لا وداع يا رضوى

Print pagePDF pageEmail page

r1

الروائية المبدعة والناقدة الرائدة التي نجتمع اليوم في ذكراها، هي المناضلة الجريئة، والأم المثالية، والمرأة الودود المحبة.. صاحبة القلب الكبير.. رضوى عاشور.

كان لقاؤنا الأول في القاهرة، في ربيع سنة 1983. في ذلك الربيع كانت بيروت، مدينة الإشعاع والحضارة، تلملم شظاياها وجراحها في أعقاب ذلك الاجتياح الإسرائيلي. وكانت القاهرة، كعهدها دوماً، ملتقى الكتّاب والمناضلين والمفكرين العرب، مهما اشتدت الأنواء وتبدّل الحكّام.

أينما توجهتُ.. كانت الأسئلة تحاصرني: ماذا عن احتلال الجنوب؟ ماذا عن خروج المقاتلين؟ ماذا عن صبرا وشاتيلا؟ وكنت أجيب بصراحة. وما نسيت في حياتي ـ وأنا في أحد اللقاءات العفوية ـ تلك الأسئلة التي انهالت عليّ من سيدة تميزت بحيويتها وذكائها الوقاد، وأدهشتني أسئلتها التي لا تنبع إلا من أعماق وجدان نادر الوجود. كانت رضوى عاشور هي التي تسأل. هكذا كان لقاؤنا أول مرة. هكذا عرفتها، وتعلمت منها أن الشجاعة ليست فقط بإعطاء الرأي والتحليل، بل في طرح الأسئلة التي تتطلب شجاعة مماثلة، وربما أكثر.

ومرت الأعوام، وعدنا نلتقي في بيروت، ومع كل رواية لها، وكل خبر عن نشاطها الجامعي والفكري، ومجابهتها العلنية للمسؤولين من أجل جامعة عين شمس، ومن أجل حرية الرأي في مصر، كانت الشجاعة هي أبرز صفاتها التي تتعزز وتقوى في ذاكرتي.

تلك هي رضوى الإنسان، أما الروائية، فلنقف عند رائعتها “الطنطورية”. نحن في هذه الرواية لا نتعرف على أبطال بالمعنى الروائي التقليدي، فالرواية تحكي عن أربعة أجيال من أبناء فلسطين، فهل البطولة جماعية؟ ممكن. وهل تراكم الأحداث والحكايات لأكثر من جيل وفي أكثر من مكان، وحده الهدف؟ لا أعتقد.. فأروع ما جاء في “الطنطورية” هو التطور الذي عاشه المخيم من ذل اللجوء إلى عنفوان الثورة.

وكم كانت رضوى جريئة حين كتبت عن أدق المواضيع الحساسة في حياة اللاجئين، ومنها “مفتاح الدار”. فالمفتاح الذي تخبئه الفلسطينية حول عنقها، أو في مكان أمين، أخرجته كل امرأة في مخيم عين الحلوة مع بداية الحرب الحزيرانية، سنة 1967، وراحت تهيء الثياب للعودة. كلها أيام.. فالنصر قادم. وراحت أم الأمين ـ وهي من كانت تسكن في صيدا لا في المخيم ـ تدور على الجيران تودعهم وتستحلفهم بالله ان يزوروها في فلسطين:

“دارنا واسعة وأهلاً وسهلاً بالجميع. أمانة لا تطولوا علينا… “

كتبت رضوى عاشور، الروائية العربية المصرية، عن مخيم عين الحلوة ما لم يكتبه سواها. وهي المرأة التي قال عن حبها العظيم لوطنها مصر ابنها الشاعر المبدع تميم البرغوثي:

“وأمي حافظة شوارع مصر بالسنتي.. تقول لمصر يا حاجة ترد يا بنتي..”

هذه المصرية الأصيلة كيف تمكنت من أن تروي لنا عن حارات الطنطورة وبيوتها وأهلها ومزارعها وأشجارها وشاطئها، وهي التي كانت طفلة في سنواتها الأولى يوم تحولت الطنطورة إلى أنقاض، وقامت مكانها مستعمرتان لا واحدة: مستعمرة نحشوليم ومستعمرة دور عام. وكيف تمكنت من معرفة الأزقة في مخيم عين الحلوة، ومعرفة طبيعة الحياة في المخيم. كيف؟

قالت رضوى مراراً إن ذلك ما كان ليكون لولا رفيق العمر مريد البرغوثي. ورفيق العمر من أبناء دير غسانة، من كبار المناضلين الفلسطينيين بصمت، في الشتات وفي المنفى، ومن كبار الشعراء العرب الطليعيين المجددين.

وأما جرأة رضوى في طنطوريتها فلم تقتصر على المشهد الفلسطيني، بل تعدته إلى أصول الكتابة نفسها، إذ أدخلت في نسيج الرواية كل ما اعتبرته شأنا تاريخياً مهماً لفهم المرحلة. وليس من همومها السؤال: أهي الرواية من أجل التاريخ؟ أم التاريخ من أجل الرواية؟

وأما في كتابها “أثقل من رضوى”، فهي تحكي عن تجربتها الفريدة في واشنطن وهي بين أيدي الأطباء، بجرأة نادرة حقاً. تُرى، هل شعرت صديقتي الغالية بخطر الموت؟ أقول حتماً، لكن لا يبدو أنها شعرت بخوف من الموت. هي لم تكتب عن الموت إلا قليلاً، ونقلاً عن كلام الأطباء المعتاد. كان همها أن تعرف ماذا يجري في تونس وفي مصر، وكأنها لم تكن هي نفسها المهددة حياتها.

قال تولستوي في روايته “الحرب والسلام”: “الرجل الذي يخشى الموت لا يستطيع أن يكون سيداً على أي شيء، غير أن الذي لا يخشاه فهو يمتلك كل شيء.”

يا إلهي، كم تذكرت هذا القول وأنا أقرأ كتابها هذا، كم شعرت بأن رضوى ـ حقاً ـ لا تخشى الموت، وأنها ـ حقاً ـ تمتلك كل شيء. ويكفي أنها تمتلك الشجاعة والحس الدائم بالعدالة، وتسعى إلى نشر العدالة، وكلتاهما ـ الشجاعة والعدالة ـ من الصفات الأولى في النظرية التقليدية للصفات الأخلاقية.

وعادت رضوى إلى مصرها وبيتها ونضالها وجامعتها، وشاركت في الثورة. وكأني بها نسيت، ولا أقول تناست، ما جرى لها في واشنطن. وكتبت رضوى شهادتها عن الثورة في كتابها الأخير.

ونحن في بيروت عشنا أيام الثورة عن بعد. وأنا .. كنت كالملايين التي تجلس أمام شاشة التلفزيون بلا حراك، ساعة بعد ساعة.. كنت أشاهد وأترقب ما يجري، وأقرأ عن كل ما يجري. لكنني أشهد ـ أمام الله ـ أنني ما عرفت أعماق الثورة وطبيعتها وحكاياتها التي لا تُرى بالعين، بل بالوجدان، إلا من شهادة رضوى عاشور.

لا وداع يا رضوى… فكم من حوار بيننا لم ينته بعد، وكم من حوار بيننا لم يبدأ بعد. وعْدي لك بأنني سوف أتابع ما ابتدأت أنت بطرحه من أسئلة إثر الاجتياح الإسرائيلي، يوم اجتمعنا أول مرة، في مقر “دار الفتى” بالقاهرة، وسوف أبدأ بالبحث عن الأجوبة في تراثك الفكري والأدبي والثري الرائع.

لا وداع يا رضوى.

عن بيان نويهض الحوت

د. بيان نويهض الحوت، باحثة ومؤرّخة وأستاذة جامعية سابقاً. حاصلة على دكتوراه دولة في العلوم السياسية من الجامعة اللبنانية، حيث مارست التدريس. من مؤلّفاتها: "صبرا وشاتيلا: أيلول 1982" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2003)؛ "القيادات والمؤسّسات السياسية في فلسطين، 1917- 1948" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981)؛ " "فلسطين: القضية، الشعب، الحضارة: التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين - 1917" (بيروت: دار الاستقلال، 1991).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>