياً أو كليّاً. غير أن المسرح، بفعل عامل الفرجة، يجعل هذه المساحة في قاعة المتفرّجين مساحة للإنسانية (للأنسنة). وفضاءً للإحتكاك والتواصل بشكل مباشر وغير مباشر، أكثر من غيره من الفنون.

إن الذي يجري في الاحتفال المسرحي يطال الجميع متّحدين، كما يطال كل فرد على حدة. إنّه يُوحِّد الشعور ويشرِّك التوقّعات ويوسّع مداها([3]).

وإن هذا التواصل على أهمّيته سواء كان في قاعة مغلقة، أم في فضاء آخر، هو جانب من جوانب التواصل الأخرى التي يؤمّنها المسرح والعرض المسرحي.

فالإحتفال المسرحي يعيد خلق القبيلة القديمة كما يقول آرتو([4])، وهذا يصحُّ أكثر على العروض التي ترافق الجماعات المناضلة وأمكنة الثورة والتجمعات الشعبية المنفعلة بالحدث الثوري.

“إن ما يثيره الجو الديونيزوسي من الإثارة، قادر على أن ينقل لجمع غفير من الناس الهبة الفنيّة المتمثلة في رؤية الشخص لنفسه محاطاً بمجموعة من الناس الذين يعلمون أنهم متّحدون بقوة مع هذا الجو، وهذه العملية كما يقول نيتشه هي الظاهرة المسرحية الأصيلة في تاريخ الكورس التراجيدي: رؤية الذات تتحول وتعمل كما لو أن صاحبها قد انتقل إلى بدن آخر وتجسّد في إنسان آخر، وهي العملية التي بدأت منها الدراما([5]).

كما أن وصف الرعب الهائل، كما يقول شوبنهاور، الذي يحيط بالإنسان، حين يضلّ طريقه فجأة وسط أشكال التجلّي المعرفية، مضافاً إلى النشوة المباركة التي تنهض من صميم الإنسان، ومن حقيقة الطبيعة في الواقع، سوف يُساعد في الحصول على قبس من الطبيعة الديونيزوسية([6]).

رابعاً: الحشد واللقاء، الفرجة والاحتفال

في المسرح، نُمثّل صورتنا، عندما نمثّل صورتنا كما نشتهي ونرتئي، صورتنا كثوار أو كمناضلين في المسرح الثوري والمسرح الملتزم، وصورة الآخر أيضاً، كعدوّ أو كمستَعْمِر أو غاصب ومحتل، والآخر كسلطة طاغية الخ…

وفي المسرح مهما كان نوعه، ندرك أن تلك الصورة هي صورة كل واحد منّا. أو صورة الآخر، بحسب آليات الإسقاط والتوقّع والإنتظار والبعد الثقافي والذائقة الفنيّة.

إن الممثل بفعل مهاراته، يتخّلى عن أناه ليخلق أنا ثانية وثالثة فيستطيع أن يصوّر لنا ذواتنا. وإذا كان الأمر أكثر تعقيداً، وقد كُتِبَ الكثير حول هذه النقطة في مجال التلقي والإتصال والفن التمثيلي، فإنّ هذه العملية تأخذ بعداً آخر وتكتسب أهميتها من خلال طبيبعة الحشد ومكان اللقاء.

إن تأمين اللقاء الحميميً بين الناس هو من مهام المسرح الأولى.

وإذا اعتبرنا الفن المسرحي، من بين الفنون الأخرى، فنّاً احتفالياً وفرجوياً بامتياز فذلك:

-أولاً: لأنه يتفرّد بـ الإحتفالية، لأنها تشاركيّة: هنا يطرح العمل المسرحي همّاً ما ويُوحِّد الفرجة حيث تنتشر عدوى التفاعل الإيجابي أو السلبي بين المتفرّجين مع ما هو مُرْسَل من على خشبة المسرح.

وبالنسبة لهذه النقطة (التفاعل المتبادل بين أفراد الجمهور)، وبحسب نموذج كيرإيلام([7])، فإن التواصل بين المتفرّجين عادة ما يُؤدّي إلى نوع من الإستجابة المتجانسة، على الرغم من الاختلاف في أفق التوقّع، والقيم الثقافية التي يتبنّاها المتفرّج الفرد ويأتي بها إلى المسرح.

وهذا أثر تؤكّده بينيت، عندما ترى أن “ردود أفعال الجمهور المتمثّلة بالضّحك والسخرية والتصفيق أمرٌ مُعد في إطار العلاقة بين أفراده، والتجانس يدفع الجمهور إلى استبعاد القراءات المضادة لمصلحة التلقي المشترك بين افراده”([8]).

كما أن عدم وجود مساحة جمالية، إلى جانب عدم وجود مساحة حقيقية بين العرض والجمهور قد يمنع تشكّل استجابة جماهيرية متجانسة.

-ثانياً: لأنه يتفرّد باللقاء فالمسرح هو فن اللقاء البشري الحيّ بامتياز . ولقد بات البشر عطاشى الآن لمثل هذا اللقاء، في عصر العولمة والانترنت والبارابول والساتلايت والهواتف المحمولة والصورة الخ…

إنّ تقنيّات الإتصال الحديثة قد فعّلت التواصل وسرّعته وطوّرته. وإنّ هذه التقنيات مثل التويتر والفايسبوك والسكايب والواتس آب والرسائل الإلكترونية على أهميتها في التواصل الحديث، قد أوجدت في المقابل نوعاً من التواصل الافتراضي، خاصة فيما يتعلّق بالصورة. وإذا ذهبنا بعيداً في الوصف نقول: إنه تواصل شبه كاذب أو مزيّف، وليس تواصلاً حقيقياً.. لماذا؟

لأنّ الآخر الذي أشاهده وأراه أمامي على الشاشة (الصورة)، وأنا أتواصل معه، يبقى افتراضياً، والحاجز يبقى قائماً بيني وبينه. فالتواصل البشري هو دائماً بحاجة إلى نوع آخر من التواصل، إنه التواصل في الّلقاء الحي والواقعي الحقيقي.

إن هذا التواصل يتآلف مع طبيعة التكوين البشري ومع حيوانيته الإجتماعية. وعلى سبيل المثال فإنّ الفارق بينننا نحن البشر وقطّة نضعها في مكان عال أمام مرآة لترى صورتها، يكمن في كوننا نعرف معنى الصورة بأنها افتراضية فنتواصل معها على هذا الأساس. بينما القطة تباشر بضرب صورتها في المرآة فتهجم عليها وهي تموء بشكل غريب: تتحرّك القطة فتلاحقها الصورة. والقطة تلاحق نفسها حتى الجنون، ولا تدرك تقنيّة الأمر وحقيقته. إن القطة كحيوان فقط، تعني لها صورتها في المرآة الحيوان الآخر، فهي لا تُحسّ بها لمساً ورائحة وصوتاً.

هكذا هو الكائن البشري على هذا الصعيد فيما لو نزعنا عنه صفة الاجتماعي، لكنه نظراً لأنه حيوان اجتماعي بحسب تعبير علماء الاجتماع والفلاسفة، فإن اللقاء الحي المباشر مع الآخر، يعني له الكثير، ويشبع غريزته في البقاء والإحساس بالأمن والأمان، حين يتلقّى انعكاس إنسانية الآخر عليه فيشعر بها ويتفكّرها. إنه بدون هذا الإنعكاس في اللقاء بيننا كأفراد لِوضْعنا البشري، سوف نبقى غرباء عنه ولا تتحسّسه جيّداً، سوف نبقى كالأيتام والأرامل.

إن الأبعاد النفسانية والاجتماعية للتواصل بالواسطة من خلال الصورة والانترنت وغيرهما، مشاكلها وآثارها كثيرة.

إن المسافة البعيدة التي نعيها، والتي تفصلنا عن الآخر في الوقت الذي نراه أمامنا، تُحدث لدينا نوعاً من الفصام في التقدير والشعور: الآخر قريب وبعيد في الوقت ذاته، وتصبح علاقتنا به غريبة، مختلفة، بمعنى أنها أكثر جرأة وأقل تقديراً للعواقب. فالشعور تجاه هذا الآخر/ الصورة، هو شعور غير مثمّن وغير مقدّر، لأنه يتحايل على المواجهة وقوة العين. فالإتّصال المباشر والإحساس بوجود الآخر مباشرة، تمكّن هذا الوجود من تغيير معادلات غير التي يَصْنَعها لقاء بالواسطة.

ومع ذلك فإنّنا لا نقلّل البتّة من أهميّة الإتصالات الحديثة والثورة التي أحدثتها على الصعيد العالمي، لكن مع اقتراب الإنسان من الآخر بهذه الطريقة فإنه ينأى عن ذاته البشرية شيئاً فشيئاً.

هنا برز المسرح كضرورة لا بد منها ويأتي بديلاً الآن أكثر من أي وقت مضى، عما هو سائد، كي يعيد من خلال حرارة اللقاء المباشر، الإنسان إلى إنسانيّته والبشر إلى آدميّتهم.

إن الاختلاف في درجة الإمساك بمتعة التواصل والإتصال، لا شكّ موجود، وهو يتباين من فرد لآخر بحسب العادة والوضع النفسي والقناعة الفكرية لكل فرد. “فلكل امرئٍ من دهره ما تعوّد..” على رأي الشاعر.

غير أن متعة اللقاء الحِسّي المباشر والحقيقي والواقعي دعوها لا تُفلت من بداية لعبتنا، دعونا نتعوّد عليها، فلا نفقدُها، فنستبدلها بمتع أخرى بديلة ومزيّفة.. وإذا كان هذا الكلام عن اللقاء فإن طبيعة المكان هي التي تزيد من قوته، فماذا عن مكان اللقاء؟

خامساً: المسرح وتحوّل الأمكنة

تتبدّل الأمكنة أثناء الثورات والحروب والانتفاضات وتتحول. فالإطار الإجتماعي والإقتصادي والمادي الذي يُقام فيه العرض المسرحي يُكسِبُه أهميّته، أو هالة مختلفة، بحسب هذا الإطار أو ذاك. ففي خلال الحروب الأهلية في لبنان والتي دامت لأكثر من خمسة عشر عاماً، تبدّلت الأمكنة ولم يعد مركز المدينة الـ Down town مكاناً للعرض المسرحي، بل تحوّل إلى أمكنة أخرى كشارعي الحمرا ومونو والريف والمدن الأخرى.

ويتحدّث دوفينيو عن تحوّل الأمكنة الاجتماعية إبان الثورة الفرنسيه ، فيقول: “تتغيّر الأمكنة التي كانت تُعبّر في السابق عن الحياة الاجتماعية وعن حيوية الجماعة، وذلك عند المجتمعات التي هي في طريق التحوّل: في بعض المدن حيث كانت تجري الاحتفالات التي تعبّر بشكل قوي عن الحياة الاجتماعية، فإن أمكنة كثيرة قد فقدت معناها: إن مكان الثورة في باريس ومكان العرض العسكري في برلين والكنائس، لم تعد أمكنة للتجمّع، كما كانت عليه في القرون الوسطى”([9]).

ويُؤكّد رايموند وليامز أن المكان والمناسبة الزمنية يلعبان دوراً مُهمّاً في تأطير التجربة الفنيّة. وكذلك يلاحظ مايكل هييز في دراسته عن المسرحين الألماني والفرنسي في القرن التاسع عشر أن اختيار موقع المسرح، يعبّر في حقيقة الأمر عن كل البنية الفكرية والمكانية للحدث المسرحي، وذلك أن وضع المكان الذي يقام فيه العرض وحجمه وشكله، تحدّد العلاقات المادية والإدراكية بين المشاركين في هذا العرض.

إن العروض المسرحية التي كانت ترافق الجيوش والثوار، أو التي كانت تعرض في أوساط الجهات الخلفية أو الأمامية لعبت دوراً مؤثّراً في الدفع والتعبئة والترفيه، كما أن المعاني التي اكتسبتها العروض المسرحية، تختلف عن المعاني التي ترتديها هذه العروض فيما لو عُرضت في المدن، أو في أماكن معروفة ومخصّصة للعروض المسرحية.

المسرح بين أداة للتغيير وهامش التعبير:

يختلف وضع المسرح بين أن يكون أداة تغيير أو أن يكون أداة تعبير. إنه كأداة تغيير، يعتبر أداة نضالية لها بعد استراتيجي في نشدان التغيير الاجتماعي والسياسي. وهو كأداة تعبير، ليس سوى هامش ضروري متروك من قِبل السلطة للذين هم خارجها، من أجل أن يعبّروا عن هواجسهم ومواقفهم. لكن هؤلاء يحاولون بل هم يستطيعون استخدام المسرح كسلطة من نوع آخر في مواجهة السلطة الواقعية، (الأمثلة كثيرة): إنه من خلال تجربتي على مسرح الحرب مع ثلة من الشباب، خلال الحرب الأهلية الداخلية في لبنان، ما بين عامي 1975 و1990، أستطيع القول بأننا قد وجدنا هامشاً حقيقياً للتعبير الذي أعاد إلينا التوازن المؤقت، وحيث شعرنا أننا في صلب الحدث، وأننا نناضل مع غيرنا رفضاً لتلك الحروب الصغيرة البشعة فتعمّقنا في توصيفها، وجعلنا المشاهد يسخر من قدره ومن وضعه. وجعلناه أيضاً على مسافة بيّنة من الحدث. لقد استطعنا أن نخلق تضامناً وتوحّداً في قاعة العرض، كلقاء حار وحيوي.

إن بعض العروض المسرحية كـ “أسود عَ أبيض” و”القمر بيضوّي عَ الناس” وغيرها والتي تم تحقيقها مع بعض المسرحيين الشباب في ذلك الوقت كانت قد بلغت التالي:

  • وسيلة تعبير لكنها فذّة وطازجة ومباشرة.
  • تأمين لقاءات حميمية مع الناس.
  • تحقيق نوع من الاحتفالية بشكل من الأشكال.
  • التمكّن من قول ما نريد قوله.
  • أولدنا طفلاً بعد حَبَل طويل.
  • أوجدنا معادلاً للواقع المعاش على طريقتنا ولم نجد التوازن من خلال إحداث التغيير المطلوب، لأن التغيير على المسرح مؤجّل ودينامية مؤجّلة.

لا شك أن الناس قد كانوا حينها في حاجة ماسة إلى التواصل والإتصال، وإلى التجمّع واللقاء، كي يتوحّدوا من خلال تصوراتهم وآمالهم وآلامهم، ومن خلال أفكارهم عن الحرب. لقد تلمّسنا أن الإنسان في زمن الحرب والثورة هو في حاجة ماسة للآخر الذي يشبهه، لكي يبثه لواعجه وشكواه، شجونه ومكنوناته. إنه بحاجة لتبادل الرأي معه، وإنه بحاجة للآخر الذي لا يشبهه، كي يلتقي به في فضاء آخر غير فضاء الحرب، وفي ميدان آخر غير ميدان المعركة، فيتبارز وإياه على صعيد آخر. ولقد أتحنا خلال البروفات مشاركة الكثيرين من الأصدقاء من خلال الإسهام بالرأي والملاحظات والمشاركة في إنتاج تلك المواليد الجدد. لقد كان الجهد ذاتياً، فردياً وجماعياً، والإنتاج من جيبنا الشخصي ومن بعض المؤسسات الصغيرة التابعة لبعض الأحزاب.

وهنا نتساءل من الذي استخدم ويستخدم تاريخياً، المسرح كأداة للتعبئة والحشد والنضال؟

هل هو المجتمع المدني والمؤسّسات الخاصة والأفراد؟ أم الدولة والقطاع العام؟ ثم، من الذي من بين كل هؤلاء دعم ويدعم المسرح على صعيد الإنتاج ويدفع سيرورته الفنية قُدماً، المناهضة في حينه للمستعمر وللأجنبي، وضدّ المحتل؟ ومن أيضاً دعم ويدعم إنتاجه وديمومته ضد التسلط الداخلي وضد القمع والديكتاتورية؟

وهنا نتساءل، هل كان مسرحنا آنذاك مباشراً أم استطاع الحفاظ على المميزات الفنية الإبداعية؟

المسرح السياسي والسقوط في فخ المباشرة:

إن اضطلاع المسرح بالأمور الكبيرة، السياسية منها والحروب والثورات، (على المستوى الماكرو) يجعله واقفاً عند حافة الخطر فيما يتعلّق بالمتعة والإبداع وبطبيعة هذا الفن – فالمسرح الذي دائماً يقتطع جزءاً من الحياة أو من الحدث فيعالجه، أو يهتم بتفصيل حياتي صغير، يصبح مكشوفاً أمام المباشرة عند تصدّيه لأمور كبيرة بالمعالجة وحيث يطلب الأمر إبداعاً مضاعفاً وجهوداً مضاعفة لتفادي السقوط الفني.

إنّ الوقوع في فخ المباشرة عند التعبير عن مواضيع ومواقف لا زالت طازجة وساخنة، سوف يبرز في أي وقت، إذ يُفترض بالمقابل وجود دائم لمسافة زمنية وغير زمنية، كافية تفصل ما بين الحدث والتعبير الفنّي عنه.

فالوضع المسرحي يختلف عن الوضع الإجتماعي، بقدر ما يجسِّد هذا الأخير الأدوار الاجتماعية من أجل أن يؤكّد ديناميته، بينما يمثّل الأول الفعل، ليس من أجل أن يكمله، ولكن من أجل أن يضطلع منه بالخصائص الرمزية.

المسرح وحاجات المجتمع المدني:

عندما تتمّ الإشارة إلى المجتمع المدني، فإن في ذلك تمييزاً له عن المجتمع العسكري. إذ أن عسكرة المجتمعات قد تبدو في الآونة الأخيرة في سباق محموم مع مدنيتها. ولا بدّ من ملاحظة التمييز بين مقوّمات ودينامية المجتمع المدني في زمن السلم، ومقوّمات ودينامية هذا المجتمع في أيام الحرب.

والسؤال كيف يمكن الإفادة من تجلّيات العلاقة الجدلية القائمة بين المسرح والمجتمع؟ أي بين الذي يحصل إبان الغليان الإجتماعي والسياسي في المجتمع، فيفتح على فضاءات جديدة وأجواء جديدة، وبين التعبير الفني المسرحي الذي يكمِّل الفعل الاجتماعي المنقوص والمبتور، لكن احتمالياً على خشبة المسرح، فيطوّله ويطرحه من خلال التخيّل والتوقّع، لأن المسرح يتمتّع بمدى الحريّة؟ إن خلق فضاءات جديدة، ما هو إلا فضاءات جديدة للحرية.

فَلْنبحث عن صورة جديدة للإنسان العربي على سبيل المثال صورة تلعب بها لغة الجسد الدور الرئيس: جسد الموت وجسد الأسر وجسد التعذيب وجسد الحركة في أقصى تجليات التعبير عن الوضع البشري.”إن الموت التعذيبي هو فن إمساك الحياة في الوجع”([10]).إن الوضع الاجتماعي (الحراك والثورات والانتفاضات والاضطرابات..)، سوف يقود دوماً إلى اختراع أوضاع جديدة (حال الوضع العربي اليوم..). أما الوضع المسرحي، فيبقى التصور الدائم الذي لا يستطيع التغلب على أي عائق أو حاجز، لأن الحاجز المصعّد، دائماً على خشبة المسرح، يجعل الصراع دون حلّ.. “إن الاحتفال المسرحي هو احتفال اجتماعي مؤجّل، ودينامية مؤجّلة”([11]).

“إن جميع المجتمعات لم تبحث بنفس النمط وبشكل متساوٍ عن رسم صورة للإنسان، أي بأن تصوّر الوضع البشري بين تمزّقاته وآماله..

فالمجتمعات التي حاولت بشكل منظّم، أنّ تبرّر وتشرح لِذاتها إنسانيتَها الخاصة، قد وجدت في المسرح معيناً مدهشاً لا ينضب من التجربة، فالمتصوّر والمتخيّل هو منسلخ قليلاً عن الحياة المحسوسة، وحيث لا يبدو كذلك على أرض الواقع، لأنه يطوّل الوجود ويمدّده، ويعرضه على مستوى آخر، ويسمح لذلك الوجود بأن ينكشف لذاته، دون أن يخرج عن ذاته كوجود”([12]).

خلاصة

في التظاهرات الصاخبة في الشارع، نرفع قبضاتنا مهددين بالضرب، كناية عن ضرب العدو أو الخصم ولكمه. نصرخ بملء حناجرنا وبكلام محمّل بالفعل كما في التمثيل المسرحي، لكنه ليس بفعل.

في المعتقدات القديمة لدى بعض القبائل والتي لا يزال بعضها سائداً حتى اليوم، يقوم الرجال يزرع شوكة قندول في ثمرة أو غرزها في عين دمية وكأنهم يقومون بفقأ عين العدو([13]).

ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أنه في الشارع لم يجرِ ضرب السلطة بقبضاتنا جدياً وفعلياً، وفي القبيلة لم نفقأ فعلياً عين العدو.

لقد كانت جدتي، عندما تغير طائرات العدو الإسرائيلي على لبنان ترفع يديها نحو السماء وترجو الله أن يخسف الأرض فيهم، وتدعوه لأن يقبل دعاءها بأن يسقط طائراته، لكن يا جدتي إسقاط الطائرة يكون بصاروخ وليس بكلمة دعاء.

إن العجز عن إتيان الفعل الواقعي يجعلنا نضطلع به بالخصائص الرمزية. وأن صعوبة تجاوز الحاضر الواقعي يضاعف من حيوية الصور والرموز، وهذا يطابق الأعمال الفنية والنصوص المسرحية زمن تشديد الرقابة لدى السلطات.

وأقول مجدداً ماذا يعني ذلك؟

هذا يعني أن المسرح يحصد نتائج عكسية. إنه وهو يمثّل الفعل يوهم نفسه أنه يقوم به ويحققه. إن خطورة هذا الأمر على المستوى النفسي تكمن في تحول الفن أحياناً إلى مكان للتنفيس والتفريغ. والأخطر من ذلك أن نكتفي بهذا القدر من الفعل فنوهم أنفسنا بأننا قد حققنا مبتغانا وأننا قد أدينا قسطنا للعلى.

([1]) يعتبر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن أصل التراجيديا الإغريقية يكمن في هذه الثنائية الرائعة: الكورس والبطل التراجيدي” وأنهما التعبير المتطوّر والنابع عن تيارين فنيّين كانا سائدين وهما: العامل الأبولوني نسبة إلى أبولو، والعامل الديونيزوسي نسبة إلى ديونيزوس. وهكذا استمد الفن عموماً مقومات تطوره من هذه الثنائية والتي لعب بعض الكتاب الدراميين المسرحيين بها من خلال إرادة تغليب قطب على آخر في عملية التعبير والبناء الدرامي المسرحي أمثال يوريبيدس وغيره. انظر كتاب: “مولد التراجيديا”، ت. ناصر عبيد، ط1، عام 2008، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا – اللاذقية.

([2]) من هو ديونيزوس؟ من هو الديونيزوسي؟ إنه بحسب نيتشه، الذي يعرف أنه المتكلم والداخل والمنتسب والحواري المخلص لإلهه. إنه الفرح والقوة والغريزة والفيضان. إنه الجنون الذي نشأ منه فن التراجيديا والكوميديا. المرجع أعلاه، ص 63-64.

      أما أبولو فكان بالنسبة للإغريق إله كل القوى البلاستيكية والعرافة، وهو إله النور ويقترب من الوهم الجميل للعالم الداخلي للفانتازيا، وإنه ذلك الهدوء الرصين الذي يميز الإله المثال. إنه رجل ضُبط متلبِّساً بصمته بحسب الفيلسوف شوبنهاور. المرجع أعلاه، ص: 82-83.

([3]) يزداد أفق التوقع لدى الجمهور في زمن الثورات والحروب والانتفاضات، ذلك أن درجة الانفعال والتفاعل مع الحدث تكون دائماً في ذروتها. إن أفق التوقّع يتضاعف فالإنتظار لدى الجمهور هو لشيء يحبّه، والتوقّع هو إجابة شافية لتساؤلات وصور وأفكار، يطمح لأكثر من طبيعته في تحقق الأمل.

([4]) آنتونان آرتو، “المسرح وقرينه”، ترجمة: “ساميا أسعد، القاهرة، دار النهضة العربية.

([5]) فريدريك نيتشه، مولد التراجيديا، المرجع السابق، ص 131.

([6]) فريدريك نيتشه، المرجع السابق.

([7]) عواد، علي، المسرح واستراتيجية التلقي، دار الثقافة والإعلام، الشارقة، 2008، ص 328-329.

      انظر أيضاً إيلام، كير، سيمياء المسرح والدراما، ت. رفيق كرم، بيروت، 1992.

([8]) بينت (سوزان)، جمهور المسرح: نحو نظرية في الإنتاج والتلقّي المسرحيين، ت. سامح فكري، القاهرة: مركز اللغات والترجمة، أكاديمية الفنون، 1995، ص 252-262.

([9]) Duvignaud, Jean, sociologie du théâtre, P.U.F, 1965, paris, France.

([10]) ميشيل، نوكو، المراقبة والمعاقبة، ولادة السجن، ت. د. علي (-)، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990، ص 71.

([11]) المرجع السابق.

([12]) Duvignaud, Jean, Sociologie du théâtre, (-).

([13]) أنظر بهذا الخصوص: CAZENEUVE,Jean, Sociologie du rite, P.U.F, Paris.

عن مشهور مصطفى

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>