الرئيسية / غير مصنف / حوار مع المؤلف الموسيقي أسامة الرحباني… عن الفنّ وراهنٍ ملتبس وأسئلةٍ تضجّ به

حوار مع المؤلف الموسيقي أسامة الرحباني… عن الفنّ وراهنٍ ملتبس وأسئلةٍ تضجّ به

Print pagePDF pageEmail page

20130219_10

حاورتْه: هالة نهرا

هالة نهرا، الكاتبة والناقدة والباحثة في انواع الموسيقى وجديدها، تحاور هنا المؤلف الموسيقي أسامة الرحباني في رؤاه السياسية الاجتماعية وحديده في التأليف الموسيقي والمسرحي.

الحرّية تتقدّم على الحبّ عنده، والموت يمثّل الحرّية المطلقة حيث يذهب الإنسان وحيداً مُعرًّى من الحبّ. تنتصر أعماله للحياة والإنسان، وتفنّد واقعاً متآكلاً لا تغلبه سوى الأحلام، يرتوه الفنّ حين يرشح روبة الذاكرة وتنزّ من عصارها ظلالنا. ليس رحبانيّاً تماماً مع أنّه رحبانيّ. تمرّد على الأخوين، على منصور تحديداً، وحاك رؤيةً فنّيةً مغايرة تُمثّل استكمالاً رغم اختلافات بيّنة تكتنفها. مسرحي وموسيقي عنيد يتسلّح بمواقف تجاه الواقع والوجود. واقعيّته لم تقوَ على محو رومانسية ثورية تحفر فيه، ويحفر لها، عنها. متعدّدٌ هو. صاخب. متأمّل. جارف. يحدّثك عن الموسيقى والمسرح وراهنٍ سياسيٍّ ملتبس، وأسئلةٍ ورغباتٍ تضجّ به، بنا. حول مشروعه الفنّيّ منذ الثمانينيّات، مروراً بقصيده السمفوني “سينرجي” ومسرحه، وصولاً إلى ألبوم “لا بداية ولا نهاية” وما سيعقبه، كان لنا مع أسامة الرحباني هذا الحوار.
*****
هالة: نباشر الحوار من عملك السمفوني الأخير “سينرجي” الذي أدّته الأوركسترا اللبنانية الفلهارمونية بقيادة ميشال خير الله منذ أشهرٍ في بيروت ضمن أمسيةٍ اشتملَ برنامجها على مقطوعاتٍ انطباعية، علماً أنّ هذا القصيد السمفوني عُزِف للمرّة الأولى في إنكلترا، وأدّته “أوركسترا لندن الفلهارمونية” عام 2006. لماذا أُدرج العمل في أمسيةٍ انطباعية؟ هل تعدّ عملك انطباعياً بصورةٍ أو بأخرى؟ وما الفارق بين الأوركسترا اللبنانية وأوركسترا لندن ليس على المستوى التقنيّ فحسب، بل أيضاً على مستوى الأداء، وترجمة رؤيتك الموسيقية، والمزاوجة بين الموروث الشرقي والعربي والغربي التي أردتَ من خلالها تجسيد فكرة التقاء وحوار الحضارات؟

أسامة: ثمّة بعض الأفكار التي يمكن أن تحمل نفَساً انطباعياً في هذا العمل، لكن عموماً لا يُعَدُّ هذا القصيد السمفوني انطباعياً. رغب ميشال خير الله في تأدية وقيادة “سينرجي” الذي أدّته أوركسترا لندن الفلهارمونية بقيادة ايون مَرِنْ أثناء افتتاح المتحف الإسلامي للفنون أو بالأحرى الفرع الإسلامي للفنون في متحف “فيكتوريا أند ألبرت”. أسهم ميشال خير الله في تأدية هذا العمل في البداية برفقة أوركسترا لندن بوصفه عازفاً شرقياً أي عازف كمان ضمن مجموعة تتألّف من تسعة موسيقيين من لبنان (كمان، وناي، وقانون، وأربعة إيقاعات، وصوتان). يتضمّن العمل كوْرساً أيضاً، وكان يستوجب المزيد من التحضير والاشتغال على مستوى الأداء. تستميلني المرحلة الانطباعية الفرنسية بفنونها كافّة، وقد أفرحني سماع “سينرجي” ضمن برنامج اشتمل على “بوليرو” موريس رافيل و”بافان” لغبريال فوريه. الفارق بين الأوركسترا اللبنانية وأوركسترا لندن يكمن في الخبرة والتقليد المكتسبَيْن من التمرّس المقرون بالتجربة والدقّة عند عازفي أوركسترا لندن. تختلف مدارس العزف في الأوركسترات العالمية إذ تتفرّد المدرسة الروسية بالوتريات، فيما تشتهر المدرسة الفرنسية والإنكليزية خصوصاً بالنحاسيات، علماً أنّ الأميركيين مميّزون جدّاً على صعيد النحاسيات أيضاً. أمّا النحاسيات في المدرسة الروسية، فتتميّز بطنينٍ خاص، وتُميّز آلات النفخ الخشبية المدرسة الفرنسية. عندما قدّم كارايان “بِلِياس وميليساند” لكلود دبوسي، استعان بعازفي آلات نفخٍ خشبية فرنسيين. ولعلّ أهمّ ما يميّز المدرسة الإنكليزية الدقّة التي تشكّل نتيجةً لتجربتها الطويلة في معترك الموسيقى التصويرية والتسجيل في الإستديوات.
هالة: مَن تختار أنت بين هذه المدارس، إنْ على مستوى النحاسيات أو الوتريّات أو آلات النفخ الخشبية، لتأدية “سينرجي”؟
أسامة: أيّ أوركسترا تتمتّع بمستوى عالٍ، مثل أوركسترا لندن، تفي بالحاجة. عملي السمفوني “سينرجي” كان يحتاج إلى مزيدٍ من التمرُّن محلّيّاً لكي يختمر عند العازفين، في أصابعهم. تمرّنت أوركسترا لندن الفلهارمونية أكثر ممّا تمرّنت الفلهارمونية اللبنانية، علماً أنّ تقنيّات أوركسترا لندن أعلى. لا بدّ من التراجع قليلاً وإقامة نوع من المسافة مع أيّ عمل قبل تأديته.
هالة: هل مثّل هذا العمل حواراً للحضارات أم للثقافات والديانات في إطارٍ موسيقيّ، لا سيّما أنّ الحضارة الإنسانية بمعناها الواسع تشمل ثقافات عدّة، إنْ لم نقُل كلّ الثقافات، وتُظلِّلُ الإنسانية جمعاء؟
أسامة: لا يمكن تجزئة الحضارة لا سيّما أنّها تواصلية، ولا يمكن تشريحها فهي ليست بجسدٍ. تواصليةٌ هي منذ بدائيّتها التي تمظهرت في غرائز الناس وانفعالاتهم المجسَّدة، قبل أن تتطوّر “حضاريّاً” بطقوسيةٍ معيّنة وتكتسي طابعاً (تاريخياً) وثنياً في ما يتعلّق بالذبائح أحياناً على سبيل المثال. أدّت الموسيقى دوراً في محاولة التغطية على صراخ الأطفال ووجع أمّهاتهم أثناء ذبْحهم. شكّل هذا “الفعل” موروثاً وثنياً، قبل أن ينتقل إلى الحضارة المسيحية ويكتسي طابعاً مختلفاً، ثمّ إلى الحضارة الإسلامية… لا يمكن الفصل بين هذه المراحل، وثمّة ما يُبيِّن أنّ الحضارة تواصلية. يتلفّف عملي السمفوني “سينرجي” بكلّ الحضارات التي تلقّفناها وانطبعت في الباطن، في لاوعينا، إذ إنّ الثيمات التي يشتمل عليها شرقية، علماً أنّ الهارموني خاصة بي أسلوباً وتأليفاً. يحوي العمل مقامات عدّة وطقوسية عالية، ويختزل كلّ ما نعيشه في المنطقة العربية.
هالة: حوى العمل أنشودة “طلع البدر علينا” من التراث الإنشادي الإسلامي، وحمل نفَساً يحيلنا بصورةٍ أو بأخرى على الموروث الموسيقي المسيحي المشرقي.
أسامة: نعم هذه الأنشودة هي من أقدم ما نعرفه في التراث الإنشادي الإسلامي، وثمّة تأثيرٌ موسيقيّ مسيحي في “سينرجي”، كما أنّ هناك موسيقى يهودية تمظهرت في أسلوب عزفٍ محدّد على آلة الكلارينيت. عندما حوّلتُ أنشودة “طلع البدر علينا” في الختام إلى “ماجور” مزاوجاً بينها وبين الأجراس والموسيقى الكلاسيكية الغربية، نمَّ العمل عن حوارٍ بين الشرق والغرب والحضارات، إلى جانب التقطيع الإيقاعي البدائي المركَّب الذي حمل دلالات وأبعاداً أيضاً.
هالة: هل ستقدّم “سينرجي” في مهرجانٍ فنّي لبناني أو عربي؟
أسامة: النصّ الموسيقي للقصيد السمفوني موجودٌ في العالم، وما على الراغبين في تأديته إلاّ أن يطلبوا. الكونسرفتوار اللبناني، وتحديداً ميشال خير الله هو مَن اقترح تأدية هذا العمل. لا أسعى إلى تسويق أعمالي، وقد صدرت الأسطوانة بأعدادٍ ونُسَخ محدّدة في لندن. لا بدّ من إعادة تسجيل “سينرجي” لنشره محلّياً وعربياً وعالمياً، وهذا ما أبذل الجهد في طلبه، علماً أنّ هناك بعض الحقوق الخاصة بأوركسترا لندن، والكورس، والمنتج محمّد جميل. لقد صُوِّر وثائقيّان عن هذا العمل.
هالة: هل ألّفتَ أعمالاً أخرى تكتسي طابعاً أوركسترالياً خارج إطار المسرح الغنائي؟ لعلّك تجنح نحو نسْج رؤيتك الموسيقية الأوركسترالية في إطارٍ غنائيٍّ مسرحيّ، مثل مسرحية “أبو الطيّب المتنبّي” حيث عكستْ أغنيتا “طوى الجزيرة” و”كفى بك داءً” نزعةً إلى الضخامة الأوركسترالية في قالب أغنية.
أسامة: ألفّتُ مشهديْن سمفونيَّيْن. أمّا التأليف الغنائي الذي تتحدّثين عنه، فيشابه ما يُعرَف بالـ”آريا”. الموسيقى الخالصة بعيدةٌ بعض الشيء عن التراث العربي، والمستمع العربي يحنّ عموماً إلى الكلمة. إنّه عاطفي وليس عقلانياً؛ ديكارت لم ينفذ إليه بعد، لم يؤثّر فيه؛ تجرفه الكلمة، لهذا يبدو محصوراً في الأغنية. الأغنية الليريكية قد تكتسي طابعاً تجارياً، وقد لا. أمّا أنا، فزوّدتُ الأغنية ببعدٍ وعصب درامييْن، وجنحتُ إلى تعنيف الكلمة والمزاوجة بين الكلمة والأوركسترا. للأسف غالبية وسائل الإعلام تروّج للأغنية التجارية، ولأسلوبٍ واحد في الغناء. الموسيقى أشمل ممّا يُقدَّم اليوم؛ ثمّة موسيقى فولكلورية تراثية، وبدائية، وكلاسيكية، وأوبرالية، وباليه، وموسيقى تصويرية، وقروسطيّة. يشتمل الفنّ على الرسم والنحت والمسرح والشعر والأدب والرقص… فلماذا يحصره بعضهم في أغنيةٍ تجارية تتحكّم بالعالم، وفي نجمةٍ، أيّ نجمة متحكّمة بدورها بالعالم بواسطة أغنية، ما ينسحب أيضاً على السياسة. انطلاقاً من هنا، ينبغي أن تكون ثمّة محاسبة بعيداً عن الانجراف العاطفي وتأليه “الأيقونات”، أكان في ميدان الفنّ أم خارجه. ثمّة محاسبة حقيقية في الغرب.
هالة: “الأيقونات” موجودة في الغرب أيضاً وأينما كان.
أسامة: سأتحدّث بعد قليل عن الأيقونات هذه. “جبران والنبي” مثلاً، عملٌ بمنزلة الأوبرا في قالب مسرحٍ غنائيٍّ دراميّ شعري موسيقي راقص، ما ينطبق أيضاً على “دونكيشوت”. المشهد الدرامي ينبع أحياناً من موسيقى درامية. الحاجة إلى تفجير تلك الدراما الموسيقية التي تعتمل في داخلكِ، تنعكس في صورة، في مشهد، ألواناً، ورقصاً وغناءً، وموقفاً يتطوّر في سياق قصّة. مشهد الألوان في “دونكيشوت”، والضخامة التي تُميّزه، ورقصة الفالس التي تكاد لا تنتهي هنالك، كأنّها تكتنف تحية إلى فالس فيينا… حاجة الموسيقى إلى التفجّر والتمظهر هي كذلك. أشتغل أيضاً على تأليفٍ موسيقيٍّ كلاسيكي خالص.
هالة: هل ألهمتْكَ بعض الثورات والانتفاضات والتحوّلات التي يشهدها العالم العربي راهناً لصوغ رؤية مسرحية غنائية جديدة، علماً أنّك تطرّقتَ في “دونكيشوت” إلى الواقع اللبناني والعربي نقديّاً من زوايا متعدّدة. كيف ترى إلى الراهن العربي، وإلى أيّ مدى يُسهم الفنّ في تصويب الوعي المأزوم لدى جزء أو شريحة من الجمهور؟
أسامة: لا أقارب التأثير المباشر للأحداث في مسرحي. التحوّلات والمواضيع والأحداث الساخنة تستوجب نوعاً من التراجع للتفكير والتأمّل، والتفكير هذا ينبغي أن يكون داخلياً صافياً للتقييم والنقد. هل يتّجه العالم العربي نحو ربيعٍ عربيّ أم أنّ هذا الربيع قد حُيِّد عن مساره الأساسي؟ هذا ما يجب أن نطرحه ونفكّر فيه مليّاً. تلك الثورة التي بدأت مع البوعزيزي المتألّم البائس الذي مثّل شرارة الثورة، تعكس وضعاً اقتصادياً معيشياً سيّئاً. تلك الحالة الرفضية عند الشعوب أشعلت الثورة. توالت الثورات وحُيِّدت عن مسارها بسبب “المصالح”، وهذا ما يرعبني اليوم.
هالة: أنت تتحدّث عن الثورات المضادّة.
أسامة: بدأت الثورة في مكان وانتهت إلى مكانٍ آخر. حُيِّدت عن مسارها من قِبَل الأميركيين الذين يصوغون خططاً وخططاً بديلة. يبحث هؤلاء عن مشاكل جديدة في العالم في مناطق وبؤر حسّاسة ومشتعلة لتسويق السلاح. هل تسويق أفكار فوكوياما وهنتنغتون في جامعاتٍ كبيرة ودعْمها كانا لتبنّي تلك النظريّات في ما بعد؟ صراع الحضارات الذي تحدّث عنه هنتنغتون أمسى حقيقة اليوم!
هالة: هل تتصادم الحضارات بوصفها حضارات أم يُعمَد إلى إلباس تأجيج الصراع الديني الطائفي المذهبي الإثني القبَلي في المنطقة والعالم ثوباً حضاريّاً؟
أسامة: بالنسبة إلى هؤلاء ثمّة صراع حضاري يُفتعل من دون شكّ بين الإسلام والمسيحية، وهذا ما أعدّه مضحكاً، أعني كيفية مقاربة الغرب للأمور. التطرّف والراديكالية بالمعنى السلبي للمصطلح موجودان إنْ في الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو أيّ ديانة أخرى، ونرفضهما بطبيعة الحال. هنا لا بدّ من التنبّه لمسائل عدّة وطرح أسئلة ملحّة، أبرزها: مع مَن سيكون التصادم اليوم؛ الاتّحاد السوفياتي الذي انهار؟ تحاول روسيا أن تنهض، وقد نهضت نسبياً… الصين فيما تبرز ظاهرة الأعراق؟ الصين عملاقة وثمّة علاقات بينها وبين العالم العربي. يجب أن تحقّق الثورات العربية أهدافها وأغراضها التي انطلقت منها وعلى أساسها. في ليبيا ومصر ثمّة فوضى، وفي تونس يجب أن تتغيّر الحال. الفوضى تعمّ اليمن والعراق وسوريا. لن أتحدّث عن الثورة الفرنسية.
هالة: الثورة الفرنسية أدّت إلى فصل الدين والدولة.
أسامة: أنا علماني ومؤيّد لأهداف هذه الثورة لكنّها اتّخذت منحى مختلفاً تماماً.
هالة: منذ أصداركَ أسطوانتك الأولى “النظام الجديد” تلمّسْنا تمرّدك وثورتك الداخليَّيْن إنْ على المستوى السياسي، وهو ما يتبدّى في موقفك من النظام العالمي الجديد والنظام في لبنان، أو على الصعيديْن الموسيقي والغنائي اللذين جنحت فيهما إلى تثوير الغناء العربي والنصّ الموسيقي الشرقي. من جهةٍ أخرى، تبدّى مدى تأثّرك بالمسيح الذي خصّصتَ له مسرحية بعنوان “وقام في اليوم الثالث”، وبإرنستو تشي غيفارا الذي كتب المعلّم منصور الرحباني كلمات أغنية عنه لحّنتَها ووزّعتَها أنت في الألبوم المذكور، وقد رأيتُما فيها أنّ “بلدي صار لازِمْها اليوم شي غيفارا يْمُوت عن الجوع، القهر، الفقر… تَتِرْجَع بيروت”. ماذا ينقص بيروت لكي تنهض من كبوتها وتستعيد دورها التاريخي كمنارة للشرق والعالم العربي؟ إلى أيّ مدى لا تزال بيروت الباذلة التي احتضنت كلّ الشعراء والمثقّفين والكتّاب والفنّانين العرب الذين ضاقت بهم بلدانهم وأنظمتهم… إلى أيّ مدى لا تزال بيروت -التي مثّلت مختبراً للحداثة العربية- تتّسع لنا، وللتجارب الطليعية والرائدة في المسرح والفنّ والفكر والثقافة؟
أسامة: تبقى بيروت رائدة بسبب حالة التصادم الفكريّ الثقافي المضرّ والمغذّي في الوقت عينه، والحرّية. نحن تقدّميون فكريّاً… إمّا أن يتميّز الإنسان بحضورٍ خاص وبعصبٍ ناريٍّ يحثّانه على التفكير على نحو مغاير، وإمّا أن يكون عاديّاً. أغنية “النظام الجديد” التي كتبتُ أبياتها الأولى في الولايات المتّحدة الأميركية، ثمّ طلبتُ من المعلّم منصور الرحباني أن يستكمل أفكاري كتابةً، تتمحور حول الظلم والاستبداد في العالم. أمّا “لازم غَيِّر النظام”، فتمثّل قصّة أيّ إنسان يوشك أن ينتحر بسبب أصدقاء خذلوه، ووضعٍ اقتصادي مأزوم، وحبيبة تخلّت عنه… من الطبيعي أن ينهار هذا الإنسان، وأن يفكّر إمّا بالهجرة أو الموت أو خوض غمار “اللعبة” أو التمرّد على واقعه. بطل هذه الأغنية اختار الموت رافضاً الانخراط في “لعبة” الراهن. وفي الحديث عن غيفارا، لا بدّ من القول إنّه ثائر ومتمرّد في آنٍ واحد. كان فيديل كاسترو مهتمّاً بكوبا حصراً لكن غيفارا لم يكن كذلك.
هالة: غيفارا ثائرٌ أُمَميّ.
أسامة: نعم، كان كذلك وكان متجدّداً. الغيفارية في جوهرها هي تجدّدٌ كالفصول. جنح غيفارا نحو إشعال الثورة في العالم احتجاجاً على الظلم. لم يكن شخصاً عاديّاً؛ كان مثقّفاً يقرأ نيتشه وآخرين، وكان صديق جان بول سارتر. بالإضافة إلى قربه من المثقّفين، شكّل أيقونةً للجمال. لم تكن الكاريزما التي ميّزتْه عاديّة. غيفارا… ذلك الطبيب الذي تخلّى عن كلّ شيء لإشعال الثورة والنضال، استمال كلّ القطب الجنوبيّ، كلّ اليسار، بأفكاره الجديدة. أنّى لي أن لا أتأثّر بغيفارا؟ غيفارا ينتمي إلى كلّ إنسان، إلى الإنسانية، وبانتمائي الإنساني أنتمي إليه وإلى كلّ إنسانٍ يشبهه. قبل العثور على رفاته في بوليفيا، قرّرتُ تأليف أغنيتي عنه. كان منصور يحبّ غيفارا أيضاً، وقد جمع في نصّه بين غيفارا- الرمز وقضايا الإنسان في وطنه، في أرضه وبيئته، ولطالما فعل ذلك في المسرح والأغنية، في المواءمة بين المحلّي والعالمي والإنساني. طُبعت صورته على القمصان وحُفرت في أعقاب البنادق. عندما عثروا على رفاته عام 1997 كنتُ في الولايات المتّحدة وكان أيّ خبر، أيّ صورة، أيّ شيء يتعلّق بغيفارا ممنوعاً هناك. كنتُ أشاهد حينذاك الـ”سي أن أن” وأخذ الجميع يتساءل عن ظاهرة غيفارا وسرّه، وعمّ الخبر العالم وفُضح مَن قتله. ثمّ أصبح هناك بعض الإنتاج الأميركي عن غيفارا لاحقاً.
هالة: جاء ابن غيفارا إلى لبنان ورغبتَ في لقائه لإسماعه أغنيتك، فكان ذلك والتقينا.
أسامة: نعم، أذكر أنّنا التقينا في “مسرح المدينة”، وتناولتُ العشاء معه ذات مرّة في كسروان، كان ابنه برفقة أحد مرافقي غيفارا المسلّحين.
هالة: إلى أيّ مدى يشبه غيفارا يسوع المسيح؟
أسامة: يلقّب بعضهم غيفارا بالمسيح المسلَّح. في حفلةٍ لي في “قصر المؤتمرات” في الضبية، عرضتُ على شاشةٍ كبيرة لقطات وصوراً له، بينها صورة تشبه لوحة عن المسيح تعود إلى عصر النهضة. بصراعه ضدّ السائد والعفن، وبثوريّته، يماثل غيفارا المسيح. الفارق بينهما هو أنّ غيفارا لجأ إلى العنف. غيفارا و المسيح ثائران ورفضيّان ومتمرّدان على القديم. لا شكّ في أنّ غيفارا كان رومانسياً ولم يفهم سياسة العالم والمصالح الكبيرة التي رفعت الغطاء عنه. ذهب غيفارا إلى موته بنفسه، وكان مصرّاً على تجسيد قناعاته ومحاولة تحقيقها في العالم، والمسيح كذلك؛ خاض في التجربة ولم يهرب. نحتاج اليوم إلى غيفارا لأنّ الغيفارية هي أن نتمرّد على السائد، ونتحرّر، ونحلم بعالم أفضل. تخلّى غيفارا عن ألقابه وشهرته والمناصب، ومضى… هنا يكمن جمال غيفارا وتوهّجه في هذا الزمن. وسط هذا الضجيج العربيّ، لا يزال لبنان أكثر ديموقراطيةً نسبيّاً؛ رغم السيّئات ثمّة نوع من “الأوكسيجين” هنا.
هالة: ثمّة مناخ من الحرّيات نسبيّاً في لبنان لكن ليست هناك ديموقراطية حقيقية لأنّ “ألف باء” الديموقراطية تفترض مساواة فعلية في الحقوق والواجبات بين المواطنين.
أسامة: نعم، لكن هنا ثمّة انتخابات على الأقلّ. ثمّة رئيس سابق وأسبق… ثمّة حركة احتجاج وصراعٌ فكريّ. أفضّل العيش في منطقة حارّة، وإنْ كانت تطفح بالنزاعات على العيش في بلدانٍ ثمّة مَن يفكّر فيها عنّا، عن الشعب، عن الفرد. الآن بدأت حركة التغيير في العالم العربي، وبعض الشعوب العربية بدأت تكتشف هذه المعاني جزئياً. تكمن مشكلة لبنان في الطوائف التي تمثّل قوّته وضعفه في آنٍ واحد. هذا الصراع التاريخي وأسئلة الهوية غير المنطقية عمّا إذا كنّا فينيقيين أو عرباً أو غربيين… كلّ ذلك بلا جدوى فنحن عبارة عن مزيج. ورثنا عن الفينيقيين في بيبلوس وصيدا وصور السلبي والإيجابي معاً. حلّت المرحلة الكنعانية، ثمّ الحضارة المسيحية العربية والإسلامية، وتصادمنا مع الغرب الذي نشأ أيضاً تزاوجٌ بينه وبيننا. هذا التزاوج أنتج ما يُعرَف بالمجتمع اللبناني. سيطر الخارج على بلدنا بسبب موقعه الجغرافي الذي يمثّل سعادته وتعاسته في آنٍ واحد كما كان يقول منصور الرحباني. ثمّة مطامع عديدة هنا؛ الثروات الطبيعية، الجمال، المناخ…
هالة: هذا التعدّد الذي تتحدّث عنه، ويُفترض أن يمثّل غنى ثقافياً واجتماعياً وحضارياً ووطنياً، يقود نحو نزاعات وانقسامات واقتتالٍ داخليّ. لبنان على فوهة بركان. كأنّ الحرب الأهلية لم تنتهِ، وهي قابلة للاندلاع مجدّداً. ألا ترى أنّ بنية النظام الطائفي تستجلب التدخّلات الخارجية وتقود نحو هلاك الوطن؟
أسامة: نحن تاريخياً صدى الآخرين ونتيجة، كأنّنا لم نتحرّر من فكرة الدولة-المدينة. مسرحية “عودة الفينيق” تضمّنت نقداً كبيراً للفينيقيين. يستخدم بعضنا سلطة الوصي لينتقم من بعضنا الآخر.
هالة: ألا يتعلّم اللبنانيون، ألا يعتبرون بما حدث ويحدث لهم؟
أسامة: كأنّ اللبناني لا يريد أن يتعلّم ويعتبر. أهمّية الشعب الألماني أنّه تعلّم من معاركه، من الحرب العالمية.
هالة: خلصتَ أنت وغدي الرحباني في مسرحية “دونكيشوت” إلى القول: “مِشْ كلّ الشعوب مِتِل بعضا بْتِقْبَل التغيير”.
أسامة: النظام قتلَ دونكيشوت في نهاية المطاف. بعبثيّته، بأحلامه، باليوتوبيا، حاول جمْع الناس لكنّ النظام رفضه. ما هو النظام؟ النظام في الباطن واللاوعي هو النظام الديني المسيطر على العالم.
هالة: والأنظمة العلمانية؟ هل تقصد الإشارة إلى أنّها تحمل بُعداً دينياً خفيّاً؟
أسامة: بالطبع، الباطن يعكس الأصل؛ إذا نزعنا الأقنعة لا بدّ من اكتشاف ذلك عبر التحليل. التيّار جارفٌ ههنا. العائلات والإقطاع ورجال الدين يحكمون البلد ويتحكّمون فيه. لن يتطوّر لبنان في ظلّ تصاعد موجة التطرّف والعصبيّات. تتحدّثين عن ضرورة التغيير لإقامة نظام مدني علماني. تلك أحلامٌ، أنا أحلم بذلك وأنتِ تحلمين لكنّ شيئاً لن يتغيّر هنا. أنا وأنتِ ومَن يشبهنا لا مشكلة لدينا في أن يتولّى السلطة وزمام الأمور أيّ شخص تبعاً للكفاءة، والوطنية، والصدقية، والمشروع، واحترام المؤسّسات ونقدها إذا تطلّب الأمر ذلك. قد لا أوافق تماماً على نهج الدولة لكنّ احترام مؤسّساتها يُعدّ واجباً ويمثّل حمايةً لنا.
هالة: المشكلة مزدوجة؛ نظام طائفي متخلّف وشعب يرفض التغيير.
أسامة: تقع المسؤولية على عاتق الشعب أوّلاً وأخيراً. فأنتِ مثلاً بخلفيّتكِ الثقافية الوطنية السياسية قد تصطدمين بالنظام. أنا وأنت إذا أصبحنا وزيرَيْن مثلاً سنصطدم حتماً بالنظام القائم. المجتمع اللبناني فاسد ومتحذلق.
هالة: فلنعد الى حديث الموسيقى .بدأتَ مسيرتك بالجاز وعرّجتَ على الروك، ونهلتَ من الموسيقى العربية والشرقية والموسيقى الكلاسيكية الغربية (الرومنطيقية تحديداً). حدِّثْنا عن بداياتك التي عكست تمرّداً على مدرسة الأخوين رحباني. كيف أقنعتَ والدك منصور برؤيتك الموسيقية والفنّية؟
أسامة: حضّنا منصور على سماع الموسيقى الكلاسيكية الغربية. أنا وغدي ومروان الرحباني وبشارة الخوري كنّا نحلّل مقطوعات وأعمالاً موسيقية كلاسيكية، ونقارن بين قادة الأوركسترا والمؤدّين، وقد تتلمذنا لأغوب أرسلانيان. استمالتني الموسيقى التصويرية الزاخرة بصورٍ انطباعيةٍ واقعية تُوَقِّع الحدث وتمنحه قيمةً إضافية. أذني الموسيقية ودقّتها في التقاط نوتات الباص مثلاً، تفوّقتا منذ البداية على جانب قراءة النوتة، علماً أنّ القراءة يجب أن تترافق مع الحفظ. سماعي الموسيقي متعدّدٌ؛ من الجاز والموسيقى البرازيلية و”موسيقى السود”…
هالة: هل قادك الفوتبول إلى الموسيقى البرازيلية والجاز؟
أسامة: لطالما جذبني الفوتبول لكنّه لم يقُدني إلى الموسيقى البرازيلية. لم أكن تلميذاً مجتهداً في المدرسة، وقد سعيتُ إلى احتراف الفوتبول وترْك المدرسة فغضب منصور حينذاك ولم يسمح بذلك. عزفنا أنماطاً عدّة في فلك الجاز: من البيبوب والسوينغ، مروراً بالفيوجن والجاز-روك، وصولاً إلى الفانك والسول والـ”آر أند بي”… كانت مرحلة نهاية الثمانينيّات ذهبية؛ مرحلة نهضة الجاز هنا خلال الحرب الأهلية. حاولتُ تأدية موسيقى جريئة ومقطوعات متنوّعة تستوجب تقنيّات عالية في العزف. سافرتُ في التسعينيّات إلى الولايات المتّحدة الأميركية حيث درستُ في معهد “بركلي” في دورة واحدة، ثمّ عدتُ إلى لبنان للتأليف مع والدي. تكمن أهمّية منصور في إدراكه أهمّية المحافظة على هوية الآخر الموسيقية، وثقافته، وميوله. كان منفتحاً على الشباب والأفكار الجديدة. منصور وعاصي كانا متجدّدَيْن على مستوى الأفكار والرؤية التي تشمل الرقص، والموسيقى، والألوان، وكيفية تطوير مسرحهما، ومواكبة الجديد.
هالة: كيف أقنعتَ منصور برؤيتك في مسرحية “وقام في اليوم الثالث” على سبيل المثال؟
أسامة: تأثّرتُ بمسرحية “دجيزُس كْرايْسْتْ سوبرستار” لأندرو لويد ويبر، وواجهتُ مشكلةً تكمن في كون المسرحية لا تتضمّن قيامة المسيح لأسبابٍ إنتاجيةٍ وعقائديةٍ غربيةٍ معروفة. القيامة جوهريةٌ ههنا، ولم يكن بإمكاننا عرض المسرحية من دون مشهد القيامة. تبدّى الجديد على مستوى الرقص والغناء والصراع بين يهوذا والمسيح، والحوار مع المجدلية. تعاونتُ مع فرقة “أرابيسك” المحدِثة على صعيد الرقص، وسعينا إلى تثوير الخشبة.
هالة: هل وافق منصور بسهولة على موسيقى الروك في المسرحية؟
أسامة: تجادلنا قليلاً قبل أن يوافق. تدخّل بعض رجال الدين لإدراج القيامة فأُدرجت نظراً لأهمّيتها في اللاهوت والعقيدة المسيحيين، وحقّقت المسرحية نجاحاً، علماً أنّ بعض رجال الدين كانوا ضدّها علناً.
هالة: لماذا؟
أسامة: نظراً لجرأتها وكيفية تحدُّث يهوذا، ولأنّ المسيح غنّى ورقص على الأرجح. سمح لي منصور بمجادلته مثلما كان يفعل مع عاصي. في مسرحية “آخر يوم” التي تمحورت حول المجتمع اللبناني القائم على الكذب والطائفية، والتي سعيتُ فيها إلى ترجمة ما يحدث اليوم، إلى ترجمة إيقاع الشارع اللبناني برؤية حداثية فنّية جريئة، انتقدني منصور وقال لي: “لستَ رحبانياً”. سمح لي في “عودة الفينيق” بصوغ معالجة مختلفة عن تلك التي صاغها. بيننا مجادلات وتفاعلٌ جميل. لطالما لفحتني وهزّتني الموسيقى أكثر من الكلمة، قبل أن أدرك أنّني بحاجة إلى الكلمة والشعر. كلّ الشعر الذي نغّمتُه هو لمنصور وغدي الرحباني، والمتنبّي، وجبران خليل جبران.
هالة: ماذا أنتج تعاونك مع غدي ومروان الرحباني؟
أسامة: علاقتي بمروان وغدي مفتوحة؛ أقترحُ إنتاجي ونتعاون فنّياً عموماً. أنسجُ رؤيتي الفنّية كاملةً قبل أن يضيف إليها غدي، ثمّ مروان. إنّها علاقة تفاعلية شفّافة تقوم على التنوّع والاحترام، لكن لكلٍّ منّا عالمه وشخصيّته.
هالة: ما الذي تغيّر بعد رحيل منصور؟ كيف يحضر منصور في نتاجات أسامة الرحباني اليوم؟
أسامة: منصور ماردٌ رحل ولا يزال موجوداً. دائماً ما نفكّر في كلّ ما اكتسبناه منه ومن عاصي. احتضن منصور رؤانا واقتراحاتنا، وحاولنا الارتقاء فنّياً إلى شعره وفكره مسكونين جميعاً بهاجس تطوير المسرح. لا يزال منصور حاضراً بيننا، في أفكارنا. أضاء لنا على أهمّية العمل والمثابرة والتقدّم. تعلّمنا منه عدم الاكتراث بتهجّم بعضهم. أنا لستُ أبي. يسخر الناس من أولئك الذين يجنحون إلى تقليد الأخوين رحباني أو تقليد الآخرين. أدرك مدى تأثير أعمالي الفنّية، وثمّة مَن يحاول محاكاة أسلوبي في التوزيع، والمشهدية، والإيقاعات، والرؤية الأوركسترالية.
هالة: ألا تكترث بالنقد؟ كيف تقيّم اليوم علاقتك بالنقد الفنّي والثقافي اللبناني والعربي، وإلى أيّ مدى يمكن النقد أن يخدم الفنّ، فتكون العلاقة بينهما تفاعليةً وتكامليةً، علماً أنّ الهوّة تتّسع بين النقد والفنّ عموماً. هل تمارس نوعاً من النقد الذاتي أحياناً؟
أسامة: النقد متعدّدٌ، فثمّة نقد عقلاني، وآخر عاطفي، ونقد طائفي… هناك نقّاد موضوعيون ومصيبون، وآخرون مغرضون يكذبون أو يجهلون ما يقاربونه نقديّاً. نفتقر إلى التخصّص في ميدان الصحافة والإعلام لبنانياً وعربياً. لا يمكن الصحافي أن يتناول عملاً فنّياً إذا لم يكن مدركاً نقدياً، ثقافياً، فنّياً، موسيقياً، مسرحياً… لا يمكن الاكتفاء بقراءة بعض المعلومات على الإنترنت للكتابة عن عملٍ أو فنّان؛ لا بدّ من مشاهدة العمل أو الاستماع إليه ومحاولة ملامسة معنى الموسيقى ونقاط قوّتها وضعفها. الناقد الموسيقي عليه أن يكون ملمّاً أوركسترالياً بدلاً من القراءة عن “الفوغ” والاكتفاء “بالتنظير”. الأمر نفسه ينسحب على بعض النقّاد المسرحيين الذين يجهلون خصوصية المسرح الغنائي.
هالة: لكن التخصّص أوركستراليّاً غير متاح عمليّاً في لبنان. يمكنك أن تتخصّص في العلوم الموسيقية أو التربية الموسيقية أو العزف وتوابعه النظرية في الجامعات والمعاهد. التأليف والتوزيع الأوركستراليان لا يشكّلان اختصاصاً جامعياً هنا.
أسامة: بمعزل عن كلّ ذلك، لا بدّ من توفّر الرقيّ والجدّية والإحساس بالمسؤولية عند مقاربة أيّ عمل فنّي. ثمّة فارق بين النقد البنّاء وادّعاء النقد لإلحاق الضرر بالآخر. ثمّة نقّاد يخضعون لفنّانٍ معيّن أو لتيّار، وثمّة نكايات في المشهد الفنّي والنقدي. ثمّة صحافيون لا يفقهون شيئاً وينظّرون مسرحياً وموسيقياً وفنّياً، ويحاولون أن يحطّوا من قدركِ رغم اشتغالكِ ومثابرتكِ ومخزونكِ الثقافي. ثمّة ناقد سيّء ومطرب سيّء وممثّل سيّء. أمّا النقّاد والصحافيون الذين يجدّون في عملهم، فيتعاملون بشكلٍ مختلف.
هالة: أنت تتقبّل النقد المحبّ والملاحظات وتبادر إلى محادثة الناقد عموماً.
أسامة: أقرأ كلّ النقد وأستمع إلى أيّ ملاحظة.
هالة: لكن علاقتكَ ببعض النقّاد تبدو متوتّرة.
أسامة: كلّ ذلك مردّه إلى خلفية الصراع العائلي والحقوق.
هالة: هل تعتبر بوصفك موسيقيّاً وانطلاقاً من كونك تملك رؤيةً مسرحية أنّك…
أسامة: (مقاطعاً) أنا مسرحي ولَوْ لم أكتب نصوصي بنفسي. دون جيوفاني هي لموزار مع أنّه لم يكتب نصّها، وأندرو لويد ويبر الذي يُعَدّ من أبرز فنّاني المسرح الغنائي لا يكتب نصوصه بل ينسج رؤيته المسرحية والفنّية والموسيقية. لا يمكن لبعوضة واحدة أن تمرّ بمسرحي إذا لم أكن مقتنعاً بذلك.
هالة: أعرف أنّكَ مسرحيّ ومجبولٌ على الخشبة.
أسامة: لديّ أفكار كثيرة وأسعى إلى ترجمتها مسرحيّاً.
هالة: ألا ترى أنّ ثمّة نقّاداً يجدّون في مقارباتهم المسرحية النقدية؟ أين يكمن جوهر المشكلة في مقاربة مسرحك تحديداً؟
أسامة: المشكلة ليست شخصية البتّة، ثمّة مشكلة عامّة؛ ينبغي أن يطّلع نقّاد المسرح ويطوِّروا ثقافتهم ويتجرّدوا متحرّرين من سطوة البعض، من تأثير توجُّه صحيفة ما، أو شخص معيّن، أو إذاعة أو مجلّة. أهدى بيتهوفن سمفونيّته الثالثة إلى نابوليون بونابرت، فهل على الفرنسيين أن يكرهوا بيتهوفن؟ لا بدّ من الفصل بين آرائه وقيمة أعماله الإبداعية.
هالة: أهدى بيتهوفن العمل إلى نابوليون ثمّ تراجع.
أسامة: نعم… لا بدّ من الإدراك نقديّاً أنّ المسرح العبثي أو التجريبي أو الكلاسيكي أو الفودفيل أو الشعبي يختلف عن المسرح الغنائي. ثمّة مَن يكتب عن كلّ هذه الأنواع المسرحية!
هالة: تقصد الإشارة إلى المقارنات الجامدة ومقاربة المسرح الغنائي بالأدوات عينها التي يُقارَب بها أيّ نوع مسرحي، وقد أشرتُ إلى ذلك في إحدى مقالاتي.
أسامة: الموضوع أشمل من ذلك إذ يتضمّن الرقص ومعالجة الصوت والأداء. تصدر أسطوانات لفنّانين كُثُر ولا تُنتقد على مستوى الأداء والكلمات والتوزيع. مَن قال إنّ الموسيقى تراتبية وإنّ الموسيقى الكلاسيكية أهمّ من الجاز أو الروك أو البوب؟ لا يمكن مقاربة الأمور استناداً إلى أرستقراطية الموسيقى وقياساً على الكلاسيكيّ فقط. الجوهر هو الأهمّ في الفنّ. ثمّة نقّاد ينتقدون بل يتجنّون ولا يحتملون الردّ. نردّ فيردّون.
هالة: حقّ الرد محفوظٌ في الصحافة، والردّ على الردّ أيضاً. يفترض أن يمثّل الاحترام والموضوعية أساساً في أيّ تناولٍ نقديّ أو كتابة أو ردّ. القارئ ذكيّ وباستطاعته التمييز بين الموضوعيّ والمتغرِّض، أكان في الكتابة أو الردّ عليها.
أسامة: صحيح لكن بعض الصحف تتّخذ قراراً بعدم نشر أيّ مادّة أو أيّ مقال موضوعي عنكِ أو عنّي أو عن فنّان أو عن شخص معيّن. ثمّة أحكام مسبقة وتوجّهٌ عام يسيّر بعضهم. هذا واقع لا يمكن أن نخفيه. ثمّة مَن يتحامل عليكِ لمصلحة آخرين لأنّك لا تنتمين إلى شلّة مثلاً، وثمّة مَن يمعن في المقارنة بيننا وبين أهلنا. تلك هي الذهنية السائدة التي تقوم على النكاية والمحاباة في المشهد الفنّي والثقافي. شعبيٌّ أنا وقريبٌ من الناس لكنّني لا أحتمل أسئلة بعضهم السخيفة في مجلاّت لا قيمة لها ثقافيّاً.
هالة: أنت قارئ نهم. ماذا تقرأ اليوم، وكيف تستثمر مخزونك الثقافيّ والمعرفي في الموسيقى التي تمثّل اللغة الأكثر تجريداً؟ هل تعدّ التأليف عملية إفراغ لما نمتصّه موسيقيّاً بصورةٍ واعية أو غير واعية فحسب، أم إعادة صوغ لذواتنا وللعالم أيضاً ضمن رؤية وقالب موسيقييْن؟
أسامة: الثقافة هي ما يبقى من كلّ ما تعلّمناه وتلقّفناه وإعادة صوغه. لا أستنبط من اللاوعي مباشرةً؛ يتأتّى الإبداع عن خيطٍ وشرارة يقودانكِ. أشعر بذلك الدفق في التأليف، فيما لا يكون الأمر كذلك أحياناً. الأهمّ أن لا نتشنّج حين يتعذّر ذلك. لا أجبر نفسي على التأليف؛ إلهاء الذات قد يكون ضرورياً في حالةٍ مشابهة. إذا كانت شخصية المؤلّف وثقافته مرتكزتيْن على الورديّ والروحيّ فلن يصيبكِ فنّه ولن يخلبكِ. لن تلهبكِ الموسيقى المنبسطة.
هالة: ما الذي يلهبك؟
أسامة: يمكن لأيّ حدث أن يلهبني. أحلامي تفوق الواقع وأحاول ترجمتها موسيقياً؛ هنا تكمن أهمّية الإبداع، ولا بدّ من القول ههنا إنّ العبقرية تُصنع، لا نولد عباقرة.
هالة: لكن ثمّة مواهب فطرية تُميّز واحدنا عن الآخر.
أسامة: بالطبع وحين تُصقل قد تقود نحو الإبداع والعبقرية. هناك مَن تدفعه حاجته أو عقدة نقص لديه إلى تحدّي ذاته لإثباتها، هكذا كان يقول منصور. عبقرية موزار صنعها والده. أقرأ كتباً تاريخية وسياسية، وعن المسرح والأدب والشعر والموسيقى…
هالة: مولعٌ بالرقص أنتَ وبالتعبير الجسمانيّ الجريء الذي تستثمره في مسرحك (مسرحية “جبران والنبي” على سبيل المثال). إلى أيّ مدى تشعر بأنّ تثوير العقل والتعبير الجسماني معاً قد يفضي إلى تحرّر الإنسان العربي؟
أسامة: أنا متحرّرٌ جدّاً، ولا يمكن لأحد أن يصادر حرّيتي. في الوقت عينه، أحترم البيئة التي أعيش فيها. الجرأة جميلة في إطارها وسياقها، لا خارجهما، في فضاءٍ حميم محدّد. مشهد العري في “جبران والنبي” صدم بعض المتلقّين، قبل أن يكتشفوا أنّ الملابس صُمّمت لتعطي انطباعاً مماثلاً. ثمّة ذهنيات تزداد تحجّراً، وهناك تعدّدية طائفية ومجتمعية وثقافية في مجتمعنا.
هالة: ألا تعتقد أنّ العرب كانوا أكثر تحرّراً سابقاً؟ ثمّة جنوحٌ إلى مصادرة الحرّيات الفردية والفنّية والفكرية راهناً.
أسامة: الحياة بمثابة دورة؛ ثمّة مراحل مضيئة وأخرى مظلمة. مرّ العالم بمحاكم التفتيش قبل عصر الأنوار والنهضة، وصولاً إلى الحداثة…
هالة: تبدّى هذا التحرّر على المستوييْن الفكريّ والفلسفي، وفي الشعر والفنون… الآخر كان موجوداً، أعني ثقافة الآخر في ظلّ التنوّع، في ظلّ الأنا، والعكس. ثمّة نتاجات تاريخية تنمّ عن ذلك. كنّا، على الأقلّ، منتجين معرفيّاً وحضاريّاً!
أسامة: الحق معكِ. بعدما تطوّرت المجتمعات حضارياً يزداد اليوم التطرّف، وتنمو العصبيات. في الماضي، اكتشف الإنسان العالم. أمّا راهناً، فكلّ شيء مكشوف ومكتشف. القرية الكونية الجديدة أطاحت بالخصوصية والعفوية. في زمن السرعة هذا، يخاف الفرد على نفسه، على مجتمعه، فيبرز ميلٌ إلى التقوقع. سمة العصر و”الضغط” السياسي يحضّان المجتمعات على الانغلاق ورفْض التطوّر. في المقابل، ثمّة مشاكل متعلّقة بالدين، بالأديان، وبمصالح الدول الكبيرة، والإعلام يسوّق كلّ ذلك. أيضاً وأيضاً، هناك مَن ينجرف أوروبياً وأميركياً. أتمنّى أن تكون ثمّة حرّية للتعبير والجسد في الفنون جميعها. رفض معظمهم “شعائر الربيع” لسترافنسكي، واعتبر كميل سان سانس حينذاك أنّ سترافنسكي أهان آلة الباسون! كلّ ذلك بسبب النبض الطالع من الغرائز الإنسانية والحيوانية التي تُرجمت رقصاً. ثمّة مَن فقد وعيه أثناء العرض؛ هكذا كان المجتمع الفرنسي عام 1913.
هالة: هل تشعر اليوم بوطأة السنوات وبحنينٍ إلى مرحلة دون سواها؟ كيف تقارب الزمن؟
أسامة: بلغت من العمر 46 عاماً. أشعر بندم أحياناً على ما فاتني. ليتني تخصّصتُ أكثر في العزف على البيانو، والفوتبول. ليتني استثمرتُ مهاراتي بشكلٍ أفضل. ثمّة فرصٌ ولحظات لم ألتقطها. نزداد نضجاً مع العمر. أخاف من وطأة الزمن، أخاف أن أصبح عاجزاً عن الإنتاج. أتحدّث عن وطأة الزمن في ظلّ الوضع الذي نعيشه في منطقتنا. العمل عدوّ الزمن.
هالة: لعلّك تخشى الارتباط.
أسامة: قلقٌ جدّاً أنا. حقوقنا غير محفوظة هنا، والارتباط لا يخلو من المسؤولية التي قد تجبرني على قبول أيّ عمل لتأمين حياة كريمة. المجتمع يزداد فرديةً والوحدة تنهشنا. أحبّ أن أكون محاطاً أكثر. الحياة قاسية ووحدة الإنسان تتفاقم في ظلّ التطوّر التكنولوجي. رغم كلّ ذلك، علينا أن نستمرّ ونتطوّر.
هالة: بماذا تحلم؟
أسامة: بالاستمرار في الإنتاج والعمل والتقدّم موسيقياً. يضيق بنا العالم العربي أحياناً. لهذا، أحلم بإنتاج الموسيقى كما أراها في الغرب.
هالة:هل يتقدّم الحبّ على الحرّية، أم الحرّية على الحبّ؟
أسامة: الحرّية تنتصر في نهاية المطاف لأنّ الإنسان يذهب إلى موته وحيداً من دون الحبّ. لا أعرف إذا كان الموت يمثّل الحرّية المطلقة. يغمرنا الموت وينتظرنا. في الموت يتساوى الجميع؛ ربّما لذلك يمثّل الحرّية. الحبّ حاجة إلى دفق معيّن أو تواصل معيّن، لحياة ألوانها زاهية، لألقها. أغرمتُ مرّات عدّة. لا أومن بحبٍّ واحد؛ نتجدّد في الحبّ.
هالة: حدِّثْنا عن مشاريعك الفنّية المقبلة وتعاونك مع الفنّانة هبة طوجي.
أسامة: هبة صوتٌ متفرّدٌ يترجم رؤيتي وأحاسيسي في الغناء. تلتقط هبة ملاحظاتي بدقّة وتجنح دائماً إلى تطوير أدائها في الغناء والتمثيل تبعاً لخلفيّتها الثقافية والفنّية، واستعدادها. التحليل يحسّن الصوت، وهبة تملك قدرة على التحليل، فيتطوّر صوتها. الصوت الجميل يبقى محدوداً من دون تحليل، من دون نقدٍ، ونقدٍ ذاتيّ. هبة تجيد استخدام تقنيّات عدّة في الغناء. تسبح في ذلك الفضاء، في المدى الكبير للنغم. في أسطوانة “لا بداية ولا نهاية”، وفي ومسرحياتٍ عدّة، سعينا إلى تجديد مفهوم الغناء العربي. كان دورها في “دونكيشوت” جريئاً من دون شكّ. سنصدر قريباً أسطوانة تتضمّن ما قدّمناه في حفلة “قصر المؤتمرات”، ونتحضّر أيضاً لإطلاق فيلم “آخر يوم” الذي نتعاون سينمائياً على إخراجه. هبة فنّانة ملتزمة، ونفتقر في مجتمعنا اللبناني والمجتمعات العربية إلى فنّانين يشابهونها.

عن هالة نهرا

هالة نهرا
ناقدة فنية وموسيقية وكاتبة وشاعرة من لبنان

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>