الرئيسية / مراجعات / “تاجر البندقية” لشكسبير: “المسرحية المعضلة”

“تاجر البندقية” لشكسبير: “المسرحية المعضلة”

Print pagePDF pageEmail page

merchant_of_venice02

أطلق عدد من النقاد ومنذ وقت طويل على مسرحية “تاجر البندقية” تسمية “المسرحية المعضلة”. وذلك بسبب مزيجها المتكون من عناصر كوميدية وتراجيدية ورومانسية (جانبها الفني) إضافة إلى تعاطيها الغامض مع الاختلافات العرقية والدينية (جانبها السياسي). لكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه أولئك النقاد هو أن كل واحد منهم قد قرأ المسرحية في مستوى واحد من التحليل مختزلا كل المسرحية في ذلك المستوى: فمنهم من قرأها بمستوى فني خالص، ومنهم من قرأها سياسياً، وآخر قرأها طبقياً، إلى آخره من القراءات المتعددة ولكن المجزأة. إن كل تلك القراءات تنطوي على شيء من الصحة منفردة ولكنها لا تعبر عن الحبكة المعقدة التي تتمتع بها المسرحية. كان يفترض بالنقاد أن يتناولوا تحليلها من كل تلك المستويات المذكورة جامعين إياها في رؤية كلية واحدة تتسق مع ما يقابلها من تعدد بنيوي يرتكز عليه كل عمل فني بشكل عام، وهذه المسرحية بشكل خاص. وإذ ازعم أني اقرأها بشكل جديد، سأتناول المسرحية من ثلاثة محاور رئيسية تبدو لي مهمة جدا في تقييم كل ما يحيط بها من جوانب ساهمت في صناعتها وفي تشكيل نقوداتها التي أثارها نقاد من وقت كتابتها (1596) إلى يومنا هذا: المحور الفني، المحور الاجتماعي والمحور السياسي وهو الأهم.

سأتحدث قبل ذلك في عجالة عن أحداث المسرحية لأولئك الذين لم يتسنَّى لهم قراءة المسرحية أبداً، أو لأولئك الذين لم يقرأوها جيدا أو لأولئك الذين لا يتذكرون تفاصيلها الرئيسية وأفترض أنهم كثر.

تدور أحداث المسرحية في مدينة البندقية حيث يقترض التاجر المسيحي أنتونيو المال من المرابي اليهودي شايلوك لكي يساعد صديقه النبيل بسانيو الذي يسعى للزواج من بورشيا، الوريثة الثرية من بيلمونت. ولأن أنتونيو يحتقر شايلوك ودائما ما يهينه علانية، فرض شايلوك شرطا انتقاميا مفاده أنه إذا لم يسدد أنتونيو المال في الوقت المقرر فإن شايلوك سيقتطع رطلا من جسد أنتونيو مقابل ماله. ولكن حدث أن أنتونيو لم يستطع تسديد المبلغ فحاول شايلوك تطبيق شرطه، إلا أن حكمة بورشيا ووقوفها بالمحكمة متنكرة بزي رجل مدافعة عن أنتونيو أفشلت محاولة شايلوك، وبذلك خسر الأخير وحكم عليه بأن يتحول إلى المسيحية. انتهت المسرحية نهاية سعيدة بالنسبة لأنتونيو وبسانيو وبورشيا إذ تكلل حب الأخيرين بالزواج، ونهاية حزينة بالنسبة لشايلوك الذي خسر كل شيء: أمواله وابنته التي هربت مع المسيحي لورنزو وحتى إيمانه الروحي.

  1. المحور الفني

جدلية الكوميدي والتراجيدي

إن إحدى إشكاليات المسرحية هي تصنيفها الأدبي: هل هي كوميديا أم تراجيديا؟ غالبا ما تصنف المسرحية على أنها كوميدية إذ يرجع تاريخ تصنيفها ككوميديا إلى عام 1623 عندما وضع هيمنغز وكونديل إياها بين الأعمال الكوميدية لـ شكسبير في الفوليو الأول (تصنيف الأعمال الأدبية)، ولكن هذا تصنيف لا يرضي الكثير، بما فيه نحن.

يختلف النقاد بخصوص ما إذا كانت المسرحية تجنح نحو الانسجام الكوميدي أو نحو التنافر التراجيدي. يقول هارلي غرانفيل باركر في عام 1930، وهو من بين أولئك الذين يرون في المسرحية تعبيرا كوميديا واضحا، “إنه لا توجد واقعية في شرط شايلوك” مستنتجا “أن المسرحية تنتهي نهاية سعيدة إضافة إلى شكلانيتها التي تقارب نهايات الحكايات الخرافية”. ويستمر النقاد في سوق الأدلة التي تعزز رأيهم في المسرحية ككوميديا مبتدئين بالزواج المتعدد التي تنتهي به المسرحية، فانتصار الرحمة على القانون منتهين بدحر الشخصية الشريرة الكوميدية والتقليدية شايلوك. طبقا لهذا الرأي – والكلام لماري كريغن – تمثل المسرحية واحدة من التناقضات البسيطة: اليهودي والمسيحي؛ القانون والرحمة؛ الشروط الزائفة والشروط الحقيقية؛ والبندقية وبيلمونت. (1)

بالنسبة لنا، من الصعب إيجاد أية كوميديا في الإذلال والسخرية والتحول القسري ليهودي ما، حتى إن العديد شعروا، في نهاية القرن التاسع عشر، أن المسرحية قد نجحت كتراجيديا أفضل منها ككوميديا. وفي كوميديات شكسبير البهيجة -تقول كريغن-. من “حلم ليلة في منتصف الصيف” إلى “كما تحبها”، يتحرك الحدث من المدينة إلى البلد ويعود إلى المدينة. فالعالم الأخضر هو مكان للصراعات التي تسببها الاضطرابات الاجتماعية ومكان لتطبيق القوانين القاسية للعالم المدني. (2) خلافا لهذا النموذج تنتهي تاجر البندقية في بيلمونت وليس في البندقية. هل هذا لأن عالم البندقية مظلم أو مزعج جدا أم أن التناقضات بين العالمين تبدو تناقضات زائفة، وأن بيلمونت، حالما يُحك السطح، لا تبدو بذلك الاختلاف الكبير عن البندقية؟ وهل تعبر الزيجات التي حدثت في بيلمونت عن مباريات حب أم أن بسانيو ولورنزو وغراشيانو—المسرفين في الماضي—يحمون رهاناتهم من مستقبل عصيب عبر تأمينهم الثروة من خلال الزواج؟ ربما كان هذا سببا وراء صمت بورشيا المتأمل في نهاية المسرحية؟ مثل تلك الأمور، إلى جانب رحيل شايلوك من قاعة المحكمة والحل الصعب في الفصل الخامس، جعلت من الصعب أن نتقبل قراءة بهيجة للمسرحية.

الساذج والإمبراطور

استعار شكسبير مصدرين في خلق تاجر البندقية، أحدهما يتعلق بقصة شرط اللحم البشري، والآخر يتعلق بمشاهد الصناديق. وقد استمد قصة رطل اللحم البشري مباشرة من مجموعة جيوفاني فيورنتينو “الساذج” التي نشرت في ايطاليا عام 1558، إذ يبدو العديد من عناصر حبكتها مألوفة لأولئك الذين يعرفون قصة شكسبير. وسيكون لزاما علي أن أورد مختصرا لحبكة “الساذج” حتى يتسنى للقارئ مقارنة التطابق الكبير بين الحبكتين الأصلية والمستلهمة:

(يسعى فينيسي شاب وراء امرأة غامضة وذكية وجميلة في مدينة بيلمونت عرضت نفسها وممتلكاتها على أول رجل يستطيع الفوز بها. لقد كان الشاب، جيانيتو، ابنا بالتبني لانسالدو وهو رجل ثري وهبه الثروة والسفينة اللتين يحتاجهما ليتمكن من نيل السيدة. أبحر إلى الجزيرة وكان جذلا بنيله السيدة التي دعته إلى الشراب قبل أن يذهب معها إلى الفراش. كان الشراب مخدّرا فسقط نائما في الحال. في محاولته الثانية اتخذت الأحداث نفس المسار. رجع جيانيتو إلى انسالدو الذي استثمر كل ثروته في خطوبة جيانيتو. ومن اجل محاولة ثالثة حاول انسالدو اقتراض المال من مرابي يهودي. فذهب جيانيتو إلى الجزيرة ونجح هذه المرة (بمساعدة من خادمة السيدة)، لكنه نسي أن يسدد شرط انسالدو في الوقت المقرر. والآن، المحسن انسالدو مدين لليهودي برطل من لحمه. أنقذت البطلة، التي تنكرت بزي محامي، الموقف بانتصارها على اليهودي مشيرة إلى أن قطع ذلك الرطل يمنعه من أن يسفك أية قطرة دم. كذلك اقنعت (المحامي) جيانيتو أن يعطيها الخاتم الذي قدمته إليه امرأته، ثم بصفتها امرأته ستهديه الخاتم عندما يعود إلى بيلمونت. عاد انسالدو مع جيانيتو إلى بيلمونت حيث تزوج الأول بخادمة السيدة التي ظهرت في قاعة المحكمة متنكرة بزي كاتب المحامي).

إن قصة رطل اللحم البشري الموجودة في صميم هذه الحكاية هي قصة قديمة نلفيها موجودة في تنوع النسخ المعاصرة، بما فيه “الواعظ” لـ ألكساندر سلفين- التي تتحدث هي الأخرى عن يهودي يريد أن يقتطع من أجل ديَنْه رطلاً من جسد مسيحي- التي ترجمت إلى الانكليزية للتو وقتئذ.

في قصة “الساذج”، لم يفز أحد بالبطلة إلا رجل نجح في قضاء ليلة معها، لأنها استخدمت نبيذا مخدرا لتجنب كل الخاطبين بما فيه البطل (إلى أن تم تحذيره في محاولته الثالثة ألا يشرب النبيذ). رفض شكسبير خدعة الفراش هذه، التي تجد جذورها في قصة اوديسس وسيرس، مفضلا استبدالها بقصة الصناديق الأكثر تعقيدا التي أخذها وعدلها من الترجمة الانكليزية لقصة (Gesta Romanorum) لـ ريتشارد روبنسون. حيث نجد في هذا المصدر أميرة تنجح باختيار بين صناديق الذهب والفضة والرصاص لكي تتزوج بابن الإمبراطور.

تتمتع الحبكتان بأبعاد انثروبولوجية وسايكلوجية عميقة أضافت تعقيدا ايجابيا للمسرحية. لقد فهم فرويد مشاهد الصندوق باعتبارها مثالا على الهزيمة الرمزية للموت ورغبة الموت قائلا: “بهذه الطريقة، يهزم الإنسان الموت فكريا، إذ لا يمكن تصور انتصار في تحقيق الرغبة أعظم من ذلك”. (3) بينما رأى آخرون في التهديد بقطع رطل من جسد المسيحي تهديدا بالختان أو بالإخصاء-وهذا ما نفهمه من السطور التي قالها اليهودي في قصة “الواعظ” عن قطع “الأعضاء الحميمة” للمسيحي. (ويجدر ملاحظة أنّنا لا نعلم قبل الفصل الرابع من المسرحية الشكسبيرية أن المكان الذي يريد شايلوك أن يقتطع منه اللحم هو بالقرب من قلب أنتونيو، كما يجب ملاحظة أن القديس بولس يقول بصدد العهد الجديد إن المسيحيين مختونون رمزيا”). كل هذا يوحي بأن عناصر الحبكة هي عناصر قديمة أعيد إثرائها لتعزيز افتتان المسرحية بالرغبة والتحول وتحقيق الرغبة.

في نهاية هذا المحور، سأختتم القول إن “تاجر البندقية” هي درس في التأليف الدرامي. إنها تشبه في حبكتها تلك التي للأفلام السينمائية الحديثة المكتوبة بطريقة بارعة لشدّ المشاهد، وفي رأيي إذا كانت هناك عبقرية تحسب لـ شكسبير في هذه المسرحية فهي تكمن في إلغاء الحد بين الكوميديا والتراجيديا. إنها خلق درامي أصيل.

  1. المحور الاجتماعي

من الصعب الفصل بين الجوانب الاجتماعية—الاقتصادية والجوانب السياسية لتداخلها الشديد وتأثير احدها على الآخر. مع هذا، يمكننا أن نميز ركائز أساسية يتطلبها هذا الجانب. أولى هذه الركائز هي العلاقات الاجتماعية الموجودة بين الجنسين، وثانيتها هي النظرة إلى الآخر.

لم يكن شكسبير ليتجاوز ذهنية عصره. هو عظيم، ولكن ليس في تجاوز قيم عصره (الاجتماعية والسياسية) بل في فهمه ومعالجته إياها في صورة درامية غاية في الروعة. لدينا ما يكفي من الأدلة على عدم تجاوز شكسبير لتلك القيم التي تبدأ من نظرته للأعراق المختلفة (الآخر) وتنتهي بنظرته للمرأة على الأقل في هذه المسرحية.

حب بلا مقابل

من الواضح أن شكسبير كان متأثرا بالقراءات النمطية للظواهر الاجتماعية والتاريخية والسياسية في وقته. كلنا يعرف شكل العلاقات العاطفية التي كانت تسود روما القديمة، فهي علاقات مثلية بشقيها الجنسي والاجتماعي. أسقط شكسبير تلك الأجواء الرومانية على مناخ مسرحيته الاجتماعي في البندقية والمتمثل بعلاقة أنتونيو وبسانيو، وتفاني الأول المطلق للثاني. يعبّر عن كآبته قائلاً: “In sooth I know not why I am so sad” (لا اعرف في الحقيقة لمَ أنا حزين جدا). هذا يعني أن أنتونيو يعاني من حب بلا مقابل لـ بسانيو، وهو كئيب لأن الأخير بلغ من العمر ما يجعله يفكر بالزواج من امرأة. وفي مسرحياته وشعره، غالبا ما يصور شكسبير روابط ذكورية قوية لأنواع متعددة من الهومو -اجتماعية (الاجتماعية المثلية) التي انطلاقا منها يستنتج بعض النقاد، ونحن منهم، أن بسانيو قد استعاد عواطف أنتونيو رغم التزامه بالزواج:

ANTONIO: Commend me to your honourable wife:
Tell her the process of Antonio’s end,
Say how I lov’d you, speak me fair in death;
And, when the tale is told, bid her be judge
Whether Bassanio had not once a love.
BASSANIO: But life itself, my wife, and all the world
Are not with me esteemed above thy life;
I would lose all, ay, sacrifice them all
Here to this devil, to deliver you. (4)

أنتونيو: أطْرِني عند زوجتك الموقرة:

          قل لها ما الذي أودى بأنتونيو

          قل لها كم أحببتك، إنصفني عندما تذكرني في موتي

          عندما تخبرها بذلك، ودَعْها تحكم

          إن كان بسانيو لم يحظ بالحب ذات مَرّة..

بسانيو: لكن الحياة ذاتها، وزوجتي، وكل العالم

        لا يساوي بالنسبة لي شيئا إزاء حياتك

        سأخسركل شيء بل سأضحي بكل ذلك

         إلى هذا الشيطان، هنا من أجل خلاصك

في مقالة له بعنوان (إخوة وآخرون) والتي نشرت في كتابه The Dyer’s Hand يصف أودن أنتونيو “كرجل تتركز حياته، رغم أن سلوكه قد يكون عفيفا، على شخص من نفس جنسه”. (5) إن مشاعر أنتونيو لبسانيو تشبه ذلك الدوبيت (مقطع شعري مؤلف من بيتين) من سوناتة لـ شكسبير يقول فيه:”But since she pricked thee out for women’s pleasure,/ Mine be thy love, and my love’s use their treasure.” (ولكن بما أنّها زرعت فيك متعة النساء،/فلتكن متعتي أن أحبّك، وليكن حبّي وسيلة لهن). يجسد أنتونيو -والقول لأودن- الكلمات المكتوبة على صندوق بورشيا المصنوع من الرصاص: “من يختارني، عليه أن يخاطر بكل ما يملك”. ويحتمل أن أنتونيو قد أخذ هذا الدور المصيري لأنه يائس، ليس نتيجة خسارته بسانيو في الزواج، بل لأن بسانيو لا يستطيع أن يبادل أنتونيو مشاعر الحب نفسها التي يكنّها له. إن تفاني أنتونيو المحبط هو شكل من أشكال الحب الوثني (الحب الأعمى): لقد تم التنازل عن حق العيش من اجل حق الحبيب. وثمة محب وثني آخر في المسرحية وهو شايلوك نفسه. فالأخير، رغم عدم وعيه، يخاطر بكل شيء من اجل تدمير العدو الذي يمقت، وأنتونيو، الذي وقّع العقد بدون تفكير، خاطر بكل شيء لتأمين سعادة الرجل الذي يحبّ. وبهذا يقف كل من أنتونيو وشايلوك، وهما اللذان يتفقان على وضع حياة أنتونيو قيد الرهن، خارج الحدود الطبيعية للمجتمع. فأنتونيو يعبد الحب، أما شايلوك فيعبد الكره.

هناك من يشكك في قراءة أودن لعلاقة أنتونيو ببسانيو كعلاقة جنسية. فقد فسّر مايكل رادفورد، المخرج السينمائي الذي اخرج نسخة 2004 وهي من بطولة آل باتشينو، الأمر قائلا: بالرغم من أن الفيلم يحتوي على مشهد يقبّل فيه بسانيو أنتونيو، إلا أن الصداقة بين الاثنين تعتبر أفلاطونية، وذلك تماشيا مع ما كان سائدا من علاقات ذكورية في وقتهما. من جانبه، اتفق الممثل الانكليزي جيريمي ايرونز الذي جسّد شخصية أنتونيو مع المخرج قائلا: “لم أجسد شخصية أنتونيو كهومو (مثليّ)”. أما الانكليزي الآخر جوزيف فاينز، الذي لعب شخصية بسانيو، فاتخذ لنفسه فهما آخر في تأدية الشخصية عندما لعبها كشخصية مثليّة وفاجأ جيريمي ايرونز في موقع التصوير بقبلة التي صوّرت مرة واحدة فقط. دافع فاينز عن خياره قائلا: “لم اجتهد في شيء أبدا إلا بعد أن بذلت جهدا في تفحص النص. فأنت لو نظرت إلى خيار اللغة….فإنك ستقرأ لغة حسية صارخة. كان ذلك بالنسبة لي هو المفتاح الرئيسي في العلاقة. فالشيء العظيم لدى شكسبير وفي الصعوبة البالغة في فك رموزه هو غموضه. إنه لا يقول إنهما هومو أو غير هومو، بل هو يترك الخيار لممثليه. ولهذا أنا اشعر أن ثمة حبا عظيما بين الشخصيتين…وانجذاباً كبيراً. فأنا لا اعتقد بأنهما مارسا الحب معا ولكن يبقى هذا الخيار للجمهور ليقرر فيه”. (6)

شارب بورشيا

تعترض ماري كريغن على وضع المرأة في المسرحية قائلة: لماذا يتوجب على كل امرأة في المسرحية أن ترتدي لباس رجل حتى تحقق رغباتها؟ وكيف أصبحت النساء الحيويات في المشاهد الأولى خاضعات أو صامتات في النهاية؟ ولماذا تنتهي المسرحية بنكتة غراشيانو البذيئة بخصوص نيريسا؟:

Let it be so: the first inter’gatory

That my Nerissa shall be sworn on is,

Whether till the next night she had rather stay,

Or go to bed now, being two hours to day:

But were the day come, I should wish it dark,

That I were couching with the doctor’s clerk.

Well, while I live I’ll fear no other thing

So sore as keeping safe Nerissa’s ring (7)

فليكن إذن. السؤال الأول الذي سيكون على

عزيزتي نبريسّا أن تقسم اليمين عليه هو،

ما إذا كانت تفضل الانتظار حتى الليلة التالية،

أم الذهاب إلى الفراش فوراً، قبل طلوع النهار بساعتين:

بحيث يكون عليّ أن أتمناه معتما

كي يتسنى لي مضاجعة كاتب المحامي.

حسناً، أخشى أنني لن آسف على شيء

ما دمت حياً أسفي على أنني أبقيت

على خاتم زواج نيريسّا مصوناً.

بالنسبة لي، تقول كريغن: لم أتأثر يوما بحجج الحركة النسوية التي تحاول إسقاط الماضي على الحاضر، واعتبرها حججا مجرّدة (غير صحيحة). في هذه الفقرة نحن لا نحاول انتقاد شكسبير على تناوله المرأة بهذا الشكل بقدر ما نحاول أن نستكشف من خلال ذلك التناول شكل العلاقات الاجتماعية بشكل عام، وأوضاع المرأة بشكل خاص، في ذلك الوقت.

ففي مجتمع يحكمه الإقطاع، تكون العلاقات مبنية على أساس ديني. وهذا قانون كأي قانون علمي طبيعي آخر. فلا حياة للإقطاع خارج حدود نظام التراتبية الدينية التي تُصاغ وفقها التراتبية الاجتماعية. إن الإقطاع ليس نظاما اقتصاديا كما ذهب العديد بل هو نظام اجتماعي كان يمسك بالمجتمع الأوربي من رأسه إلى أخمص قدميه. من جانبه، يشّرع الدين الملكيات الاقتصادية المتمثلة بالإقطاعات، والملكيات الاجتماعية المتمثلة بالعلاقات الاجتماعية. ويملك الإقطاعي الأرض (ملكية اقتصادية) وكل ما عليها من “أشياء”، بما فيه المزارعون الموجودون عليها (ملكية اجتماعية). إنه يملك الأرض والمُزارع، أو بمعنى أدق إنه يملك قوى الإنتاج إضافة إلى علاقات الإنتاج: فالأرض، وهي أداة إنتاج رئيسية في النمط الزراعي، ومعها قوة عمل المُزارع، قوى إنتاجية. أما المُزارع وعلاقته بالأرض وبالمزارعين الآخرين فتشكل علاقات إنتاجية. تنتج هذه العوامل في النهاية نمط الإنتاج في حقبة تاريخية معطاة. وهو نمط كان زراعيا في ذلك الوقت (وقد أخطأ ماركس في اختزال كل النظام الإقطاعي فيه).

إذن، كان البشر في ذلك الوقت مملوكين كلّيّاً ومسلوبي الإرادة بالكامل. وهذا يشمل الجنسين. وفي مجتمع تراتبي كهذا، تلعب الأبوية الدينية الدور الرئيسي في تشريع قوانين العيش والسلوك. فرجل الدين، وهو الإقطاعي الأكبر، في أعلى الهرم يليه الفارس الإقطاعي ثم المالك الارستقراطي إلى آخر السلم الذي ينتهي بالمزارع (المُقطع) الذي لا يملك شيئا حتى جسده. وفي هذا المخطط يصعب تحديد موقع المرأة: هل هي في آخر السلم أو غير موجودة فيه أصلاً؟ إنها ملكية ضمن ممتلكات الإقطاعي، يحدد حركتها الاجتماعية والفيزيائية نص كنسي تفرضه القوة العارية للسلطتين الكنسية والملوكية. فغيابها الاجتماعي مدستر كنسيا وكذلك حضورها الفيزيائي.

كان شكسبير يعيش في ذلك المناخ، وإن كان في نهايته، عندما كتب تاجر البندقية. هو يصور نساء عصره كما يراهن في بلاطات الملك أو في مزارع الإقطاعي. لم يصور شكسبير في مسرحيته شخصية نسائية من خارج الطبقة الارستقراطية التي تتمتع بكل الامتيازات إزاء أولئك الذين لا يملكون. ومع ذلك جاء تصويره قاسيا ليس لسبب ذاتي بل لأن ذلك كان الواقع الذي كانت ترزح تحت وطأته النساء في وقته. حيث ثمة مفارقتان، الأولى هي أن شكسبير، كما أظن، بذل قصارى جهده لتصوير بطولة نسوية تشارك الرجل بطولاته الإقطاعية، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لرسم صورة بهيجة، حتى على المستوى الدرامي، للمرأة في العصر الإليزابيثي.

أما المفارقة الثانية فهي أن في داخل تلك التراتبية الإقطاعية الدينية (وهي تراتبية طبقية واجتماعية وسياسية) توجد تراتبية جنسية في طبقة المُزارعين نفسها (المُقطعين)، حيث الرجل هو السيّد في المجتمع الكلي، من حيث حركته الفيزيائية، وسيد اجتماعي في المجتمع الجزئي (طبقته الخاصة) إذ ترزح المرأة تحت ضغطه النفسي—الاجتماعي والعملي أيضا. إنها شبكة معقدة من السلطات الاجتماعية لا نراها اليوم إلا في المجتمعات المتخلفة ومنها مجتمعاتنا العربية (خصوصا عراق ما بعد 2003) والمجتمعات المسلمة كافة التي تعاني من إقطاع ديني (وليس طبقيا بالمعنى الحرفي للإقطاع) متواصل سمح بظهور الدين السياسي الذي يشرّع بدوره الغياب التام للحريات بشكل عام وحرية المرأة بشكل خاص.

إذن، لا عجب أن بورشيا تتنكر بزي محام رجل لتنقذ أنتونيو؛ وغراشيانو يطلق مزحته السخيفة التي تختزل دور المرأة في الوظيفة الجنسية؛ ونيريسا تتنكر هي الأخرى بزي كاتب المحامي لتساعد سيدتها بورشيا. فرجل الدين هو سيد الفارس، وهذا سيد الارستقراطي، وهذا سيد التاجر، وكل هؤلاء أسياد المُزارع المُقطع (القن)، أما هذا الأخير، باعتباره الأكثر وضاعة على سلم المراتب، لكن كرجل، فهو سيد جميع النساء في المجتمع الإقطاعي. إنها معادلة مضحكة وكانت لتكون خيالية لولا وجود مصاديقها في مجتمعاتنا الحالية.

في النهاية، إن كان لابد لشكسبير أن يلام على شيء فهو لا يلام على تصويره هذا لوضع المرأة في وقته، بل في عدم قدرته على تصور وضع بديل أفضل تعيش فيه المرأة من الناحية الدرامية، كذلك عدم قدرته على استشراف المستقبل الذي كانت بوادره حاضرة أمام عينيه؛ تلك البوادر التي تمثلت في قدوم البديل التجاري الذي حمل معه قيما جديدة لم تصنع فقط مكانا مثاليا للمرأة في المجتمع بل صنعت مكانا للمجتمع بأسره في نظام حرية متعدد المستويات يليق بالنوع الإنساني: الديمقراطية.

  1. المحور السياسي

إن موضوع المسرحية السياسي، الصراع الديني، هو غاية في الأهمية لأنه حاضر في التاريخ الحديث وبقوة كواجهة أيدلوجية للصراع السياسي، بل أن الصراع الديني—العرقي هو الذي يوجه السياسة في أيامنا هذه، خصوصا في المناطق الملتهبة كالشرق الأدنى. فالسياسة على طول تاريخها كانت مصبوغة بالدين ومغلفة به أو بعبارة أخرى يقع الدين في صميم السياسة، بل حتى عندما تريد الأخيرة أن تنفصل عنه فهي تتخذه كنقطة انطلاق في نفيه. لذلك نحن نعتبر أن الصراع الديني هو واجهة للصراع السياسي الذي يوظف كل أشكال الصراع في سبيل أن يضفي شرعية على بقائه واستمراره.

شايلوك في المسألة اليهودية

يندرج تناول شكسبير لمسألة شايلوك ضمن المسألة اليهودية التي كانت محتدمة في وقته بسبب التوترات السياسية—الدينية بين المسيحية واليهودية التي ترجع أصولها إلى الحملات الصليبية في القرن الحادي عشر. في هذه الفترة حدثت سلسلة من الاعتداءات على اليهود من ضمنها، وليس أكبرها، المجزرة الشهيرة في لشبونة بالبرتغال في 1506 عندما هرعت الغوغاء المسيحية لقتل 500 من المسيحيين الجدد (اليهود الذي تحولوا للمسيحية بالقوة). وبالتالي يتناول شكسبير تلك المسألة ضمن الإطار المعرفي والثقافي والسياسي للذهنية المسيحية آنذاك. وهي ذهنية، كأي ذهنية دينية أخرى، تكفيرية. فهو يفترض كالآخرين أن المشكلة في المسألة اليهودية تكمن في الدين اليهودي، فإن لم يتحول اليهود إلى مسيحيين، وهو الذي حدث في أوروبا كثيرا ما بين القرن الحادي عشر والقرن السادس عشر، والذي يحدث مع شايلوك في الحل النهائي للمسرحية، فهم لن يجدوا الخلاص في الحياة الدنيا والآخرة. تأثراً بـ (يهودي مالطا) لكريستوفر مارلو، يسبح شكسبير في الأجواء الإليزابيثية التي تفرض ذائقتها الاجتماعية-السياسية على الكتاب المسرحيين الذين لا ينفكون يقدمون أعمالا لا تثير بعض النوازع عند الجمهور كما يعتقد البعض، بل أن تلك الأعمال هي انعكاس لتك النوازع نفسها.

إن شكسبير، مثل أي مسيحي آخر، لا ينظر إلى اليهود كأعضاء في المجتمع، بل على العكس من ذلك، يعتبرهم أعداء المجتمع وممثلين للجانب اللا أخلاقي من الرأسمالية، وكأن هناك رأسمالية أخلاقية أصلا. فهو لم يكن يفكر بشكل مادي (لا ديني) بنظرته وبمعالجته للقضايا السياسية في وقته بشكل عام وللمسألة اليهودية بشكل خاص. لكن هناك بعض النقاد، ومن ضمنهم ميلاني لونغ، الذين يحاولون أن يخلوا ساحة شكسبير من الخطأ بإشارتهم إلى أن شخصية شايلوك لم تكن تمثل اليهود، بل كانت تمثل الرأسمالية النامية آنذاك. بالنسبة لنا، هذه نقودات ضعيفة تسقط حالما نقرأ نص المسرحية بشكل دقيق عندما يعبر شكسبير عن ميله لتصوير الصراع الديني في الفصل الرابع قائلا على لسان أنتونيو:

ANTONIO I pray you, think you question with the Jew:

You may as well go stand upon the beach

And bid the main flood bate his usual height;

You may as well use question with the wolf

Why he hath made the ewe bleat for the lamb;

You may as well forbid the mountain pines

To wag their high tops and to make no noise,

When they are fretten with the gusts of heaven;

You may as well do anything most hard,

As seek to soften that—than which what’s harder?—

His Jewish heart: therefore, I do beseech you,

Make no more offers, use no farther means,

But with all brief and plain conveniency

Let me have judgment and the Jew his will.(8)

أنتونيو: أرجوك أن تتذكّر أنك إنما تجادل يهوديا.

وهو ما يماثل وقوفَك على ساحل البحر

طالبا من المدّ ألاّ يبلغ ارتفاعَه المألوف،

أو سؤالَك الذئبَ لِمَ تَسبَّبَ في بكاء النعجة على الحمل،

أو تحذيرَك لأشجار الصنوبر الجبلية من أن تهتزّ رؤوسها

أو أن يصدر حفيف منها إذا هبّت عليها عواصف السماء..

بوسعك أن تنهض بأي أمر مهما بلغت صعوبته إلا أن ترقّق

من قلبه اليهودي الذي لا يعادله قلب في قسوته.

ولذا فإني أتوسل إليكم ألا تبذلوا أي جهد آخر،

وألا تلجأوا إلى أية وسيلة أخرى، وأن تختصروا الإجراءات

وتصدروا مباشرة حكمكم عليّ، حتى ينال اليهودي غرضه.

نعرف من خلال هذا الحوار أن شكسبير لا يعمد إلى أن يرمز من خلال شايلوك إلى رأس المال كما يقول النقاد، بل انه أراد أن يدمج الغايتين في شخصية واحدة: سوء اليهود وسوء الرأسمالية كأنّ الاثنين وجهان لعملة واحدة. في رأيي هذا الدمج ينطوي على خطأ وإجحاف كبيرين، ليس بحق الرأسمالية، بل بحق اليهود، لأن شكسبير يعتبر أن اليهود ليس لهم حَلّ، وهم مفطورون على الشرّ، وهذه قراءة ساذجة. من جانبها تقرأ جانيت اديلمان “تاجر البندقية” في كتابها “علاقات الدم” قراءة دينية في سياق الصراع الديني بين المسيحية واليهودية، وترى أن هروب جسيكا، ابنة شايلوك، وتحولها إلى المسيحية إنما يقعان في سياق طبيعة وثقافة الدين اليهودي. أما كلفورد شتيرنر فيقول إن “تاجر البندقية” (وكل الأعمال التي كتبت بعد الإصلاح الديني ومن ضمنها “هاملت”) هي إحدى نتائج التوترات السياسية-الدينية التي حدثت بسبب الإصلاح البروتستانتي في أوروبا في القرن السادس عشر.

لا أتفق مع القراءتين. فالأولى قراءة بنيوية لاهوتية تتعلق بالدين اليهودي كبنية بعيدة عن العلاقات الخارجية التي تربط الدين بغيره من البنى، أما الثانية فهي تشبه الأخرى في موضوعها الديني الذي يلمح إلى أن اليهودية بحاجة هي الأخرى لإصلاح ديني حتى تصبح مثل المسيحية. إن هذا الخطأ وقع فيه الكثير من النقاد في مناقشة المسألة اليهودية أبرزهم برونو باور في كتابه الذي يحمل نفس العنوان “المسألة اليهودية”. فاختزال هذه المسألة في طبيعة الدين اليهودي وحده هو محاولة أولاً لتبرير النظام المسيحي (ليس برونو باور بل غيره من قرأها بهذا الشكل). وثانياً إغفال دور الجوانب الأخرى من المسألة، وهذا ما فعله باور وكذا ماركس. إن المسالة اليهودية شائكة جدا وتتشابك خيوطها في أكثر من مستوى لذلك يتطلب حلها اجتماع عدة عوامل أهمها السياسة والاقتصاد (باور وماركس) وأبعدها وأكثرها تضليلا هو اللاهوت. فالدين، إن لم يكن بنية، ليس مسألة لاهوتية بل هو مسألة سياسية يتطلب التعامل معها التنسيق بين السياسة والاقتصاد.

في سياق مناقشة المسألة اليهودية يقول باور إن المشكلة الرئيسية تكمن في الدين اليهودي. فإن لم يتنازل اليهود عن بعض تعاليمهم الدينية لا يمكنهم تحقيق الانعتاق السياسي. رغم فقر هذا التفكير، وهو الذي كان سائدا أيام شكسبير، يأتي باور في سياق مناقشة تلك المسألة برأي سديد جدا يتعلق بالدين وعلاقته بالدولة. “فالانعتاق السياسي-والكلام لباور-يتطلب دولة علمانية لا تترك أي مجال للهويات الاجتماعية كالدين. فهذا الأخير لا يتوافق مع فكرة حقوق الإنسان. لذلك علينا أن نلغي الدين”. إنه رأي في غاية الأهمية في تأسيس النظام السياسي على أساس المساواة المدنية والمواطنة. تأتي أصالة باور في هذه القراءة من اعتباره الدين كهوية اجتماعية لا تنسجم مع الانصهار الاجتماعي الذي تريد الدولة العلمانية تحقيقه. فهذه الأخيرة تكتسب صفتها من نفي الدين داخل هويتها. إلاّ إنها الوحيدة التي تقف في تقابل تام مع كل المجتمع ككتلة واحدة وليس كهويّات مجزأة، وإلا ستنعدم المساواة ويصبح التمييز على أساس الدين والمذهب. وبذلك تفقد الدولة العلمانية اسمها الذي يمثل صفتها: العمومية. وبهذا باور محق في رأيين: أولاً تعريف الدين كهوية اجتماعية، وثانياً إقصاؤه من الحياة السياسية. ولكنه بالمقابل يخطىء في رأيين :أولهما اعتبار الدين اليهودي دينا مختلفا عن باقي الأديان، وثانيهما محاولته إلغاء الدين تماما، فهذا كما يقول ماركس رأي مجرّد.

أما ماركس، من جهته، فيعترض على حجج باور في تحليله وتناوله لتلك المسألة بقوله إن الدين اليهودي ليس هو المشكلة، بل ليس مشكلة أصلاً، لأنه ليس سوى انعكاس روحي لحياة اليهود الاقتصادية. إنه رأي سديد أيضا كرأي باور في إلغاء الدين سياسيا. إن نص “في المسألة اليهودية” هو من النصوص الأيدلوجية لماركس الذي يحاول مهاجمة الدولة المسيحية وانتقاد سياساتها. وفي رسالة له إلى ارنولد كتبت في آذار 1843 يقول إنه ينوي أن يدعم عريضة قدمها اليهود إلى الجمعية الإقليمية، وهو يشرح أنه رغم كرهه لليهودية كدين إلا أنه يبقى غير مقتنع بحجج باور. ويوضح أيضا في الرسالة بأن دعمه للعريضة إنما هو دعم تكتيكي بالدرجة الأولى لتعزيز جهوده لإضعاف الدولة المسيحية. أي دولة مسيحية يقصد ماركس؟ إنها الدولة الليبرالية. بالنسبة لي، إن النقاش الدائر بين باور وماركس حول المسالة اليهودية ليس نقاشا لاهوتيا يتناول طبيعة الدين اليهودي، بل هو نقاش سياسي يدور حول وظيفة الدولة وبالتالي طبيعتها، إنه نقاش بين الليبرالية والشيوعية. الأولى تدافع عن الحقوق المدنية وتسعى إلى الانعتاق السياسي عبر إلغاء الدين بصفته هوية اجتماعية تعيق الاندماج الاجتماعي- السياسي، وتأسيس نظام حقوقي يساوي بين الأفراد في المجتمع (مواطنين متساوين أمام القانون التي تمثله الدولة العلمانية). أما الثانية فتنتقد تلك الحقوق وتعتبرها عبودية من نوع آخر وتسعى بدورها لتجاوزها عبر تحقيق الانعتاق الاقتصادي ليصبح المجتمع متساويا ليس أمام الدولة بل أمام نفسه لأن الدولة ستذوب فيه كأي طبقة مالكة أخرى.(9)

ما نفهمه من هذا هو أن ماركس في نصه إنما يفكر ويكتب بشكل سياسي محض (أيديولوجي)، مهملا الجوانب الصحيحة في حجج باور، لأنه لا يريد أن يصادق على أي من هذه الآراء التي يعتبرها تعزز الدولة الليبرالية (المسيحية) آنذاك. ولكننا نرى في هذا عور في رسم صورة كلية للحقيقة في ما يتعلق بالمسألة اليهودية التي تتطلب في نظرنا اجتماع الحلّين الذين قال بهما باور وماركس. الأول يخطىء بإهماله الحل الاقتصادي والثاني يُخطىء في إهماله الحل السياسي الذي يتعلق بطبيعة الدولة وعلاقتها بالدين. فهما مخطئان بتجزئة الحل واختزاله. وهذا ما فعله النقاد عندما حاولوا تجريد المسرحية من طابعها السياسي-الديني مختزلين إياها بالقراءة الطبقية التي نتحفظ عليها. إن ما يجعلنا نؤكد على أهمية الصراع الديني في المسرحية هو أن الطرفين المتصارعين (شايلوك وأنتونيو) منسجمان طبقيا إذ هما لا يختلفان على المستوى الاقتصادي-الطبقي بقدر ما يختلفان ثقافيا ودينيا وعرقيا. صحيح أن البنية الاقتصادية تهيمن على باقي البنى الأخرى، لأنها بنية لا شعورية، إلا أن تلك البنى (الثقافية والدينية والعرقية والسياسية) تتصدر المشهد لهذا نرى أن الصراع يأخذ مظهرا سياسيا صارخا متمظهرا بأثواب دينية وثقافية وذلك لأن الدين كما قلنا يقع في صميم السياسة. وهكذا كان شكسبير ينظر إلى الرأسمالية النامية في وقته على أنها فساد أخلاقي وسياسي في المجتمع الإليزابيثي الانكليزي، وذلك لأنه يتناول طبقة اجتماعية واحدة بحكمين أخلاقيين مختلفين: رأسمالي خيّر (أنتونيو) ورأسمالي شرير (شايلوك). في رأيي كان شكسبير موفقا في تناولاته السايكولوجية في مسرحياته الأخرى وهي الأعظم على الإطلاق كمسرحيتي (“اوثيلو” و”هاملت”) منه في تناولاته السياسية. وهذا سبب خلود الحبكات الشكسبيرية المذكورة لأنها مبنية على موضوع سايكولوجي تمّت معالجته بطريقة أدبية بارعة إذ أن من أهم صفات ذلك الموضوع (السايكولوجي) الثبات. فالذات هي الذات، على الأقل في فترة تاريخية معينة تشترك بنفس الخصائص الحضارية والاجتماعية والاقتصادية؛ تلك الفترة (آخر 500 سنة) التي تعتبر في سياق التاريخ قصيرة نسبيا.

أخيرا، نظرا إلى الظروف التي نعيشها اليوم نتيجة التقاتل الديني والمذهبي، نحن بحاجة أكثر إلى حل باور الذي لا ينطبق فقط على المسألة اليهودية بل هو مفهوم واسع ينطبق على كل أشكال الدول التي تريد أن تدمج الدين بالسياسة. يستمد رأي باور أهميته البالغة اليوم حيث يمثّل استخدام الدين في السياسة عقبة حقيقية في بناء الدولة العلمانية التي تضمن كلّ أشكال الحريات الاجتماعية وتحترمها، بما فيها الدين نفسه (لأن الدين ليس سوى ممارسة اجتماعية) والحريات الفردية التي نفتقدها في عالمنا العربي في اللحظة الراهنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

  1. Mary Cregan: Reading The Merchant of Venice.
  2. Sigmund Freud: The Theme of the Three Caskets.
  3. The Merchant of Venice, Act IV, Scene I. قمت بترجمة هذا الحوار بنفسي لأني اعتبر أن كل الترجمات غير دقيقة بسبب محاولة المترجمين تخفيف النزعة المثلية فيه ليعطوه بدلا من ذلك نزعة الصداقة الخالصة.
  4. H. Auden: The Dyer’s Hand, Brothers and Others.
  5. Reuters:“Was the Merchant of Venice gay?”ABC News Online, 29 December 2004. Retrieved on 12 November 2010.
  6. The Merchant of Venice, Act V, Scene I.
  7. هذا الاقتباس، وكل الآراء الواردة التي تشير إلى الكاتب في هذا المقال، هو من دراسة لنا تحت التأليف بعنوان “بحث في الدولة”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  1. Harold Bloom (2010):Interpretations: William Shakespeare’s The Merchant of Venice. New York.
  2. Janet Adelman(2008): Blood Relations:Christian and Jew in The Merchant of Venice. University Of Chicago Press.
  3. Melanie Long: Merchantry, Usury, Villainy: Capitalism and the Threat to Community Integrity in The Merchant of Venice.
  4. Clifford Stetner: The Protestant Reformation According to Launcelot Gobbo.
  5. Bruno Bauer: The Jewish Question.
  6. Karl Marx: On the Jewish Question.

عن علاء هاشم

كاتب ومترجم من العراق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>