الرئيسية / هذا العدد / “الدولة” لم تسقط سهواً

“الدولة” لم تسقط سهواً

Print pagePDF pageEmail page

tariklogo

ترجو “الطريق” ألّا يرى قارئها غضاضة في أن تفتتح عددها هذا بتصويب واعتذار، مع أنّ أعراف الصحافة، بل وقوانينها، تقضي بـإدراج التصويبات والاعتذارات في الموقع نفسه، من تبويب وتنفيذ الصحيفة أو المجلّة، حيث يكون قد وقع، في عدد سابق، قصداً أو سهواً، ما اقتضى التصويب، مع الإعتذار طبعاً، وحتّى لو كان “الخطأ” لا يخفى على “القارئ اللبيب”.

خلاصة الأمر أنّ “الطريق” نشرت في عددها الأسبق (رقم 11، خريف 2014) مداخلات من الندوات الفكريّة التي انعقدت في مبنى الأونسكو في بيروت، بمناسبة الذكرى السنويّة التسعين لتأسيس الحزب الشيوعي اللبناني، ومنها ندوة عنوانها “نحو دولة ديمقراطيّة علمانيّة: قوانين أساسيّة”، قدّم فيها الباحث المدقّق الدكتور جاك قبانجي مداخلة شفهيّة حرصت “الطريق” على ضمّها للملفّ المكرّس للذكرى في العدد المذكور، نظراً لكونها تطرح قضيّة محوريّة في النقاشات التي أثيرت خلال التحرّك اللبنانيّ الواسع في سياق “الربيع العربيّ” ما قبل تلاشي وهجه، واتّخذ شعارُه في لبنان صيغة “الشعب يريد إسقاط النظام الطائفيّ”. لكن الشعار اصطدم بمسألة وصف البديل المطلوب للنظام السياسيّ الطائفيّ: أيكون “علمانيّاً”؟ أم “مدنيّاً”؟ وخمد التحرّك كأنّما نتيجة انفصامه بين الصفتين. وكان من الواضح في الندوة أنّ د. قبانجي يناقش من عنوانها ومن تقديمها شعار “الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة”، مفضَلاً صفة “المدنيّة”. وبعد الندوة زوّد د. قبانجي المجلّة بـ”الصيغة المكتوبة للمداخلة الشفهيّة”، تحت عنوان [حول شعار “الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة” وضرورة استبداله بـ “الدولة الديمقراطيّة المدنيّة”]، فتمّ نشرها تحت العنوان الذي صاغه قلم التحرير كما يلي: [ “الديمقراطيّة المدنيّة” بديلاً لـ”الديمقراطيّة العلمانيّة”]. وقبل دفع هذا العدد إلى المطبعة، إتّصل د. قبانجي معبّراً عن استيائه من، واحتجاجه على صيغة العنوان نظراً لكونه يُسقِط من الشعار كلمة “الدولة”، الأمر الذي يوحي بأنّ نصّ المداخلة المكتوبة يناقش قضيّة “الديمقراطيّة”، في حين أنّه يتركّز حول مسألة “الدولة” تحديداً.

قد لا يكون كافياً هنا، محواً للإساءة الواقعة، توضيح أنّ القارئ الإفتراضيّ الذي يمكن أن يسيء فهم قصد الكاتب، هو القارئ الذي يمكن أن يصرفه عنوان النصّ عن قراءة النصّ، فيفوته أنّ كلمة “الديمقراطيّة” هنا ليست إسماً، إذ أنّها صفة لـ”الدولة”، كما في عنوان الندوة الذي يثبته النصّ، وبالتالي كما في العنوان الذي ارتآه قلم التحرير للنصّ، حيث جاءت عبارة “الديمقراطيّة العلمانيّة” بين مزدوجين كصفة لـ”الدولة” الإسم، مقتطعة من عنوان الندوة. وعليه، لا غضاضة من التصويب والاعتذار.

***

الواقع أنّ ما حكم هذه الإطالة في “التصويب”، هو أنّ النصّ نفسه ينفتح على مسائل تستحقّ التوقّف عندها، إبتداءً من التشديد على محوريّة مسألة الدولة في النقاش السياسيّ الدائر، وقد بات من المكابرة عدم الاعتراف بأنّها لبّ الأزمة التي يتخبّط فيها النظام السياسيّ الطائفيّ. ولا حاجة للتأكيد على أنّ المفاضلة بين صفتيْ “العلمانيّة” و”المدنيّة” تبقى جدلاً عقيماً إذا لم تستهدف توحيد قوى التغيير حول معنى الديمقراطيّة صفةً للدولة البديل، ونظاماً سياسياً نقيضاً للنظام السياسيّ الطائفيّ. كذلك لا يمكن إلاّ الإتفاق مع ما يؤكّده د. قبانجي من أنّ “الرأسمال”:

“لا يمكن اعتباره حاملاَ لمشروع ‘‘الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة‘‘ طالما أنّ القوى التي يمثّلها، خارجيّاً ومحلّيّاً، تجد في “الديمقراطيّة والعلمانيّة” كابحاً لتوسّع هذا الرأسمال. ويتمثّل هذا الكابح أساساً بالقيود السياسيّة والرقابيّة التي تستدعيها الديمقراطيّة من جهة أولى، وبمواجهة الدِّين التي تفترضها “العلمنة”. فلماذا يخاطر إذاً بموقعه السائد إقتصاديّاً مقابل كوابح تهدّد ربحيّته و “حرّيّة” أدائه خارج القيود والرقابة؟”

وفي هذا الصدد يتحدّد اختلاف النظامين السياسيّين، القائم المهترئ والبديل المرتجى، اختلافاً يتعدّى شكليّات “الديمقراطيّة” التي يراد لها أن تكون صفة للنظام السياسيّ الطائفيّ، إن لم يكن بالتضليل فبالقمع والإرهاب. وفي هذا الإطار يجري التمييز بين “دولة” و”نظام” ليكون تمثيل تغييب “الدولة”، كما كان الأمر إبّان الحرب الأهليّة وكما لا يزال في الصراع الأهليّ البارد (الطائفيّ)، وسيلة لفرض استدعائها، مع كلّ ما تقتضيه “اللعبة الديمقراطيّة” من واقعيّة في التمثيل تجعل ديمومة “النظام” رهناً بأزمته.

تبقى المفارقة هنا أنّ القناعة السائدة حول فساد النظام، لا تنفصل عن الإيديولوجيّا السائدة التي تعيد الفساد المعترَف به إلى “الشعب”. وفي هذه الدوّامة يبدو “الشعب” كما لو أنّه يمثّل ضعفه كي لا ينجرّ إلى صدام لا يسمح به ميزان القوى، في ضوء تجارب التاريخ المختزنة في الثقافة الشعبيّة. ولا يكفي هنا أن تتحولّ القوى السياسيّة التي تعتبر نفسها طليعة “الشعب” إلى الوعظ بأنّ النظام الطائفيّ هو نظام الطغمة الماليّة. فالشعب يعرف ذلك، ولن تكون حصيلة الوعظ أكثر من تخبّط “الطليعة” في أزماتها، طالما أنّها تستبدل بالوعظ النضال الديمقراطي، مثبتة عمليّاً، مع الناس الأحياء، أنّها لا ترى في “العلمنة” وفي مواجهة الطائفيّة ما يعتبره الرأسمال فيهما مواجهة للدِّين.

ذلك أن الشعب يدرك أن “الدولة” لا تسقط سهواً.

 

الياس شاكر

عن الياس شاكر

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>