الرئيسية / ملف: العنف والايديولوجيا / خلفيّات الظاهرة الإرهابيّة

خلفيّات الظاهرة الإرهابيّة

Print pagePDF pageEmail page

DETAINEES AT CAMP X RAY ARE WATCHED BY US MILITARY POLICE.

ظاهرة الإرهاب والتطرّف والإجرام المقيت تُعتبر إفرازاً ونتيجة حتميّة للواقع الراهن الذي تسوده إﻣﭙﺮياليّة عدوانيّة مجرمة ومِلكماليّة (رأسماليّة) عولميّة همجيّة من ناحيّة، ورجعيّات موغلة في التخلّف والانحطاط من ناحية أخرى. الأولى تتصدّرها الولايات المتّحدة كقائدة ومبادِرة، والثانية تتقدّمها السعوديّة. وتضمّ الأولى أساساً أعضاء حلف شمال الأطلسيّ، والرئاسة لهذا الحلف لأميركا والغرض منه حماية المصالح والأنظمة المِلكماليّة للدول الأعضاء. أمّا الرجعيّة المتخلّفة فتضمّ أساساً مجلس التعاون لدول الخليج العربيّ الفارسيّ. وهو حلف لا يقدّم ولا يؤخّر على الساحة الدوليّة سوى أنّه أداة قمع طبقيّ وحماية داخليّة للأنظمة القائمة والطاغية والمستأسدة على شعوبها في الجزيرة العربيّة، بما في ذلك الشعب اليمنيّ، وإن لم تكن اليمن عضواً في هذا الحلف الذي يتكوّن من السعوديّة، ولها الدور القياديّ، فالكويت وقطر والإمارات وعُمان والبحرين. وقد تحوّلت دول المجلس إلى ساحة مباحة لحلف الأطلسيّ بموجب اتّفاقيّات أمنيّة لحماية الأنظمة القائمة وضمان بقائها واستمرارها. وهي بهذا قد تحوّلت إلى ممالك ومماليك مستعبَدة للبيت الأبيض أوّلاً، فالاتحاد الأوروﭘﻲ، ويقتصر دورها على تمويل التوسّع الإﻣﭙﺮياليّ والحروب العدوانيّة، على حساب أموال وثروات الشعوب، من النفط أساساً، والغاز إلى حدٍ ما، غير مكترثة بمصير هذه الشعوب ومستقبلها المظلم. فالنفط مادّة ناضبة مهما طال أمدها، وأغلب الفوائض الماليّة من تصدير النفط تُرحّل وتتراكم في الغرب المُلكماليّ المتقدّم مادّيّاً واقتصاديّاً، داخليّاً، والعدوانيّ الهمجيّ، خارجيّاً، مع قِيَمه العنصريّة المقيتة ضدّ الشعوب المستضعفة، للحيلولة دون استثمار مواردها الطبيعيّة والماليّة الهائلة في الداخل، إلاّ النزر اليسير من بعض المشتقّات النفطيّة للاستهلاك المحلّيّ غالباً.

هكذا جرى ويجري فرض التأخّر والتخلّف الاقتصاديّ والعلميّ على شعوبنا المنكوبة من الخارج، والمبتليّة بالأنظمة التي عفا عليها الزمن، والحكومات الفاسدة، والملوك والسلاطين والأمراء الخارجين عن التاريخ إلى ما قبل العصور الإقطاعيّة، وإلى الجهل الذي يذهب بهم إلى العصر الجاهليّ. ولا يكفيهم ذلك، بل ويعملون على تنمية التخلّف لشعوبهم، حتّى في المدارس والمعاهد والجامعات. فما أقلّ المتخصّصين من العلماء والمهندسين، وما أكثر الكتبة والمقالجيّة (من مقالات) وأصحاب اللحى المرسلة ذوي الدشاديش القصيرة، ومنهم من لا يحسن إلاّ ذبح الخراف والبشر.

النفط ونشأة الثالوث الطبقيّ

بدأ اكتشاف النفط وتصديره خاماً في المحميّات البريطانيّة والسعوديّة التي كانت، ولا تزال، تحت المظلّة الأميركية. وكانت هذه الكيانات تدار محلّيّاً من قِبل قبائل وعشائر فرض الاستعباد الغربيّ عليها العزلةَ عن العالم الخارجيّ، والحفاظَ على نمط حياتها لعشرات السنين، سوى رشوة الزعامات البدويّة بشيء من ريع النفط. وقد اعتمدت العوائل القَبَليّة على الحماية الأجنبيّة ضدّ القبائل المنافسة لها وضدّ رعاياها. وتغيّر هذا الوضع تغيّراً عاصفاً مع تزايد إنتاج النفط، لكن ظلّت الزعامات القَبَليّة من العوائل المسيطرة تحت رعاية الاستعباد الغربيّ، وفي ظلّ حُكم وِراثيّ، إلى يومنا هذا. فتلك الإمارات، إضافة إلى السعوديّة وعُمان، أخذت، مع تزايد الريوع النفطيّة، تتطوّر تطوّراً سريعاً في العمران، وأخذت شكل دوَل، ونالت الاستقلال السياسيّ الشكليّ تحت تأثير حركات التحرّر الوطنيّ في الدول المستضعفة (العالم الثالث) ومطالب القوى الشعبيّة المحلّيّة. إلاّ أنّها لا تزال في تبعيّة اقتصاديّة وسياسيّة للدول الاﻣﭙﺮياليّة العدوانيّة. وأصبحت، لهذا السبب، ساطوراً بيد أميركا والغرب، لضرب حركات التحرّر الوطنيّ وإجهاضها. كذلك لضرب الأنظمة التقدّميّة في الدول المستضعفة، وخاصّة في الدول العربيّة التي جرت فيها إصلاحات إقتصاديّة وسياسيّة ذات طابع اشتراكيّ لهذه الدرجة أو تلك، عن طريق إنشاء وتطوير قطاع اقتصاديّ عامّ وتوزيع أكثر عدلاً للدخل والثروة القوميّة، والتي تتبنّى سياسات معاديّة للاستعباد (الاستعمار) والإﻣﭙﺮياليّة.

إتّبعت دول الريع النفطيّ تلك، محلّيّاً، سياسة الحرّيّة الاقتصاديّة المنفلتة، بتوجيه من الدول الغربيّة، وخاصّة أميركا وبريطانيا وفرنسا، ومن خلال وكيل المِلكماليّة الإﻣﭙﺮياليّة “صندوق النقد الدوليّ” و”البنك الدوليّ للانشاء والتعمير”، لا للتنمية الاقتصاديّة عامّة، إنّما لتنمية الانفاق الاستهلاكيّ والقطاع العقاريّ والتجارة والمال. وهي بذلك إنّما عملت على اتّباع سياسة الطبقنة (أي خلق الطبقات) الأكثر عداءً للقوى العاملة الوطنيّة في القطاعات المنتِجة الصناعيّة التي كانت في مستوى الحِرَف، كصناعة السفن الشراعيّة ولوازم الغوص وصيد الأسماك، والحاجات المنزليّة كالنجارة والحدادة، والنقل التجاريّ لتصدير اللؤلؤ والتمور وجلب البضائع والسلع للسوق المحلّي، وخاصّة من الهند وشرق أفريقيا. فكانت السفينة وِحْدة إنتاج، والتجارة حِرْفة، وانخرط كثير من التجّار في الحركة الوطنيّة ضدّ المشيَخيّة والقَبَليّة.

مع الزيادة المطّرِدة للريع النفطيّ تهدّمت كلّ الحِرَف، ونشأ على أنقاضها الثالوث الطبقيّ العقاريّ والتجاريّ والماليّ، بدلاً من تنمية الحِرَف إلى ورشات فمعامل ومصانع، أللهمّ إلاّ منشآت الصيانة والتصليح، وبعض المشتقّات النفطيّة للاستهلاك المحلّيّ، باستثناء تصدير كمّيات محدودة من الأسمدة الكيماويّة، بينما الآلات والمعدّات كلّها مستوردة، والثالوث الطبقيّ المذكور يشكّل وِحْدة طبقيّة ريعيّة، طفيليّة نسبة إلى ريوع النفط، وطفيليّة لأنّها تُراكم المال و”تمتهن البطالة”، وجهدها مُنْصَبّ على متابعة ما تُجَمِّع من ريع عقاريّ وأرباح متاجرة وربا ماليّ. ويلعب القطاع النفطيّ دور تمويل ينساب في جيوب الثالوث الطبقيّ، أي أنّ العوائد من تصدير النفط هي التي تموّل القطاع العقاريّ، والقطاع التجاريّ والقطاع الماليّ.

هكذا جرى ويجري تراكم الأموال والثروات، على حساب الثروة النفطيّة مصدر الدخل الرئيس للشعب الكويتيّ، مثلاً، المُغَيَّب بما يرمى له من ميزانيّة الدولة بالقدر الكافي، وما درى ولا يدري أنّه إنّما يشرب نفطه ويأكل وسيلة رزقه، إلى درجة التخدير المقصود والمنشود من السلطة، والثالوث الطبقيّ هو المهيمن على جهاز السلطة. ويُدار هذا الجهاز من مرتزقة من الخبراء والمستشارين غير الكويتيّين، بل أنّ صفوتهم من دول الغرب المُلكماليّ المعادي للتنميّة والتصنيع والتقدّم العلميّ. وأوّل ما يوصى به هو تنشيط “البورصة” (حلبة القمار)، وهي التي تعمل على تدوير المال ونقل مُلكيّة الأوراق الماليّة من يدٍ إلى يد لتصبّ، في النهاية، في جيوب الكبار غالباً، وشيء منها في أيدي من يقومون بالسمسرة أو بالسرسرة، لا فرق. وهذا التدويل (التدوير. “تدويل” من دُولة، وليس من دَوْلة) لا يزيد من الأموال المدوَّرة شيئاً ولا يُوَلِّد دخلاً، وكلّ رابح يقابله خاسر، وليس لذلك أثر على الوحدات الاقتصاديّة أو الشركات المصْدِرة لهذه الأوراق الماليّة (كوتشينة). وبالرغم من أنّ هذه المراهنة (التي تسمّى خطأً المضاربة) لا تزيد المال ولا تُنقِصه، فإنّهم يدْعونها “استثمارات”، بينما الاستثمار، باختصار، هو زيادة الطاقة الإنتاجيّة أوتوسيعها، وبالتالي يُنتِج سلعاً، ويُوَلِّد دخولاً تضاف إلى الدخل القومي. ومع الأسف، فإنّ بعض الحكومات التي تأتي عقب الانتفاضات الشعبيّة، في عدد من الدول العربيّة، تجعل من أولى اهتماماتها كيفيّة إعادة فتح البورصة، أو تنشيطها. فمَن الذي يقف وراء مثل هذه السياسة؟ أليس هذا مؤشّراً على طبيعة النظام الجديد؟ وعلى أنّ العقل الجمعيّ للجماهير الغاضبة لا يعمل (مُعطَّل)؟

القطاع العقاري

تضخّمَ القطاع العقاريّ إلى أبعد الحدود, وقد قام من البداية، بداية تدفّق النفط، على أساس وضع اليد من قِبل العشائر والقبائل، وخاصّة الشيوخ والأمراء، أي زعامات العشائر والأسَر الحاكمة، وذلك في المناطق الداخلة ضمن مخطّطات وخرائط التوسّع العمرانيّ التي تتبنّاها السلطات. والزمرة العقاريّة هي تلك التي تتابع تلك المشاريع الحكوميّة، فتلجأ إلى تملّك القسائم (الأراضي المفرزة) المُعَدَّة للتوسّع السكنيّ، إمّا بوضع اليد، أو بدفع مبلغ زهيد، دراهم معدودات. بل إنّ الأسَر الحاكمة اعتبرت كلّ أراضي الدولة ملكَها الخاصّ، فراح كلّ شيخ أو أمير يوزّع القسائم تلك على بطانته من الحرس، أو ما يسمّى “الفداويّة”، وهم أشبه بالمَوالي في عصور الإقطاع والقنانة التي سادت في الخِلافة والممالك العربيّة الإسلاميّة حتّى سقوط الخلافة العثمانيّة عام 1924. دون التفاصيل، خضع الخليج للاستعباد البريطانيّ، وتحوّل إلى محميّات عشائريّة – قَبَليّة. وفرضت بريطانيا المنع التام (ﭬﯿﺗﻮ) على تطوّر أو تنمية هذه المحميّات لتبقى عند مستوى التأخّر والبدائيّة التي كانت عليها في المناطق الصحراويّة. أمّا على الساحل فقد كانت متطوّرة حِرَفيّاً إلى حدّ كبير، بما في ذلك زراعيّاً في الأراضي والواحات الخصبة وحيث المياه كافية. وقد كان بالإمكان للحِرَف أن تتطوّر إلى معامل ومصانع مع وفرة رؤوس الأموال النفطيّة. ولا يختلف الوضع في السعوديّة التي ظلّت تحت المظلّة والاستعباد الأميركيّيْن.

وهكذا انحرف التطوّر الطبيعيّ الاقتصاديّ الاجتماعيّ إلى نشوء طبقة عقاريّة من ريع قسائم البناء التي تمّ تحويلها من أراضٍ مشاعة إلى مُلْكيّة خاصّة تَختَزِن، في الحقيقة، الريع النفطيّ، أو قُل جزءاً كبيراً من ذلك الريع. وقد شَجّعتْ الحكومة، التي سيطر عليها الثالوث الطبقيّ نفسه، المغتصبين للأراضي العامّة، وحفّزت على ارتفاع أسعار الأراضي بمعدّلات لا مثيل لها في العالم، عن طريق سياسة ما يسمّى بـ”التثمين”، أي نزع المُلكيّة للمشاريع العامّة، كالطرق والمدارس والمستشفيات ومباني الإدارة العامّة والجوامع… إلخ. فتزاحمت الزمرة العقاريّة على تملّك الأراضي بجميع الأساليب والطرق المشروعة وغير المشروعة، أي السطو المباشر، إلى جانب شراء أراضي صغار الملّاك ومحدودي الدخل، والبيوت المتقادمة للمواطنين العاديّين الذين يجهلون أو لا يتابعون مخطّطات الحكومة للتوسّع السكنيّ، فيشتري الماكرون هذه المنازل، أو القسائم، بأسعار زهيدة، وبعد أشهر أو سنة يعرضونها للتثمين، فتشتريها الحكومة بأسعار تفوق أسعار السوق بأضعاف مضاعفة، ممّا يدفع أسعار الأراضي والعقارات إلى الإرتفاع. وهذا ما شجّع على المراهنات بالأراضي بياعاً واشتراءً. ونحن نعلم أنّ كلّ مراهنة قمار، وكلّ قمار حرام. لكنّ سلطة الثالوث الطبقيّ ترى في هذا القمار وسيلة رائعة لنهب ميزانيّة الدولة، لأنّ جهاز الدولة نفسه بيَد المنتفعين أو، بصراحة، “القمارجيّة”.

الزمرة الريعيّة، إذَن، شرمة ريعيّة بامتياز. فالريع يعني ضعف العلاقة بين الجهد والعائد، وهو مَصْدَر للثراء الفاحشّ والمريح، خاصّة إذا انعدمت هذه العلاقة واقتربت من الصفر. أصبح المواطن العاديّ لا يحلم بشراء قطعة أرض ليقيم عليها سكنه، وبات يعتمد على الحكومة للحصول على أرض وقرض عندما يجري توزيع بيوت حكوميّة، ولكن عليه أن ينتظر سنوات. وهنا أيضاً نجد سياسة فئويّة. فهناك بيوت حكوميّة على قدر الحال، وأخرى للطبقة الوسطى، أو لأبناء الأغنياء يستلمون الأرض ويبنون عليها ﭬﻠﻼً، أو حتّى قصوراً، وفي مناطق قريبة من العاصمة. وهكذا ينقسم المواطنون ثانيةً إلى محدودي الدخل، وما يسمّى أصحاب الدخل المتوسّط. وهؤلاء هم عماد جهاز الدولة من حَمَلة الشهادات العلميّة أو الورقيّة. وعموماً فإنّ الطبقة الوسطى راضية مرْضيّة، وإن كانت شهيّتها تزداد للقفز إلى الأعلى، ولذا منها يكون أكثر المقامرين في سوق الأوراق الماليّة، منهم من ينجح وكثر يخسرون لحساب الكبار. فالمال يتّجه دائماً إلى أعلى. هذا هو قانون حركة المال، ويسمّى تمركز مُلك المال.

القطاع التجاري

أمّا الشرمة التجاريّة، أو قُل المتاجِرة حتّى بالبشر، فإنّها تستفيد وتستغِلّ من تزايد القوّة الشرائيّة، سواء عند الزيادة في الرواتب والأجور، أو مع زيادة السكّان بمعدّلات هي من أعلى معدَّلات الزيادة في العالم، إن لم يكن أعلاها، في إمارات الخليج وممالكه، وخاصّة في الكويت والإمارات وقطر، ليس فقط نتيجة الزيادة الطبيعيّة، وإنّما أيضاً عن طريق الوافدين من الأيدي العاملة الرخيصة، وكذلك من أصحاب الكفاءات الإداريّة التي تقوم بتسيير الجهاز الحكوميّ المتضخّم أصلاً بالموظَّفين، كما في الكويت. فأكثر هؤلاء هم في بطالة مُقَنَّعة. كما أنّ القطاع الخاصّ يعتمد كذاك على العمالة الوافدة. ويعرف المتاجرون مسبقاً متى تأتي زيادة الرواتب والأجور من قِبَل الحكومة، فيسبق ارتفاعُ الأسعار الارتفاعَ في دخول العاملين. ولم تعد الأسعار تنخفض في فترات الركود كما كان الحال في السبعينات، وصارت تتّجه دائماً إلى أعلى. وهذه ظاهرة تعمّ النظام المِلكماليّ العالميّ، وهذا هو السبب في تردّي مستوى المعيشة عالميّاً. كما أنّ القاعدة التي أشرنا إليها من ضعف العلاقة بين الجهد والعائد، وارتباطها بسهولة الكسب في دول الخليج النفطيّة، تقود إلى الإسراف والتبذير. فالحصول على المال بسهولة وخفّة يؤدّي إلى الإنفاق اللامعقول قياساً إلى الدول الملكماليّة المتقدّمة اقتصاديّاً واجتماعيّاً. ولكنّ البطر خطر، وسندفع ثمنه غالياً، وما ذلك ببعيد. فموعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب؟

لو أخذنا بمبدأ المنفعة الحَدّيّة، سنجد أنّ مع تراكم كمّيات أكبر فأكبر من النقود تنخفض المنفعة الحدّيّة للوحدة النقديّة، ممّا يؤدّي إلى أنّ إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء والمحتاجين يزيد من المنفعة الكلّيّة للدخل القوميّ، إذ ترتفع منفعة الوحدة الواحدة من النقود. فالدخل القومي هو مجموع المنافع التي نحصل عليها من استهلاك مختلف السلع والخدمات مُقَدَّرة بالنقود. فمن وظائف النقود أنّها مقياس للقيمة السلعيّة. لذلك فإنّ الغنى الفاحش لا يعني رفاهيّةً أو سعادةً أكبر نسبيّاً. إنّ سوء توزيع الدخل وغياب العدالة لا بدّ وأن يؤدّيا على المدى الطويل إلى حياة بائسة للأكثريّة وحياة فاسدة للقِلّة الثريّة.

لقد كان التجّارُ حِرَفيّين. ونعلَم أنّ تطوّر التجارة قد حفّز على التطوّر من الإنتاج الحِرَفيّ إلى الإنتاج الصناعيّ، كما حصل في أوروﭘﺎ. فالاهتمام بالكسب والحاجة إلى أسواق جديدة أدّيا إلى الاكتشافات الجغرافيّة الواسعة التي شملت الأمريكتين والهند وجنوب شرق آسيا، ثمّ تلاها حركة الاستعباد للوطن العربيّ بل والشرق الأوسط وأفريقيا. وهذا الاستعباد هو الذي قطع خط الارتباط بين توسّع التجارة وتطوّر الصناعة. وهزيمة محمّد علي وابنه ابراهيم باشا كانت ضربة قاصمة للتطوّر الصناعيّ في مصر والشام وتحويلهما من قِبَل الاستعباد إلى أسواق لتصريف فائض الإنتاج الصناعيّ، وإلى مصدَر للموادّ الخام، وخاصّة موارد الطاقة النفطيّة، حتّى أنّ هذه الموارد هي التي موّلت “مشروع مارشال” لتعمير أوروﭘﺎ بعد الحرب العالميّة الثانيّة.

أمّا في الخليج فقد تحوّل التجّار من حِرَفيّين إلى متاجرين (كوﻣﭙﺮادور)، أي وكلاء استيراد وإلى حدّ ما إعادة التصدير. ورافق ذلك تحوُّلُ التجّار بالتدريج من معارضة وطنيّة إلى قوّة رجعيّة غدت طرفاً في الثالوث الطبقيّ الطفيليّ الرجعيّ. وقد سار التطوّر التجاري نحو التركّز محلّياً، وقضى على المحلاّت الصغيرة للتصريف السلعيّ (بياع واشتراء) التي كانت تُدار من قِبَل الملاكيّة (البرجوازيّة) الصغيرة. فقد قامت على أنقاض تلك المحلاّت، شيئاً فشيئاً، المجمّعاتُ التجاريّة الكبيرة فالأسواقُ الضخمة المتكاملة التي يجد فيها المستهلك جميع حاجاته، بما في ذلك المطاعم والمقاهي الراقية، إلى جانب كونها منتزهات للتجوّل وملء البطون، وإفراغ الجيوب. ولعلّ أبرز مثل لها “الطرائق” (الجادّات Avenues) في الكويت، حيث يقابل كلّ 137 فرداً مطعم، وهذا من أعلى النسب في العالم. أمّا عن القصور واﻟﭭﻠﻞ فحدّث ولا حرج. أمّا محلاّت و”دكاكين” الملاكيّة الصغيرة، فقد تحوّل الكثير من أصحابها إلى عاملين بأجر في مجمّعات الكبرى للسلع الاستهلاكيّة. وبات رأس المال الإجتماعيّ، من طرق وجسور وموانئ ومطارات، كلّها تقريباً، عبارة عن شبكات في خدمة النشاط الاستهلاكيّ للسلع والبضائع المستوردة أساساً. حتّى أنّ أحد الصحفيّين الغربيّين وصف الكويت بأنّها غابة من “الكونكريت”.

القطاع المالي

نشأت البنوك أو المصارف لتمويل عمليّات الاستيراد. وكان من أوائلها “مصرف الشرق الأوسط” البريطانيّ، وأغلب قروضها موجّهة لتمويل النشاط الاستهلاكيّ، أو القروض الشخصيّة لتمويل المراهنات (المضاربات) في البورصة والقطاع العقاريّ والخدمات الاستهلاكيّة المختلفة. والحقيقة أنّ الكثير من الشركات، أيّاً كان الغرض منها أو مسمّياتها، تقوم ببياع واشتراء الأوراق الماليّة، أو بمنح قروض لكبار المراهنين في البورصة. والمموِّل النهائيّ هو النفط، أي الريع النفطيّ الخام الذي يُحَوَّل بالتصدير إلى دولارات أميركيّة غالباً، وهذه تُحَوَّل إلى العملة المحلّيّة التي تأخذ (المستهلكين) إلى أسواق السلع والخدمات المختلفة.

هذه الممالك النفطيّة هي مستخرِجة للنفط، وليست منتِجة له، كما يدَّعون. فإنتاج النفط يعني تصنيعه وتصنيع مشتقّاته. أمّا القطاع الإنتاجيّ المحلّيّ (غير النفطيّ) فلا تتجاوز نسبته من الانتاج الكلّيّ 3 – 4 %، وذلك حسب ارتفاع أو انخفاض أسعار النفط. وهذه تتحكّم فيها عوامل خارجيّة لا حول ولا قوّة لنا فيها، أللهمّ إلاّ الحروب التي تجري على أرض أوطاننا. وحتّى هذه الحروب مستوردة، ونحن وقودها من الناس والحجارة، أي قتلاً ودمارا.

بالرغم من ذلك يطالب الثالوث الطبقيّ بتحويل الكويت إلى مركز ماليّ وتجاريّ وخدميّ. فأيّ اقتصاد هو اقتصادنا الآن؟ هذا إذا كان لدينا اقتصاد أصلاً. فنحن نعيش عالة على الطبيعة، ولا نأكل من تعب أيدينا إلاّ بالحدّ الأدنى الذي لا يُسمِن ولا يُغني من جوع. وفعلاً يرى بعض علماء الاقتصاد هذا الرأي. ولكن لنقُل إنّه اقتصاد خدمات لا إنتاج، أو هو شبه اقتصاد، بتفاوت بين الدول العربيّة النفطيّة. فالسعوديّة تُنتِج بعض المحاصيل الزراعيّة وبعض الصناعات. لكن أين نحن من تصنيع النفط الذي يُعتبر من المواد ذات القيمة المضافة الضخمة، فضلاً عن كونه مادّة استراتيجيّة يمكن استخدامها لصالح قضايانا، كما تفعل الدول الأخرى. والحقيقة أنّ العدوّ الأوّل لشعوبنا، “أميركا وربيبتها إسرائيل الغاصبة”، يستخدم نفطنا كأداة ضدّ الدول الصديقة للعرب، بل وضدّ مصالحنا، وها هو يبتزّنا ويخيّرنا بين الاستعمار و”داعش”، هكذا وبكلّ وقاحة وغطرسة. والأدهى أنّ أنظمة الخليج اختارت البديل الأوّل، كما ذكرت جريدة “السفير” (1/9/2014)، وهي تتصرّف على هذا النحو لأنّها تدرك مدى ضعفنا، طالما أنّ الفجوة بين ما ننتج وما نستهلك واسعة، ممّا يؤدّي، لا محالة، إلى أزمة قائمة في معضلة كيف نعيش بلا نفط عندما تجفّ الآبار، أو عندما لا تعود عوائده تكفي الجيل القادم؟ هذا فضلاً عن أنّ فجوة الإنتاج/الاستهلاك تولِّد الأزمات، ولا حلّ لهذه الأزمات طالما تلك الفجوة قائمة.

يعتمد الثلاثي الطبقي أساساً على تجميع المال ومراكمته، وليس على إنتاج المال. وبالتالي فهو ذو طبيعة إقطاعيّة. لكنّه إقطاع ماليّ. والطبقة الإقطاعيّة هذه أكثر رجعيّة حتّى من الإقطاع الأرضيّ أو الزراعيّ. فقط الزمرة العقاريّة التي تُراكم الإيجارات هي الأقرب إلى الإقطاع التقليديّ، لأنّها تبذل بعض الجهد في الإشراف والمراقبة، وتُوَفِّر السكن والفندقة، وتتحمّل تكاليف البناء. ولكنّ إلى حدٍ ما، لأنّ ارتفاع الإيجارات يمكّنها من استرداد تكاليفها خلال ثلاث أو أربع سنوات، ثمّ تغدو هذه الإيجارات ربحاً صافياً لا مقابل له من جهد أو عمل.

ثمّ أنّ الشرمة الماليّة هي الأشدّ عداء للحرّيّة والجامعيّة (أي الديمقراطيّة)، والأكثر تفسّخاً ونذالة. وهي إن كانت دائماً قلقة نفسيّاً فمن متابعة الأسعار البورصويّة. إلاّ أنّ جهدها هذا لا منفعة له، فهو لا يزيد ولا يُنقص من إنتاج أي وحدة إقتصاديّة. هو فقط يعيد توزيع الدخل القوميّ – الاجتماعيّ لصالحها، على حساب الأفراد أو الناس جميعاً، من الطفل الرضيع إلى الشيخ الكبير، لأنّها تلملم ريع الموارد الطبيعيّة وتُحوّلها من قيمة إستعماليّة مجانيّة إلى قيمة تبادليّة لها ثمن. فالريع هو الطَغْوى، ونتيجته الطغيان واللاإنسانيّة. ويضاف إلى الطغوى السَحْت، وهو الاستغلال الطبقيّ للعاملين في ميادين ومجالات العمل والإنتاج، وقد بيّنه وشرحه كارل ماركس وأسماه “فائض القيمة”، لإنّه نظر إلى هذا الفائض كما يتراكم في أيدي الملاكيّة (البرجوازيّة). وعلينا أن نضيف له الطغوى لكي تكتمل الصورة. وقد فصّلتُ ذلك في كتاب “شِرك المال والأزمات” (دار الانتشار العربي ـ بيروت 2009)، وكتاب “نحو نظريّة قرآنيّة” (دار الفارابي ـ بيروت 2011).

تملُّك فإرهاب

الزمر الطبقيّة الثلاثة، على تفاوت في ظهورها وتكوينها في الممالك الأمريكيّة الخليجيّة، هي الأكثر عداءً للدول والحركات الوطنيّة العربيّة والإسلاميّة. والشريحة السائدة منها هي الأسر والعوائل الحاكمة، وهي المسودة، في الوقت نفسه، من قِبَل “البيت الأبيض” خاصّةً والغرب الإﻣﭙﺮياليّ عامّة. والجامع بين كلّ هؤلاء هو تقديس المُلكيّة الطبقيّة، بؤرة المذهبانيّة الملكماليّة (الأيديولوجيا الرأسماليّة) في عصر تفسّخها وانحطاطها. ففي الغرب أيضاً انفصلت وسائل الإنتاج كمِلكيّة عن وسائل الإنتاج كوظيفة وإدارة. فالشركات والمؤسّسات الإحتكاريّة الكبرى أو العملاقة، تعمل وتُدار من قِبَل أجهزة فنّيّة متخصّصة، وقوى عاملة صناعيّة، وزراعيّة أيضاً، ماهرة وراقية بمستوى التقانة (التكنولوجيا) الحاليّة المتطوّرة والمعقَّدة. ويقف وراء تلك المؤسّسات والوحدات الاقتصاديّة المنتِجة طوابير من العلماء وأصحاب الكفاءات العليا في المراكز العلميّة والبحثيّة التابعة لتلك المؤسّسات والشركات. وهذه المراكز هي التي تقوم بالتطوير والتنمية والتوسّع الإنتاجيّ، بل والتخطيط التطبيقيّ في المدى القصير والمدى الطويل، بهدف زيادة الإنتاجيّة والإضافة إلى الطاقة الإنتاجيّة القائمة كلّما ظهر ابتكار أو اكتشاف علميّ جديد، أو اختراع آلة أو وسيلة إنتاج ذات فعاليّة أكبر وأدقّ. وهكذا تحوّل العِلم والتكنولوجيا إلى قوّة إنتاجيّة مباشرة ورهيبة، وسط مزاحمة إحتكاريّة وتسابق وسرّيّة، بل وتجسّس وسرقات ما أمكن بين المؤسّسات والشركات والدول، والضخّ إلى السوق، بين فترة وأخرى، بالجديد من السلع أو بتحسينات للسلع المنتَجة. بل نشهد حاليّاً أجيالاً جديدة أو محسّنة من الأجهزة والمعَدّات الإنتاجيّة، وبالتالي البضائع والأدوات الاستهلاكيّة، وخاصّة في وسائل الاتصالات والمعلومات. أمّا في الصناعات الحربيّة – العسكريّة ووسائل القتل والدمار، فحدِّث ولا حرج. ولولا توازنات الرعب النوويّ لاستخدمت الإﻣﭙﺮياليّة العدوانيّة أسلحة الدمار الشامل كما يحلو لها. وهي بالفعل قد استخدمت الأسلحة المحرّمة دوليّاً، بل وضربت الفلّوجة، أثناء احتلال العراق، بقذائف من اليورانيوم المنضّب، فقُتِل مَن قُتل، والناجون من السكّان سيعانون من شتّى الأمراض، فضلاً عن التشوّهات للقادمين إلى الحياة.

فالموارد الطبيعيّة والمعادن والخامات المتنوّعة، بما في ذلك المعادن الثمينة مثل الألماس واليورانيوم والراديوم وغيرها، تُعتبر كلّها هبة الله، (أو هبة الطبيعة، كما يعتبرها الملحدون). وهي بذلك موضوع للعمل والإنتاج. أي أنّها جزء من وسائل الإنتاج، ومن أهمّ هذه الوسائل. بل أنّ انعدامها أو فناءها أو نضوبها يعني توقّف إنتاج وتدبير وسائل المعيشة أو الحياة. وبالمثل الكائنات الحيّة كالأنعام والبهائم، بل وحتّى الجُزَيْءات والدقيقة منها. وحتّى ما نعتبره ضارّاً لا بدّ وأن يكون فيه حكمة أو منفعة ما. فالطبيعة متكاملة، ومنها حبانا الله مصادر الطاقة ذات الأهمّيّة الحيويّة والاستراتيجيّة، كالنفط والغاز. كلّ ذلك وأكثر إنّما هو تراث الله للناس جميعاً ضمن حدود سياسيّة معيّنة، وهو تراث للبشريّة جمعاء في غياب هذه الحدود، وذلك عندما تقوم أمميّة واحدة أو إنسانيّة واحدة.

هذه الموادّ والموارد والمصادر الحياتيّة المتنوّعة والمختلفة لا ثمن لها، أي أنّها وَهْبيّة. وصحيح أنّ العمل البشريّ هو الذي يحوّلها إلى سلع وخيرات أو طيّبات للاستهلاك النهائيّ، ولكن كثير من هذه يتجاوز ثمنها تكلفة إنتاجها، أو إعدادها وتكييفها لإشباع الحاجات الإنسانيّة. فالقيمة المضافة لاستخراجها أو إعدادها، لإنتاج السلع النهائيّة، منخفضة، بينما المحوَّلة في السوق مرتفعة جداً، بل خياليّة بالنسبة لبعضها. وهذا ما أكّدناه في كتابات سابقة، وخاصّة في “شرك المال والأزمات” و”نحو نظريّة قرآنيّة”. فقد شرحنا هناك كيف يتمّ تحويل القيم الاستعماليّة المجانيّة، أو الوَهْبيّة، إلى قيمة تبادليّة نافعة (أي لها ثمن). وهذه القيم الثمينة تختزن قيمة وَهْبيّة هي مصدر الثراء الأساسيّ لطواغيت المال أو ذوي الثروة اللامحدودة. وبما أنّها من التراث الطبيعيّ، فإنّ تملّكَها لمراكمة الثروات لدى أولئك الطواغيت يُعتبر بمثابة جزية مفروضة على جميع الناس. إنّها حقوق مغتصَبة بالسطو والاختلاس والرشاوى وشتّى أشكال نهب الأموال وسلبها، الأشكال التي يجمعها مفهوم الفساد (في الأرض).

إعتبرنا عمليّة خلق القيمة هذه، التي تُحوِّل قيمةً إستعماليّة إلى قيمةٍ تبادليّة في الأسواق، عمليّةَ فرضِ جزية على جميع أفراد المجتمع، كباراً أم صغاراً، قادرين على العمل أو غير قادرين. هذه القيمة التي تضاف بالعمل للموارد المادّية المجّانيّة تُشكِّل جزءً من الثمن الذي تباع هذه الموارد به في السوق، والجزء الآخر هو الريع (عطاء الطبيعة). هذه القيمة التي يضيفها العمل هي القيمة المضافة كما طرحها ابن خلدون، في الفصل الخامس من “المقدّمة”. إذَنْ:

القيمة الكلّيّة = قيمة محوَّلة + قيمة مضافة.

وفي أغلب الحالات تُشكِّل القيمة المضافة بالعمل جزءً ضئيلاً من القيمة الكلّيّة. فبرميل النفط الذي يكلّف استخراجه خمسة دولارات مثلاً، يباع بمئة دولار (حذف الألف من “مئة” مقصود). فالعمل خلقَ قيمةً تساوي خمسة دولارات، و95 دولار هي قيمة وَهْبيّة، وهي القيمة المحوّلة، أي القيمة الناتجة من تحويل القيمة الوَهْبيّة إلى قيمة لها ثمن. وقد امتدّت هذه القيمة حتّى إلى ماء الشرب، الذي أصبح له سوق. فعليك أن تدفع ثمناً لكوب الماء للشرب. وهذه ظاهرة جديدة قد تُطَبّق يوماً ما على الهواء أو إشعّة الشمس. وهكذا تتوسّع الأسواق للملمة ومراكمة الأموال والثروات في أيدي أدعياء المِلكيّة الطبقيّة، حيث تتحوّل الكائنات البشريّة إلى وحوش كاسرة، ومِلكماليّة منحطّة، أو همجيّة إﻣﭙﺮياليّة إرهابيّة، على قياس أميركا وتابعيها وتابع التابعين. وعلى الدنيا السلام.

لمحة تاريخيّة

إنّ النظام المِلكماليّ، بعد الحرب العالميّة الثانية، وأساسه الإقتصاديّ بالذات، قد تمّت صياغته في مؤتمر بريتن وودس عام 1945، وظلّ قائماً حتّى بداية السبعينات. وفي هذه الفترة كان يمرّ بالدورات الإقتصاديّة الطبيعيّة، عند مُنظّري الإقتصاد المِلكماليّ، وهي وإن كانت نابعة، في الحقيقة، من طبيعة النظام المِلكماليّ القائم على المزاحمة الحرّة (المنافسة الحرّة كما يحلو لهم تسميتها)، لكنّهم يعترفون بأنّها منافسة إحتكاريّة نظريّاً وواقعيّاً، وهذه النظريّة هي التي تُدَرَّس في الجامعات العربيّة أيضاً، وتنقسم إلى فرعيْن: “الكينزيّة” و”التقليديّة” ما قبل كينز، وامتداداً لهذه الأخيرة “مدرسة شيكاغو النقديّة” (نسبة إلى النقود). والمهمّ في الأمر أنّ الإقتصاد المِلكماليّ يمرّ بحالات من الرواج يرتفع خلالها المستوى العامّ للأسعار والأجور، وبحالات من الكساد ينخفض خلالها المستوى العامّ هذا. لكنّ هذه الدورات لم تصل إلى مستوى الأزمات.

لكن مع بداية السبعينات بدأت الأزمات الإقتصاديّة تطفو على السطح، وبدأت بارتفاع معدَّل التضخّم في العالم المِلكماليّ بشكل غير معهود في فترة ما بعد المؤتمر المذكور. والسبب الرئيسيّ لذلك هو اشتداد الحرب على ﭬﻴﻴﺘﻨﺎم، وإصرار وصمود الشعب اﻟﭬﻴﻴﺘﻨﺎميّ على دحر الإستعباد الأميركيّ. وثقلت تكاليف الحرب على كاهل أميركا، فأعلن الرئيس الأميركيّ عام 1971، دون سابق إنذار، إسقاط قاعدة الذهب كتغطية للدولار حتّى تتمكّن أميركا من تمويل الحرب العدوانيّة، وذلك بطبع وإصدار كمّيّات أكثر فأكثر من الدولارات، ممّا أدّى إلى انخفاض قيمة الدولار، وتَرتّب على ذلك خسارة لكلّ الدول التي اعتمدت على تغطية عملتها بالدولار باعتباره عملة عالميّة بموجب معاهدة بريتن وودس التي نصّت على إمكانيّة تحويل الدولار إلى ذهب عند الطلب وبمعدّل صَرْف ثابت. ولم يكن هذا الإجراء غريباً على دولة تُعتبر أكبر لصّ دوليّ في عالم الأمس واليوم. فها هي تموّل حروبها ضدّ الشعوب العربيّة بأموال العرب.

تَرتّب على كسر قاعدة الذهب بروز ظاهرة جديدة هي ارتفاع معدَّل التضخّم في المستوى العامّ للأسعار عالميّاً ومحلّيّاً، سواء في حالة الرواج أو الكساد، وهذا يعبّر عن أزمة، وليس عن مجرّد دورات اقتصاديّة. وشجّع ذلك دول منظّمة أوﭘﻚ على رفع سعر برميل النفط عام 1973 – 1974 إثر حرب أوكتوبر 1973 بين مصر وسوريا ومشاركة محدودة من العراق، من جهة، وإسرائيل الغاصبة، من جهة أخرى. واستمرّت أسعار النفط في الارتفاع، ومعها أسعار كلّ السلع تقريباً. لكنّ أخطرها على الدول العربيّة كان ارتفاع أسعار الحبوب، بل أسعار كلّ الصادرات الأميركيّة والأوروﭘﻴﺔ إلى العالم الثالث. وظلّت أميركا تطبع المزيد والمزيد من أوراق الدولار، والدولار الذي تُقيَّم به أسعار الواردات والصادرات لأكثر دول العالم تنخفض قيمته يوماً بعد يوم، وتكتوي به الدول التي تعتمد على استيراد الموادّ الغذائيّة من الغرب بالذات، كما كلّ فقراء العالم، حتّى في دول الغرب نسبيّاً. وهذا التضخّم، سواء في حالات الكساد أو الرواج، مستمرّ إلى الآن، وسُمِّيت الظاهرة “ستاغفلايشن” بكلمة مركّبة يمكن تعريبها بـ”ركوضميّة”، أي التضخّم الركودي.

إلاّ أنّ الضغط الأميركي على دول الخليج، وخاصّة السعوديّة، لزيادة إنتاج النفط، والأصحّ استخراجه، أدّى إلى تراجع سعر البرميل في الثمانينات من القرن الماضي. فكان ذلك أحد عوامل أو أسباب انهيار الاتّحاد السوﭬﻴﺎتيّ الذي كان يعتمد إلى حدٍّ ما على تصدير النفط. كما أخذت الأزمات تشتدّ وتُوَلِّد إحداها الأخرى. فارتفاع أسعار الحبوب والموادّ الغذائيّة أدّى إلى إفقار العالم الثالث، واشتدّت حالات الشعوب المستضعَفة، وتفجّرت أزمة الغذاء في العام 2000، وحصدت أرواح الملايين بسبب الجوع والمرض، فلم تتحرّك الدول الغنيّة، التي تنهب الموارد الطبيعيّة، لعلاج أزمة الغذاء. فلو تمّ استثمار 1% من نفقات صناعة الأسلحة في الزراعة لما عانى الفقراء والمعدمون من الإملاق وسوء التغذية.

إنّ الأزمة الغذائيّة، وتزايد معدّلات البطالة، وتردّي مستويات المعيشة، وخاصّة في البلدان المستضعفة، لَدليل على شدّة الأزمات والحروب والصراعات الدوليّة والأهليّة وتَنوّعها، ممّا يعني عمق الأزمة الملكماليّة وطابعها اللاإنسانيّ، باعتبارها انعكاساً لتفسّخ ولاأخلاقيّة هذا النظام، وكذلك دليلاً على قرب أفوله.

عندما تكلّم ماركس عن قانون التراكم الملكماليّ، وأشار إلى أنّه لا بدّ وأن يؤدّي إلى جيش من العاطلين عن العمل، سخر منه أنصار مِلْك المال وفقهاؤه، وقالوا إنّ ماركس قد أخطأ في هذا، فالدول الملكماليّة استطاعت أن تحقّق تَقدّم الإقتصاد وارتفاع الأجور وتحقيق العدالة الإجتماعيّة وتعميم الرفاهيّة الإقتصاديّة. إلاّ أنّني أجد نفسي متّفقاً مع تلك النبوءة. فإن كانت لم تَصْدُق على بريطانيا وفرنسا وغيرهما من الدول الملكماليّة، إلاّ أنّ نظرة الساخرين كانت ولا تزال ضيّقة وتنظر إلى النظام القائم في الغرب فقط، لكنّها لا تأخذ هذا النظام في شموله العالم ككلّ، كما لا تأخذ في الاعتبار أنّ الدول المتطوّرة إقتصاديّاً ومادّيّاً، ووحشيّاً أيضاً، تُرَحِّل أزماتها، وتثرى على حساب الشعوب المستضعفة. إنّها ترمي بقَيْئها القذر على ما يسمّونه بـ”العالم الثالث”، وهو عالَم ملحق بالنظام الملكماليّ الذي يجد متنفّساً لأزماته باستنزاف ثروات توابعه من الدول التي تسير في ركابه. فالأنظمة القائمة في هذا العالم الملحق تُعتبر جزءاً لا يتجزّأ من النظام الملكماليّ، وقد جاوز معدّل البطالة فيها والفقر والتخلّف ما كانت عليه قبل مئة أو مئتين من السنين. وقد خضعت للاستعباد الغربيّ لعشرات السنين أيضاً. فارتدّ هذا الاستعباد بها إلى الخلف، بل وضعَ ضدّيّةً (ﭬﻴﺘﻮ) على التنمية والتقدّم لهذه الشعوب، وخاصّة شعوب الوطن العربيّ، المبتلية بالحروب والصراعات المصدَّرة لها من الأنظمة الملكماليّة الإﻣﭙﺮياليّة والعدوانيّة الهمجيّة التي، مهما طال الزمن، لا بدّ وأن تلقى مصيرها في السقوط والانهيار من داخلها، نظراً للتناقضات والأزمات التي تحيق بها، وربّما على أيدي المستضعَفين (اﻟﭙﺮوليتاريا) عندما يكتشفون أنّهم هم الأقوياء، المسلوبة قوّتُهم من قِبَل أعدائهم الطبقيّين بالملكيّة الطبقيّة لوسائل الإنتاج ووسائل المعيشة والحياة الطيّبة. فالتاريخ لم ينته.

الطبقات الملكماليّة في الغرب لم تَعُد رجال أعمال وحسب، إنّها، أيضاً، رجال مال، وقد انفصل المال كملكيّة عن المال كوظيفة. فأصبحت تلك الطبقات مافيات طبقيّة طفيليّة مجرمة تمتصّ دماء الشعب العامل، وتلملم الأموال من البورصات وتجارة المخدّرات، وفي الوقت نفسه تتهرّب، بشتّى الأساليب غير المشروعة، من دفع الضرائب، ومن مثولها أمام قضاء نزيه. فهي التي تصوغ القوانين وتقيم القضاة المرتشين، حتّى بات القانون يحمي المفسِدين ولا يحمي المغفّلين. أنّ العامل المشترَك بين كلّ الأنظمة الطبقيّة في العالم، سواء المتأخّرة أو المتطوّرة صناعيّاً، هو تقديس المِلكيّة وعبادة المال. وهذه هي المادّيّة التي تعني البخل والجشع أو حُبّ تراكم المال، حسب اللغة العربيّة. ولا أدري لماذا اختير هذا المفهوم من قبل الماركسيّين والشيوعيّين. فهو، عربيّاً أيضاً، بعني الجماد، فنقول هذه مادّة صلبة أو سائلة. بينما المقصود بالمفهوم عند الرفاق الواقعيّة أو العلميّة، فيقولون المادّيّة التاريخيّة أو المادّيّة الديالكتيكيّة. فهذه ترجمة غير موفّقة لـ materialism من matter ، وهذه تعني مادّة أو قضيّة أو مسألة، وبعيدة عن المفهوم المراد باللغة العربيّة. وحبّذا لو استخدمنا كلمة أخرى بديلة كالمعروفيّة التاريخيّة. وكذلك الصيرانيّة للديالكتيك، بدل الجدليّة. وهذه مجرّد ملاحظة عابرة.

المذهبانيّة (الإيديولوجيا): الانتقام بدل الثورة

حتّى الآن توصف الحركات والعصابات المسلّحة بالإرهاب، والعنف، والتطرّف، والتزمّت، وغير ذلك من المسمّيات. وهكذا يُنَظّرون ويفسّرون الظاهرات السياسيّة والعنف المسلّح بالفكر والوعي، ويرجعون بهما إلى الماضي البعيد، إلى تشكيلة إقطاعيّة رِقّيّة عفا عليها الزمن، دون أن يأخذوا في الاعتبار أنّنا نعيش في عالم اليوم المترابط والمتكامل بالعلاقات الإقتصاديّة والسياسيّة والإعلاميّة. بل نشهد في بداية الألفيّة الثالثة تطوّراً عاصفاً في الإتصالات والمعلوماتيّة، وأصبح العالم من هذا المنظور وكأنّه وحدة واحدة. لكنّه منقسم من الداخل، وتمزّقه الصراعات والمصالح المتناقضة، وعلاقات القوّة والضعف، والدفع والجذب، والغنى والفقر… وتسوده شريعة الغاب.

وهذا العالم منقسم انقساماً رأسيّاً إلى دول وأنظمة متقدّمة ومتطوّرة إقتصاديّاً واجتماعيّاً وعلميّاً إلى أبعد الحدود، بعد أن شهد عصر النهضة والتنوير، ثمّ الثورة الصناعيّة والعلميّة والتقنيّة. وهو يمرّ الآن بالمرحلة الثالثة من التقدّم العلميّ والتقنيّ والمعلوماتيّة. وقد أخذ هذا العالم الملكماليّ مع نشوئه وتطوّره الطابع العدوانيّ الذي أنتج وأفرز ما يسمّى بالاستعمار (من مستعمَرة  colony، وقد شاع هذا المفهوم بترجمته الحرفيّة، وهناك من عرّبه بـ”الكولونياليّة”)، وهو المفهوم الذي كان، ولا يزال، شعار تلك الدول الملكماليّة التي دمّرت واستعبدت حتّى عقولنا، نحن الشعوب المتأخرة، في جنوب آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبيّة، عن المستوى الذي بلغته تلك الدول التي استعبدتنا، والتي هدّمت البنى الإقتصاديّة، وشوّهت التطوّر الإقتصاديّ والسياسيّ، أو الطبقيّ، وحالت دون تقدّم وتطوّر تلك الشعوب في مسارها الطبيعيّ كما تطرح الأدبيّات الماركسيّة. فأكثر الشعوب التي خضعت لذلك المسمّى بالاستعمار كان ممكناً أن تلحق بالدول التي نشأت فيها الملكماليّة المتطوّرة. لكن تمّ قطع خطّ تقدّمها وتطوّرها عن تلك الدول التي قامت فيها الثورة الصناعيّة مبكراً، مثل إنجلترا وفرنسا. وقصّة الإستعمار هذه ليست موضوع بحثنا هنا. فقط أودّ الإشارة إلى أنّ الوطن العربيّ الذي كان معظمه تحت السيادة العثمانيّة بدأت بعض ولاياته العربيّة كمصر والشام والعراق تسير سيراً طبيعيّاً نحو النهضة الإقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة، بل العلميّة والصناعيّة، في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، لولا ذلك الدور التخريبيّ والتدميريّ للاستعباد، والذي عبّرنا عنه بمفهوم الاستعمار (مِن عمّر يعمّر عمراناً). والمهمّ أنّ الدول التي التي استعبدت الوطن العربيّ اتّبعت سياسة التآمر والخداع والخيانة للسلطات والحكام العرب، السذّج منهم والمغفّلين، خلال الحرب العالميّة الأولى وبعدها، مع اتّباع سياسة “فرّقْ تسدْ”، من اتّفاقيّة سايكس ـ ﭘﻴﻜﻮ إلى وعد بلفور، ودعم الصهاينة لاغتصاب فلسطين وتشريد شعبها العربيّ، وتجزئة الوطن العربيّ المنكوب. لكنّ الحكومات والأنظمة العربيّة، الضعيفة منها والرجعيّة، لم تعتبر بتلك المؤامرات ، بل تلك الاستراتيجيا والمشاريع لمنع وكبح تطوّر وتقدّم الشعوب العربيّة، وللعمل على استمرار إحكام القبضة على هذه الشعوب، بواسطة إسرائيل الغاصبة ومعها.

أمّا الخليج العربيّ الفارسيّ فقد فُرضت عليه العزلة التامّة عن العالم الخارجيّ، بمعاهدات مع زعامات قَبَليّة وعشائريّة، بل عوائليّة، وجرى العمل على تثبيت حكمها حتّى الآن، عبر سلسلة من التطورات السياسيّة والحروب المتكرّرة مع الخارج أو الحروب الأهليّة، كعقبة كأداء أمام وحدة الشعب العربيّ، على الأقل على مستوى الخليج، أو الجزيرة العربيّة، من قبَل أميركا وبريطانيا وفرنسا، والغرب عموماً. وقصّة تاريخ الخليج الحديث والمعاصر معروفة، وبالرغم من ذلك هناك من يردّدون أن لا تآمر ولا استعباد، لأنّهم حفظوا عن ظهر قلب قول الشاعر: نعيب زمانَنا والعيب فينا / وما لزماننا عيب سوانا… والزمان في فَهْمِهم هو تاريخنا، فإذا تأخّرنا وتخلّفنا فذلك من طبيعتنا بالخلقة، حتّى إن قال كيري للمشايخ وأصحاب الجلالة والعظمة: إختاروا، إمّا الإستعمار أو داعش! فلأنّه يعتبرهم وداعش متساوين في العمالة والرجعيّة والانحطاط. ولو كانت القضيّة مجرّد مؤامرة لهان الأمر، ولكنّها استراتيجيّات ومخطّطات ومشاريع عدوانيّة استبداديّة واستعباديّة. ليست استعماراً بل قتل ودمار، وبؤس وشقاء، وعودة إلى الوراء. لكن ماذا نقول أمام عقل الطبقة المتوسّطة والصغيرة في غياب الجماعة العاملة الكادحة، وإن وجِدتْ فإنّ وعيها تصوغه المشيخيّات في المدرسة والجامع، وفي وسائل الإعلام والتوجيه المختلفة، حتّى الجرائد وكتّابها المرتزقة، مِمّن يعرفون أنفسهم من سماسرة وأعضاء منتدبين في مجالس الشركات، ومقالجيّة في الصحف.

إنّ الإﻣﭙﺮياليّة العدوانيّة والأنظمة القائمة عملت على تكوين بنية طبقيّة من أمثال هؤلاء، لكي يكونوا “القاعدة”، سواء من حملة القلم أو السلاح، طالما أنّ ذلك يرضي الأنظمة المحليّة والملكماليّة الخارجيّة. هؤلاء خرّيجو الطبقة الجاثية الحاليّة، وفي القمّة الأسر السائدة على الشعب والمسودة من الخارج. إنّها الإقطاع الريعيّ الطفيليّ الذي يعيش عالة على الطبيعة كالإنسان الأوّل، ويراكم المال والثروات في الخارج والداخل. ويليه بطانة ممّا يسمّى بالتجّار من سلالة المعارضة الوطنيّة قبل تدفّق النفط، والآن هم طرف في الثلاثي الطبقيّ، من عقاريّين وماليّين ومتاجرين، وقد فقدوا صفتهم الوطنيّة منذ بداية السبعينات، وكبيرهم يطالب بتنصيب وزراء “انظاف” من ذوي الأخلاق الحميدة، وإن كانوا من أصحاب الأموال الوثيرة: إنّهم أهل “الديرة” وأهل الحلّ والعقد، مِمّن يتملّكون العقارات بالمئات، من ﭬﻠﻞ، وقصور، ومجمّعات تجاريّة وسكنيّة، وفنادق، سواء في الداخل أو الخارج، في أميركا أو أوروﭘﺎ، كما في بعض الدول العربيّة، وكلّها تدرّ ريعاً في كلّ يوم وكلّ ساعة… إلى المتاجرين بالمشروب (السكر)، الممنوع قانوناً من “مجلس الأمّة”، والذي لا يصل إليه إلاّ من عنده القدرة الكافية والوافية للرشوة… أمّا في حال وجود بعض النوّاب من الطبقة الوسطى، بالمعنى الكويتي، وسط محيط واسع من الأثرياء، فيكونون ممّن ثبت، أو يمكن أن يثبت حرصُهم وقدرتهم على خدمة الطبقة العليا، وعلى حماية النظام. هذا في الكويت وقطر والإمارات، على تفاوت. وإن كانت الكويت هي السبّاقة والنموذج الأعلى. أمّا في بقيّة الدول فلا “مجالس”، اللهمّ إلاّ مساجد وجوامع تحوّلت إلى منابر للمشايخ وتمجيد الحكّام، وجمعيّات لـ”الإصلاح (الإفساد) الإجتماعيّ” أصبح لها فروع في أكثر المناطق يسيطر عليها “الإخوان”، وفي السعوديّة “هيئة الأمر بالمعروف والنهي…” والعكس.

في الستّينات وحتّى 1975، كان هناك في الكويت هيئات شعبيّة ومهنيّة ما لبثت أن تحوّلت إلى “جمعيّات النفع العام” (للسلطة)، ولا يصل إلى المجالس الإداريّة فيها إلاّ الموالون.، أو المباحث السرّيّة أو العلنيّة. ويجري الكلام عن محاربة الفساد بعموميّات غامضة، ويشارك في ذلك حتّى الوزراء. لكنّ مفهوم الفساد في قاموسهم هو فساد الأفراد، وليس النظام. وقد نشأت “هيئة مكافحة الفساد” تحت إشراف الحكومة. والغريب أنّ هذه الهيئة لم تعرف ما هو الفساد الذي يشمل الرشوة والاختلاس من قِبَل الطبقة المسيطرة. وقد تعرّض ما أسموه “صندوق الأجيال” لأكبر عمليّة اختلاس، والأكبر في العالم في عمليّة واحدة فريدة من نوعها ومكشوفة، وجاء على أثرها سرقة الناقلات بأكثر من 200 مليون دولار، ومجموع الإختلاسين 15 ونصف مليار. وعلى كلٍّ فإنّ خطباء الجوامع يثرثرون كثيراً حول الفساد. ولكن، في التحليل الأخير، يُرجعونه إلى فساد أخلاق الناس، ويعتبرونه من عمل الشيطان أو بوحي منه. لكن من هو الشيطان؟ إنّه في عِرفهم قوّة خفيّة لا حول لنا ولا قوّة أمامها. أو يُرجعونه إلى مشاغبين يتدخّلون في السياسة باعتبار هذه من شأن الحكّام وكبار القوم. وتنتهي خطب الجمعة بالدعاء للحاكم المعصوم عن الخطاّ ولإصلاح بطانته، وكبير المعارضة، في الكويت مثلاً، لا ينبس بكلمة تمسّ طبيعة النظام والطبقة المسيطرة. فقد يوطوطون بـ”الحنّيّة على الحفايا”، و”الكويت أمانة في أعناق الآل”، و”المِلكيّة ورأس المال مقدّسان”، و”منصوص عليهما في الدستور” حيث تأتي إضافة خجولة لهما بذكر “العمل”.

هذا عن الكويت التي تتباهى بالديمقراطيّة التي تحوّلت إلى بوّابة لرشوة النوّاب، فما بالك بالرجعيّة الأمّ حيث لا يوجد أيّ شكل من أشكال الديمقراطيّة أو الانتخاب. بل شكّلوا منذ بضعة سنوات “مجلس شورى” مُعيّن بالكامل. أمّا وضع المرأة هناك، فحدّث ولا حرج. فسواد النساء هو المنظر المألوف، وهنّ محرومات من سياقة السيّارات، أو من مشاهدة المباريات في الملاعب، وأبناء العائلة كلّهم بدرجة أمير، ورجال المذهبانيّة يشكّلون طبقة وهم خط الدفاع الأوّل عن السلطة والنظام. والمذهبانيّة السائدة هي المذهبانيّة الغيبيّة التخريفيّة. أمّا شعارها فيتضمّن الخدميّة للبيت الحرام والبيت الأبيض على السواء، ولزمرة من “أهل الحلّ والعقد”، والإعدام حتّى لمن يمثّل دور الفارّ.

ولا يسعنا أن نتناول الوضع في البحرين وعُمان، فلكلّ منهما وضعها الخاصّ، لكنّه لا يتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة بريشة أميركا. غير أنّ النظام في البحرين أكثر اضطهاداً للشعب العامل، وعُمان أقلّ ديمقراطيّة من النموذج الرجعيّ في الكويت، وإن كانتا حلقتين في نفس ما يسمّى بـ”المسباح” (الملهاة).

هذا هو الإقطاع الماليّ الريعيّ. فماذا نتوقّع أن تكون قِبلتهم غير البيت الأبيض، حيث الزمرة الماليّة الريعيّة الطفيليّة، الشرذمة التي تتربّع على قمّة الهرم الطبقيّ. وقد وصف لينين هذه البرجوازيّة الماليّة بأنّها “تمتهن البطالة”. وهي التي تمتلك كلّ وسائل الإعلام ومراكز التأثير على الرأي العام وصياغة عقول حتّى الأطفال، على امتداد أعمارهم من المدارس إلى الجامعات. أمّا “الديمقراطيّة” فإنّها في الولايات المتّحدة ديمقراطيّة مغلقة خاصّة، تأخذ بنظام المندوبيّة، لكنّها لا تأخذ بالنظام النسبيّ في الاقتراع العامّ. لكن هناك فرق شاسع من حيث مستوى التقدّم والتطوّر الإقتصاديّ والإجتماعيّ والعلميّ وكلّ جوانب الحياة. فالدول الملكماليّة في الغرب، وعلى رأسها أميركا، تمتلك القوّة والجبروت، ممّا يجعلها مسيطرة، بل ولها السيادة الكاملة على ربيباتها من الإقطاع الماليّ المسيطر محلّيّاً في الدول العربيّة النفطيّة الخليجيّة. فهذه ممالك مسيطَر عليها من الخارج، كانت في تبعيّة مباشرة للغرب الملكماليّ، وكان استعبادها حاجة لها ولأسيادها لتبقى مستقرّة عند مستوى التخلّف.

أمّا الآن، فهي مرتعبة من التطوّرات الجارية. فإن كانت العلاقات بين الطرفين علاقات تحالف، فهذا التحالف لامبدئيّ يقوم على ابتزاز القويّ للضعيف، ورِقّيّة الضعيف للقويّ. فهي اليوم في تابعيّة تستجدي النجدة، بينما الطرف الآخر ليس في عجلة من أمره، بل في ربكة. فداعش منتَجٌ أميركيّ كما كانت طالبان، كما أنّ مذهبانيّة داعش وطالبان منتَجٌ خليجيّ رجعيّ. وأخيراً انقلب السحر على الساحر لكلا الطرفين. فالدواعش كانوا محلّ رعاية ودعم من أميركا والسعوديّة. وليس من المستبعد أن تفضِّل أميركا في وقت لاحق دولة داعش على السعوديّة، لأنّ ما يهمّ أميركا هو مصلحتها حتّى ولو ضحّت بممالك الخليج. فبؤرة المذهبانيّة لأميركا هي نفسها لداعش وللسعوديّة. فأيّهما ستختار أميركا؟ أي أنّ بؤرة الإيديولوجيّة للأطراف الثلاثة هي المِلكيّة الطبقيّة، الضامن للحفاظ على المصالح الكثيفة للإﻣﭙﺮياليّة العدوانيّة في الخليج العربيّ الفارسيّ.

ختاماً، يلاحَظ أنّ الطبقة السائدة عندما تبلغ أوج تطوّرها وقمّة جبروتها ترتدّ مذهبانيّاً وسياسيّاً إلى مذهبانيّة الطبقة السائدة في المرحلة السابقة لها، أي إلى المذهبانيّة الإقطاعيّة الرِقّيّة. أمّا الممالك الخليجيّة فهي لم تخرج من هذه المرحلة السابقة بعد، وهذا ما يفسّر تمسّكها بالمذهبانيّة السلفيّة لعهد الإقطاع والعبوديّة. والمذهبانيّة ضروريّة لخدمة المصالح الطبقيّة.

خلاصة

والاستنتاج الأخير هو أنّ في الأوضاع القائمة في منطقتنا العربيّة، وفي الشرق الأوسط عموماً، تتكثّف المصالح الإحتكاريّة الغربيّة، وخاصّةً الأميركيّة منها، وتسود الأنظمة الرجعيّة الخاضعة للوصاية الأﻣﭙﺮياليّة. هذا الواقع هو منبع الإرهاب والتعصّب والتطرّف، والصراع الدامي والمدمِّر بين الإرهاب ومنبعه. إنّه صراع ناتج عن وحدة تناقضيّة هي وحدة في مواجهة الحركات والقوى التقدّميّة والأنظمة الوطنيّة نسبيّاً، لكنّها في الوقت نفسه تعبّر عن تناقضات، أو قُلْ تنافسات، داخل معسكر اللأﻣﭙﺮياليّة والإرهاب. فالإرهاب يعكس حقيقة دافع الانتقام والثأر من قِبَل القوى الإرهابيّة المسلّحة التي جنّدها المعسكر الغربيّ، وبالذات الولايات المتّحدة، لتحقيق مخطّطاتها ومشاريعها في الشرق الأوسط، الكبير تارةً والجديد تارةً أخرى.

لقد استنفدت القوى الإرهابيّة دورها في خدمة الملكماليّة الإحتكاريّة، ووجدت نفسها فريسة للطرف الآخر داخل التحالف بين قوى الإرهاب والانتقام من جهةن وقوى الأﻣﭙﺮياليّة العدوانيّة من جهة أخرى. إنّها وحدة تناقضيّة إلى الحدّ الأقصى. فالأﻣﭙﺮياليّة هي الطرف الإرهابيّ الأكبر والأبشع والأكثر وحشيّة ضدّ الشعوب المستضعفة. أمّا المعسكر الانتقاميّ المضاد فإنّه لا يبالي باللجوء إلى ممارسات ووساءل قذرة ووحشيّة هي الأخرى.

إنّ هدف الأﻣﭙﺮياليّة هو قهر الشعوب المنكوبة بالأنظمة المستبدّة والإرهاب المنظَّم، والعودة بها إلى العصر الحجريّ، كما هدّد بوش الإبن ﭘﺎكستان إذا ما وقفت ضدّ الغزو الأميركيّ لأفغانستان. فالأﻣﭙﺮياليّة ليست مباليّة إزاء استمرار القتل والدمار على الأرض العربيّة بالذات، ولصالح إسرائيل الغاصبة والنظام الملكماليّ الأﻣﭙﺮياليّ، طالما أنّ ساحات الحروب والإرهاب بعيدة عن الدول الغربيّة، ألّلهمّ إلاّ بالنسبة لعمليّات وإن كانت إجراميّة منكرة، لا تقاس بالنسبة للعدوان الأﻣﭙﺮياليّ الكاسح على الشعوب العربيّة بحجّة مكافحة الإرهاب والتطرّف.

إنّ الوحدة والتناقض داخل المعسكر الأﻣﭙﺮياليّ العدوانيّ والأنظمة الإقطاعيّة الريعيّة والقوى الإرهابيّة، هما مصدر الحروب والإجرام والدمار، للوطن العربيّ بالذات ولغيره من الشعوب المستضعفة. ولا سبيل للخروج من هذا المأزق التاريخيّ إلاّ بمواجهة هذا الحلف الثالوثيّ وإسقاطه، وقلب الواقع القائم رأساً على عقب، عن طريق المدافعة الثوريّة والنضالات المستمرّة حتّى النصر المبين.

عن محمد سلمان غانم

 محمد سلمان غانم – باحث اقتصادي، حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد من المملكة المتحدة، وودرّس الاقتصاد في جامعة الكويت. زشغل عدة وظائف في مجال البحوث الاقتصادية والتخطيط. كرّس جهده بعد التقاعد للدراسات القرآنية. له العديد من المؤلفات في الاقتصاد الكويتي، وفي النظرية الاقتصادية والاقتصاد السياسي. ومن أبرز أعماله: "الجوامعية – ديمقراطية الاسلام" (دار الفارابي-2007)، "شرك المال والأزمات، رؤوية قرآنية ماركسية" (دار الانتشار العربي-بيروت، 2009)، "نحو نظرية قرآنية" (دار الفارابي-2011)...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>