الرئيسية / طريق الادب والفن / فلسطين: قضية في البال

فلسطين: قضية في البال

Print pagePDF pageEmail page

20115145420263734_20

“سأل مراسل محطة تلفزيون اميركية يهوديًا يواظب على الصلاة عند “حائط المبكى”، ماذا يطلب في صلاته؟ فأجابه: أن يتحقق السلام بين العرب واليهود”، فقال له المراسل: وهل سيتحقق هذا السلام؟، فأجابه اليهودي، “لا، أنني أتكلم مع الحائط”.                 

صحيفة النهار، في 27 كانون الأول 2010

ربما يكون الجواب صحيحاً، أو يحتمل ذلك، الكلام مع الحجر غير مجد من ناحية التواصل والاتصال، لأن فقدان الوسيلة أي النطق، يُفقد الاتصال أحد مرتكزاته. ربما يكون الجواب مقصوداً، لأن اختيار صاحبه التخاطب مع الحجر مبررٌ للهروب من مناقشة المسؤولية أو تحمل النتائج. ولربما تكمن صحة الجواب في اعتبار المجيب، أن من يخاطبهم، أو المعنيين بكلامه، ممن لا يفقهون بشيء، وعليه تصبح مخاطبة الجماد أجدى وأنفع، أقله بالنسبة له.

من هذه المقدمة نود أن نناقش في موجبات وشروط التواصل ما بين المكونات والقضايا والأشخاص، وعلى قاعدة تحليل وفهم ما هو مشترك، أو متفق عليه، نود استنتاج بعض العبر. لكي لا ندخل من جديد في نقاش أو كلام مع حجر آخر، سندخل مباشرةً في لب الموضوع.

*****

لم تأخذ قضيةٌ في التاريخ المعاصر مكاناً أو عملاً أو جهداً أو دماءً أكثر منك يا فلسطين، كَويتِ وعيَنا وألهبتِ مشاعرنا وسالت لأجلك دماءٌ غزيرة. نُظمت لك، وفيك الأشعار والأغنيات والأفلام، قالوا فيك ما لم يقله عتاة شعر الخمر والغزل في جاهلية العرب التي ما تزال مستمرة، قالوا فيك ما لم يقله أو ينظمه هوميروس في “إلياذته” وهو يحاكي قصف الرعد والضجيج العالي المرتد، قالوا فيك ما لم يستطع قوله من عاصر ونزل في سجون الطغاة ضيفاً دائماً، من “حِكْمَتْ” البوسفور إلى “ألّلندي” تشيلي ونزلاء سجون العسكر والديكتاتوريات في منطقتنا العربية، قالوا فيك ما لم تستطع قوله “ولاّدة بنت المستكفي” في حبها لابن زيدون… حلو الكلام، صاغوه، ومرّ الحياة عاشوه، رفعوك لأعلى منزلة، وأسكنوك حيث الرسل والصالحون، من مربط البراق إلى صخرة الفادي، من جذع شجرة مريم حيث مخاض الخلاص، إلى ميلاد في مغارة حين النجم سطع، من دابة عمر، التي وصلتك مشياً من مدينة منورة في زمن بعيد، وتاهت بعدها في أتون ظلم ذوي القربى ونِعمَ السلطة والحكم، إلى من أنكر أهله قبل صياح الديك بوقت طويل، ممن أعمت بصيرتَهم قَبَلية بائدة لم يستطيعوا التخلص من مكنونانتها، فانقسموا قبائل ومجموعات لا ليتحابّوا وإنما ليتقاتلوا، لا همّ لها إلّا أن تشحذ الهمم والسيوف ليس لقتال أعداء الله، والمرتدّين، والمعتدين، وإنما ليقتلَ الأخُ أخاه، والصديق صديقه، والجار جاره، في لعبة دمٍ بدأت ولما تنته… من كل هؤلاء، ومعهم وُلِدت مأساتك، ومعنا استمرت لأننا كبّرنا القضية، ورفعناها إلى مكان لا يمكننا أن نصله، وهنا كانت المشكلة وما زالت.

سمّيناها نكبة، وهي كذلك، سميناها قضية، وهي أم القضايا، خضنا لأجلها الحروب والمعارك، لم ندّخر في سبيلها جهداً أو عزماً، لكنها مع ذلك رحلت ولم تعد تلك “الفلسطين”. بعضنا تاه، والبعض تغاضى، والآخر تواطأ. بعضنا اندفع وحمل السلاح عن قناعة، والبعض حمله مأجوراً، والآخر حمله ليتآمر. بعضنا هزته القضية، والآخر اهتز معها، والبعض لم تصله أخبارها حتى اليوم. نحن: البعض والآخر والكلّ، كنّا هناك عاصرنا بدايات نكبتك ولربما كنّا مشاركين فيها، تفاعلنا، جاهدنا، هادنّا، تآمرنا، تواطأنا، استسلمنا، استشهدنا…واللائحة تطول لتغطي ليس مساحتك فقط، وإنما لتغطي ولتعبّد طريقاً مستقيماً ممتداً من الأرض إلى السماء.

ما الذي فعلناه وما عسانا فاعلين؟. كان الجميع هناك من بلاد الخليج إلى بلاد المحيط، كان العالم كله معنا ما عدا قلة، ومع ذلك خسرنا. خسرنا نصف الأرض والانسان، ارتحلنا إلى الشتات على أمل العودة، ولم نعد وهل نقول لن؟. ما زلنا هناك من بلاد العرب أوطاني من نجد إلى تطوان، والكثير من العالم معنا ما عدا قلة لكن بدأت تكبر بعض الشيء، ومع ذلك خسرنا نصف النصف المتبقي معنا ونصف الأنسان، ودوماً إلى الشتات القريب منه والبعيد. بدأنا نشعر بأن الكثرة لم تحم ولم تصن لا الأرض ولا العرض. اتكلنا على انفسنا وقاتلنا: أعلناها ثورة شعبية ألهبت المشاعر والدموع، تركنا “وين الملايين” لأنهم عاجزون غافلون وفي نعم الحياة غارقون صمٌ بكمٌ عُمٌّي لا يفقهون ولا يدركون، والتحقنا “بطّل سلاحي من جراحي وثوري ثوري”. بداية متأخرة ولكن لا بأس بها. جمعنا أناسا ًكثراً من حولنا، هم بكل تأكيد من غير طينة من صادروا بداية فضيلة القتال لحمايتك، أصبح معنا من الأحمر والأصفر والأسود والأشقر والخلاسي مُعيناً وسنداً ورفيقاً. لقد كان معنا ارنستو، واولغا، ونضال، وكفاح، واوكايومو، وهوشي منه، وفيدال، ونلسون، وروزا، وكارل، وفلاديمير… حققنا عودة مظفرة، لكنها ليست إلى الأرض وإنما إلى عقول وقلوب رجال ونساء من كل حدب وصوب، آمنوا بأن الثورة هي الوسيلة الوحيدة لتغيير الحياة وبناء الإنسان. التحقوا بنا مؤمنين بما يفعلون، ومقتنعين بما سيفعلون، وجاهزين لتحمل تبعاته. لكن ليست كل الامور تُؤخذ بالتمنيات وبالقناعات، لأن ثمة من كان له رؤية اخرى وسبيلاً مختلفاً وارتباطاً مشبوهاً.

سريعاً ما سقطت الثورة في فخ النظام أو النظم، أغوتها السلطة بما تحمله من إغراءات وامتيازات. حياة المغاور والخوف والحذر والجوع والعطش والتشرد والبؤس والموت…أصعب بكثير من عناء التفضيل ما بين ركوب البحر أو الجو أو البر، ما بين الطائرات الخاصة واليخوت والمراتع الليلية وبنات الهوى والحرس والخدم والحشم والبنوك والأرصدة. أغوتها السلطة وأسقطتها في الرذيلة وألبستها الأثواب الفاخرة، وأسكنتها أعالي الأبراج. أصبح التفتيش عن امتياز تجاري أفضل بكثير من التفتيش عن هدف أو عدو لقنصه أو أسره بغية تحرير إخوةٍ ورفاق دربٍ لنا سقطوا أو اعتقلوا في مكان ما من هذا العالم الشاسع الواسع والمترامي. أصبح تقديم الخدمات إلى تلك الجهة أو ذلك النظام أفضل بكثير من العمل لتقديم الدعم إلى أهل لنا قابعين تحت الاحتلال يقاومونه بما امتلكت ايديهم العارية، وبطونهم الجائعة وقلوبهم المليئة حباً وعشقاً لتلك الارض التي انجبتهم.

سريعاً ما سقطت الثورة وتبدلت الاسماء بأخرى والثياب الرثة ببدلات أنيقة وربطات عنق مزركشة ملونة بحسب لون الجوارب، أصبح “جوني وكر” بديلاً للكلاشنكوف، أصبحت الجاكوار وسيلة للتنقل مكان الأرجل شبه العارية الضاربة في واد عميق، مسالكه أشواك حادة وطرقاته وعرٌ يستعصي على السائر بضوء الشمس الساطعة في نهار صيفي منعدم الغيوم، فكيف اذا كان الأمر في ليل حالك، أسود بنوره، ومخيف بسكوته، وبالمتربصين من كل حدب وصوب. لقد سقطت الثورة وتبدلت الأسماء فعاد من عاد إلى سجن بلاده، وذهب من ذهب إلى أعماله، ويومياته الباهتة، وبعضٌ من بقية اختاروا جوار ربهم، شهداء أحياء يرزقون في قلوب أحبتهم وأهلهم، مع صورهم التي علاها الإصفرار، وآخرون امتهنوا التجارة والسياسة معاً، لتلازمهما في المهام والمهمّات والأرباح والوظيفة والمكاسب والمصالح، تهافتوا سريعاً بسرعة الضوء وتهافتت أفكارهم، وقلةٌ فضلت الوفاء للماضي، معتقدةً أن الحل وطريق التحرير لا يمران إلّا عبر الثورة، مساكين أصبحوا أقليّة وقيمة مضافة على إرث التاريخ المستعادة أمجاده في أغاني وقصص الأولاد وكتب المدارس. هكذا إذن أصبح الثوار: جماعاتٍ متباعدةً متناقضة متنافرة متناحرة، يشتمون بعضهم بعضاً، وعلى ذلك تكون الخسارة مزدوجة. هكذا أصبحت الثورة عيداً واستعراضاً وافتتاحاً لمشاريع ورقصات فتية وقص شريط الحرير. أصبحت باقات وردٍ، وبطاقات تعريف، وياقاتٍ ملونةً، وأسماء مجالس قيادات وحسابات في المصارف. أصبحت أجهزة أمنية تتلصلص على بعضها البعض، وعلى المواطنين لتسجيل أو لتركيب لحظات حميمة، أو محمومة أو سقطة أو رذيلة، لذلك الشخص أو الفلان الفلاني، لاستخدامها ساعة تحين ساعتها أو ساعته.

أصبحت القضية قضية تمثيل وشرعية ومشروعية، من له الحق في النطق باسمها أو التفاوض عنها وعليها، أصبح الإرث مطلوباً لإعطاء شهادات من هنا أو صفقاتٍ من هناك، أصبحت المقاومة تهمة ورذيلة، وسبباً للملاحقة والسجن والقتل ولامتهان الكرامات، أصبح العبء أن تكون مقاوماً، لأن في ذلك سبباً لتصفيتك لأدنى سبب، وأحيانا كثيرة بدونه. هذا هو الحال التي أضحت عليه قضية ملايين المشرّدين، وعشرات ألاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، هكذا أصبحت قضية القرن العشرين، والتي استلمها الواحد والعشرين، ويا خوفنا أن يسلمها إلى الآتي بعده. لقد انقسم أبناؤها ما بين سلطة، متمسكة بامتيازات وهمية ووعود موهومة ومشاريع صفقات تنضح منها رائحة التآمر والتصفية والتجارة، وبين مقاومة تدّعي أو تطرح نفسها البديل، ولكن بالمقابل، عينها على السلطة. هنا تكمن القضية، وعليه يجب الكلام لا مع الحجر وإنما مع البشر.

لا يمكن أن تقوم ثورة اجتماعية إذا كان هناك دولة عادلة ومساواة وحماية ورعاية. لن تكون مقاومة ومعركة للتحرير الوطني ما لم يكن هناك احتلال. هذه مسلّمات أو بديهيات، واستكمالاً لا يمكن أن نكون مقاومة، وعيننا على سلطةٍ، أو هيكل يسمى سلطة، أُنشئ في ظل الاحتلال. إمّا مقاومة وإمّا سلطة. السلطة القائمة على الاتفاقات المفرّطة بالأرض والحقوق لا يمكنها استعادة الأرض والحقوق، متى أدركنا ذلك نكون قد قطعنا نصف الطريق. الخيار واضح، فلماذا إذن هذا الاستمهال والاستسهال في قول الحق وفعل الحق والعمل الصحيح؟ ليس الامر أحجية يعجز عنها العقل، إنها مسألة بديهية ومطلوبة وواضحة: من أراد المقاومة وعن حق، ما عليه إلّا أن يكون مقاوماً، ونقطة على السطر. لا مقاومة مع المساومة والمقاولة والمحاصصة والابتزاز والزواريب… المقاومة وجهتها واضحة، وهدفها معلن، وهو الاحتلال وغير ذلك لا موجب ولا مبرر لها ولعملها. متى انتصرت المقاومة، مبروك عليها السلطة التي يجب بناؤها ساعتئذ بشكل وبحجم وبقيم وبمبادئ من استشهدوا ومن جرحوا ومن اعتقلوا ومن بقوا وأكملوا صابرين مؤمنين صادقين مقتنعين بما فعلوا.

يبدو الكلام كما لو أنه نقاش في غير محله، أو صاحب تأويلات كثيرة، ربما هو لتذكير من سها عن هدفه وضاع عن طريقه وضل مآله، ربما يكون نقاشاً مع حجر في مكان ما من هذه الصحراء الصفراء بسطحها والسوداء بباطنها. لكن ما المشكلة في ذلك إذا كان النقاش مع الصحراء أو الحجر؟ ألم نحب تلك الصحراء ونعشقها؟ وإلّا لمَ كل هذا الذي قلناه في الغزل والحب العذري والبطولة والفخر والخمر من شعر ومعلّقات، عُلّقت في ذلك البيت العتيق، في وصفها واعتزازنا بالانتماء إليها! نعم كنّا كذلك، ومع ذلك حجارتها كانت تختزن تاريخها، وصانعة مجدها أو أقلّه ما يُذكر عنه في أدب وحكايات الاوائل. لغة الحجارة ليست مستنكرة وليست من دون فائدة. إنها كل الفائدة إذا أحسنا استخدامها واستعمالها. إنها التحدي وصانعة المجد والعز والفخر في زمن عزّت فيه هذه الفضائل، واندثرت في حانات وملاهي بنات الهوى وشبكات تجارة الاسود والابيض والاخضر. كانت منطلقنا لصناعة أو لإعادة صناعة الثورة، ثورتنا التي اشعلناها عندما وعينا خبث وعجز وتواطؤ من استلم حل القضية في بداياتها. هي صانعة مجدنا في وقت اصبح الحديث عن حجم الاستثمارات والارصدة والصفقات عند كبار القوم من قادتنا هو الأهمّ والأساس. ألم نحمل ذلك الحجر في وجه العتاة؟ نعم حملناه، وحمّلناه هموم تقصيرنا وإرثنا وانهزامنا أمام إغواءات السلطة ومحاسنها وامتيازاتها، حملناه عندما لم يبق لنا إلّا بقية كرامة، أفلتت من أجهزة الاستخبارات أو زوار الليل أو حارسي الملاهي الليلية حتى الصباح. ألم يكن ذلك الحجر هو من أعادنا إلى ذاتنا؟ نعم صالحنا معها، وأزال عنّا عجزنا وبقية من ذلنا. إنه هو هو لم يتغير منذ أن تعثّرت فيه خيول تلك الصحراء في ذلك الماضي، وهي تفتح مدن الشرق والغرب في زمن وتاريخ مضيا منذ قرون، إلى يومنا هذا وهو في يد طفل لم يبلغ العاشرة من عمره يحاصر دبابة معادية أو يرشق محتلاً بحجر.

إنه هو هو لم يتغير. من تغير هو حامله وهدفه ومكانه. نعم استعدناه من التاريخ مثلاً، ومن المتاحف شاهداً ومن جلول الخير سنداً، ومن مقالع الرجال قوةً، نضرب بها من اغتصب الأرض والعرض، وامتهن الكرامة. لقد استعدناه من صنمية أرادوها له، ليحتفلوا به حصراً “كحجر أساس” لبناء لن يقوم. أو احتفالا لذكرى أُرّخ لها، بنقش من هنا، وتمثال من هناك لتبقى فقط للذكرى، وليس للعبرة. استعدناه من كمّ المتاريس التي رفعتها أنظمة ظالمة في حق شعوبها . استعدناه لنكمل فيه أو لنبدأ فيه – لا فرق – الحوار الحقيقي، الذي ينتج دولاً وسلطات، وقوة وموازين قوة، تفرض الاحترام قبلاً، وتؤمّن شروط ومستلزمات العيش الحرّ والكريم في عالم يمشي على رأسه وبالمقلوب.

نعم من مستلزمات وشروط الحوار والتواصل تأمين مكوّناته: المُرسَل والمرسَل إليه ووسيلة الإرسال. الحجارة تنفع كمرسَل، وهي أشد نفعاً كوسيلة إرسال، إذا كان المرسل إليه هو رأس عدو يستحقه، وعلى ذلك يكون الاتصال قد تم بكل وضوحٍ دون أي لبسٍ أو غموضٍ، وبه وفيه ربما لن تعود تلك الصلاة نافعة، عند ذلك الحائط الأصم، وذاك المصلّي الأبكم الآتي من بعيد.

عن مجد خليل

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>