الرئيسية / رضوى عاشور.. وجه لا يغيب / رضوى عاشور… الإنسانة والمثقّفة والرمز

رضوى عاشور… الإنسانة والمثقّفة والرمز

Print pagePDF pageEmail page

r3

لم أكن لأتخيّل يوماً، أنّني سأكتب عن رحيل رضوى عاشور. لم أكن لأتخيّل أنّني سأستذكر مزاياها، ليس لأنّها ليست من صنف البشر، بل لأنّها بحيويّة ومرح وابتسامة صنعت من حياتِها حيوات. وصنعت من الحيوات معاني راسخةً تُشبِهُها في شموخها وكبريائها وتواضعها، قِوامُها الدفاع عن أيِّ قضية عادلة وتفكيك اختلالات ماضينا وحاضرنا.

لم يكن ليمرَّ عامٌ إلّا ولرضوى عاشور فيه روايةٌ أو بحثٌ أو سيرةٌ أو موقفٌ سياسيٌّ وطنيٌّ وقوميّ. حتّى أنّني لطالما تساءلتُ بيني وبين نفسي: كيف لهذه المرأة الزوجة والأم والمناضلة والروائية والأستاذة الجامعية أن تجمع بين هذه الأدوار كلِّها، كأنَّ ليس لها من وقتٍ للراحة؟

معرفتي الشخصيّة برضوى عاشور بدأت بعد صدورِ “ثلاثيّة غرناطة”، فلم تخذلْني شخصيّتها التي كنتُ قد قرأتُها في هذه الثلاثيّة، وقبل ذلك في قصّة رحلتها إلى الولايات المتّحدة لإعداد الدكتوراه، إذِ اعتادت هي أن تُشرِكَ قرّاءَها في حيواتها وأدوارها كلّها مذْ كتبت “أيام طالبة مصرية” وحتّى كتابة سيرتها الأخيرة “أثقل من رضوى”. وما بين السيرتين كنّا نتلمّسُ شفافيّتَها المتوارية خلف الحكايا التي تضمَّنَتها رواياتُها، وخلف شخصيات هذه الروايات: فنقرأُها في شخصيّة أبي جعفر الورّاق في “ثلاثيّة غرناطة”، وفي شخصيّة حفيدته سليمة وزوجةِ أخيها مريمة… نقرأُها في شخصيّة الراوي ذي الأعوام الخمسة والستّين، والذي سمّى نفسَه الناظرَ في “قطعة من أوروبا”، ونقرأُها في “رُقيّة الطّنطوريّة” في روايتِها “الطنطوريّة”..إلخ.

لقد صالت رضوى عاشور وجالت بين الماضي والحاضر والمستقبل ممسكةً بالزمن العربي بكلِّ أبعاده، مقاومةً تهديدات الحاضر ومخاطره، سواءٌ في كتاباتها الأكاديميّة أم الإبداعيّة المكتوبة بالعقل. أوَ ليستِ الكتابةُ كما يقول رولان بارت قائمةً بالعقل وليس بالقلب، طالما أنه ينبغي على الأدب أن يساعد على معرفة الإنسان؟ هكذا كانت رضوى عاشور تستحضرُ الذاكرة الجمعيّة لتولّد منها أفعالاً مفيدة. تنسجُ المعاني في زمنٍ عربيٍّ مناهض لكلِّ ذي معنى. تتفاءلُ بالغد مراهنةً على الوطنيّ والعروبيّ والإنسانيّ. فتتحوّل الكتابةُ معها إلى فعل تحدٍّ ووجود.

لذا ليس من الغريب، حتّى بالنسبة إلى الذين لا يعرفونَها، وإلى الذين لا تربطُهم بها روابطُ صداقة أو زمالة أو قرابة، أن يلتمّسوا شفافيّتَها وأن يصيروا متورّطين في المعاني التي تُشكّلها بعقلها وبقلبها وبكلِّ ذرّة من كيانها. لا بل أن يصيروا متورّطين معها في الحياة حتّى العمق.

إنّها الشفافيّة نفسها التي جعلت كلَّ مَن كتب عنها قبل وفاتها وبعدها يكتبُ بحبٍّ وبعاطفة توازي مشاعر التقدير والإعجاب بفكرها وأدبها ونضالها. فكتب محمد خير في جريدة “الأخبار” اللبنانية في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٠٦)، تحت عنوان “رضوى عاشور شقيقةُ بيروت”، كتب يقول “هي زوجة وأمّ ومناضلة لا تستسلم… إنّها شقيقة بيروت!” مضيفاً أنّ “رضوى أمسكت حياتَها من كلِّ أطرافِها…”. وكتبت دينا حِشْمت في جريدة “الأخبار” اللبنانية أيضاً في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٠٨، تحت عنوان “الحبُّ في قلبِها والحربُ خيطٌ مضفور”، كتبت تقول: إنّها ” تحبُّ التدريس. تشعرُ بالفرح والفخر عندما ترى أحد طلّابِها. بل كما تستدركُ «أولادَها». تحكي عن « ضعفِها» تجاهَ طلابِها”.

أما بعد رحيلها، فكتب فهمي هويدي في “الشروق” المصرية ( الأربعاء 3 كانون الأول/ ديسمبر2014) الآتي: “تحتضنُ مَن حولَها وتوزّعُ عليهم ابتسامتها العذبة وتغمُرهم بمَعينِ محبّتها الذي لا يَنضُب”. في ذلك الصباح الحزين الذي ذاع فيه خبرُ وفاتها اتّصل بي هاتفياً أحدُ الأصدقاء ممّن لا تربطُهم صلةٌ بها، (..) لكي يعزِّيَني في وفاتها(…) فوجئتُ بالاتصال-(والكلام لا يزال لفهمي هويدي)- ليس فقط لأنّ صاحبي كان أبعد ما يكون عنها، ولكن لأنّني أنا أيضاً لم أكن على صلةٍ وثيقةٍ بها. مع ذلك فقد انتابَنا نحنُ الاثنين الشعورُ بالحزن لوفاتها. وحين طالعتُ التعليقات التي وردت على تويتر بعد ذلك لاحظتُ أن شبّاناً أعرفُهم وآخرين لا أعرفُهم يتبادلون العزاء في وفاتها ويعبـِّرون عن شعورهم بالحزن لغيابها”.

وفي جريدةِ “السفير” اللبنانية (2/12/2014) تساءلَ الناشر المصري محمد هاشم قائلاً: “أيَّ ضميرٍ فقدنا؟” وسألها عبّاس بيضون “أيّ حياةٍ خصبة تركتِ وراءَكِ؟” وجاء عنوان سيّد محمود في جريدة “الأخبار” اللبنانية (2/12/2014) كالآتي: “رضوى عاشور… أيقونةُ الحرّية وداعاً: الكاتبة المصرية التي عشقت فلسطين واستعادت الأندلس”. وكتب فيصل درّاج في جريدة “الحياة” اللندنيّة (10/12/2014): “الإنسانُ موقفٌ، هذا ما عاشته الراحلة رضوى عاشور وأخلصت له”.

لا يسعُني أن أستعرض كلَّ ما ينمُّ عن هذا الحبّ والتقدير، هي التي أقلّ ما قيل فيها: “إنها المرأةُ التي ناضلت على كلِّ الجبهات”؛ “المرأة التي أخلصت لفكرة المقاومة والنضال وقضيّة فلسطين”؛ “المثقّفة الشريفة والنبيلة التي لا تعرف المساومة”؛ “الشامخة الثابتة القدم”؛ “المرأة ذات الضمير الحيّ”؛ “الشجاعة المقدامة”؛ “الضمير الحيّ الذي يمشي على قدمين”….

لا يسعُني أن أستعرض كلّ ما ينمُّ عن هذا الحبّ والتقدير إذن، ولا أظنَّن أن شهادتي هذه ستفي بالغرض، بقدر ما أنها قد تجلب لي ولمحبّي رضوى شيئاً من العزاء في استحضار مثقّفة باتت رمزاً للوفاء. هو الوفاء لمبادئها لأسرتها لطلّابها لأصدقائها، الوفاء للمقهورين والمقموعين في العالم، الوفاء لوطنها ولعروبتها. فلْننعمْ بدفء مثقّفةٍ باتت رمزاً من رموز المقاومة والنضال في تاريخنا القومي. ولْتكن الكلمات التي سننسُجها من الآن فصاعداً عقوداً من ورد وياسمين نكلّل بها هامةً غمرتنا في حياتها بالحبّ بمقدار ما غمرتنا بالقيم الخالدة.

عن رفيف رضا صيداوي

د. رفيف رضا صيداوي- حاصلة على دكتوراه في علم الاجتماع، متخصّصة في النقد الروائي. لها العديد من الأبحاث والدراسات الخاصة في الدوريات اللبنانية والعربية وفي مؤلفات مشتركة. من مؤلفاتها الخاصة: "النظرة الروائية إلى الحرب اللبنانية" ( دار الفارابي، 2003) - "جواري 2001: حول العنف ضدّ المرأة" (دار الكتب،2002) - "الكاتبة وخطاب الذات- حوارات... (المركز الثقافي العربي، 2005) - "الرواية العربية بين الواقع والتخييل" (الفارابي، 2008).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>