الرئيسية / رضوى عاشور.. وجه لا يغيب / رضوى.. المثال الحي للنبل‫

رضوى.. المثال الحي للنبل‫

Print pagePDF pageEmail page

 r2

حين أتذكّرُ رضوى أتذكّرُ أولاً جمالَها، شعرَها الفضيّ اللامع، عينيها الكبيرتين المُضاءَتين بنورِ الذكاء والحيويّة. شيءٌ من السحرِ في عينيها المليئتين بالفضولِ والتساؤل كان يَجذبُني. فهي الكاتبةُ والباحثةُ التي تبحثُ وتتحرّى عن كلِّ ما في الدنيا من جمالٍ وبشاعة. معاركُها الطويلةُ مع الاستبداد والظلم واللاعدالة لم تتركْ أيَّ أثرٍ سلبيٍّ على وجهِها. الوجه الذي لم يحمِلْ أيّةَ علامة غضب أو كراهية أو مرارة، بل، على العكس، كان يسجّل حبَّ الحياةِ وحبَّ الناس.

محبّةُ الناسِ لرضوى كانت لافتةً. فحتّى الذين لم يعرفوها، أو الذين عَرَفوها معرفةً عابرةً، تأثّروا كثيراً لغيابِها‫.

محبّةُ طلابِها وزملائها لها كانت بدورِها معبِّرةً جداً. إذ كانت رضوى تُصغي للجميع، وتشجّعُ الفكرَ المستقلّ لدى الأجيال الصاعدة. لن أنسى دعوتَها لابني سري ليُلقي محاضرةً في جامعةِ عين شمس عن الشاعر الإنكليزي وليم بليك، علماً بأنها كانت قد نشرت كتاباً عنه قبل ذلك. فرضوى كانت ترحّبُ بالأفكار الجديدة، وكان همُّها مُنصبّاً على تشجيع الباحثين الشباب أينما كانوا‫.

بعد غيابِها، قال مريد في كلمتِهِ المؤثّرة التي ألقاها بمناسبة تكريمِها في جامعة عين شمس: “هي الأستاذةُ صوتُها ينادي أصواتَ طلابِها، لا آذانَهُم”؛ ولربما كانت هذه الصفةُ مِن أهمّ صفات الأستاذ المثالي‫.

وفي الكلمةِ نفسِها قال مريد معبّراً عن حبّ رضوى للغة العربية: “إن هذه اللغة هي البطلُ الدائم والأول في رواياتِها”. لكن على الرغم من عشقِها للغة العربية كانت رضوى أستاذة اللغة الإنكليزيّة وآدابِها. وهذا في رأيي ما أعطى بُعداً إضافياً لكتاباتها الأدبية كروائية عربية ملتزمة‫.

إذ، على ما اعتقد، أن معرفة لغتين وآدابهما معرفةً تامةً تساعد الكاتبَ على التعبير عن أفكارِه وتجاربِه الإنسانية بشكلٍ أعمق. فكيف للكاتبِ أن يعرفَ الآخرَ من دون معرفةِ تاريخِه وآدابه وفنونِه؟ كانَ لرضوى فَهمٌ بالغٌ باللغة الإنكليزية وآدابها، وبالتالي كان لها فهمٌ بالتاريخ البريطاني وبالتالي بطبيعة الإمبريالية، فضلاً عن أصول الاستبداد في تجلّياتِهِ كافة. وهذا برأيي ما سمحَ لرضوى ببلوغ ذاك المستوى الرفيع من التعبير عن أفكارها السياسية والتحرّرية تجاه قضايا الشعوب االمقهورة.

الكاتبةُ الهنديةُ المعروفة غيتا هاريهاران سألت رضوى خلال مقابلةٍ تلفيزيونية معها: كيف تختار الكاتبةُ السياسيةُ الملتزمة المواضيع والأشكال الفنّية (رواية، شعر، مقال، إلخ) لتعبّرعن الأوضاع التي يعيشها الناس؟ bearing witness – أجابت رضوى بأن الكاتبَ لا يختار موضوعاتِه، “بل إن الموضوع هو الذي يفرِضُ نفسَهُ على الكاتب، وذلك في سياق الأحداث التي يعيشُها، فضلاً عن اختباراتِه السياسية والاجتماعية”.

وتوسّع النقاشُ حول الكتابة السياسية حين أجابت رضوى على سؤال آخر حول تعامل الكاتب السياسي مع الصوَر النمطية العدوانية والمدمِّرة، إذ أكّدت أن معركة التحرير هي – إلى حدّ كبير – معرَكةُ إظهار الصورة الحقيقية التي تمثِّلُنا، وهذا من واجب الكاتب العربي. إذ إن صورةَ الغير عنّا لاعلاقةَ لها بواقعِنا. فتمثيل الذات هو من أولويّات معركةِ التحرّر.

وتضيف رضوى أن الكاتبَ لا يعبّر عن آرائِهِ وعن رؤيتِهِ الخاصة فقط، بل هو يعبّر عن واقع الجماعة. فاللغةُ ليست ملكاً خاصاً لأيّ كاتب، بل تنبثق عن بيئةٍ حضارية- ثقافيةٍ واسعة، وتُجسِّدُها، وبالتالي فهي تعبّر عن الجماعة التي تنتمي إليها .

وضعت رضوى هذه الأفكار في إطار التصدّي للإمبريالية. وأشارت إلى رواية “روبنسون كروزو” (للكاتب الإنكليزي Daniel Defoe سنة ١٧١٩) حول مغامرات بحّار إنكليزي تحطّمَت سفينتُه في البحر ونجا وحدَهُ على شاطىء جزيرة صغيرة. فيلتقي برجلٍ أسود وسرعان ما يعتبِرَهُ عبداً له. يسمّيه ‪ Friday – أي الجمعة -، وهو اليوم الذي التقى به لأول مرة. فيقول له، هذا اسمُك وعليك أن تخاطبَني بكلمة “سيّدي (master)”

أرادت رضوى بإشارتها إلى هذه القصّة أن تضيء على الفكر الاستعماري الذي يَعتَبِر أن لا تاريخ ولا حضارة ولا وجود ثقافياً لأبناء أيّ بلد إلّا مع الاستعمار. هنا تبرز أهمّية مقولتها عن واجب الكاتب العربي. واجبه في تمثيل نفسه وناسه عوضاً عن الصورة التي يرسمُها المستعمرون عن المستعَمَرين.

في هذه المقابلةِ التلفزيونية وغيرِها، كما في رواياتِها وكتاباتِها الأخرى، وكذلك في حديثِها اليومي مع أصدقائها، كان يظهر المخلوق آو الكائن السياسي القابع في أعماقِها.

وفي كتابِها الأخير “أثقل من رضوى”، وهو كتابٌ مؤثّرٌ للغاية، تروي قصةَ مرضِها الأخير بكلِّ تفاصيلِهِ. ومن اللافت في سيرة عذابِها الهائل غيابُ أيّ كلمةٍ أو عبارةٍ تُشعِر القارئَ بأنها تستثيرُ منه الشفقة. بل على العكس، تعتذر بشكل دوري من القارىء – “حضرة القارئ” أو “حَضرة القارئة” – بسبب العبء الثقيل الذي قد تحمِّلهُ إياه بسرد حكاية مرضِها.

ثمّةَ أمرٌ آخر استوقفني في الكتاب، وهو غياب الكلام على محبَّتِها لمريد، أو لتميم، أو عن مَحبّتهما لها. فالمحَبّةُ واضحةٌ كالشمس، كأن لا ضرورة للتعبير عنها. بحيث يشعُر القارئَ بوجودِ رفيق العمر والابن في حياتها وكأنهما جزءٌ لا يتجزّأ من ذهنِها وكيانِها، تَغمُرهُما ويغمرانها ويُصبح الثلاثةُ وكأنهم فردٌ واحدٌ.

في كتابِها إذن، تتزامنُ موضوعات عدّة وتتعاقب وتدور. صحيحٌ أن رضوى في هذا كلِّهِ حاضرةٌ في قلب دائرة الموضوعاتِ هذه، بحيث تدور حولها الحكايات: من مواجهَتِها رئيس جامعة عين شمس، وتصدّيها لنظام الجامعات المصرية، ومطالبتها باستقلالية الجامعة، وأملِها بثورة يناير وبقضايا الحرية والعدالة في العالم. إلّا أنّنا نلاحظ غلبَة هذه القضايا كلّها على موضوع المرض. وهذا ما يعكس شخصية رضوى التي لم تَفصِل في حياتها أو في كتاباتها بين الخاص والعام.

وداعاً رضوى، ستبقين لي مثال الكاتبة الملتزمة بقضايا الحرية والعدالة، كما ستبقين مثالاً حيّاً عن نبل الأخلاق.

عن جين سعيد المقدسي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>