الرئيسية / طريق الادب والفن / رسالة إلى قلب موشح بأندلس

رسالة إلى قلب موشح بأندلس

Print pagePDF pageEmail page

wasini

الأديب الأريب الكبير الجزائري واسيني الأعرج

وبعد، أطال الله بقاءك، وأدام صفاءك، وأيّدك بنوره، وفضّلك بفضله، وأكرمك بكرمه، وأنعم عليك بنعمه.
كيف أتكلم أيها الصاحب المؤانس والقلب هائم في كل واد، أم كيف أشكو والسرّ ظاهر باد، مستأنس بالوحشة، غائص في الدهشة، لا شكل للغة حين يكون الفكر محشوا بالمعرفة.
الزمن على عادته جامع ومفرِّق، وأنا أعيد للّحظةٍ أبديةً بيضاءَ للأنَسِ ومنيةِ النفس.
هذا أنا بشير ونّيسي المبشِّر بالأنَسِ، والمؤنس بالبشارة، أفضي إليك بذات نفسي.

□ إيقاع سحر الربابة وسماع سر الصبابة

– حال
أنا لا أنا حين أنت.
لا أنا إلا هو.

- حلول
فارساً أخوض بحرَ النور لأحلَّ في كلِّ شيء.

- سَرَيان
حالِماً أعبر أرضَ النور لأكشفَ صورتي في كلّ شيء.

- فَيْض
حُرّاً أرى ما يتجلّى من النور لأعرفَ كلَّ شيء.

ـ إشراق
مُتوَّجاً بسماء النور أعلو بوجهي لأجدَ كلَّ شيء.

- مَقام
أنا أعبر ذاتي. إشراق…
أنا أكون ذاتي. فَيْض…
أنا أرى ذاتي. سَرَيان…
أنا أوجد ذاتي. حلول…
العبور إشراقُ ذاتي. الكون فيضُ ذاتي. الرؤيا سَرَيانُ ذاتي. الوجود حلولُ ذاتي.
حلولُ السَرَيان، حلولُ الفَيْض، حلول الإشراق، فَيْض الحلول، فيض السَرَيان، فيْض الإشراق، سَرَيان الفيْض، سريان الحلول، سريان الإشراق، إشراق الحلول، إشراق الفيض، إشراق السريان، هي تجليات وإشارات، أصنع من شكولها معراجا لسيرتي.

▪ جاء في الرواية:
الحكي جوهر ذو أقانيم ثلاثة، الحلم، الحرية، الحياة، حاء الروح، باء البوح.
بسند شهرزاديّ كلُّ شيء كان يا مكان، آن يا زمان، والآن ليس في الإمكان أبدع مما كان. المكان هنا يا زمان. الحكاية خلاص من الموت والعدم. لا بداية للجسد. لانهاية للروح. الحلم قربان الحرية. شهرزاد هي حارسة الظلال. تجعل الحكيَ يأتي ليتطابق مع لحظة قدومه، عبر الوجود. هل يأتي الحكيُ حقّاً؟ إنه ساكنٌ هناك. كيف يأتي؟ هل ما نحسبه أنه الحكي هو الذي يأتي؟ شهرزاد هي أنثى السراب. ليس ثمة حكيٌ يقيم هنا. غير أن الحكي هنا يتقهقر، يخسر ظلّه وحيِّزَه، يتميّز ويقبل الانحسار. الحكيُ يتراجع نحوه ليفقد كل ما يأتي فيه. الحكيُ علاقة الجوهر بمنطق الطير. هو الآتي العائدُ عودةً أبدية يحملُ طقسَ المستحيلِ الممكن. يختصرُ الوجودَ يُقيم مملكة الذات. يتشرنق الحكيُ متصاقباً مشجَّراً ليرسم مدينة فاضلة للخلاص من جحيم العدم، حين شهريار ملكاً للطوفان. شهرزاد سيدة المقام، نحلة ترفض العودة إلى العشّ، جسدٌ ونفسٌ وشجنُ روح، غمزة، همسة، دمعة، نشوة، شهوة، طير، حمامة، فراشة، وردة، نجمة، جوهر فرد، بياض، نور، نار، بلقيس، عشتروت، لا تنشأ من شيء، لا تشتبك بشيء، لا تلج في شيء، تسرح، تمرح، تصدح، تشطح، تسبح، تلفح، تقدح، توشح، تنفح، تجرح، تفتح، تشرح.هي شهرزاد، طقسُ الحكيِ وهمسُ الأنَس، تعيد للروح حرّيّةَ ميتافزيقا الحُبّ، وتُرجِع للجسد هيولانيَةَ الحلمِ حين كلُّ شيء جنّة حتى ينابيع التلاشي.

▪ ملحمة الغواية:
كينونتي نورُه هو آه في ظلمتي…
ذاتي
لذّتي
نشأتي
نشوتي
وحدتي
حيرتي
غربتي
لي مرحُ القرونِ والأسلحةُ وفرحُ الطقوسِ والحكايةُ وجرحُ التجلّي والتحلّي، أزعم أن اللحظة محبوكة بالأقنعة والأشرعة، مسبوكة بالزندقة والهرطقة العذبة. أرفع يدي إلى وجهي حاجبا اشتعال الشمس، أرتق ما تفتق من النفس، أُلاحِقُ حسَّ شيءٍ أمامي لا يتجلّى، مولعاً بخلقِ فروسيةٍ تغزو قطعَ الليل. أنا الزنبقيّ الزئبقيّ، البديع الفرد، لا يصل الحلم إلى الحلم إلّا بي، والحُبُّ إلى الحُبِّ إلّا بي، بي يأخذُ الشكلُ شكلَه في شتات الجوهر. يا للحلم الجميل، يا للوقت الخليل، يا للوجه الجليل، يا للظل الظليل، يا للبديع المستحيل.
لبّيكِ يافروسية لم تكن لأحد، أغزلُ من النور سيفاً، أحلجُ من الفضاء فرساً له أجنحة الروح، أعتزلُ، أجرَحُ الكلامَ وأعْدُله أجعل من الزمن طوفانا للوجود، كلُّ آتٍ حلمٌ، وأنا الأخيرُ زمانه.
يَهْجرُ دون كيشوت العدمَ ليسكنَ الوجودَ بهوّيّةِ تَشَكّلِ كينونةٍ تتوحّد، تتجسّد، تتجرّد، تتمدّد، تتعدّد، تتبدّد، لتتشظّى بِحُرّيّة تُشبه الماءَ حيناً، وطوْراً كأنّها النور. ذلك هو دون كيشوت يحلم بِحُرّيّةٍ مائيةِ الرقرقةِ والخرير، ويتحرّر بحلمٍ نوارنيٍّ شعشعانيِّ التجلّي، يحسّ بتوحّدٍ مع الذات واغترابٍ عن العالم، قِصَّته أُلِّفَتْ باسمٍ مستعارٍ، سيدي حامد بن النجيليّ، بطل عربيّ جعل من نفسه فارساً للربّ والوطن، هذا الفارس المتوَّج بالحلم حرّيّة، والحلم حبّ، والحلم حياة، يقسّم جسمَه في جسوم كثيرة صعلوكا يُحاوِز الريحَ يبشّر برؤيا المتنبّي الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم، ولزوميّاتِ المَعرّي وإني وإن كنتُ الأخيرُ زمانُه لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل، وطواسين الحلاج روحان حللنا بَدَنا.
يبدأ دون كيشوت بتنظيف أسلحة أجداده التي صدئت بالصدى، ويتفقّد فرسَه التي ظنّ أنّها فرس الإسكندر، ويصنع خوذة من ورق، ثم يشرع في البحث عن سيدةٍ ليعشقها دولثينيا، وصديقٍ سانشو ﭘﺎنشا، ويُظهِرُ العالمَ أمامه كما يريد له أن يكون كما هو عليه، التجوالَ، الجوعَ، المخاطرةَ، المغامرة.. هي بدايةُ تدبيرِ المتوحّد وفصلِ المقال، وغوايةِ التهافت، حلمٌ أوْمَأ، عالمٌ أنسأ، قدرٌ أنشأ آه يا زمانَ الوصلِ ومن الحُبِّ وما قتل.. أعوذ بالهوى مِنْ شرِّ عاشقٍ إذا غوى. سماء تشبه في زرقتها مهج الشهداء… متوحِّدٌ هذا الفارس معتزليٌّ لا علمَ له إلا الكلام واللفظ جزء لا يتجزّأ، جوهر فرد، بسطاميّ يشطح ينصب خيمته في سراب الروحّ، أشعريّ المَحْوِ يفسخُ ما نسخ النَحْوُ بسلخ العمر، غزاليّ الشكّ لا تسيغ له لقمة، نِفّريّ الموقفِ لا وقفَ له إلا الصمت، يتّسِعُ التجلّي تضيق الرؤيا، تتّسِع الرؤيا تضيق العبارة، سهرورديّ النورِ، يُعيدُ نضْدَ هياكله لا شيء أظهر من النور، يعود لأنَسه ليشكّل وحياً من سيفٍ له ذيل.
دون كيشوت هذا الفارس التائه الواله، يرى طواحينَ الهواء مردةً، وبغالَ الرهبان جِمالاً، وقطعانَ الماشية جيوشاً، هو بين حالين ومَقامٌ فريد بديع يتمثّلُ الحلم، أمّا الحالُ الأولُ فحالُ نجمٍ يزداد علوّاً كلّما سقط، الحالُ الثاني أنّه ينظر، يرى بفراسة ونور سماويّ وسماء نورانيّة، فارس بالأمر عالم به يتأمّل ويتوسّم في كلّ شيء، وهو المفروس المكسور الظهر الفريس الأحدب الفرناس الذي يقتنص الفرسة الريح.
دون كيشوت ثلاثية الوجود، الحلمُ، الحبُّ، الحرّيّة، لمحاكاة نموذج الحياة.
الحلم، “فروسيّة الحاضر أنا أرى ليتجلّى”
الحرّيّة، “فروسيّة الوجود أنا أكون لأوجد”
الحبّ، ” فروسيّة المستقبل، امرأة العدن، الأم الحبيبة”
ذلك هو دون كيشوت سوﭘﺮمان العودة الأبدية، يعود طفلاً مبدِعاً يطارد فردوسَه المفقودَ، ووجودَه بلا حدود. بالله التوفيق، والفقير إلى الله “أنا” أقول من باب الأنَس وشجن النفس:

– حكاية الحال:
قبل أن أبدأ هذه الرسالة والمقالة، أودّ أن أحكي بإيجاز، ومجاز، عن حالٍ غمرني بوهجٍ نورانيّ وفَيْضٍ مائيّ، أجنحةٍ خاطفة، فاحترقتُ بين لطائفَ ودقائق، ومعارف ورقائق، ثم قلتُ، في مَقامِ مَن لا يقال، ما رأيتُ، عن امرأة، آنسُ من طيفٍ في روحي، آنسُ من نار في نفسي، آنسُ من حُمّى في جسدي اشتهيتها، لأنّي غويت. راحتْ فلاحتْ. أوْمضتْ، فغمضتْ، سكنتْ، فتمكّنتْ، وإذا بي قبل أن يرتدَّ إليَّ طرْفي، في محضِ حال والوقت ما أنا فيه، أشهد مَلَكاً وشيطانا، الأول يقول إكسيرَ الحياة، والثاني يقول كيمياءَ السعادة.

1- إكسير الحياة
وقفتُ أمام بحر ذاتي وصفاتي أتأمّل ما أرى وما أرى يتجلّى لأنّي أجدُ سماءً من شِدَّة بعدها فقدَتْ زرقتَها وصارتْ نورا، وعلى الشاطئ يبدو جدار كأثر مهجور يكاد يُنقض وحمامة بيضاء يطاردها غرابُ بينٍ والبحر يكاد يكون سماء، وجدتني ها هنا، أقوم بأفعال خمسة تشبه الأقوال:
– أولا: أوشِمُ ظلّي على شكل يدٍ مفتوحة، يتوسّطها وردة نجمة وعين، وأفعى تتسلق سلم الأصابع.
– ثانيا: أكشُطُ الزبدَ على سطح البحر والنجوم عناكب تهجر السماء.
– ثالثا: أضع، على أذني صدفة وأصغي إلى صدى الروح.
– رابعا: أنزَعُ الملحَ من البحر وأرمي السُكّر.
– خامسا: ألتقِطُ الأسماكَ الميتة وأرجِعُها للبحر.

2- كيمياء السعادة
بعد الحال أريد أن أشير إلى رؤيا تجلّت لي، ها أنذا أبسطها، شعرتُ بهواءٍ لطيفٍ يمتدُّ نحوي بأيدٍ خفيةٍ تحُلّ نفسي من قيدها، ثم مادتِ الأرضُ، وذاب كل شيء، فوجدتُني في رياضِ أنَسٍ يُشبهُ موقفَ الغيب النِفَّريّ مصحوباً بسبع صبايا ينشدْنَ تسابيحَ من حنايا النور، الأولى تحمل مشكاةً، والثانية ربابةً، والثالثة وردةً، والرابعة كأسَ حُبٍّ، والخامسة سيفاً، والسادسة ناياً، والسابعة عصا، حتى وصلتُ إلى مكانٍ امتدَّ في وسطه عرشٌ مكلّل بالروح والريحان كأنّه بساط الريح، وإذا بامرأة عبهرة، عبقرة، خَوْد، بهكنة، ممكورة، خرعبّة، هضيم، ممشوقة، عطبول، رقراقة، بضّة، بهنانة، رشوف، أنوف، رصوف، هيفاء، قباء، غيداء، فرعاء… ظهرتْ، بظلِّ بتولٍ له ثلاثة ملامح، الملمح الأول صورة بلقيس والبهاءُ أقحوان، الملمح الثاني صورة ليلى والحسنُ شقائق نعمان، الملمح الثالث صورة عشتروت والجمالُ بيلسان، مشتْ ببطء وجلستْ بهمسٍ عليه، وهبط سربُ حمام وحطَّ تحت قدميها، ثم قالت من أنت؟ قلتُ والوقتُ يشبه جناحَ الشوق، أنا بشرٌ أنَسٌ جنوبيّ الروح شماليّ الجسد، لي من حرف الشين إشراقٌ شعشعاني ومن حرف السين مَقام سلام أحمله في قلبي حلماً، أريد عودةً أبدية لشيءٍ دافئ دائمِ الشجن يتكوكب يتكوثر، شمولاً راحاً سلافاً، قمراً قرمزياً في دمي… قالت: قل ما تَرى بهمسٍ وأنَسٍ قلتُ بلا حَرَجٍ ولا تعديل عن حكاية الحال، رأيتُ نجوماً تسقُطُ فوق ظلمةٍ والقمرُ ظِلٌّ خاثرٌ يسيل من سماء هابطة، ومئذنة عتيقة يحوم حولها خفافيش وجراد، وريح عاتية تطارد نخلة تموت واقفة، قالتْ والكلامُ شهرزاديُّ الحكي النجومُ أحلامُكَ، والقمرُ نفسُكَ، والسماءُ خيالُك، والمئذنةُ هوّيّتُك، والنخلةُ حُرّيّتُك. فجأة أفقتُ وفي دمي رحيقٌ مختوم.. عرفتُ جسدي له شكل البَرّ وروحي البحر، ونفسي منازل قمر وأحلامي السماء، ودمي أنهار ودمعي أمطار، وعظامي الجبال وحواسي الكواكب، وشَعري النبات. أسكرني الحال وصلصلة الجرس، قذفني الى سدرة المنتهى، دون معراج.

إلى الأديب الحبيب الأريب الجزائريّ الكبير واسيني الأعرج:
التحية والسلام، والمحبة، إليك، يا قمرا مخضّبا بجزائرَ قمرُها غرناطة وشمسُها أندلس، سَقيْتَ القلبَ كأساً دهاقاً من الحبِّ، جعلتَ الحرّيّة جوهراً فرداً للإنسان، وحَرَّرْتَ الجسدَ بأجنحةٍ من النور تُرجع صدى الملائكة.

1- سيدي الأريب الأديب واسيني الأعرج:
أنت الذي فرح الزمان بذكره. هذه رسالة في الأنَس وشجن النفْسِ لقلبٍ موشحٍ بأندلسِ، وأنا البشرُ الأنَسُ من مدلول اسمي لا دالّه. الرسالة أخطّها لأعبّر عن شيئين مهمين، أولاً المحبة والألفة، فالأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها اءتلف وما تناكر اختلف، والمحبة كما تعرف معرفة، ثانيا ما أوحت به رواياتك من محض خاطر جمع بين اللغة والفكر والحب والوجود، والحرية والحلم.

2- سيدي الأريب الأديب الحبيب واسيني الأعرج:
لك من القلب أريج ومن نار الشوق أجيج، السلام عليك والسلام محبة والمحبة معرفة… وبعد، أكتب إليك أيها الرائع المدهش، لأحطّم جدار الصمت بالكلمة، لعلّها تشفي الغليل وتجمعني بالخليل. أكتب وفي البدء كانت الكلمة، جسدا ووجودا، واءتلافا واختلافا، تحدس تفاصيل الأشياء في عقلها الأعمى، وتمنحها تَميّزَها، وتَحيّزَها الكونيّ كممكن وجود، يروم اشراقات واجب الوجود.

3- سيدي واسيني الجميل الأريب:
نفسك سكنَتْ طيَّ الفؤاد الواله الواجد. اسمح لي أن أعرج باسمك الذي طالما رفرف حولي ورداً وفراشا، فشهدتُ بنفسي لنفسي، وخبّأتُ من الروح سلافَه وهيأتُ في ذهني من الأعيان منهجاً مُبهجاً له عناصره الثلاثة، أولا أنه لا حُبَّ إلا بالحرّيّة والحرّيّة جوهرٌ فردٌ للإنسان وشغفٌ بآخرَ يختلف عنّي ويؤنسني، ثانيا لا حرّيّة إلا بالحلم والحلم إكسير الحياة الذي يعصم من السقوط في التيه والسراب، ثالثا لا حلمَ إلا بالجسد، هذا الجسد الذي يبدو لي بين الغرب والشرق بلون الماء لون الإناء ولم يكن له صفة الكوجيتو الديكارتيّ أنا موجود لأنّي أفكّرُ لا بحالة الرعدة الكيركجاردية أنا غير موجود لأنّي أفكّر، ولا صورة سوﭘﺮمان نتشويّ يحلم بإرادة القوة بشهوة زرادشت النورانيّة، لم يكن هذا الجسد حلّاجيّ الحضرة يحترق بالحضرة حاء الحُبّ، حاء الحَقّ، حتى صارت جُبَّتُه غيمةً أو خيمةً مهاجرةً إزاء العرش تهبط إلى هياكل النور للسهرورديّ لتُظهّر النورَ من جديد ولا شيء أظهر من النور، ليس الجسد ذلك الرجلَ الطائرَ المعلّقَ في الهواء يرى كلّ شيء كتلة واحدة حتى وإن عانى الفصلَ في همس الوصل، كما تفلسف ابن سينا وهو يضع وضعية وجودية لمنطق الطير استثمرها الغزاليّ في لحظة الشكّ التي طمست عين اليقين فلم يجد مُنقذاً من الضلالِ غير طائرِه في عنقِه، ليعود الطيرُ لفريد الدين العطار ويجمع أسرابه في رحلة التجلّي العظيم وخوض بحار الحال للوصول إلى قصر الجمال والجلال، لم يكن هذا الجسدُ مثل وجه حي بن يقظان الذي شرب لبن النملة وتربى في حجر ظبية، وتعلم التوحّد والتفرّد في كلّ شيء وفَقِهَ ذاتَه حتى الفناء ورأى ما رأى. إنّه جسدٌ يعرف الزمن وإذا سُئل قولَ أي شيء عنه صمَتَ، وأعدمه الوقتَ القديس أوغسطين، جسدٌ لم يكن من قصب، تَشكّل ذاتَ قدَرٍ ناياً قمريّ الهدهدة، يناجي آخرَ هو شوكة في القلب جلال الدين الروميّ، جسدٌ سمّيتُه من باب الاستئناس برواياتك براقَ الفجر حين الليل غواية وغمامة، أو فرسَ الملائكة الذي يعبر بحر الروح، له وجه سيف الفتح والسامورايُ أصدق من الكتب، أو فراشةَ السراب وهي حول النار تُشَكِّلُ وردةً للنور، أو حمامةَ الولهِ الهائمة هبلاً فوق طوفان الغسق، من أجل البحث عن أبدية تعيدها لبدء التكوين. أناشيد مالدورور لوتريامون ذاكرةُ حيوان شرس يستشعر الحاجة إلى اللانهاية كالكلب، شعرةٌ سقطتْ من رأس الإله في بيت دعارة. رامبو يعرف حكمة أنا شخص آخر، مركبٌ سكرانٌ في مقبرةٍ بحرية، يهبط أنهاراً مستحيلة العبور. مالارميه هيرودياد الفجر ذهبٌ أحمر شاحبٌ يختار البرجَ ضريحه، الحلمُ عريٌ عبر المرآة/المرأة يضمحلّ الى غسق وشبق وشفق. أﭘﻮلينير على رأسه التاج وفي يده صولجانٌ شهرياريّ الأنَس، وقد أتُّهِم بسرقة لوحة الموناليزا لأنّه اعتقد أنها حسناء ذات شعر أحمر لها شفاه تشبه الغروب غجرية، بين فجر بهي ومساء شجي. جان كوكتو دمُ شاعرٍ يُهرق ويُزهق ويُصلب لفكّ شِفرةِ رمزِهِ مرموزه، يريد آذاناً لجدران جريحة كانت حيطانا للمبكى والمنفى. إليوار عبر عاصمة الألم يتسكّع يبصق على القبور بطفولة مستعارة قناعاً من بوريس ﭬﻴﺎن، سفنٌ من اللوز، هذه أنت. أصطاد النجوم من أحلام شمشون حين تنام دليلة يتحد الليل بالنهار. بيكاسّو في لوحة الراقصات الثلاث يحلم بامرأة لها لونُ الماء أو النور، وزارادشت نبيّ العَوْد الأبديّ يستلّ نجمةً هاربة كخيمة البسطاميّ المغروسةِ إزاء العرشِ صدفةً، لا جَمَل لمعرفته ولا أسد بل كأنه طفل يحلم بالإبداع والفوضى. ماركس وسائل الإنتاج تُحرِّف وتُزيِّف واقعَ قوى الإنتاج، بعيد عنّك حياتي عذاب، حَكَم علينا الهوى، ليلة حبّ حلوة بألف ليلة وليلة، بليغ حمدي يمنح موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، إيحاء ليلة حبّ والصوت كوكب الشرق أم كلثوم، عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوت إنسان فكدتُ أطير.

4- سيدي واسيني الجميل المدهش:
لعيني من سردكَ الجزائريِّ الحكيِ حظّ، ولذهني من لفظكَ ميتافزيقا الحبّ. يستدرجني الحال إلى التخلّي فالتحلّي فالتجلّي والخوضِ في بحار الحبّ ولجج الشوق وذلك من باب الشيء بالشيء يُذكَر، لا جزءَ إلّا بالكلّ، ولا فرعَ إلّا بالأصل، وأشواقُ ممكن الوجود تحنُّ إلى واجب الوجود ليتم فيْض الشهود، ولا ممكن للوجود إلّا من واجب الوجود حتى يتم الفناء فيه وبه ومنه وإليه، سيّدي قلبي يتقلّب في جسد إنسان ينسى برزَخه الكوثريَّ، هل كلُّ ما يوجد يُعرَف، أو يجب أن يُعرَف، هذا أنا يا سيّدي واسيني المتوّج بظلِّ غرناطة، وأنا الجزائريّ الأمازيغيّ العربيّ المسلِمُ الجنوبيّ في مسقط رأسه، أبلعُ السكينَ بدمها في جزائرَ تفقد إشراقَها وهي بعيدة حتى العدم وقريبة حتى الاغتراب، لم يشغلني الخلدُ في وحدة الجسد عنها، ولم تنازعني نفسي الأمّارةُ بالسوء والمطمئنة.

5- سيدي واسيني الجميل العزيز:
ناس أرى وِدَّهم في هذا البلد إلا خداعا، ودينهم إلا نفاقا. إنّي مهما أنْسَ لا أنسى كلما قرأت رواية أصابني سحرٌ يعرج بي صوبَ مدينة فاضلة هيولانيّة الملمح للفارابي، سِحْرٌ قرمزيّ كبحر الشمال يجمع النقائض بالأضداد والنظائر بالأشباه، سحرٌ مربّعُ الشكل أحيانا يُخَيَّل إليّ أنه دائريّ أو ربما حلزونيّ بمنطق الحال لا المَقام، هو السَرَيان، الحلول، الفيْض، الاشراق، الأول سمّيتُه من باب الوجد تباريحَ الجرح، الثاني من باب التجريدِ شجنَ الهوية، والثالث من باب التوحيد محضَ حبّ، الرابع من باب التجسيد شبقَ الحلم كأساً مقدَّساً، صليباً، هلالاً، نجمة، لقد صار قلبي مرعىً لكلّ شيء.
سيدي واسيني إني أقيس الزمن وأنا أقرأ لك بخفقان القلب وغثيان الحُبّ، سيّدي الجميل، ها أنذا أخترق ظهرَ الغيبِ لأقول ما أرى والرؤيا كشْفٌ والكشفُ تَجَلٍّ وأنا في بلد هي الجزائر مغسول بالثلج والماء والبرد، في زمن الحريق. الأرض والدم، العصا والعفيون، سنين الجمر، وعرس البغل، واللاز، ورائحة الكلب، ودمية النار، وريح الجنوب، وفوضى الحواس، وحادي التيوس، وشهوة في خرائط الليل، وألف عام من الحنين، وتلك المحبة.

6- سيّدي واسيني الألمعيّ الرائع:
إنّي أرى فأرى انطلاقاً من رواياتك التي جعلتني أفتخر بذاتي كجزائريّ له أدب عظيم عظمة كل الدول، أنتَ من شكّلَ صلصالاً جديداً يخلقنا من جديد، أفترضُ وأنا أقرأ سردَكَ المتشعِّبَ المُشَجَّرَ نسقاً وسياقاً وانزياحاً كيف تتصاقب الألفاظ مع المعاني في ثلاثة: أولاً في الوجود المتحيّز لجسدٍ فتكتْ به سياسة التحوّل الديمقراطيّ، لعنة الحرباء، ثانياً في فصلِ العدم والزمنِ الضائع الذي امتصَّ رحيقَه المختومَ ديناصوراتٌ وباروناتٌ باسم الوطنيّة والشرعيّة الثوريّة ومَقام الشهيد، حوَّلوا رياضَ الفتح، إلى إسطبل ردح، ثالثاً في احتراق الحرّيّة، وانكسار الهوّيّة باسم الدين كأفيون يُخَدِّرُ الذاتَ لتخضع للِحية مخضَّبة بمقدسٍ مدنس، وأمومةٍ مفقودة جزائر لو تعود إلينا، لقد وصلتَ بعد تأمّل وتدبّر الى وجودٍ يجب أن تُبْدِعَه بجسدِكَ يجعلُكَ تكون ما تريد وما تريد هو ما ترى.
جزائر يا ربّ آنية فخارية بصلصال الروحِ كُلّلِتْ، سعتْ بها أصابعُ أمازيغيّة، كوشم أمّي، سالتْ في رشح الماء أصابعُها لوليتا…فلما وقعتِ الآنية على الأرض، أخذ أهل القرية يؤرّخون بسنة كسرها وتطوَّرَ الكَسْرُ دلاليّاً ليصير كِسْرَةً، خبزَ وجسدَ المسيح لحظة صلبه، كسرة الحياة لا العيش، قوت القلوب، وتطوَّرتِ الكسرةُ لتصيرَ كرسيّاً للآلهة الوهمِ والعدم والسلب والنهب والقحب، مثل لعنة شمشون ودليلة التي أغرته لتمسح قوّتَه بغوايتها فتعرّى من وحيِهِ لِيَلبسه شيطانُه.

7- سيّدي واسيني حفظك الله ورعاك:
ما الخوف إلا ما نتخوّفه، وما الأمن إلا ما نراه أمْناً.
ها أنتَ تعيد للقمر ألقَه، وللشمس شموخَها، وللسماء سرَّها الملكوتيّ، وتعيد كشفَ جغرافيا الجسدِ من تاريخٍ نُسِخَ ومُسِخَ وفُسِخَ من ذاكرة الماء البحر. هذا الجسد المثلث الأضلاع، جسدٌ تائه، والِه، تافِه جسدٌ تضيع منه جزائره جزءاً جزءاً، ذرةً ذرةً، مَجَرّةً مجرّة، جسدٌ يلبسه العدمُ فيفقد وجودَه البهيّ النقيّ، ها هي جزائرنا التي نسيَت الله فنسيَها تفقدُ جوهرَها الفردَ، وجنّاتِها التي تجري من تحتها الأنهارُ وتحتفلُ بقمرٍ دجّالٍ يعتلي كرسيّ الألهة وعشتارُ تمسحُ ما تبقّى من عرش بلقيسَ بهمسٍ سجاح، قمرٍ دجّال يفتّتُ الأكباد ويُدمِعُ الجفونَ ونصبح ونمسي نأكل القوتَ العصيّ البلعِ وننتظر الموت، ذلك هو ماؤك أيها الحوت اشربْ أو تموت، بشعارٍ تحوَّلَ من الشعب والى الشعب، وصار بالشعب وللشعب، نوع آخر من جملكية آرابيا الحاكمِ بأمره يعود الى دنيازاد التي تسحره بالغواية الحكاية، لتصلَ إلى الغاية، وبشير المورو في كهفه يعيد رسم محاكاة أفلاطون ليعيد للشمس وجهَ الروحِ الملوَّثِ بالظلِّ الشرسِ يطارد شمساً هاربة نحو غروبٍ دجًال مضمّخ بزمن قرمزيّ.

8- سيدي الجميل الخليل واسيني:
يا شمسَ الزمان وبدرَه، يا سلطان الإبداع وسحرَه. كم عرجتُ باسمكَ إلى جزائرَ تُشبِهُ التيهَ والسرابَ والشتاتَ، إنّي أرى في أن لا أرى أيّ شيء، فراغاً يشبه العدمَ الخواء الخلاء، عناقيدَ عنبٍ وثعالبَ والنواطيرُ نامتْ، فراغاً أحاديّ الشكل يملأني تيهاً وغثياناً يشبه لعنة غرناطة، وأنا الدون كيشوتيّ، النِفَّريّ في مواقفي، السيزيفيّ، الدون جوانيّ أعرفُ إلّا شيئاً واحداً هو أنّي لا أعرف من أنا وقاعدةُ سقراط اعرفْ نفسَكَ بنفسِكَ تجعلني أستغشي ثوبي آه يا شجن الصبابة، إنّي أشتاق وأنا الذبيح الصاعد أمشي مختالا وحيدا أتهادى نشوانا أتلو النشيد كالطفل أو كالملاك أو كالمسيح، أستقبل صباحاً كرﻧﭭﺎلياً للعناكب والضفادع والكراسي، والسحابةُ في سروالي وَخْزُ إبَر، أريد أن أعزف على الربابة يا الرايح وين مسافر تعي وتولّي أو أغنية غجرية أمازيغية قبائلية اللحن تعيدني لهمس الزيتون والتين، أغنية بختة التي تجمع الأضداد في متشابه لتجعلني فيها لغرمي مغنما… كيف أقهر الموت؟ كيف أتحرّر؟ بالهروب الى الأمام بجناحَيْ نعامة أو بقرنَيْ حمار، أهرب بالولد والجماعة وعصا الطاعة وصِلة الرحم، وأخلد بالوكالة؟ أو بالهروب إلى فوق أو العلوّ الوجوديّ الذي عبّر عنه سارتر بجهنّم الأخَر، إلى الذات العليا الكبرى المبثوثة تجلّياً في كلّ شيء والتي فاض عنها كلّ شيء؟ هو الانسان فيه شيء من الجَنّة لا كما رأى التوحيديّ في الإمتاع والمؤانسة في الخمر شيء من الجنّة. يعشق نفسه في سواه.

9- سيدي واسيني الأديب الأريب:
فتّانة العينين، فتّاكة الهوى جزائرنا يا بلاد الجدد لا مجدَ لغرناطة فيها. جزائر لاشكلَ لها في الروح، كلّ شيء يُوَشِّحُه العدمُ والفراغ. يا شوق ما أبقى،، ويا دمع ما أجرى، ويا قلب ما أصبى، قد يؤذي من المقّة الولهان، هي المعرفة في أهل المحبة ذِمّة. سردكَ شرقٌ حتى ليس للشرق مشرق، وغربٌ حتى ليس للغرب غرب. مَقام الشهيد أُبصِرُه وبَصَري حديدٌ في رياض الفتح متنبِّياً يقتله سيفٌ له ذيل قد كشف بفراسة زرقاء اليمامة، وابن إياس في بدائع الزهور ووقائع الدهور يؤرِّخ لجزائر خرافةً للجِنّ، وتباريحُ جميلة بوحيرد والعربي بن مهيدي تعيد للوجود منطقَ الطير.

10- سيدي الأريب الأديب واسيني:
ما لي أكتم حبّاً قد برى الجسدَ، والنفسُ لا تشيب، يُغيّر الدهرُ كلَّ شيء ما شاء وهي سلطانة ذات بهجة تشتهي، جَنّة التكوين، والخلود، وجَنّة اللذة، فتنة… تريد من الزمن أن يُبلِغَها ما ليس يَبلغُه من نفسه الزمن. قبحاً لوجهك يا زمان، كان يا مكان والآن ليس في الإمكان أبدع مما كان. جرح اللحظة لزج مائيّ الإشراق، نورانيّ الفيض، سمائيّ الهمس، غَسَقيّ السكون، شَفَقيّ البياض.

11- سيدي واسيني البديع الفريد:
يا أيها المصفّى جوهراً بِلُغتِهِ وفكره وبديهته الصائبة وزكانته الفطرية، أنت تعرف أن نفح الطيب دانٍ بعيد، محبٌ بغيض، حلوٌ مُرّ، ليِّنٌ خشن، وجزائرنا أحدث شيء عهداً بها القِدمُ أحلامُ مريمَ الوديعةِ قرنُ شمسٍ في قمر الدجى، سيّدة المَقام دمية قَصْر وخريدة عَصْر لو رأتها الشمس ما طلعتْ إلّا لتسفك دمي، بجنونها العقل يزني بالعرش. الحرّيّة مِنّي كحبل الوريد سوناتا لأشياح القدس. الموناليزا هي حارسة الظلال، وغرينيكا لوحة بيكاسو ملحمة تفلت من يدي عناكبها، لتعطي للأحلام فراشتها.

12- سيدي الأديب الحبيب واسيني الأعرج:
مستحياً أسارقكَ اللحظ، وقد قيّدتُ نفسي بنفسي في ذراك محبة. ها أنذا أعرج للروح البتول، عبر جسد تقلبت حوله الدنيا حرباء حتى رأى صدقها كذبا، جسد هو القتيل الجاني هذا ما جناه علي أبي وما جنيت على أحد، أنا الأخيرُ زمانُه لكن لم آت بما لم تستطعه الأوائل مضرَّجاً مخضَّباً بدمعي ودمي وعرسُ الدم ظِلّ لوركا يمسح ما تبقّى من هويتي. جسد كثير السؤال له اشتياق وكثير الردّ تعليل، كثير شغف القلب عِلّة مرايا الضرير، حفيف أجنحة ملائكة حولي عقد فريد كطوق الياسمين، تهديه صلاة الوقت لحارسة الظلال، الصمت أعذر لي والصبر أجمل، والبَرّ أوسع والدنيا لمن غلب، تلك هي أيام العَصَبيّة والمُلكِ في جملكية آرابيا كما تحسَّسَها ابن خلدون بدواً حضراً والمدنُ يُسْرع إليها الخراب تلك هي أيام العَرَب والبربر ومَن عاشرهم من السلطان الأكبر إلى الأصغر، ضنى الهوى فيَّ كالسمّ كامنا لذذت به، أظمتني جزائرنا فلما جئتها مستسقيا أمطرت إرهاباً ومافيا مال وسخ ومسخ وأرباب لكرسي الوهم، أحلماً أرى أم زمناً جديداً أم الشعبَ ومنه أنا لا أنا في شخص حيّ أعيد. أصابع لوليتا لجسمها روح وبالقلب من حبِّها تباريح وحْي. حبٌّ بديعٌ فردٌ خامر القلب ليلة الميلاد والصبا ذات أمومة على رمل المايا يشتدّ وهجاً عذريّاً. حبٌ أغربُ من عنقاء في الطير شكله، والحمامة تخلع طوقها لتمنحه لغراب البين حين تطفح ذاكرة الماء بعناقيد سمكٍ ملوَّثٍ بسرابٍ شرس، أبْعَدُ البُعدِ بَعدَ التداني، وأقرَبُ القرْبِ قرب البعاد، أنثى السراب امرأة بين الأم والحبيبة سكنت بيتاً من القلب يشبه البيت الأندلسيّ وماسيكا تسعل سعالاً ديكيّاً من عبق المخطوط قصر لالة سلطانة حبيبة أحمد بن خليل صارت دخانا يفتك برئة مراد باسطا، يُظلَمُ القدُّ إن شُبِّهَ بالغصن رماد الشرق شمسٌ تعي كفٌّ قابضة شعاعَها والطرْفُ يراه مقتربا.

13- سيدي الحبيب الأديب واسيني الأعرج:
أيها المورسكيّ، الزنبقيّ المتوَّج بالوقت الطافح بشجن الصلاة، علّمْتَني أن أقول: أنا الجزائريّ الأمازيغيّ العربيّ المُسْلِم الموشّح بهسيس الشهيد، والكاهنة شوكة في القلب، وماسينيسا يفتح باب الله للوحي، والأمير عبد القادر يعيد لارادة الحياة ديمومة الخلق. علّمْتَني الحبّ بكل اللغات وتفاصيل الحياة وتنوع الثقافات، علّمْتَني كيف أعصرُ من الحجر كأسَ حبّ دهاق يسقي ظمأ الروح، وأعرف أن ما تبقّى من الحرّيّة في جزائريَ الملوّثةِ بالبارونات والديناصورات إلّا الحلمَ الذي جعلني خنفساء كافكا في مسخه، وانتظار جودو لعدمه في الصمت، هذا الحلمُ جعلني أسيرُ أسيراً في صدى الأرض ملائكة، وأصيرُ نجمة تشبه نجمة كاتب ياسين تغرد على شجرة الليل بصوت بوم، أسبح في بحر الهوى أسماكا تشبه الورد وشقائق النعمان، وأحَلِّق في سماءٍ زئبقيةِ البعدِ لا زرقةَ فيها. أكون بلا وجه، أموت واقفا كالنخل باسقا، والرمل يفقد ذاكرة الوقت، ويوشم الليل قبابا تحاكي الفجر الباكي.

14- سيدي الأريب الحبيب واسيني الأعرج:
أنت تعرف والمعرفة بصحبتك أنَس، كم غنّت الفراشة للوردة، واحترقت بنارها، تماما كما احترقت شهرزاد بجحيم شهريار. يا من عرجتَ بلغتك الفراشيّة بي فرأيتُ وطناً يشبه النور أو ربما يكون بيتاً أندلسياً يشبه كعبة الخليل ابراهيم، لمّا ترك حبَّه في وادٍ غير ذي زرع، لالة سلطانة عرفتْ تراتيلَ مَقام الورد آه يا زمان الوصل، ناديتُكَ أيها الواسينيّ لتؤنسني، وأنا ونّيسيّ بشير جنوبيّ مسقط الرأس، لي في كل قبّة حكاية تعادل ألف ليلة وليلة مثلما حكت الرحّالة السويسرية الفرنسية الروسية إزابيل ابراهدت حين سمّتْ الوادي سوف مدينة ألف قبّة وعرفتْ مغربَ الشمس على أشلاء الرملِ والرملُ يعانق غرود عالية الموت فيها جنّتي كما غنى فنان سوف الفلكلوريّ الشعبيّ عبد الله مناعي بزرنته التركية الأصل وقندورته البيضاء أدهم زي الليل ما با يتجلى أحتفِلُ معكَ وأفتحُ نافذة واحدة من شرفات بحر الشمال أطِلُّ منها على ياسين حين أبدع تمثاله الصلصاليّ، امرأة بلا رأس كانت هي أمّي الجزائر أمّي آه يا وطني وحبّي وبقايا طفولتي المعذبة بالاغتراب والأرض اليباب، والسراب حولي سرب غربان.

15- سيدي واسيني الأعرج الأديب الأريب:
جعلتَ كلّ مكان بالحبّ وطناً، وكلّ زمان بالحرّيّة جنّة، وكلّ حلم بالجمال روحاً قُدْساً، فلسفة جمعت بين إكسير الحياة وكيمياء السعادة، حبّ، حلم، حرّيّة والحاء جوهر فرد جامع للحياة والحقّ، نرسيس ظِلُّه صار وردةً، والمرآة عين أمّي جاك لاكان. رأيتُ بِلُغتكَ جزائر أمازيغية الأصل، شاويّة الأمل، طوارقيّة النسل، عربيّة الوصل، هي مَقام المَحْو في حال النحو، البلاغة هي بيان الجاحظ ولا بلاغة إلا بالعصا. بلوغ المشتهى حتى سدرة المنتهى. هذا ماعرف الشيخ العائد الى صباه في الروض العاطر في نزهة الخاطر، وما النَظْم عند الجرجانيّ الا فجيعة اللفظ أمام قطيعة المعنى. لم تكن جزائري فكرة دايالكتيكيّة النقض كما فكّر هيجل، ولا معطى مجرّد يشبه الواجبَ الكانطيّ، ولّاً دالا يُفلِتُ منه مدلوله ويكون علاقة اعتباطية كما وضع دو سوسّير، ولا أنا غارقاً في ليبِدو، يروم الانفلاتَ من الأنا الأعلى كما نظّر فرويد لعلم النفس، ولا صراع طبقات بين البنية التحيتة والفوقية، ورأس المال هو الذي يحدد وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج كما قال ماركس ذات لحظة استثمرَها لينين، ورفضَها، إنّها حالة تشبه ديزاين الكائن هنا كما فكّك مارتن هيدجر في الزمان والوجود، لم أقوّض جزائري بمنطق مابعد الحداثة كما تكلّم ديريدا في طفولته الجزائرية الماكرة المدهشة ربما هو حَفْر أركيولوجيّ يشبه الكلمات والأشياء عند ميشيل فوكو. كثر الشقا منك يولي راحة وحبك ندير الصبر في مطراحه، هكذا تكلم البدويّ الشاعر السوفيّ بن سمينة في عشقه الأشياء، يا سيّدي واسيني يا هذا الظلّ الظليل، تفقد كينونتها الأشياءُ وذرّات الرمل لتتعرّى من جديد حولنا. تتجلّى شيطانا أخرساً أو مسيحاً دجّالا، ونلهث خلفها حفاةً عراة، وفي الأخير نصير مسخاً عَلَقا أعمى كوميديا إلهيّة، وتراجيديا إنسانيّة، بلا حرّيّة وهوّيّة وحلم. ذلك هو التِضام الوجود الذي عبّر عنه كارل ياسبرس، وهو متوهج بعظمة الفلسفة.
سيدي إن الخلود هو البحث عن ساعة يدٍ في منتصف الليل، عند الأرض المواجهة للماء أندريه بريتون. جزائري أتغزّل بحرير يدها التائيّ الإيقاع من تيزو وزو، إلى تلمسان، ومن تمنراست إلى تبسة، أنا لا آخذ على جزائري سوى افتقارها للعنكبوت، وبيت العنكبوت أوهن البيوت. جزائري تموز انتظار الخصب، سزيف لعنة الأبدية، والأنثى أبدية التجلّي، أدونيس بعث، العنقاء السعادة المستحيلة، الفنيق الحياة متجددة من نفسها. الأعور الدجّال يمنح الوقت عسلَ الصلاة والخلاصُ جنّة الكومديا الالهية دانتي حين جعل ابنَ رشد يتلظى بها. بروميثيوس نسيَ نارَه المسروقة من بيت الآلهة، على جبل سزيف، لتصير النار كبريتا أحمر لسزيف، والصخرة لبروميثيوس نرداً أحمق.

16- سيدي واسيني الأريب الأديب:
أسألكَ أخيراً، هل حكت شهرزاد لشهريار عن سندباد، بحريّ له وجه الريّس حميدو، يبحث عن مدينة تسمّى جنان أنَس جنانآس، فيها جبلان عظيمان، الأول جبل حاء، والثاني جبل باء، وفيها بحرٌ سُمِّيَ أسطورياً بثلاثة حروف الحاء، اللام، الميم، يتقلّب كل سنة ستّ مرّات فتصير الحاء مكان الميم تهجره أسماكه لتصير نجوما في ليل قد عسعس، وتسكنه فراشات ملائكية إشراق. هذا الفتى، سَجَنَ شهريار في مصباح علاء الدين وجعله ذرّات ضوء، رأى هذا السندباد فيما يرى النائمُ أنّه أمام هذا البحر، وقد وجد رجلا يلبس ثوباً أخضر قيل اسمه الخضر، خرَقَ سفينة، وقتلَ غلاماً، وأقام جداراَ يريد أن يُنقض، لكنه حين استيقظ من نومه ناشف الريق يابس الحلق وجد وطنه نبَتَ الربيعُ على دمنه. وأقيمت جملكية آرابيا لعرش سلطان بهيئة حرباء عنكبوت وعين الشمس مغطاة بالغربال، فقرّر الوحدة والعزلة حتى الموت، وها هي دار لقمان على حالها.

ختام المسك، ومسك الختام:
وصلتُ الآن إلى كلّ ما أردت قوله لكَ سيّدي واسيني، أرجو أن أكونَ قد عبّرت عن جرحي المعرفيّ، الذي وجدتُ صورَه وأشكاله في رواياتك التي جمعت المتعة بالفتنة، والحرّيّة بالحبّ، والجمال بالجنّة، وأعادت للغة فكرَها العتيقَ، وأشير هنا في هذا المَقام إلى وجهين، وأنا وجهاً لوجهٍ معك في أفق الروح، الوجه الأول، أنا أعتز بتأليف بهذا الحجم والثراء والتنوع والإبداع والإمتاع والرؤيا والكشف والتحليل، فقد مثّل موسوعة أدبية تحكي سيرة الروح والجسد ومعراجهما. الوجه الثاني لقد خضتَ بحرا وقف الكتاب على شواطئه، ويحقّ لنا نحن الجزائريين أن نفتخر بأديب عربي بحجم نجيب محفوظ، منح اللغة العربيّة جواز عبور للعالميّة انطلاقاً من محليّة الجسد.

والسلام مسك الختام.

بشير ونّيسي، الوادي سوف، الجزائر، 12 ربيع الأول 1436 هجري الموافق 3 جانفي 2015 ميلادي. الليلة باردة والنفس شاردة.

عن بشير ونّيسي

كاتب جزائري

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>