الرئيسية / ملف: العنف والايديولوجيا / العدوانية والعنف والأدلوجة

العدوانية والعنف والأدلوجة

Print pagePDF pageEmail page

Fighters of al-Qaeda linked Islamic State of Iraq and the Levant parade at Syrian town of Tel Abyad

  • نقد الأدلوجة

ولد مفهوم الأدلوجة أو “علم الأفكار” منذ بداية القرن التاسع عشر، كمصطلح، على أيدي مجموعة من اللغويين الفرنسيين، وتحديداً، في عمل دستيو دي تراسي “عناصر الأدلوجة” في سنة 1801.

لكن مما لا ريب فيه أن هذا المفهوم قد تعرض لتحولات هامة بفضل القارات المعرفية الجديدة التي تم اكتشافها على أيدي ماركس، ونيتشه، وفرويد، حيث لا يمكن لأي باحث رصين القفز فوق القطوع التي تركها حفرهم المعرفي.

لكن ضرورات الحفر المعرفي تستلزم المزيد من البحث والتنقيب بما يتعدى المصطلح وتاريخه الى البحث في ظاهرة الأدلوجة ودورها التضليلي في تنضيد مستويات البنية الاجتماعية على نحو متراكم يبعدها عن محورها السياسي المحرك. (1)

يصعب على الباحث الموضوعي أن يحصر علّة التضليل هذه في “الخبث الطبقي”، سواء للتحالف الطبقي المسيطر او للفئة المهيمنة فيه.

لا ريب ان مصالح الجماعات تنعكس في خطابات متنوعة ومتحيزة، لكنها ايضا مقنّعة بقناع التسامي أو الإعلاء كقيمة اجتماعية تضفي على الخطاب مشروعية أخلاقية.

هكذا يبدو العمل المشترك لـ ماركس وانجلس “الأدلوجة الالمانية” في سنة 1845، والاعمال اللاحقة لكل من كارل مانهيم “الأدلوجة والطوباوية” سنة 1929، ومدرسة فرنكفورت (خاصة: ماكس هوركهيمر، هربرت ماركوز، وثيودور أدورنو، وإريك فروم)، في ستينات وسبعينات القرن الفائت، إضافة الى مقالات لويس ألتوسّر “فرويد ولاكان” سنة 1964، و”من أجل ماركس” سنة 1965، و”الأدلوجة وأجهزة الدولة الأدلوجية” سنة 1970، سلسلة من المقاربات في الاتجاه الصحيح.

لقد عمّقت هذه الاعمال فهمنا للأدلوجة بتخصيبه بمفهوم اللاوعي الفرويدي ولاحقاً باللاوعي الجمعي عند يونغ، وأخيرأً مفهوم “الحس التاريخي” النيتشوي المعادي لكل فهم متافيزيقي وأنثروپولوجي للذاكرة، لأن التاريخ الحقيقي هو ذاكرة مضادّة تسخر من كل الأقنعة، مهما علا شأنها، في كرنڨال الحقيقة. لقد فضح نيتشه زيف القيم البرجوازية كقناع مضلِّل يخفي أنانيتها وإرادة السلطة في أعماق سلوكها.

يبدو أنّ التزييف كوظيفة أساسية للأدلوجة يتطابق مع ظهور العناصر الاولى للّاوعي الجمعي، بدءاً بالديانات البدائية، كالطوطمية، والسحر، والوثنية، التي تستغرق طوري الوحشية والبربرية السابقين على عصر الحضارة.

هكذا يكون تاريخ تكوّن الأدلوجة هو تاريخ تكوّن اللّاوعي الجمعي في إعلاءاته الأولى لقوى الطبيعة العمياء التي لا يمكن “مواجهتها ” الا بطقوس “الخارق” تماماً كما في الأحلام حيث كل شيْ مستحيل فيها ممكن، حتى مواجهة الموت.

لم تتكلّس عناصر الأدلوجة هذه في بنية إلا مع عصر الحضارة، وتحديداً مع تركّز الحرفة والتجارة ونشؤ المدن.

هنا بالضبط، ولأول مرة نشأت تلك العلاقة من التضايف بين حجم فائض الانتاج وحجم الكتلة البشرية المتفرغة للانتاج الفكري. وهنا لافرق إن كان الفائض منهوباً من الداخل او الخارج الأمبراطوري، لأن الحضارتين اليونانية والرومانية أينعتا على جماجم العبيد.

الأدلوجة والمأسسة

لايمكن لأية أدلوجة مهما علا شأنها أن تهيمن إلا بقوة المأسسة، ولا يمكن لأية طبقة او تحالف طبقي مسيطر الاستمرار في السلطة إلا بالهيمنة عبر مؤسسات الأدلجة المؤلفة: من الكنائس والمساجد، إضافة الى المدارس الرسمية والخاصة، والعائلة، والمؤسسات الحقوقية، مع الأحزاب السياسية المختلفة والنقابات، وأخيراً المؤسسات الفنية ووسائل الإعلام المكتوب والمسموع والمتلفز(2)، ونحن نضيف المعولم.

هذا الفهم للأدلوجة قدمه ألتوسّر مستنداً الى أعمال غرامشي، وخاصة “رسائل من السجن”،   حيث يتجاوز مفهوم الدولة كجهاز قمع على وجه الحصر ليكشف عن وظائف “مدنية” أخرى تقوم بها مؤسسات تابعة لها كالكنيسة، والمدارس، والنقابات، أي ما يسمى “المجتمع المدني”.

لكن هذه المقاربة كتبت بعد مئة وإحدى وثمانين سنة من الثورة الفرنسية (1789)، في مجتمع بلغت فيه البنية الاجتماعية زمان تطورها، وتحققت فيه العلمانية بشكل ناجز فقط في السنوات الأولى للقرن العشرين وذلك بالفصل الكامل للدين عن الدولة.

أزمة الحداثة

هكذا تبدو أدلوجة الحداثة في العالم العربي معزولة تواجه موج الصحارى العاتي الآتي من “الجماهير” التي تريد التخلّص من الاستبداد أولاً، ولاحقاً من التبعية، تحت لواء الخطاب الديني المجحفل من المساجد أو من أهم جهاز إدلوجي على الاطلاق في العالم الإسلامي.

يواجه خطاب الحداثة نفس المصير الذي واجهه الخطابان القوموي واليساروي في عالم عربي ما زال ريفه المتخلف مثقلاً بالوعي الديني، وحيث تلعب المساجد الدور الرئيس في أدلجة جمهور العاطلين عن العمل، وفي ظل مرحلة جديدة تنتقل فيها العولمة من الأحادية القطبية للولايات المتحدة الى القطبية المتعددة مع روسيا والصين.

بعد فشل تجربة الأدلوجات الشمولية بوجهيها اليساروي والقوموي في العالم العربي، تزحف الشمولية الإسلاموية تحت راية خطاب “الديمقراطية” التي يتم اختزالها بحكم الأكثرية.

لا يمكن للمرء أن يتوقع للشمولية الدينية مصيراً أفضل من الشموليات السابقة، فحيث تبدو الأولى، في مقاربة الواقع، كمن يضع قرني غزال لدجاجة، تبدو الأخيرة كمن يضع جناحي دجاجة لغزال. لئن كان “نطح” الواقع أو “الطيران” فوقه يؤدي الى أفق مسدود، فإنّ التأسسيس لثقافة ديمقراطية حقة، يبدأ من العائلة، وذلك باستبعاد كل أشكال العنف والاكراه فيها، وبتحقيق المساواة الفعلية بين طرفيها، بإطلاق مناخ الحوار فيها عبر تنمية ثقافة الأستماع للرأي الآخر، وإشاعة مناخ التسامح في تقبّل الرأي المخالف، وتحفيز حب المعرفة وطرح الأسئلة بعيداً عن عقلية التحريم.

يتلازم الاكراه في اية ثقافة مع تعاظم التحريم، وبقدر ما يكون التحريم طاغياً على السلوك العام للجماعات، بقدر ما يكون الاكراه الذاتي للفرد أشد سطوة في كبت الرغبات الحقيقية، وبالتالي تصعيدها بأقنعة الانضواء تحت راية الجماعة.

بقدر ما يكون “القناع” سميكآ وموغلاً في الأدلجة بقدر ما يكون الإنضواء في كنف الجماعة أسهل وأقل كلفة، الى أن يصل الانضواء الى حد العبث واللا معقول عبر المشاركة في الهذيان الجماعي لأية ادلوجة، مثلاً (خطاب الكراهية للآخر على أسس دينية، أو قومية، أو عرقية، أو طبقية، أو جنسية).

الأنانية وسوء النية

عندما ميّز سارتر في باكورة أعماله، وأعني “الوجود والعدم” بين ثلاثة مستويات للوجود، هي: الوجود في ذاته (للأشياء)، والوجود لذاته (للانسان)، والوجود لغيره (لعلاقة الذوات ببعضها، من حيث هي موضعة متبادلة، أو الجحيم بعينه).

ناقش سارتر في الفصل الثاني مشكلة سوء النية، فحدّدها على أنّها هروب من تحمل المسؤولية عبر الكذب على الذات، وفي وجه آخر هي هروب من حرّية الأختيار في مواجهة الحادثات التي يجد فيها الأنسان نفسه مرمياً في ظروف لم يصنعها تحدد خلفيّته (2).

سؤ النية هذا هو المسؤل عن تضادّ عنصرَيْ الآنيّة، الحادثات من جهة والإعلائية من جهة أخرى. فعندما يولد إنسان في عائلة تنتمي الى طبقة، ودين، وشعب محدد، فإنه يجد نفسه مرمياً في ظروف لم يخترها البتة، ومع ذلك فهي تشكّل خلفيته سواء كانت نعمة او لعنة.

لكن الانسان كائن لا يماثل الأشياء في ذاتها، لأن ماهيته لاحقة لوجوده، ولأنه مشروع شخصية في عالم الإمكان، هو محكوم بالحريّة وعليه أن يختار من الممكنات ذلك الإمكان المناسب لمشروعه.

وعليه فهو في موقف إما أن يقبل خلفيّته وشروطها كأمور طبيعية يدعها تلعبه بتحديداتها، أو يفكر ككائن لذاته، عنده مطلق الحرّية في مواجهتها وتغيير شروطها.

هنا تحديداً يتم حل مشكلية العلاقة بين طرفي الآنيّة (الحادثات، الإعلاء)، فبقدر ما يكون الإنسان هو هو، والصراحة مثله الأعلى، يتحقق الانسجام أكثر بين الحادثات وحمّى أعراضها مع إعلائها، عبر مشروع يحقق هذا المثال (3).

بفضل هذا الانسجام السويّ بين طَرَفَيْ الآنيّة يصبح سوء النية مستحيلاً، وتختفي الحاجة الى أي قناع للتزييف، ليحل مكانها حاجة الصدق والإخلاص كقيم كليّة.

الأنانية وإرادة السلطة

إذا كانت ماهية الانسان لاحقة لوجوده، فإنّ تحقيق هذه الماهية يرتبط بتحقّق مشروعه كشخصية فاعلة في التاريخ، لكن هذا الهدف لا يتحقق بدوره، حسب نيتشه، بدون “إرادة القوة التي تشكل الدافع الحقيقي للسعادة وليس العكس” (4)، وتنمو هذه الإرادة على تربة الأنانية وقوة المعرفة.

عندما ينغمس الانسان في تحقيق أناه عبر تلبية حاجاتها المباشرة مادياً وروحياً، فهذا أمر طبيعي وسويّ، أدعوه حدّ الأنانية العقلاني. لكن تاريخ الانسانية أثبت بما لا يدعو الى الشك بأن هذا الحدّ العقلاني تم تجاوزه من الأفراد، والطبقات، والشعوب، التي انخرطت في قيادة الحروب تحت لواء أقنعة متنوعة من الأدلوجة جوهرها الأنانية المفرطة وهوس الرئاسة والسلطة.

بهذا المعنى تبدو الأدلوجة، عيادياً، من الأمراض الأنثروبولوجية الملازمة لكل الشعوب والثقافات، وكما أن المريض نفسياً يتعافى عندما يعي السبب الثاوي وراء مرضه، كذلك الثقافات تتعافى من أمراضها تدريجياً بقدر وعيها لأمراضها القديمة والمستجدة، وتبدأ هذه العملية بالتخلص من وحوش الأدلوجة الجاثمة فوق مسام تنفسها، كذهنية التحريم، عقلية الاكراه، العنف بكل أشكاله، خطاب الكراهية العرقي والقومي والديني، وكل أنواع التمييز الجنسي.

فقط عبر وعي الذات الثقافي هذا يمكن للمجتمع الإنساني أن يسلك طريق إعادة تأهيله بالإقبال على كل ما هو سويّ في الثقافات الاخرى، في فضاء منفتح على العقل والعلم والحريّة المطلقة للضمير، نحو علمانية روحية متسامحة.

  • الأدلوجة والعدوانية

تعتبر العدوانية من الظواهر الاجتماعية الغامضة التي ما زال يدور حول طبيعتها سجال فكري بين مختلف المدارس السوسيولوجية والفلسفية والنفسية. إشكالية هذا السجال تكمن في تضارب هذه المقاربات للعدوانية، ونزعتها الإختزالية في إستقرائها عبر فردنتها تارة، أو تضخيم حجمها وإسقاطها على شعوب بأكملها طوراً.

مقاربات

نقرأ في مادة “عدا” من “لسان العرب”: “قال الأصمعي عداني منه شر أي بلغني…” (5)، والمعنى هنا واضح، أي أنّ مفهوم العدوان مرتبط بإلحاق الضرر بالآخر.

يقدم لنا الفكر الديني تصوراً أنطولوجياً عن أصل العدوانية مجسمة في شخصية إبليس، وفقاً للقبالة اليهودية. فإنّ إبليس هذا كان يدعى “لوسيفر، أي جالب النور، وكان من علّيّة الملائكة، لكنه رفض الخضوع لآدم، كما فعل كابتن الملائكة ميكائيل، فلقبه الله سمئيل والذي يعني سم الله” (6).

لا يختلف التصور المسيحي في طبيعة العدوانية وأصلها عن التصور اليهودي إلا في نقطة واحدة هي أن هذا الثعبان الذي أغوى آدم وحواء هو هو الشر، بينما يُنظر اليه تلمودياً على أنه يقوم بالمهمة الموكلة اليه في امتحان البشر. انظر مثلاً دوره مع النبي ايوب حيث “قال الرب للشيطان هوذا كلّ ما له في يدك. وإنما إليه لا تمدّ يدك. ثم خرج الشيطان من أمام وجه الربّ” (7).

تابع الاسلام نفس الخط في تفسير أصل العدوانية مستعيدآ فهم العهد القديم لها مع تهذيب لقصة عصيان إبليس والرهط المرافق له، وذلك بشرح السبب الذي أوقعهم في العصيان، لأن الله قال: “ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلّين عضدا” (8).

لم يتم تناول موضوع العدوانية على نحو جدي في الفكر العربي إلا مع ابن خلدون، حيث يرى أنّ الدولة ضرورية “لما في طباع البشر من العدوان الداعي الى التنازع” (9).

تناول الفكر الأوروبي هذا الموضوع في نفس السياق فكتب هوبس عن حرب الجميع ضد الجميع، وعن ضرورة الدولة لتحقيق السلم الأجتماعي في مجتمع الذئاب. بينما أكد روسّو على الطبيعة الطيبة للأنسان وعلى أن المجتمع هو مصدر الشرور التي تلحق به جراء التفاوت الاجتماعي والملكية الخاصة على وجه التحديد.

لم تصبح العدوانية موضوعاً للمقاربة التحليلية إلا في بداية القرن العشرين وتحديداً بين الحربين الكونيتين، حيث جعلها التحليل الفرويدي موضوعاً رئيسياً من موضوعاته.

في البداية اعتبر فرويد العدوانية عارضاً من أعراض العقدة الأوديبية إياها، ونتيجة طبيعية لكبح الميول الليبيدية للغريزة في المراحل المبكرة من الطفولة. لكن الأعمال المتأخرة لفرويد تترك انطباعاً بانتقاله الى مبدأ تفسيري آخر لظاهرة العدوانية، وهذا يبدو واضحآ في إقراره بوجود غريزتين متصارعتين في الانسان هما :غريزة الموت “ثاناتوس” وغريزة الحبّ “إيروس”، وفي توكيده على أن غريزة الموت هي التي تنتصر في النهاية عبر ذلك التدمير الخفي لجسم الانسان بصورة تدريجية نحو حتفه المحتوم.

تبدو العدوانية هنا كرد فعل على أزمة الوجود الانساني من حيث هو وجود مؤقت في هذا “العالم” الذي ينهشه الزمن .

لا ريب أنّ إرهاصات الحرب العالمية الثانية قد أثّرت في هذه المقاربة، حيث اضطر فرويد نفسه الى الهرب من الملاحقة النازية له.

تعرض مفهوم العدوانية الى الإغناء اللاحق عن طريق المدرسة السلوكية التي توسّعت في مفهوم الكبت، غير مكتفية بمرجعيته الجنسية كما هو الأمر عند فرويد، بل أرجعته الى التعليم الاجتماعي، حيث يتم تدريب الفرد على احترام العادات والتقاليد، وعلى إقامة الحدود المعيارية بين ما هو مسموح وما هو ممنوع التصرّف به في العلاقات الاجتماعية العامة، مما يؤدّي الى المزيد من الكبت لحاجات الفرد التي تخرج عن الخط العام لهذه التقاليد والعادات. يتبنّى هذا التصور أعلام المدرسة السلوكية الجديدة امثال: دولارد، وميلر، وباندورا، وبركوفيتس.

تختلف مقاربة المدرسة التفاعلية لمشكلة العدوانية، عن نظرية التعليم السلوكية في تركيزها على صراع المصالح الفردية والجماعية وتضارب اهدافها، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف الى نجاح البعض في تحقيق أهدافه ومصالحه، وإلى فشل البعض الآخر الذي غالباً ما يصاب بالاحباط، فتستحوذ عليه مشاعر العداء ضد الناجحين اجتماعياً. أشهر ممثلي هذه المدرسة هما كامبل، وشيريف.

ترى مدرسة التعرف الى العدوانية كنتيجة طبيعية لتنافر الذات نفسها وعدم انسجامها المعرفي، إذ تتنازعها منظومات مختلفة من القيم والمعتقدات التي غالباً ما تصبح مصدر إقلاق للراحة، وسبباً للتوجس والعدوانية. أشهر ممثلي هذه المدرسة عالم النفس ليون فستينغر.

بقي ان نشير اخيراً الى الداروينية الاجتماعية التي حاولت فهم العدوانية على أنها من تركة التراث الحيواني للأنسان، هذاما قام به ك. لورنس في عمله “ارتقاء السلوك وتحوّله”، حيث ركّز قبل كل شيء على “أشكال السلوك الغريزي التي تعطي أنواعاً محددة من الحيوانات، المعلومات اللازمة لمعرفة ماهو ضار ونافع لها” (10). خلاصة القول، يرى لورنس بأن العدوانية هي نتاج الأنسنة الناقصة للأنسان، وهي بالتالي معطى غريزي ما زال يافعاً، لذا من الصعب تجاوزه، في أقل تقدير، خلال هذه المرحلة من تطور النوع البشري، والتي قد تمتد آلاف السنين.

إذا تأملنا ما تقدم من المقاربات المختلفة لظاهرة العدوانية وحاولنا استخلاص مفاهيم علمية تساعدنا في تحديد الأسباب التي تكمن وراء الحروب الأهلية، أو الحروب الكونية، حيث تأخذ العدوانية أقصى اشكالها الجاحدة بالقيم الانسانية عبر قتل المدنيين العزّل نساء وشيوخاً وأطفالاً، وصولاً الى الإبادة الجماعية على أسس أدلوجية قومية كما حصل في الحربين الكونيتين الأولى والثانية، أو على أسس أدلوجية دينية كحرب المئة عام، ولاحقآ الثلاثين عام، الأوروبية، أو الحروب الأهلية في كل من لبنان والسودان، والبوسنة، وأخيراً الحرب الأهلية السورية التي تختلط فيها أدلوجات متنوعة ومتصارعة من الديني الى المذهبي، الى القومي العقيدي، إضافة الى الاثني، نجد أنفسنا في مأزق إپستيمولوجي لا نستطيع فيه توظيف أي من المفاهيم المعروضة أعلاه للإحاطة بهذه الظاهرة.

وكما هو ملاحظ فإنّ هذه المقاربات هي إما وصفية، أو قبلية، أو بيولوجية، أو اجتزائية مجردة. لكن الجامع المشترك بينها نظرياً، هو تجاهلها الجوهر الاجتماعي للانسان، وكونه نتاج مجمل العلاقات الاجتماعية المحددة تاريخياً.

الطباع البشرية و العدوانية

إن الإقرار بالدور الحاسم للعلاقات الاجتماعية لا يجب أن يستبعد الدور الثانوي للعوامل الوراثية الموجودة في الحمض النووي لخلايا الجسم كلها باستثناء الكريات الحمر. هذه الأحماض تحتوي على الشريطين الوراثيين: (د.ن.أ) و (ر.ن.أ) يختزن الأول معلومات أساسية عن خطّي التطور الفيلوجيني (خط العِرق)، والأنطوجيني (خط الفرد)، ويحدد هذا المخطط الوراثي نماذج الأنشطة العصبية العليا في الدماغ، وما يناظرها من طباع رئيسية.

لعب الطبيب الاغريقي بقراط الذي عاش في القرن الخامس ق.م. الدور الحاسم في اكتشاف الطباع البشرية وتصنيفها استناداً الى دراسة نسب السوائل التي تفرزها غدد محدّدة في جسم الانسان، إذقسمها الى أربعة أنواع: الصفراوية، والبلغمية، والدموية، والسوداوية.

لم يتعرض هذا التصنيف للطباع البشرية الى أي تعديل حتى الآن، سوى أنه تم إغناؤه بالاكتشافات الجديدة في مجالي علم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء.

كان للطبيب الروسي بفلوف الدور الرئيس في تعميق هذا التصنيف وإغنائه بدراسة الأنشطة العصبية العليا للدماغ التي كرس لها أبحاثه المخبرية منذ 1907، والتي أوصلته الى اكتشاف نماذج للأنشطة العصبية متناظرة مع الطباع على النحو الآتي:

  • نموذج النشاط العصبي القوي، المتزّن والحركي، ويلائمه الطبع الدموي.
  • نموذج النشاط العصبي القوي، المتزّن والخامل، ويلائمه الطبع البلغمي.
  • نموذج النشاط العصبي القوي، غير المتزن والمتصف بقابلية التهيّج الشديد، وضعف الكوابح العصبية، ويلائمه الطبع الصفراوي المتّسم بالعدوانية.
  • نموذج النشاط العصبي الضعيف في جانبي عملية التهيّج والكبح، ويلائمه الطبع السوداوي.

يتبيّن من هذا التصنيف أن العدوانية تجد أساساً وراثياً يتيماً لها في نموذج واحد من الطباع هو الطبع الصفراوي.

لا ريب بأن لهذا التصنيف فائدة وضعية في مقاربتنا لظاهرة العدوانية، إذ أنه يشير الى وجودها في بنية الطباع البشرية. هنا من حقنا أن نطرح السؤال التالي: ما الذي يجعل العدوانية تتحول من صفة لنموذج واحد من الطباع الى أن تغزو الطباع الأخرى بالعدوى الصفراوية إن صح التعبير؟

تبدو ظاهرة التحول هذا جلية في الحروب الأهلية من كل نوع، والحروب الامبراطورية والكولونيالية.

أدلوجة كراهية الآخر

تختزن ثقافات الشعوب وحوشاً أدلوجية نائمة، تعود بالذاكرة الجماعية الى تلك الحادثات التي فتحت جروحآ في لاوعيها الجمعي، وهذه الجروح تترسّب في أعماق اللاوعي في صورة علامات سلبية، او قوالب مؤدلجة مسبقآ عن الآخر، سواء كان الآخر ديناً أو طائفة، قومية أو عرقاً، أو حتى عشيرة. لكن وحوش الأدلوجة هذه يتم إعادة انتاجها عبر مؤسسات الدولة الأدلوجية في كل البنيات الاجتماعية الحاضرة. تلعب العائلة دور نواة الأدلوجة التي يتم عبرها وضع البرنامج الأم، عن الآخر أكان شيطاناً أم ملاكاً، وأهمية هذه البرمجة أنها مشحونة بمصداقية الأب والأم كمرجعية محترمة.

تلعب الأدلوجة الدينية عبر مؤسساتها وخاصة المساجد، والكنائس، والمعابد، دوراً خطيراً في دمج السياسي بالمقدس، وهي بهذا المعنى تنافس لا بل تضاهي دور العائلة. هذا القول ينطبق على المجتمعات غير العلمانية حيث تلعب هذه المؤسسات عبر خطبها الدينية الاسبوعية دور المؤدلج الدوري للوعي الاجتماعي.

تلعب مؤسسات الأدلوجة الأخرى، كالمدرسة وأجهزة الإعلام المرئي والمسموع، المحلّي والعابر للبلدان والقارات، دورها الهام في تطويع الوعي الاجتماعي (الاعتيادي والنظري) عبر خطاب الموضوعية المزعوم، الذي يصور الصراع السياسي للطبقات الاجتماعية على أنه صراع بين أفكار مجردة.

إن توظيف أية ادلوجة، (دينية، أو علمانية، قومية أو عرقية، طبقية أو علموية) لتبرير القتل الجماعي او الفردي للبشر على قاعدة انهم (الآخر المخالف)، هوممارسة إجرامية بامتياز.

هذا النوع من الممارسة، هو الذي يعمم الطبع الصفراوي ويدخله الى كل بيت في المجتمع. هكذا يصبح واضحآ انه بقوة الادلوجة وحدها تتحول العدوانية من طبع مضبوط لشريحة من المجتمع الى ظاهرة منفلتة من عقالها تجر بقية الطباع الى هاويتها فتجعلها حرباً للجميع ضد الجميع.

في الثقافة الديمقراطية

بعيدآ عن التهريج الأدلوجي الذي يقع فيه بعض المثقفين العرب يميناً ويساراً، والذي يختزل مفهوم الديمقراطية الى حكم الأكثرية، يمكن اعتبار الثقافة الديمقراطية شرطاً ضرورياً مطلقاً لوجود أية ديموقراطية حقة.

يبدأ وجود هذه الثقافة قبل كل شيء، مع حرية الضمير المطلقة للفرد و الجماعة، ومع الإعلاء من شأن التعدّد والاختلاف، وتشجيع البحث الدائم عن الحقيقة، والانفتاح على فضاء بلا تخوم لطرح الأسئلة بعيداً عن عقلية التحريم المنافية لحرّية الاعتقاد كتجربة محض شخصانية، إضافة الى جعل الحوار الهادىء والرصين الطريقة المثلى في أدب النقاش، مع تشجيع ثقافة الاستماع والاقناع بعيداً عن أساليب الإكراه والقمع التي يتّسم بها العقل السلطوي، التثبيت القانوني لمساواة المرأة بالرجل على جميع الصعد، واستبعاد العنف والإكراه من التربية العائلية والمدرسية، وتعميم ثقافة الاقناع بالحوار السمح.

هذه بعض العناصر الأكسيولوجية لثقافة ديموقراطية سوية، تتحطم على صخورها أمواج العدوانية العاتية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

  • مهدي عامل: مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني. في التناقض، دار الفارابي، بيروت 1973، ص 213، 193، 52.
  • Altusser L. idéologie et appareils idéologiques d’Etat, Position, Edition Social, Paris, 1976, p83.
  • Sartre J.P. L, être et le néant: Essai d’ontologie Phénoménologique. Glimard, Paris, 1943, p81, 526.
  • Nietzsche F: The Will to Power, Translated by Walter Kaufman, Vintage Books Edition, New York, 1968, p36 .
  • ابن منطور. لسان العرب. دار لسان العرب، بيروت 1960. المجلد(2). ص715
  • Zev Ben Shimon Halevi_Kabbalah.Slovania by Mladinska Knjiga, 1992 .p75
  • الكتاب المقدس. دار الكتاب المقدس في العالم العربي. 1980. الاصحاح الأول. الآية12، ص 794
  • القرآن الكريم. صورة الكهف،ا لآية 12. ص 794
  • ابن خلدون. المقدمة. دار احياء التراث العربي. بيروت 1951. ص376
  • Lorenz،Evolution and Modification of Behaviour, Chicago, Univ. of Chicago Press.1965 .p7

عن اسكندر مرعي

د. اسكندر مرعي، باحث وكاتب لبناني, نال درجة الدكتوراه في الفلسفة وتاريخها من جامعة موسكو 1988، على اطروحته في "نقد تيارات الفكر الفلسفي المعاصر في لبنان" – له العديد من الأبحاث والمقالات في دوريات عربية متخصصة. مقيم في سيدني – أوستراليا منذ العام 1991. البحث المنشور هنا بقسميه قدّمه الكاتب في الأصل كمقالين منفصلين أهدى الأول إلى "مهدي عامل" والثاني إلى "حسين مروة".

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>