الرئيسية / العدد 4 / احزاب وطوائف وطائفية

احزاب وطوائف وطائفية

Print pagePDF pageEmail page

1411052969

الحديث عن الطائفية في لبنان، كما في بلاد العرب والمسلمين، هو أيضاً حديث عن الدولة التي لم تأت إلاّ ناقصة، وفرّغت كل معانيها ووظائفها للسلطة بمعناها الإنفصالي والإلغائي ، وللسلاطين الذين لم يجدوا حرجاً في اتخاذ المال العام منهبة والوطن مزرعة والمواطنين خدماً ، حتى عزّت الحرية حيث عزّ الخبز أو عزّ الخبز حيث عزّت الحرية .. وأتانا مرة بعد مرة ، ومنذ أوائل الخمسينيات خاصة ، من قال إنه سوف ينتصر لنا وينصرنا بالتحديث والعروبة والوحدة والتحرير والتقدمية والعدالة ، ويحقق الحرية بالديمقراطية والخبز بالتنمية ، ويحفظ التعدد بالوحدة ، ويحمي الوحدة بالتعدد ، فما لبث بعد الانقلابات الحمراء والبيضاء أن تراجع منسوب الحرية الى حافة العدم وغاب القانون واسقطت الحقوق ، وأصبحت الإمكانات الاقتصادية بالتبديد والفساد والجهل والاستبداد وسوء الادارة فقراً مدقعاً ومجاعات دورية تسبق الحروب وتلحق بها في حركة جدلية جعلت ثنائية الحرب والفقر ثنائية موت مادي ومعنوي ، كما أتانا أخيراً ، وعلى قاعدة إفلاس السلف القومي والوطني والأممي، من أحال المستقبل المركب الى السلف الديني، الى الماضي الناجز والجاهز ، لا لشيء إلا لأنه ماضي أيامنا البائسة، فضرب المتغير بالثابت وضرب الثابت بالمتغير، فصارت المعاصرة شكلاً فارغاً وصارت الأصالة مضموناً جامداً، وأصبحنا أمام خطاب ديني سياسي يعدنا بمعالجة مرض الإستبداد العلماني بالديموقراطية ريثما يتمكن ليعالج مرض الديمقراطية بالاستبداد الديني سيد الاستبدادات كلها، ويعالج فقرنا بتقشف المحكوم وحرمانه وهجرته وموته بتبذير ورفاه وسفه الحاكم وشركائه ورهطه العصبي والأسري، ويعالج اختلافنا العقدي والمذهبي والفقهي والإثني والسياسي والفني والأدبي والفكري والشخصي بالقتل اليومي والتكفير الجاهز متناً وسنداً ومن دون داع للمراجعة والنقد العلمي .

ونتحدث عن الطائفية في هذه الأيام التي سبقت فيها الشعوب العربية الشعب اللبناني الذي كان واعداً بضرب المثل في النهوض والتجديد ، من دون أن تكون الصورة الآخذة في التمدد والتشكل على المدى العربي خالية من التعقيدات واحتمالات الإنحراف والتحريف والمصادرة ، ما لا يقلل من احتماله أو خطره إذا وقع ، سوى أن هذه الشعوب قد كفّت عن الإستقالة لتأخذ التغيير على عاتقها بما يقتضي من صبر وتضحية وجدل دافئ أو حار وسجال حول الأفضل .. ما يعني أن أي انتكاسة أو انكسار في مسار إعادة بناء الدولة الوطنية العربية الحديثة سوف يبقى قابلاً للمعالجة طالما أن التأسيس الجديد قد تمّ على الحرية ولم يعد بإمكان أحد أن يقوض الأساسات المسلحة بالعلم التداولي والتبادلي المتحرر من القيود إلا القيود الذاتية الداخلية للمعرفة في الحقول المتعددة الآيلة في المحصلة الى وحدة في مخرجاتها الوطنية والحضارية والإنسانية والروحية .. إن الربيع اللبناني الذي لم يعد مستبعداً أن يأتي، قد يكون أشد حرارة من الصيف الصحراوي، وأكثر تعرية من “خريف البطريرك”، ما لم تستبق الطبقة السياسية الأمور وتعجّل بتسوية عميقة تمهيداً لإعادة إنجاز لبنان على موجب المرتجى منه تعدداً في وحدة وغداً على ذاكرة نقية وحداثة على عراقة وتنمية بالمعرفة والشراكة .

**********

وفي الحديث عن الطائفية وإلغائها ومن أراد ولم يرد إلغاءها ومن أراد إلغاءها فمنع أو قصّر أو تراجع ، من الأحزاب اللبنانية والعربية الإسلامية الوطنية والإسلامية الأممية والقومية والأممية اليسارية والليبرالية .. يطيب لي الجمع بين الموضوعية التي هي نسبية دائماً من دون أن يعيبها ذلك ، بل يؤكد واقعيتها ، وبين الذاتية بما هي مشاعر لا تختلف إلا شكلاً أو لوناً عن الحقائق، إذا ما كان حاملها باحثاً عن الحق متحرراً من إملاءات الكهوف وأقبية العصبيات العقدية أو العنصرية.

كنتُ في ندوة جمعتني مع صديق من بعيد هو الأستاذ سجعان القزي نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، والأستاذ المقدم شريف فياض، الصديق عن قرب ، وهو أمين سر الحزب التقدمي الاشتراكي .. وهما مثالان للمفارقة التي تأتي من عصرية حزبيهما كما هي معلنة في عنوان “التقدمي الإشتراكي” أو خفية مرة وظاهرة مرة أخرى في خطاب حزب الكتائب ، الذي التقى الحزب التقدمي الإشتراكي في بداية تأسيس الثاني(1) واكتشاف انه لا خلاف بينهما في رؤيتهما السياسية ولكنهما لم يتحدا وظلا حريصين على الإختلاف والخلاف والتنافس والصراع، لأن الطبيعة الطائفية كانت غلابة ، فمنعتهما من التواصل الذي كاد أن يتقدم بين الكتائب والنجادة في لحظة انتداب فرنسي، ولكن الطائفة قالت ، مختزلة بزعمائها الأصليين أو المفتعلين وبلسانهم : أنا هنا .. واستمرت الحال تناغماً أو مجاملة بين التقدمي الإشتراكي والكتائب في المنتديات والسهرات الخاصة وفي حالات من ضرورة معاقبة الحليف بالظهور في الصورة مع الخصم الذي كان كمال جنبلاط يتقنه، الى أن تم التتويج في تبادل الكيد السياسي، بخضوع كمال جنبلاط عام 1975 الى إغراءات يسارية ادّعت أنها متوافقة مع القيادات الفلسطينية على قرار عزل الكتائب .. ما كانت أثمانه باهظة لأن فريقاً من الكتائب وحلفائهم كان يريده ذريعة ومسوِّغاً للاستمرار في الحرب وتأجيجها ، الأمر الذي كان أفضل المناسبات لتقارب الأعداء ، وتباعد فقراء لبنان واقتتالهم بأمرة مفقريهم ، وكان لا بد من دينوة الحرب بدنيوة الدين ، لتطول وتتراكم بشاعاتها التي استشرفتها قيادات روحية لطوائف لبنان (موسى الصدر – البطريركان خريش و صفير والمفتي حسن خالد وشيخ العقل الدرزي محمد أبو شقرا) ومدنيون موسومون بالرجعية عند اليسار وباليسارية عند اليمين (صائب سلام و رشيد كرامي و نسيب البربير و ريمون اده و محمد صفي الدين وغيرهم) الذين كان يطل عليهم كمال جنبلاط منسجماً ثم يغلبه غالب فيرغب في استمرار الحرب لأن الجبهة اللبنانية لا تريد السلام وهي ترغب من جهتها في استمرار الحرب بحجة أن الحركة الوطنية برئاسة كمال جنبلاط أو ياسر عرفات لا تريد السلام ، وأصبحت بالعشرات أعداد اتفاقات وقف النار والسلام الصعب الى الإتفاق الثلاثي ، المولود القيصري في المشفى السوري والذي لم يعمّر .. الى الطائف .. وباختصار شديد ، الى القفزة النوعية في زيارة البطريرك نصر الله صفير الى الجبل والمصالحة على أساس المصارحة التي شارك في هندستها وتعهدها واستثمرها السيد وليد جنبلاط معيداً الى الأذهان أن الوفاق الدرزي الماروني يضع الجبل في موضعه الوازن باعتباره وسط لبنان ، أي أعلاه الذي يرى الناظر منه الجميع ويرى الناظر إليه الجميع ايضاً…

وتعدت المسألة هذه المرة وبمساعدة من حزب الله ، ورضا سوري ، تعدّت التسالم الى النزول الى مجلس النواب بلوائح مشتركة كأنها صورة العيش المشترك الذي جاء في اتفاق الطائف الذي كان الاتفاق الذي يشبه التأسيس والذي تعطل لأن الملتزم من الباطن (سورية) ولأن البعض كان يرى معها وما يزال ، أن لبنان إذا قامت قيامته وأثثت عمارته أصبح نداً وإذا سقط ما تبقى من جدران وأسقف منازله صار عبئاً .. فعليه إذن أن يراوح كل عمره بين الحرب والسلام . والسقوط والقيام ، ليتحول الى مكان مثالي للخدمات السياسية الإقليمية هذه المرة (إيران) إضافة الى العربية والدولية ، وعلى مقتضى وكالات قابلة للعزل وغير قابلة حسب قوة الوكيل أو المتوكل المتقوي أو المستقوي بالعديد الطائفي (الحالة الإسلامية عامة والشيعية منها خاصة) الذي زيّنه ومتـّنه المال والسلاح والمقاومة والتحرير الذي كاد أن يصبح رافعة المستقبل لولا أنه حوّل الحياة في لبنان الى حياة ريعية مكاتب أسهمها ومضارباتها ، أي (بورصتها) في عواصم أخرى..

**********

إني معني بتتبع شواهد المفارقة في حزبيْن فاعليْن في تاريخ لبنان الحديث، بين الباطن الطائفي غير الخفي وبين الظاهر الوطني أو العلماني أو الوطني غير الجلي أو غير النهائي.. وقد كانت بداية الحزب التقدمي الإشتراكي بشراكة مع العلامة المدني السني الشيخ عبد الله العلايلي (سني) وصولاً الى محسن دلول و رياض رعد و عبد الله غطيمي و خليل أحمد خليل و محمد عباس ياغي (شيعة)، في فترات مختلفة من تاريخ رئاسة كمال جنبلاط، مما عاد وأصبح أقل بروزاً وإبرازاً وفعالية بعد استشهاده، لا لأن وليد جنبلاط أقل علمانية أو حداثة من كمال جنبلاط، بل لأن قتل كمال جنبلاط وعدد من القيادات التاريخية المتحققة في طوائفها والطامحة على تردد أو حيرة في تحقيق وطنيتها في إقامة الدولة المدنية على حساب الطائفية (الإمام موسى الصدر) .. كان يهدف الى إلغاء القيادة الطائفية القوية التي يمكن أن تمسك بقرار طوائفها وتوظفه بمشروع وطني مدني متدرج في تحقيق الوطنية السياسية أي الإلغاء التدريجي للطائفية السياسية تمهيداً لإلغاء مقصود أو غير مقصود ولكنه لا بد أن يقع ، وهو إلغاء الطائفية من دون إلغاء الطوائف ، بل إعادتها الى مكانها كمكوّنات للإجتماع مع غيرها (مؤسسات المجتمع المدني وفي طليعتها الأحزاب المدنية والنقابات) ذلك لأن هناك أنظمة عربية سورية أولاً لا حصراً لا يروق لها، ذلك لأنها طائفية في الأساس ولا تسمح ولو بنسبة متدنيّة من مشاركة الطوائف الأخرى أو الفروع الأخرى من الطائفة الحاكمة ذاتها، ولبنان في منظورها فرصة سياحية واستثمارية عقارية ومكان للخدمات السياسية للأنظمة المختلفة خاصة في الإعلام اللبناني القائم على مقدار من الحرية غير المتاحة في غيره من الأنظمة ذات الحاجة الى الإعلام الحر المستورد وفي حدود تتكفل بترسيمها العطائات المالية الداعمة للمؤسسات الإعلامية الصديقة أو المملوكة.

وعليه فإن إصلاحاً بهذا الحجم سوف يرتقي بلبنان الى مستوى النموذج الجاذب فيصبح مصدر قلق للأنظمة التقليدية أو الأنظمة (التقدمية) التي اختارت مقداراً من التحديث الشكلاني وبقيت في أدائها والقيم الإدارية التي تحكمها أشد ضيقاً وتضييقاً وإلغاء للمختلف، من الأنظمة التقليدية أو الرجعية حسب التعبير الشائع أو الذي كان شائعاً الى وقت قريب، ولا داعي لوجع الرأس الذي يأتي من لبنان المتطور، والعلاج هو إعادته كلما حاول أن يتقدم خطوة، الى طائفية أقوى، من خلال تحويل حركة الإسقاط من النظام الى الدولة، وبدل أن يسقط النظام أو يتطور على مقتضى الدولة، تتأخر الدولة، باستشراء الطائفية والتقابل الحاد بينها والمدفوع الى انفجار دوري حتماً، ولا تلبث هذه الدولة أن تغيب لصالح النظام الطائفي الذي يزداد رسوخاً كل مرة وتتحول السلطة الى سلطات والإستبداد الى استبدادات يبرر كل منها ذاته بالآخر لتسود حالة من التضامن الضمني القوي جداً بين المتباينين، فرضاً، من الأحزاب والقيادات على حساب المتقاتلين والمفترض أن يكونوا متضامنين، من جماهير الطوائف.

**********

.. منذ أواسط الستينات الى النكسة ثم المقاومة الفلسطينية المتداخلة والمتقاطعة مع شبكة الإشكاليات اللبنانية بصورة أثبتت أن أضرارها على الطرف اللبناني خاصة، وعلى الطرف الفلسطيني لم تكن أقل إن لم تكن أكثر من فوائدها .. الى انفجار عام 1975 .. وإصرار القيادات الروحية والزمنية الناضجة والمعتدلة نسبياً على إنهائها بنسب متفاوتة من الجدية والقدرة .. اتضح للنظام الذي تقدم على الجميع في تغطية طائفيته القلقة بسبب أقلية الطائفة التي ربما كانت لا تريد ذلك في سورية خوفاً على مستقبلها من هذه الحالة الاستثنائية الصارخة ..

وكانت القومية العربية على شيء من الخطاب العلماني الذي لا يأتي من قناعة علمانية بل من ضعف العلاقة الفكرية والتاريخية بالإسلام كدين سائد في المنطقة .. هذه الحال السورية التي أوكلت اليها لاسباب إقليمية ودولية مهمة الشراكة تمهيداً للتفرد أو الغلبة في إدارة الحرب والسلام أو شبه السلام في لبنان ، كان زعماء أقوياء في طوائفهم بطموحهم الزعامي واستقلاليتهم ، يشكلون عائقاً في وجهها ، فكان لا بد من إزاحتهم ، بأساليب منها الإجبار على الهجرة الى فترة الشيخوخة الكاملة (صائب سلام) أو الهجرة الدائمة والوفاة في الغربة بعد عدة محاولات للإغتيال من قبل أطراف متخاصمة فرضاً (ريمون اده)، وإحالة إزاحة الإمام موسى الصدر الى خبيث ليبيا، الذي مع مسؤوليته الأكيدة ، كان يضيق ذرعاً بإلحاح الصدر على إيقاف الحرب في لبنان .. ولحق رشيد كرامي بالجميع أثناء سعيه الى الإتفاق مع كميل شمعون على إنقاذ لبنان وتحقيق سلامه تمهيداً لإعادة ترميم دولته واستقلاله .

**********

عوداً الى السياق .. لم يكن واضحاً للمراقبين المعنيين أن استجلاب شخصيات أساسية أو ثانوية الى الحزب التقدمي الاشتراكي، هو من أجل تغليب بيئته الوطنية على البيئة الطائفية الدرزية الحاضنة .. والحديث هنا عن الحزب لا عن الطائفة التي لم تشكُ مرة من نقص في وطنيتها، لا هي ولا غيرها من الطوائف التي تركبت عليها أحزاب طائفية .. ولعل الانسحاب المبكر للشيخ عبد الله العلايلي الذي كان قد سبق له الوقوع في إغراء الحزب السوري القومي الاجتماعي ثم خاب ظنه من خط سير الحزب التقدمي مع عدد من القيادات غير الدرزية ، دليل على أن الدرزية كانت المكوّن أو الداعي أو المستوى الغالب لهويته السياسية . ما تأكد لاحقاً من ثانوية القيادات غير الدرزية التي استمرت ، سوى ما بدا من تظهير عضوية السيد عباس خلف (الأرثوذكسي) وتوزيره لأسباب جبلية إضافة الى مكانته الشخصية أو تقدم السيد محسن دلول في سلم الرتب الحزبية الى نيابة الرئاسة وصولاً الى دريد ياغي، وهذان الإثنان ، دلول وياغي كانت لهما دائماً وظيفة سياسية مساعدة أكثر من كونهما شريكي قرار أساسيين في بنية الحزب .. وظل وضع النائب التقدمي محمد عباس ياغي متميزاً عن بُعد لقوته في رهطه ومدينته، ما سمح له أن يكون إضافة الى الحزب التقدمي الإشتراكي الذي اختاره كإمكان نيابي لا سياسي .. بأدلة كثيرة منها أن التجربة لم تتكرر مع نجله عباس، الذي وبسبب حداثته وعلمه وتجربته الخاصة لم يعد صالحاً لأن يكون مجرد وردة ذات لون آخر أو خفيف في مزهرية الحزب الوطنية .

**********

ومع كل هذا، فإن الحزب التقدمي الاشتراكي في عهديْ كمال و وليد جنبلاط، على اختلاف في الظروف وشروط وضرورات الأداء، لم يكن يجد نفسه مضطراً الى النفاق في المجاهرة المتفاوتة الإيقاع قوة وضعفاً بدرزيته، مع البحث الهادئ وغير الملحّ عن لغة وطنية واصلة ، تتعدى محيط كمال جنبلاط الثقافي النخبوي الى جمهور وطني، وتقع في دائرة المجاملة حيناً أو الضرورة حيناً كما هي قناعة في أكثر الأحيان، مع بقاء القاعدة الدرزية حاكمة وإن مخففة الى حد ما في حالات استثنائية تقع موقع الضرورة السياسية غير الدائمة. مع فارق في هذا الأمر قد يكون لصالح كمال جنبلاط الذي كان أكثر قدرة أو حرية في اختيار التنويعات المحدودة التي ظلت أقرب الى كونها صداقات لكمال جنبلاط أكثر منها حضوراً فاعلاً في هيكلية الحزب وقراره، ولم يعرف عنها أنها استطاعت أن تمد الحزب كثيراً الى بيئتها الطائفية إلا في الجبل القائم على المعادلة الدرزية المارونية ما يجعل العضوية المسيحية في الحزب تشبه الضرورة السياسية أو النيابية في مقابل المسيحي الآخر الذي يبني على الخلافات الموروثة أو المستجدة.

وفي حال سنّة الجبل، وشيعته الى حد ما، كان هناك انقسام بين كميل شمعون و كمال جنبلاط يرتبك كثيراً في محطات التوافق بين جنبلاط و شمعون ولكنه يستمر مضطراً. الى ذلك كان كمال جنبلاط أقل اضطراراً من وليد وأشد قناعة بحسن وامكان زيادة الجرعة التعددية في الحزب التي قد يعود اليها وليد جنبلاط في شروط عربية واقليمية مساعدة منسجماً في ذلك مع طموح يعاني من عوائق في التعبير عن نفسه في ظروف صعبة .. وقبل الحرب التي حسم فيها أمر الإصطفاف المذهبي بشكل قاطع، ومن دون عناية بالخطوط الإعتراضية في الطوائف القوية بذاتها وغير القادرة على التغيير أو الحضور الفاعل الذي أصبح مشروطاً بالقبول بالوصاية السورية ذات التفويض العربي والإسلامي والدولي مزيداً عليه منذ عام 1983 التفويض أو الشراكة الإيرانية على رافعة المقاومة التي كانت فيها سوريا شريكة مضاربة ومرفأً لإعادة التصدير السياسي ومكاناً للصناعات التحويلية بأجر سياسي ومالي يتناسب في وتيرة رفعه أو ارتفاعه مع تطور الكمية والنوعية المنتجة في خدمات المقاومة في لبنان واستخدام ذلك كله في ترسيخ السلام في الجولان، سلام اسرائيل وسوريا معاً.. وقد لا يعترض كثيرون على ذلك، ولكنهم يتعجبون من هذا الاستخدام الريعي للبنان .. كل هذه المعطيات جعلت وليد جنبلاط أشد تمسكاً بدرزيته من أبيه على الرغم من أن درزيته وبسبب تكوينه الثقافي المختلط، كانت سابقاً أقل كثافة من درزية أبيه.

**********

لا بد في هذا السياق من تلمّس الفرق بين الناصرية القومية ومدّها خارج مصر وتاثيرها على حراك الجماعات السياسية والزعامات في لبنان من بدء الثورة (1952) أو الإنقلاب ، الى تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي (1956) والوحدة (1958) والإنفصال (1961) وحكم البعث بعده في سوريا والنكسة والمقاومة الفلسطينية والنشاط اليساري في لبنان وقوة الإتحاد السوفياتي، وبُعد إيران وانفصالها في عهد الشاه عن المحيط الشيعي المعادي لتوجهاتها إلا في حدود معينة ما لبثت أن زالت والتحقت الشيعة السياسية الطرية العود بالثورة بعد الإستقرار النسبي للدولة الإيرانية ، دولة ولاية الفقيه التي جاهرت بشيعيتها مستفيدة من اللحظة الطائفية ورافدة لها ومستقوية بالطائفة بعد تقويتها والمشاركة في تأسيس ودفع الطوائف الأخرى الى مزيد من الطائفية إلا إذا اضطرت في لحظات رعب عمومي الى الإلتحاق أو المجاملة أو الممانعة أو التحالف غير المفهوم .. ولو الى حين .. مع الطائفة الأقوى ، سلاحاً وعدداً وعمقاً مباشراً أيضاً فضلاً عن إيران، ومالاً شديد التنظيم ومنتجاً لها ولإيران على عكس المال النفطي العربي الفوضوي والمزاجي وقليل المردود. وعليه فقد اختلفت الظروف المشجعة لكمال جنبلاط على التحرك البراغماتي بين الدرزية والوطنية العابرة للحدود أحياناً، عن الظروف التي ألزمت وليد جنبلاط بالسعي المتنقل من سبيل الى سبيل ومن لغة الى لغة لحفظ الوجود الدرزي الذي أصبح هذه المرة في خطر حقيقي يغري حزب الله مثلاً أو سوريا بالمبالغة وارتكاب الخطأ .. ثم العودة غير النهائية عنه (7 أيار وما بعدها)، ليغتنم وليد جنبلاط فرصة للخلاص من إلزامات التحالف مع أعدائه الحميمين الذين أصبحوا، مع فائض القوة في حزب الله، مشغولين بحماية كياناتهم في تحالف 14 آذار – غير قادرين على حماية حلفائهم، على تردد في الجهات الداعمة دولياً وعربياً، كما قيل تذرعاً، ولعل السبب أعظم من هذا !! .. الى مزاج جنبلاطي في وليد آتٍ من تكوين أقلوي قلق جعله يتعامل مع السياسة كمتغير يومي أو لحظوي، وجعل حركته تشبه حركة البورصة، وجعل السؤال عن موقفه (الأخير) متغيراً بسرعة تثبت لأهل الحرفة السياسية ان السياسة هي هذه، وأن الثبات أو الإطلاق في السياسة ، هو فشل مطلق أو غياب لا رجعة بعده.

**********

في حزب الكتائب اللبنانية أعجبتنا المجاهرة بلبنانيتها أيام كان آخرون يرون لبنان وطناً مؤقتاً ودولته ورشة لإدارة أزمته ريثما يلتحق بدولة الوحدة ، هذا الإلتحاق الذي سخر منه ضمناً فؤاد شهاب و جمال عبد الناصر بعد (الثورة؟) اللبنانية عام 1958 والوحدة السورية المصرية والمآسي اللبنانية التي فاقمها نائب جمال عبد الناصر عبد الحميد السراج السوري تحت المظلة الوحدوية مستغلاً إغراء دولة الوحدة للمسلمين في لبنان والسنة خاصة بطرح مطلبهم المكبوت في المشاركة.. وكان لبنان، في الأدبيات السياسية القومية حصراً ورديفتها الطائفية الإسلامية وشركائها من العروبيين المسيحيين، كياناً مصطنعاً اتفق علماء السياسة والتاريخ على أن مصطلح الاصطناع قد يفسر نشأته ولكنه لا يفسر تطوره وما انتهى اليه من ناجزية تحتاج الى مزيد من الإنجاز برفع مقام الدولة الى مقام الكيان ورفع الدستور الى مقام الميثاق (اتفاق الطائف) .. علماً بأن جميع الكيانات المصطنعة لأسباب وجيهة أو غير وجيهة قد ترسخت وبنت دولها شبه التامة أو الناقصة، من الولايات المتحدة الى الباكستان الى الكوريتين الى بلجيكا والعراق والأردن وفلسطين وسورية الحالية على خارطة سورية الكبرى أو بلاد الشام سابقاً ، وهولندا وغيرها من الدول التي نجحت في ادارة تعددها الإثني أو الديني أو السياسي أو فشلت ولكنها، وإن كانت قلقة، لم تبقَ مؤقتة أو باحثة عن تعريف.

**********

إن الكتائب وغيرها من الأحزاب الموازية لها أو المتفرعة عنها، الى مسيحيتها المصفّاة بمصافٍ قد لا تكون دقيقة دائماً، لم تنتبه الى أن الوعي بالهوية وحيدة البعد مغامرة معرفية وسياسية واجتماعية وثقافية، وهو وعي معرّض للمرض ومعطل أو قاتل، في زمن اتضاح جدوى وضرورة الوعي بالهوية المركبة التي تحقق الشروط الأفضل للنمو والنهوض والتقدم والرسوخ، في عصر أثبت بشكل نهائي أن التاريخ لم يعرف ولا مرة واحدة حالة من الاكتفاء الذاتي داخل الحدود الوطنية، بل كان رفع مستوى الحياة يعتمد على التمدد خارج الحدود بالاستعمار مرة وبالوحدة مرة وبالتضامن مع الأعماق او الجوار مرة أخرى، ما جعل الوطنية القائمة على القطيعة السياسية أو الثقافية والإستقالة التامة من المستوى العربي في مكونات الهوية، من دون ضرورة أوهام قوموية، تحرم لبنان وغيره من نِعم كثيرة ليست النعمة الإقتصادية إلا إحداها ولو كانت هي التي تختزلها لكان أسلوب الانتفاع الحضري على مؤهل حداثي غربي لدى اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً في مقابل البداوة العربية المتحضرة .. لكان هذا الاسلوب كافياً لازدهار لبنان واستقراره، ولكنه لم يكن كذلك .. خاصة بعد نهوض الوعي ولو ملتبساً، بالهوية العربية من المحيط الى الخليج ما بين الإحتلال البريطاني لمصر 1882 م. الى نهاية الحرب الكونية الثانية .. ومن هنا لاحظ بعض النقاد أن إغلاق الوطنية اللبنانية على ذاتها وأغراءها بالإنفتاح على آفاق بعيدة جداً في الغرب مشغولة دائماً بأنظمة مصالحها المرتبطة الى حد بعيد بآبار النفط، أكثر من ارتباطها بأرز لبنان وثلجه وجمال أهله وشطارتهم وحداثتهم .. ما كان مدخلاَ الى مغامرات كانت الشراكة فيها متكافئة مع الشراكة الإسلامية اللبنانية التي واجهت ما يشبه الاستقالة المسيحية (كتائب أساساً وغيرها لاحقاً) من المستوى العربي للهوية اللبنانية ومستحقاته التي تتجاوز التجارة وخدمة المدينة العربية النفطية الآخذة بالتكون على فقر في التقنيات واللياقات الإدارية واليومية والفنية قبل عقود من الزمن .. واجهت الشقة الإسلامية جارتها الشقة المسيحية في عمارة لبنان بعد الاستقلال، والتي أبدت ميلاً الى القطيعة مع المحيط العربي على تطعيمات إسلامية في صفوفها أكدت أن الإنقسام لم يكن عمودياً خاصة مع ملاحظة التطعيمات المسيحية في الصف الإسلامي المصرّ على العلاقة العضوية مع العرب، واجهتها بشبه استقالة من ضرورات وإلزامات الكيانية اللبنانية لتحول لبنان من مشروع كيان ناجز بشروط داخلية أولاً، ثم عربية وإقليمية، الى عقار مستأجر للبناء والسكن والزراعة والسياحة والخدمات السياسية والاستثمار العربي السياسي والإقتصادي، مع ما اقتضى ذلك من تغذية النزوع الى اسلامية مأخوذة بالعدد الإسلامي اللبناني مضافاً الى الأعداد العربية القريبة والإسلامية البعيدة، ما استثمره المسيحيون اللبنانيون في التأسيس الحزبي على الطائفية مع الانتداب والاستقلال الذي كانوا أكبر حجماً في عقد الوكالة الفرنسية في إدارته من المسلمين ..

وهنا بالذات، أصبح المسلمون طائفة أو طوائف تبحث عن أحزابها مستشعرة القوة المتأتية من الخارج أو الجوار العربي ذي الوجه الإسلامي الغالب لتشعر الأقلية المسيحية اللبنانية الملزمة بالشعور بأقليتها رغم التكافؤ العددي تقريباً في لبنان في بداية التأسيس، مع المسلمين، غير مطمئنة الى قدرتها على ضم نفوذ وحضور الأقليات المسيحية في البلاد العربية الى نصابها، للتعديل في وضعها ولو جزئياً، فاتجهت نحو الغرب، الذي وجد المسلمون في لبنان وبعض البلدان العربية في الاتحاد السوفياتي منافساً قد يكون موازناً فاتجهوا اليه، وقد تناسى الطرفان ان الذي يحكم علاقة الرأسمالية والإشتراكية إنما هو نظام مصالح مشتركة على تباين محدود مهما بدا أنها متناقضة مع تأكيد الخبراء الماركسيين الواقعيين بأن الماركسية والشيوعية إنما كانت صيغة غربية لحل مشكلات الغرب بعد التحولات العميقة في دورة الإنتاج وشروط السوق الذي تحكمه سلة من التباينات والتوافقات التي تقتضي التواطؤ أو تقتضي الحرب على الأرض الوطنية للخصم قليلاً وقبل الحرب الثانية أو على أرض توابعه من الكيانات كثيراً أو دائماً بعد الحرب الكونية الثانية وجنون هتلر(2) .. مع تسليم العارفين وأهل الرؤية والذاكرة بأن كل الحروب الاستراتيجية تهدف الى الصلح الذي لا يتأخر إلا بمقدار ما تكون الإيديولوجيا أو العقائدية مسيطرة أو متحكمة في عقل الأطراف المتنافسة والمتصارعة .. ويكون من شأن هذه الحال عادة أن تفاقم الخسائر على جميع الأطراف وبنسب مختلفة على الخاسر والرابح أو المتعادل في نهاية الحرب التي تصبح نهايتها ضرورية كما كانت الحرب نفسها ضرورية (في لحظة سابقة للخراب والموت في ستالينغراد وألمانيا وجميع شركائهما مثلاً وجميع الصحابة والتابعين في الحرب أو الحروب التالية حتى الآن) .. من دون استثناء معادلة (واشنطن طهران بالطبع – بعد بغداد طهران-).

كل ذلك زاد من تداول الطائفة وتبادل الطائفية في الادارة والسياسة والثقافة اللبنانية والمؤسسات، من العسكر الى التربية ، الى الحياة النقابية .. وأدخل هذا الشأن في الدستور في بند 6 و 6 مكرر الذي يفرض أن يكون هناك جندي مسيحي ليصار الى تطويع جندي مسلم في الجيش، وتأتي المشكلة من زهد المسيحيين في الجندية. مع التسليم في الدستور بأرجحية مسيحية في المؤسسات الكبرى (5 مقابل 6) نسبة النواب بين الطرفين لصالح المسيحيين، ما انتهى الى المناصفة في ميثاق الطائف وكأنه إعادة تأسيس للطائفية على الرغم من الموقعية الساطعة لبند العيش المشترك في هذا الميثاق، والذي زاد انتهاكه أضعافاً مضاعفة بعد الطائف من دون أن يفكر أحد بترتيب العقوبة المنصوص عليها في الطائف على هذا الإنتهاك ..هذا مع تمسكي غير القابل لإعادة النظر في المدى المنظور وحتى البعيد في مارونية الرئيس والمناصفة ، كما أني وأمثالي لا نقبل النقاش في مارونية وظائف عليا في بنية الدولة تمسكاً منا بالمسيحية كضرورة وطنية حتى مع ضعفهم أو تهميشهم أو التغلب عليهم كما تغلبوا مرة خاطئين وإن كانوا مع خطأهم قد أسهموا إسهاماً مميزاً في رسم خارطة الدولة التي بقيت قيد الإنجاز الى أن أصبحت قيد التداول .. ثم قيد الغياب الآن !! هذا ولا ننسَ ولن ننسى أن المادة 95 من الدستور اللبناني قد اعترفت بأن الطائفية السياسية آفة لبنان وأنه لا بد من علاجها بجدية وتدرج .. ولم يحصل .. ولم يخل بيان وزاري منذ الاستقلال حتى الآن من تجديد العزم اللفظي على الإلغاء الذي صار لفظياً وكأنه (جنريك) مميز لاسكتش لبناني مملّ.

**********

في ظل هذه الشبكة المعقدة من التقاطعات والتداخلات والالتباسات والملابسات والحساسيات والطائفيات التي تبلورت في مذهبيات فاقعة .. نسأل لماذا لم تنشأ أحزاب وطنية لبنانية تتحقق وطنيتها بتعدد طوائف أعضائها الملتقين على مشروع وطني لبناني غير عابر للحدود ولكنه جاهز دائماً للحركة والتجوال بحثاً عن التضامن والنمو والشراكة مع الأصدقاء والأشقاء ، وهم حاملون أشخاصهم لا مذاهبهم ولا طوائفهم الى الحزب المدني الجامع؟ وهل تسنى ذلك لها؟ وإذا قال الكتائبي أو التقدمي الإشتراكي إن ذلك لم يتسنَ إلا في حدود ، فتقديري أن المحدودية أو الندرة جداً كما عرفنا وذقنا (3) .. كانت بفعل وإرادة القيادات، ولم يكن ذلك في استحالة تأتي من واقع يمنع حصوله، بدليل أن أحزاباً قومية (السوري والبعث وحركة القوميين العرب ) وأممية شيوعية اخترقت الطوائف ونجحت في هذا المجال على أرجحية مسيحية كاثوليكية خاصة لدى الحزب الشيوعي ثم شيعية وأرجحية أرثوذكسية في القومي السوري وسنية في حركة القوميين العرب وشيعية في منظمة العمل وحزب البعث .. مع ضرورة التدقيق وإن كان فشلها الذريع قد أصبح مشهوداً فإنه لم يأتها من هذه الناحية بل من ناحية الفكرة والتجربة والنموذج الفاشل رغم الكثير من النجاحات الجزئية العابرة أو الواسعة والعميقة في النمو والعمران والثروة والتي تمت في بلدان المنشأ الشيوعي وفي الدولة الراعية (الاتحاد السوفياتي) ولكنها ، أي النجاحات، تمت على أساس تغييب الشرط الإنساني الأول (الحرية) الذي بدا وكأن غيابه كان شرطاً للعدالة والتنمية ثم انكشف العكس تماماً وسقطت التجربة .. فهل اختارت أحزابنا شبه اليسارية وشبه اليمينية ، الطائفية لتأمين الخبز والحرية للبنان واللبنانيين جميعاً أو لأبناء طوائفها وحدها أو أحزابها وحدها؟ والواقع اننا عانينا نقصاً في الحرية داخل هذه الأحزاب وإن كانت التركيبة الطائفية في لبنان قد أمنت لها مقداراً ما من الحرية .. لها ولغيرها ، فإنها كانت وما زالت تبدو وكأنها تطبيق لبند 6 و 6 مكرر من الدستور، ما جعل منسوب هذه الحرية داخل الطوائف وتحت وطأة أحزابها وداخل هذه الأحزاب يتردى الى حد مذهل ومزعج ومخيف ، ومع هذه الحرية أو الحريات التي لم يتم حفظها بالديموقراطية .. أخذ الخبز يتناقص، ما سهل على الأحزاب الطائفية المتفرعة عن مراكز طائفية خارجية غنية (إيران مثلاً)، تأمين الخبز بجعل لبنان وطوائفه جميعاً منظومات ريعية ، وسهل على الجميع جعل الدولة مضطرة الى طلب الاعتراف بها من بعض الأحزاب (السوبر طائفية) بدل طلب اعتراف الدولة بالأحزاب، ذلك لأن الاحزاب أو الطوائف هي الموجودة حقيقة والدولة وجود (مجازي) لن يلبث أن يصبح خيالياً أو محالاً كلما تقدمت الطائفة وحدها أو مع أبعاض من الطوائف الأخرى الى أن يحسم الأمر لطائفة ما على سائر الطوائف التي تسارع أقسام منها الى الإلتحاق المبكر .. إلا أن يحدث أمر كبير ما .. يشبه ما يجري في البلدان العربية التي عانت من نقص الحرية والتنمية وحاولت سلطاتها أن تفرقها لا أن تجمعها لتعيش السلطة على شتات شعوبها وضعفها وتقابلها الحاد ..

هذا مع الخوف من أن يكون التسرع مرة أخرى سبباً لضياع الثمرة بعدما أزهرت شجرة الحرية في ربيع العرب الذي إذا ما انتهى الى غاياته المنطقية فسوف يحول هذه المنطقة من مستورد الى مصدر للأفكار والعلاجات المجدية للإنكسارات في تجارب الأمم .. ويتم تصحيح البدايات المضطربة التي تأسست عليها أحزابنا جميعاً والأحزاب الطائفية منها وخصوصاً الكتائب وفروعها وخلفاؤها من دون أن يؤدي الفرع الى تجديد أو تحديث أو توطين الأصل إلا جزئياً وريثما يحدث حدث طائفي يستفز الحزب فيعود الى عاداته الطائفية المستحكمة من دون مشجع لزوالها في سلوكيات الأحزاب الطائفية الأخرى ..

**********

أقول ما قلته ، وإذا اضطررت فإني أؤكد أني راجعت كما كثيرون غيري مشاركتنا باشكال مختلفة من الرضا بصمت أو علناً أو سكوت على مضض على الحرب وتجلياتها البشعة وإصرار اليسار واليمين العلماني اللبناني والفلسطيني والعربي على توظيف البعد الديني والحقد والغضب أو الاستغضاب المذهبي في تأجيجها ومدها الى كل جغرافية لبنان وأعماق اجتماعه التي كانت من قبل تتنافس أو تتصارع بقليل من الدم وقليل من الذرائع الدينية والتحريض المذهبي الأقدر على إشعال الفتنة كلما قاربت نيرانها أن تخمد .. مارسنا النقد علناً بين أهلنا وفي أوساط شركائنا وشجعنا كثيراً ممن كانوا يختلفون معنا ويصطفون في الجهة المقابلة أن يمارسوا نقدهم الذاتي من دون أن يتحفظ أي منا على الآخر في نقده للآخر على أساس ان المصارحة هي الوسيلة الأنجع للمصالحة مع الذات والآخر ، اي آخر ، وأعلنّا التوبة معاً ، وأخذنا نبحث معاً عن أشكال جديدة للتضامن الاجتماعي والوطني بعد أن دمرت الحرب كل الأشكال سوى أشكال التضامن المالي وحتى السياسي الحرام بين أشرار الطوائف وزعمائهم .

لقد اتفقنا في المؤتمر الدائم للحوار (1993-1998) ، مثلاً ، وبعد انتخابات 1992 النيابية، كبداية في إعادة بناء مؤسسات الدولة التي انتظرناها لخلاصنا من الموت والفراغ ، اتفقنا على انه لا بد من كتلة تاريخية تعددية تشكل رافعة رؤيوية للمستقبل اللبناني على أطروحة حداثية تمر بالخصوصيات الوطنية والعربية في طريقها الى العموميات الكونية المعولمة و المسلَّمة .. وقررنا أن هذه الكتلة لا يصح أن تفكر في أن تنتصر على أحد ولا أن تقوض أحداً ، وأنتجنا على هذا الطريق أفكاراً ومقولات وشعارات اعتبرنا أن تلقف الآخرين لها والزيادة عليها وتعميمها ونشرها ، من أهم إنجازاتنا في وثائقنا وخطاباتنا الندوية وكتاباتنا في الصحف والدوريات العامة وفي نشراتنا المتخصصة والتي تلقاها الإعلام بقبول حسن وشجعنا من خلال إعادة نشر أفكارها .. وقد أدى بنا ذلك الى الإنسجام مع التيار النقدي اللبناني اليساري للشراكة اليسارية والإسلامية والفلسطينية في الحرب من موقع الخبرة والمعرفة والمشاركة في كل محطات الحرب ، ولفتنا محسن ابراهيم في شجاعته في هذا المجال الذي لم يتخلف عنه وليد جنبلاط ولا جورج حاوي ولا قيادات في الكتائب (جوزيف أبو خليل مثلاً) والقوات على غير طريقة إيلي حبيقة طبعاً ، اعتمدت المكاشفة وهدفت الى الاكتشاف .. وقد أسهم هذا الجو بعد سنوات عدة في مقدمات بيان الاعتذار الفلسطيني من حركة فتح ومنظمة التحرير بصراحة وعمق ومن دون عقد أو إقامة نهائية في الماضي، ولا ننكر اننا كان لنا دور خلقي في هذا المنعطف، حتى أننا أعلنا قناعتنا التي رحب بها الفلسطينيون من أنه لا داعي للتضحية بلبنان من أجل فلسطين، لأننا نضحي بالإثنين معاً في هذه الحال، كما لا داعي للقطيعة مع فلسطين وقضيتها من أجل لبنان، لأنها قطيعة مع لبنان من باب آخر، وأن العرب جميعاً وفلسطين لا يمانعون بل يستفيدون من الوفاق والنهوض اللبناني كما يملي المنطق السليم ، وفي أقل التقادير تخف أعباؤهم الآتية من جهة لبنان الحروب الأهلية، وأن لبنان يسعد ويزدهر ويطمئن عندما تتحرر فلسطين بقرار فلسطيني اصلي وقرار عربي مساعد في لبنان وغيره، ومن كل حسب طاقته، ويرتاح ويفرح لبنان إذا حقق الفلسطينيون دولتهم الوطنية المستقلة على طريق وشروط السلام العادل والشامل أو الأقل جوراً عليهم وعلينا.

وحملنا من القيادة الفلسطينية مبكراً الى عدد من القيادات الزمنية والروحية قناعة بأن السلاح الفلسطيني في المخيمات هو ضد فلسطين والفلسطينيين وأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ضد لبنان وفلسطين واللبنانيين، وأن القيادة الفلسطينية التاريخية تريد أن يكون هذا السلاح بإمرة الدولة اللبنانية التي إن شاءت كان بإمكانها أن تبقي عليه في الحدود المساعدة لها في تعزيز الأمن في المخيمات وفي لبنان .

هذه الأبواب التي انفتحت على بعضها بعضاً وعلى الواقع والواجب تجاه لبنان ودولته وإعماره تعززت بالمشروع الجامع الذي حمله الرئيس رفيق الحريري (من دون أن نتبرع له بالعصمة)، والذي أسهم في تفاهمات عميقة وحلّ عقداً مركبة بين الفئات السياسية وبين الأفراد والقيادات الحزبية من خلال المجلس النيابي والوزارات التي جمعت ولم تستثنِ طرفاً إلا في حالات قليلة لضرورة أحياناً ومن دون ضرورة أحياناً أخرى .

هذا الإنفتاح والتواصل على قاعدة الإختلاف المنشغل بالإتفاق ، لم يكن بدعاً بين الأحزاب التي تخلت عنه أثناء الحرب وعادت اليه جادة مرة ومترددة مرة بعد الحرب.

**********

وعلى سبيل الذكرى، وفي بداية شبابي السياسي المطلبي كمزارع تبغ، التقيت الشيخ بيار الجميل بطلب مني لأوضح له حقيقة انتفاضة المزارعين وحماقة السلطة في التعامل معها، دفعاً للتشويه الذي لحق بها .. وحدد لي موعداً بسرعة، فالتقيته في مكتب الحزب في الصيفي، شتاء عام 1973، وطال الحديث بيننا، ووصل الى الدين والتدين وعلم الكلام، فقال الشيخ بيار معبراً عن عدم حماسه للتظاهر بأننا نحن في الشرق عموماً متدينون نؤمن بالقضاء والقدر وأن الله هو الفاعل لكل شيء، من المطر الى الصحو ومن خصب الموسم الزراعي الى المحل ومن ارتفاع اسعار التبغ الى انخفاضها ، فلماذا نخالف إرادة الله بالتظاهر ؟ وعقب مستشهداً بمأثور من الأدبيات الإسلامية يقول: “اُعقلها وتوكل”، وقرأه هو بصيغة “أقعد وتوكل”. فصححت له، فسالني عن الفرق في قراءة النص، فقلت له أقعد وتوكل يعني أن لا تسعى الى رزقك لأن الله يرزقك، وهو يرزقك حقاً ولكن بشرط السعي، ولذا فالصحيح ” أُعقل وتوكل”، أي أعقل الناقة، أي شدها برسنها من ركبتها، وإذا شئت أن تنام في ظل شجرة أو صخرة فنم هنيئاً، لأن الناقة (المعقولة) المربوطة لن تذهب بعيداً فتضيع أو تأكل زرع الآخرين أو تهرسه.. ومن هنا، عقّبت، بأن العقل سمي عقلاً لأنه يعقل ، اي يتيح الحركة المدروسة غير الضارة ويمنع الجنوح والتطرف، ومن هنا أيضاً كان على الدولة لكي تطمئن أن لا نتظاهر ويدخل بيننا متطرفون أو (مدسوسون) يخربون ونغفل عنهم لأننا مظلومون وطيبون ولم يعد بإمكاننا أن نصبر على المزيد من الظلم الذي قررت أن تلحقه بنا شركة “الريجي” برضا وبتشجيع من الدولة.. لكي تطمئن الدولة كان عليها أن لا تضع سهرنا وعرقنا في حقول التبغ بين أيدٍ لا ترحم.. أصغى الشيخ بيار والتفت الى ساعته وقال لقد استقبلتك قبل الموعد بخمس دقائق لياقة لأنك وصلت، وسأودعك مضطراً بعد ربع ساعة من نهاية الموعد لأني أصغيت أليك احتراماً.. وسوف نتعاون في حدود الممكن في سبيل إنصاف مزارعي التبغ، وأوصاني أن أتصل بنجله الشيخ أمين فاتصلت وتشكلت لجنة نيابية اجتمعت في منزله في شارع سامي الصلح كان منها محمود عمار و بيار دكاش و عبد اللطيف الزين وآخرون لا أذكرهم الآن، واستمع الجميع الى تقريري وناقشوا وأخبروني انهم منحازون للمزارعين، ولكن هناك سلطة لا تستطيع أن تلبي بسرعة المطالب حتى لو كانت محقة حتى لا تسجل سابقة على نفسها باستجابتها لمطلب تحت ضغط انتفاضة شعبية ، وهم سوف يتابعون مع المعنيين وعلينا الصبر الى السنة القادمة.. وصبرنا وتحققت بعض المطالب وكأنها منّة من السلطان (زعيم الطائفة وقتها والمتحول كما في “خريف البطريرك” لماركيز) . ثم دخلنا في الحرب وكساد الموسم عام 1976 ثم توقفت الزراعة.

والتقيت مع مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، كمال جنبلاط، الذي أسسه ليحمي حضوره السياسي وفعاليته بالمشاركة والتحالف المتنقل ومن دون عقد أو عوائق أو عقائد، منطلقاً من صغر حجم طائفته وصعوبة التواصل مع امتدادها المحدود في فلسطين والأردن وسورية، متنزلاً من قامته الفكرية العالية الى الواقع الطائفي مذعناً للواقع في البداية على مضض ثم راضياً ومتفهماً لهذا الواقع الطائفي لأسباب تتصل بأن نوايا تطييف لبنان كانت تعم الجميع ما أدى الى تسرب مفردات طائفية قليلة أو كثيرة الى الوسط السياسي القومي أو اليساري. حتى بدت القومية العربية وفي حزب البعث خاصة وكأنها اسلامية سلفية أخرى مزركشة بميشيل عفلق، و الياس فرح، و طارق حنا عزيز، و بشارة مرهج، و جهاد كرم، و نقولا الفرزلي وغيرهم ، وحتى تساءل البعض وإن من دون تدقيق لماذا لم يتزعم الحزب الشيوعي مسلم واحد الى أن عين جورج حاوي رفيقه فاروق دحروج أميناً عاماً للحزب بعد تراجعه الكبير وكأن هذا التراجع قد أصبح مناسبة للزعامة من أصل اسلامي التي انتهت الى أمانة خالد حدادة والأمين المساعد سعد الله مزرعاني.

التقيت كمال جنبلاط في انتفاضة مزارعي التبغ التي تحمس لها كثيراً وعندما تحققت بعض مطالبه السياسية باستقالة الحكومة التي منع استمرار الحكومة التي تلتها متوافقاً مع رشيد كرامي على منع الرئيس أمين الحافظ الطرابلسي من إضافة زعامة أخرى الى الشجرة الطرابلسية .. عندما استعاد كمال جنبلاط نفوذه على العملية السياسية ، تخفف من الارتدادات الشعبية للانتفاضة الزراعية في بيروت واكتفى بثمن اعتبرناه نحن البسطاء حراماً ، بينما كان في الشرع السياسي حلالاً جداً واحتياطاً من العواقب الوخيمة على أبواب الحرب التي ابتدأت باغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة وأحداث أيار وقعدت –الحرب- قلقة تنتظر موعدها في عين الرمانة.

لم أشعر أنني التقيت مع كمال جنبلاط ضد أحد، لأني لم يكن بإمكاني أن أتواطأ، فأنا ناشط شاب وفرد ولا رهْط لي ولا عصبية، وإن كان بإمكاني أن استرعي انتباهه بصراحتي في نقد أداء الأحزاب المضطرب والصراعي الذي فوجئت به في لقاءاتي حول مسألة المزارعين وضرورة تأسيس نقابة منتخبة منهم بحريتهم – ما لم يرق للأحزاب وخاصة جورج حاوي في نادي خريجي المقاصد – ما دعاني الى شن حملة على تناقضات الأحزاب.. وقلت لهم أن حوزة النجف التي كنت أتوقع أن يكونوا أكثر تنظيماً منها تبين لي أنها متقدمة عليهم عقوداً من الزمان وضحك كمال جنبلاط من قلبه موافقاً وقال لي: خليك تشوف كم أعاني؟ .. لم أقتنع ولا مرة أن هذا الواقع الذي ينقده كمال جنبلاط في الحركة الوطنية بلغة فكهة ومازحة.. يقلقه أو يزعجه بل يؤكد دوره ويحفظ له موقعه الذي تأتي قوته من درزيته أولاً والتي صنع لها مروحة عربية ودولية جعلته في مصاف كبار عصره من الزعماء وأكبر كثيراً من طائفته حيث أصبح الإمام موسى الصدر مشابهاً له في هذا المستوى من الفاعلية التي تتجاوز الحجم المحلي. وكلاهما ذهبت به من الدنيا هذه الفاعلية المحرجة للأنظمة شبه الصديقة.. وهذا ما انتبه اليه وليد جنبلاط بعد استشهاد أبيه وهو على قليل من الدرزية في مقام العصبية أو المعرفة بذاكرتها ومنظومتها، وعلى قدر أقل من اليسارية التي كانت تمارس فتوتها في الجامعة الأميركية ولكنه كان بعيداً عن حاضناتها (الكوفيز) السياسية والعقدية.

وبسرعة تعلم وليد جنبلاط رئاسة الحركة الوطنية من موقع وراثي درزي وزعامة الدروز من موقع يساري أو إسلامي.. حسب ما تقتضي اللحظة من تظهير مكوّن على حساب المكونات الأخرى أو لحسابها .. ومن هنا يظهر وليد جنبلاط في لحظات الحسابات الطائفية الدقيقة إسلامياً إذا كان ضعيفاً ودرزياً إذا كان قوياً، ويحلّي إسلاميته بالتقدمية والعروبة والنضالية وفلسطين والأممية الثانية أو الرابعة ويغطي درزيته بالجبل واليوغا والكيان من عهد المتصرفية وما قبلها وبتاريخ الموحدين الذين كانوا كل شيء حتى لا يصبحوا لا شيئاً أو شيئاً من أشياء غيرهم ، وأن يتجاوزوا عددهم بضرورتهم في كل مرحلة ويحافظوا بذلك على نصيبهم في قرص الدولة الذي يعجنه ويرقه ويشويه الرئيس الزعيم وليد بك، الذي يتمترس في اضطرار الطائفة الى زعامته الأوحدية واللحاق به أينما ذهب، الى أن ذهب أخيراً وباندفاع الى حيث كان الدروز بإمكانهم أن يتابعوه مع تبريرهم لخوفه عليهم مقابل خوفهم عليه ، لو كان عودهم على الشفافية والشورى بدل الديموقراطية التي يؤمن بها نظرياً لأنها جميلة في إيقاعها وإمكان استخدامها ضد الإستبداد الآخر أو استبداد الآخر لأنه مختلف. غير أن العقلاء ممن اعترضوا من الدروز أو أضمروا الإعتراض على الإنعطافة الحادة والمرة بعد السابع من أيار عادوا الى الصف لأن الطائفة قد أصبحت في زمن تورم وتضخم وتغول الأحزاب الطائفية، ملخصاً فضفاضاً لوليد جنبلاط الذي أصبحت زعامته معادلاً مركزاً لها على وجع مرة وشكوى مرة وفرح تارة وزعل تارة، ورضا طوراً، وعلى معادلة وتماهٍ نهائي بين الجماعة والشخص أسوة بالآخرين الذين لم يكن حال المنظومة الاشتراكية والإسلامية والقومية العربية، في الشخصنة والوراثة في تاريخهم وسلوكهم، أفضل من حال الطائفة الدرزية، التي صار لها زعيمها الأوحدي وإن لم يكن واحداً، فإن الوراثة وحدها لم تكن كافية لجعل منافسه المزمن معادلاً ولو نسبياً له ، ولو بضخ الهرمونات في شرايينه من مصادر عدة، بينما كانت تقدمية كمال جنبلاط الدرزية وفكريته المميزة ونمط علائقه العربية والهندية والروسية والأوروبية.. ونمط تعاطيه المركّب من موقع التباين والتوافق مع القضية الفلسطينية وفوزه بمقدار كبير من وهجها وتنصله الشديد والصريح من سلبيات المقاومة وفصائلها وقياداتها صديقته اللدودة والتي كانت من ضرورياته وإن أضرت به أحياناً وكان من ضرورياتها وإن أضرّ بها أحياناً.

**********

وبعد انتفاضة مزارعي التبغ التقيت كمال جنبلاط عندما رشحت وأنا مسافر في أمر مطلبي ومن قبل بعض اليساريين وأصدقائهم من الوطنيين الى مقعد نيابي في انتخابات فرعية في النبطية خريف عام 1974 شغر بوفاة المرحوم فهمي شاهين . وقد تحمّس اليساريون القادة لذلك عندما أجروا تحقيقاتهم واحتملوا بقوة أن أكون مرشحاً ناجحاً في كل الظروف ومع كل قوة المتنافسين (رفيق شاهين مؤيداً من السيد موسى الصدر و غالب علي أحمد مرشحاً من كامل الأسعد). وتحفظ الشيوعيون في البداية واستطاع محسن ابراهيم و حسيب عبد الجواد أن يقنعا كمال جنبلاط الذي تحمس كثيراً وأقنع الشيوعيين واعترضت الشخصية المصرية الكبيرة في بيروت (محجوب عمر الشيوعي السابق) على ذلك وقال لي إن جورج حاوي يتحدى كامل الأسعد برجل دين شيعي؟ ولماذا لا يتحداه بقائد شيوعي ومسيحي ولماذا لا يترشح أبو أنيس(جورج حاوي) في النبطية؟ تساءل المناضل الظريف محجوب عمر، وكان محجوب قد خرج من شيوعيته الى حركة فتح بعد تجربة طويلة مع تناقضات الأحزاب العربية وبعدما لاحظ تبادل المنافع بين الطائفية والتقدمية واليسارية والقومية والليبرالية في لبنان.. وقد كان للحزب الشيوعي مرشح تقليدي في النبطية ، لطالما تحمسنا له في طفولتنا وصادقناه في شبابنا ، ولكنه لم يكن منافساً (عادل صباح) لا هو ولا المرشح البعثي العراقي الشاعر موسى شعيب.

ومع تجربة فؤاد شهاب التحديثية كدنا أن نصبح أمام مسار مختلف ومميز لولا أنها أهملت الاجتماع والسياسة ، فكانت فرصة ذهبية لنمو الأحزاب الطائفية وتفشيها في مجلس النواب وخاصة الكتائب الذي ازداد نفوذ رئيسها الذي أراده شهاب سنداً له… حتى بدا وكأن كل شيء في لبنان وإن بدأ من القطيعة مع الطائفية سوف ينتهي اليها ، كما لو كانت قدراً مقدوراً ، وهكذا فإن الزعيم الاستقلالي رياض الصلح ولأنه كان جزءاً من الجنوب التعددي ، عندما ترشح للنيابة في بيروت لم ينل إلا مئات من الأصوات ، ما أجبره على الانتقال الى القسم السني من العاصمة ليؤمن استمراريته بتركيز سنيته آتياً من صيدا التي كان اجتماعها السني أرقى عندما انقسم الرأي فيها في وقت مبكر بين الشيخ أحمد عارف الزين الوحدوي العروبي الشيعي والشيعي الآخر عادل عسيران الكياني الليبرالي الذي انخرط بشجاعة في صف المواجهة للتيار الناصري مع كميل شمعون وحاول أن يقرب المسافة بينه وبين جمال عبد الناصر، هذا ونحن نرى الآن كثيرين من أصدقائنا يغادرون أماكن إقامتهم الحداثية والعلمانية ويأوون الى طوائفهم بمبررات تشبه المنطق كثيراً وتشبه الواقعية ولكنها غير واقعية ولا منطقية، أما أنا وأمثالي الذين قد يتعرضون مستقبلاً لضغوط مذهبية قاتلة من أجل الإلتحاق بالقطيع أو الإصغاء لإملاءاته قهراً ، فإن عدم إذعاننا الذي يضعنا خارج الطائفة من دون أن يجعلها خارجنا كجماعة وطنية ليس إلا ، قد يؤدي بنا الى الخروج النهائي من العملية السياسية وتفرغنا لبيع خدماتنا السياسية والفكرية بثمن أو من دون ثمن لتجار الطائفية وأحزابها التقدمية والرجعية ومؤسساتها الروحية الباقية على شيء قليل من الروح ما لم نبادر الى تحويل أفكارنا ومشاعرنا ومواقفنا الى رؤية وأطروحة أجمل بكثير من أفكار وسلوكيات من نحبهم ومن يكرهوننا معاً .

**********

عوداً على بدء.. فقد عاد كمال جنبلاط عن حماسه لترشحي الى النيابة، عندما أدرك وأدركنا قبله أن ذلك سوف يكون استفزازاً للسيد موسى الصدر من دون أن يكون بإمكانه أن يكون تأسيساً لمسار حقيقي وإيجابي في مستقبل السياسة في لبنان، بل ربما كان داعياً الى مزيد من التشبث بالطائفة كفاعل لم نعثر له على بديل في كل الأحزاب حتى الآن ونسأل الله أن لا يكون الى الأبد .. ووجدت في ذلك فرصة لتجنب المنزلق الذي كاد أن يضعني فيه اصدقاء مخلصون متحمسون بصدق لي وللتجربة الجديدة، أعني حسيب عبد الجواد وأمثاله وبعض الأصدقاء من رجال الدين. ورحب كمال جنبلاط بانسحابي وبياني الذي ذكرته فيه مع الإمام موسى الصدر بخير وشددت اللوم والإستنكار على سلوك حزب البعث العراقي المندفع نحو المقعد الشيعي بقيادة سنية وأرثوذكسية تبدأ من عبد المجيد الرافعي والصديق رغيد الصلح وتنتهي بمعن بشور والنائب السابق بشارة مرهج مع ابتهاج الأرثوذكسي الثالث نقولا الفرزلي ولوم غلاة الشيعة السياسية لي على قبولي الأولي بالتواطؤ مع الدرزي في وجه كبيريْ الطائفة المتباينيْن السيد الصدر و كامل الأسعد!!! ومتأخراً اكتشفت أني كنت أمشي وكأن تكويني لا يضعني إلا في وجه السائد لأنه ليس سيداً بل هو مسوَّد أو مسيَّد.. وعندما حاولت أكثر من مرة أن أكون واقعياً شعرت وكأني صائراً الى أن أمشي على رأسي وقلبي في يدي لا في صدري ، أرشق به كما لو كان “رمانة” – قنبلة، من يختلف عني ولو في لون عيني أو ثيابي.

لقد استفدت من تراجعي عن الترشيح أكثر من فوزي الذي كان محتملاً وربما كان مدمراً نظراً للبداية العاجلة للحرب وفقدان النواب لدورهم وعدم كوني قادراً على الإنسجام والأداء الدقيق في ظروف بالغة الدقة ومن دون خبرة، ما كان سوف يجعلني تلقائياً تحت وصاية يسارية وضارة، ولكن لم أستفد كثيراً من هذه التجربة عندما رشحت نفسي منفرداً لانتخابات عام 1992 ظاناً بأن الظروف قد تبدلت لصالح أمثالي من المتدينين النازعين الى الحرية والخدمة العامة ذاتياً ومن دون مقدرات وإمكانيات كان بعض الزعماء المؤسسين، ومن أجل توفيرها، يبيعون عقاراتهم الموروثة ومنازلهم، ليحصلوا عليها ويبددوها من دون جدوى لأن الطائفية التي أخذتهم هي التي دهورتهم.. ولكن السائد استفزني والخوف على الحرية المنتقصة من النفاد دفعني الى الترشح المعلوم النتيجة سلفاً .

**********

كنت وعدداً من أمثالي الذين انفتحوا على الأحزاب مع مانع تكويني من الحزبية وتقدموا كثيراً نحو المقاومة الفلسطينية وفتح خصوصاً، من دون قدرة ذهنية أو قبول عقلي بتحويل الحركة الرحبة الى زاروب إيديولوجي حرصاً على فلسطين .. كنت وهذا الرعيل من المناضلين المتمردين لا نتردد في إظهار ترددنا أو تمنعنا عن القبول باستمرار الحرب في لبنان، وإن أعوزتنا الشجاعة أحياناً، لأننا كنا نرى ذلك لا يتم إلا على حساب فلسطين التي كانت الهدف الحصري والإجباري لنشاطنا.. وقد تم ذلك فعلاً وبشراكة فلسطينية لبنانية استقلالية أو قومية حزبية أو يسارية وبحجج وذرائع إضافية تكفل حزب الكتائب وشركاؤه في الجبهة اللبنانية تقديمها الى غلاة الفلسطينيين في الشأن اللبناني وغلاة اللبنانيين في الشأن الفلسطيني الذي تحول من غاية يساعد اللبناني على الوصول اليها الى ذريعة يصل اللبناني من خلالها الى غيرها ويصل الفلسطيني من خلالها الى لبنان على طريقة الأنظمة العربية الاحتوائية في حين انه كان على الثورة الفلسطينية لو كانت ثورة بمعايير أكثر انسجاماً مع الاستراتيجية منها مع التكتيك ، مع المحافظة على الفضاء الرحب الذي كان من خصائص حركة فتح أنها تركته مفتوحاً على التعدد الذي كان يحتاج الى جرعة أكبر من الوحدة لا ضد الإنشقاقات بل من أجل التوازن والإتزان في السلوك والممارسة، كان على الثورة أن تكون مختلفة جذرياً.. ولعل الصواب أن نقول بأنها لم تكن ثورة حقيقية ولن تكون طالما بقيت في لبنان بين شارع الحمرا الذي لم اره الى أواسط الثمانينات بعدما كان يعج بالمقاتلين الفلسطينيين الذين استدرجهم اليسار الطفولي والقوموية الرعناء الى عمان بعيداً عن الكرامة والأغوار ليسهل على النظام العربي استدراجهم الى بيروت حيث خلعوا الثوب العسكري وارتدوا الجينز بعد استدراج الحركة الوطنية والجبهة اللبنانية لهم الى المصارف ومنها الى كل شيء إلا الثورة. بما تعني الثورية البرنامجية من النضال المركب والواقعية واختيار التغيير التراكمي على التغيير الفجائي المستحيل.. لولا استثناءات رائعة خرقت جدار الحرب اللبنانية بعمليات نوعية في الأرض المحتلة.. بقيادة أبطال كانت دلال المغربي رائدتهم.

هذا في حين كان القادة الروحيون الدينيون الذين يحبون طوائفهم ولا يصادرونها ولا يستخدمونها في تحقيق أغراض لا تفيدها إن لم تضرها وتجعلها مصدراً للإضرار بغيرها، وتحبهم طوائفهم وتنصرهم أحياناً وتخذلهم أحياناً أخرى.. (البطريرك خريش والإمام موسى الصدر والمفتي حسن خالد وشيخ العقل محمد أبو شقرا) ومعهم رجال سياسة عريقون مختلفون تاريخياً ومتفقون وقتها على إيقاف الحرب مهما كلف ذلك من ثمن كان باهظاً عليهم وعلى لبنان الذي دُمر في حين قتل بعضهم ومات بعضهم كمداً أو هجر بعضهم وأخفي بعضهم ليخفي معه لبنان عن عيون اللبنانيين عقوداً أخرى ويدفن ريمون اده في باريس ويعود صائب سلام شيخاً واهناً ويلحق بهم رشيد كرامي بعدما كان كمال جنبلاط قد سبقهم ولم يعد بإمكان نسيب البربير و محمد صفي الدين ورفاقهم إلا أن يعدوا أنفسهم بإمكان التخفيف من غلواء الطوائف حريصين على طوائفهم أكثر من أحزابها ومن منظور وطني لاطائفي.

**********

إن لدى الأحزاب الطائفية تامة الطائفية أو الناقصة، مقداراً متفاوتاً في الحجم والنوع، حتى داخل الحزب الواحد، من السعة والرغبة في تخفيف طائفيتها، لأسباب تبدو وطنية، وفي مواسم الانتخابات وتشكيل الحكومات والإدارات وتوزيع الموازنات لا تلبث أن تتقهقر ليظهر الحزب على حقيقته بمرارة مستساغة من قيادته وقاعدته وحاضنته الطائفية .. لدينا ولدى هذه الاحزاب شواهد مريحة كثيرة ، في الحزب التقدمي الاشتراكي مثلاً من بدء التأسيس وحتى الأن، وإن كانت نوعية هذه الشواهد قد تراجعت، ولأسباب تتصل أولاً بالجبل وضروراته الدرزية مع الطوائف الأخرى، وثانياً للمروحة الفكرية الواسعة التي كانت تلطف أجواء قصر المختارة .. وما زالت، وإن كانت تتعرض للأعطال بين فترة وأخرى ، ثم تعود بفعل زيادة الشحنة الكهربائية، لتشتغل بسرعة غير عادية ومثيرة للخوف بسرعتها، لتعود الحاضنة الدرزية فتحيط بالقصر تدفئه في الثلج وترطبه في الخماسين والسَّموم.. عنيت التنويع الطائفي في تنظيم الحزب خصوصاً.

أما في حزب الكتائب فقد كانت الشواهد ضعيفة جداً في البدايات ، وضعيفة بعدها، الى بداية الحرب التي أظهرت هامشية المسلمين وغيرهم من أبناء الطوائف المسيحية غير المارونية مع استثناءات لافتة أحياناً في الكتائب، وأدت الى نبذهم (المسلمين) بالتناغم بين إصرارهم على الظهور وكأنهم من أهل المارونية السياسية وبين الجو الاسلامي المختلط باليساري والقومي والفلسطيني، والذي لا يقبل شيئاً ولا حواراً وإن كان يفاجأ بين فترة وأخرى باجتماع لزعمائه مع القيادات الكتائبية وغيرها في جو من الود والتفاهم الأقرب الى التكاذب.. وكان ياسر عرفات مدهشاً في هذا المجال بحيث كان البعض يندفع معه مؤمناً بأن حواراته مع الكتائب عبر أبو حسن سلامة و الكسندر الجميل أو مع جماعة الكسليك عبر هاني الحسن، قد تؤدي الى وقف الحرب لتظهر في النهاية على أنها مناورات من الطرفين وعلى حلفائهما أولاً .. مناورات من كمال جنبلاط على أبي عمار ومناورات من أبي عمار عليه، ومناورات من الكتائب على الأحرار وغيرهم، ومن الأحرار على الكتائب وغيرهم. وما كاد الإمام موسى الصدر يخطو خطوة نحو المصالحة وإيقاف اطلاق النار الفعلي والتلاقي الميداني بين الشياح وعين الرمانة، حتى ثارت ثائرة الجميع وانهالت الاتهامات، بعدما كان مطلقوها أو بعضهم قد شجعوه على خطوته .. ثم عادت الكتائب الى الإذعان لموجبات التحديات المارونية وضرورة تشديد سرية التداول في الشأن السياسي، فضيقت على غير الموارنة وغير المسيحيين في حدود ، حتى لا يدخلوا الى البيت الوطني الذي صار بيت الطائفة من دون شراكة على قلق لأساساته في أرض الوطن وفضائه.

في هذه الشواهد وغيرها، ما عدا جدية الإمام موسى الصدر في تشكيل لجنة السبعين من كل الطوائف لتكون برلماناً وطنياً لحركة المحرومين ، لولا وقوع الحرب سريعاً، في هذه الشواهد يظهر البعد الوطني في حركة الأحزاب الطائفية من دون أن يمنحها صك البراءة بالصفة الوطنية التامة أو المطلقة، بل تبقى صفتها الطائفية هي الغالبة الى حد أن تصبح تعريفها الوحيد من دون زيادة حرف واحد، إلا في حاشية الخطاب، أو شروحه، للزينة، مطرزة بالبديع الوطني.

في ما يخصني شخصياً من هذه المسألة، أي القلق الطائفي لدى الوطنيين من أمثالي ، وقلق طوائفهم منهم، من أمثال الأب مكرم قزح و حليم ريشا و مارون عطالله و ميشال حايك و سليم غزال و بولس الخوري وغيرهم من الروحيين و طارق متري و روجيه عساف و جورج و نجاة ناصيف و ابراهيم شويري و بطرس لبكي و أحمد علامة و معين حمزة و نايف سعادة و حسن الشريف، وغيرهم من المدنيين .. كانت علاقتي بالأحزاب تتغير بنسبة ما مع اليسار مع إصراري على النقد.. والنقد اللاذع أو الجارح أحياناً، لأتلقى الصاع صاعين كل مرة، من دون أن ينقطع الحوار ومن دون أن أسمح لنفسي، بتعدية سلبيتي من اليسارية الما تحت الواقعية واليسارية الطفولية، الى الحزبيين الذين كانوا من أصدقائي، إلا إذا شاؤوا قطيعة معي، كما حصل عندما ظهر ترددي مع غيري، في القبول باستمرار الحرب والسعي الى اختراق الصفوف الطائفية بأنشطة وتفاهمات وبيانات سلمية لحساب فلسطين وليس على حسابها كما فعل المتشبثون باستمرار الحرب، وليس كما فعل المخلصون لفلسطين من دون مبالغة أو مراهنات حزبية ملغمة بالمقاومة، أعني ريمون اده و صائب سلام ومعهم سياسيون وروحيون كان كمال جنبلاط ينخرط فيهم ويحمل معهم رجاءهم ولكنه محتفظ بمقعده في مدرسة الحرب، التي كان يعلم أنها طويلة، وأن من لم يشارك فيها لن يكون له شيء من الجائزة .. والذي يطمع بالجوائز معذوراً أو من دون عذر ، قد لا يبالي بكونها حلالاً خالصاً أو حراماً صرفاً أو شبهة تشبه الحلال كما تشبه الحرام.. والطائفة باستيعابها المألوف للمكاسب تحلل الحرام وتحرم الحلال أكثر بكثير من ولاية الفقيه التي قد تكون مظلومة بعض الشيء في هذا المجال لأنها واقعة كفكرة تحت حكم الطائفة وفي قبضتها .. هل هذه ألغاز؟ وعلى كلٍ ما زال وليد جنبلاط بالنسبة لي أكثر من لغز وأحجية أو هو لغز وأحجية مشتقة من كتاب لبنان الأحاجي والألغاز، وعندما يحل لغز وليد جنبلاط وأبيه قبله، وسائر الألغاز أقل صعوبة، فإن وليد جنبلاط لا يعود بحاجة الى التلغيز والإبهام.. مع العلم أن كل معنى من المعاني الكبرى بحاجة الى شيء من الغموض حتى يمكِّن أهل التأويل من عملهم وتكون المعرفة على شيء من الصعوبة اللذيذة ، لا الصعوبة التي تبعث على الكآبة في الغموض أو الوضوح اللبناني البالغ غير البليغ .

وإن كان وليد بك لم يشعر مبكراً بالحاجة الى درزية ناجزة، بسبب شبابه ونشأته في جو من الحرية العائلية وبعيداً نسبياً عن خصوصيات البيئة الدرزية، واستزادته منها بسبب مزاجه وجنوحه الى الحياة في لحظات انشغال أبيه عنه بالفكر والشعر والتصوف وحوار الحضارات واليوغا والفلك وإخوان الصفا والقمح الاخضر و تيار دي شاردان و كميل شمعون وغيرهم، وعشقه للمكايدة السياسية والرجوع عن القطيعة التامة الى التحالف التام، بدءاً من انتخابات عام 1947 التي كان وزيراً مع كميل شمعون في الحكومة التي أشرفت عليها، الى عام 1952 وإسهامه في ترئيس كميل شمعون بدلاً من صديقه حميد فرنجية الذي استبق النتائج التي بان أنها لغير صالحه بعدما كانت بداياتها لصالحه، بالإنسحاب من المعركة وعلق بأنه يبدو أو في معلوماته أن الكفة الانجليزية قد رجحت على الكفة الفرنسية.. وعاد بعدها كمال جنبلاط ليعترف بأنه لم يكن على صواب في حركته تلك، خاصة بدءاً من عام 1954 وبداية ظهور علامات الوحدة ونجومية جمال عبد الناصر وحلف بغداد وموقف شمعون منه، الى انتفاضة عام 1958 على أساس الصراع بين الكيانية التي لم يفرط بها كمال جنبلاط والوحدة التي أحبها ولم يحب المغامرة على طريقها والمنظومة الاشتراكية التي نقدها من موقع الصداقة التي لا تكفي للتغاضي عن الأخطاء أو عن الإختلاف المنهجي الذي يأتي من إنسانويته التي جعلها شرطاً للاشتراكية، كما ظهر عام 1976 عندما وافق كوسيغين رئيس الوزراء السوفياتي من دمشق على اجتياح سوريا للبنان عبر الجبل وسفر كمال جنبلاط الى ليبيا والجزائر ومصر ليوظف وعودها له في الصمود أمام التفرد السوري بلبنان ويجدها قد دبرت ذلك مع سوريا في ليل.. وينتظر سنة كاملة حتى يرحل أو يُرحَّل..

**********

بقي كمال جنبلاط ينطلق بدقة وسلاسة أحياناً من تحالف الى قطيعة ومن قطيعة الى تحالف من دون أن يتمكن خصومه الذين صاروا خصوماً لتوهم من القبول بذلك أو بالسلاسة الموازية لسلاسته.. وقد افتقر وليد جنبلاط، الى هذه السلاسة، بسبب تركيبه الشخصي وأسلوبه الشبيه بأسلوب الحاكم بأمر الله، الذي أفهمه كما أفهم وليد بك وأرى الجامع المسوَّغ بينهما، وأهم علاماته القلق الوحدوي والمعرفي والتراجع المباغت والإقدام المباغت دائماً.. الى ظروف مستجدة قد لا تكون أصعب من الظروف التي مر بها لبنان والعرب و كمال جنبلاط سابقاً ولكنها هذه المرة أصعب. والتعقيدات الطائفية التي تنذر بالفتن، أكثر وأدعى لخوف الدروز على وضعهم بسبب سيادة مفاهيم العدد، وتراجع دور النوع، الذي حاولوا أن يمثلوه حفظاً لسلامتهم وشراكتهم، في مقابل وعي كتائبي لا يظهر عمقه باستمرار ولا يخلو من تقلب، بالعربية كانتماء وثقافة وجيرة وعمق ونظام مصالح، من دون أوهام، وفي ظروف اشد صعوبة، ما يستدعي الحكمة والتقليل من العجلة الضارة في التقاط الفرص الضعيفة والتي تفلت من اليد بسرعة.

**********

ويبقى وليد جنبلاط استثناء منقطعاً بسبب درزيته وشخصيته وارثه العائلي الذي يدخل في صلبه شكيب أرسلان أيضاً، يبقى استثناء منقطعاً بالمعنى النحوي، عن كل المستثنى منه في لبنان، ويبقى قادراً على أن يحببك بدرزيته التي يتعامل معها الدروز بحب مرة وبإذعان مرة، ما يعني أنه يقصر المسافة بيني وأمثالي ، وبين طائفة غير طائفتهم من دون انتظار منه لقطيعتهم ، إلا في حالات تحدّث فيها وليد جنبلاط عن التيار الشيعي الثالث وعن اختفاء الديموقراطيين الشيعة من المشهد في وجه حزب الله وحركة أمل على الرغم من اننا لم نذق كثيراً من الديمقراطية في الوسط الدرزي. ونحتفظ بالحب المر والصعب سياسياً والسهل جداً ذاتياً وأدبياً وظرفاً وطرافة ومفاجأة، لوليد بك، بما يعني من حزب تقدمي اشتراكي بزعامة دائمة من رجل شبه إقطاعي، شبه برجوازي، شبه ليبرالي، شبه اشتراكي، شبه حداثي، شبه كلاسيكي، شبه إسلامي، شبه علماني، ودرزي دائماً، بحكم الضرورة الدرزية التي هي وطنية لولا مبالغة الآخرين بطائفتهم وغيرة الدروز منهم وتقليدهم لهم في ذلك.. وليس من حق الطوائف المفتونة بأكثريتها مطمئنة الى مصيرها ومسارها!!! أن تلزم الطرف الأقلوي الطائفي الباحث عن المعنى مع عدم كفاية العدد، أن يخرج من طائفته ليندك في طائفة أخرى تتنصل منه متى شاءت مصالحها وعقائديتها.

هذا ومع تلذذي بعدم القطيعة مع وليد بك وقيادات في حزبه أحببتها كثيراً وأحبتني أكثر وصبرت وتصبر على اعتراضاتي وتنديداتي أحياناً، مع توقعها الدائم للرضا مني، فإني ما استطعت أن أضرب معه موعداً على مكان أو موقف سياسي ولا غيري استطاع وأبرر ذلك بأن السياسة يومية ومتغير سريع وإلا حطمت المتصدي لها بسكون وجمود أو قلة قدرة على الحركة ، والسياسة هي المكون الأول لوليد جنبلاط، وتأتي بعدها الثقافة ولكن ليس بفاصل كبير كما لدى الزعماء الآخرين. في حين أن السياسة كحرفة ثبت أنها ليست من شأن المثقفين المهنيين الذين يفلحون في الفكر السياسي لا في الإدارة السياسية التي تشتغل أحياناً وكأنها بلا نظام أو قانون. وهذا هو نظامها وقانونها بشرط الأخلاقيات العامة، وإلا أصبحت فاجعة، من هنا يبدو وليد جنبلاط أحياناً وهو يتحدث عن قناعة ما، ويسكت لحظة فيعرف الخبراء به أنه يفكر بنقضها أو الرجوع عنها، ويفعل ذلك في موعد آخر في المشهد أو في الخلفية التي لا تلبث أن تتقدم الى المشهدي .. وتتأكد من فهمك لوليد جنبلاط كلما خاب ظنك بقدرتك على فهمه ومن شطارته أنه يحول الجهل به الى علم والعلم به الى جهل . من هذا الإختلاف الدائم والسريع الوتيرة في شخصية وليد جنبلاط، والذي يبدو تناقضاً أحياناً و(مَعْلَمة) أحياناً، يأتي شيء من جاذبية شخصية وليد جنبلاط على حموضة كاوية في مظهره ولسانه وباطنه الحاشد بالمضمرات المدهشة والتي تكاد تجعلك تفرح أو تبكي، لما تحدثه فيك من صدمة إيجابية أو سلبية.

**********

لعله من مفارقات كهذه يأتي جمال لبنان والخوف عليه ، ولا بد لنا في كل حال أن نبقى محافظين على جدلية الفرح والحزن . والخوف والحب والغموض والوضوح والثبات والتقلب لمعاندة الحرب عندما تقع أو تتوقف ريثما تعود .. والتشبث بالسلام والحوار والعيش المشترك ، والجبل والداخل والساحل والجنوب والشمال والوسط الوطني والوسط الفكري والوسط الديني والسياسي والعلماني لو كانا حقيقيين ! . لجعله أساساً في عمارة لبنان ، وعلامة فارقة على تكوينه وأمثولته المرتجاة دائماً .. ورسالته التي لم تمحها الحروب والشقاقات الدائمة والطائفية وأحزاب الطوائف أو طوائف الأحزاب ولن تمحوها .. بإذن الله ..

على الرغم مما قدّمت أقول لزعماء الطوائف : هل نعتدي عليكم أو على أحزابكم التي ليست مقدسة ، أو على الطوائف الكريمة ، التي لا نريد تهميشها أو إلغاءها ، ولو أردنا لما استطعنا ، مهما راهقت هذه الأحزاب وراهقنا ، هي بضغط من عصبيتها الحزبوطائفية ومخاوفها أو غبنها أو خوفها المبالغ فيه ، ونحن بضغط من معرفتنا المتحررة من المسبقات والقبْليات ، وأحلامنا الملحة العابرة للجوامد الطائفية التي كان يمكن أن تبقى ثوابت على مرونة ، ولكن الأحزاب الطائفية وزعماءها حولتها بتصرفاتها الى ما يشبه النهائيات الإيديولوجية أو الدينية والعقدية المقفلة في وجه البحث والنظر ، والى ضواغط وعوائق وعقد مستعصية وأعطال دائمة ، ما يجعل التخلف على أساس العصبية سائغاً ومسوَّغاً وجميلاً وعادلاً ويجعل التقدم والتطور والنمو على أساس مدني قائم على العدل والمساواة والحرية والشراكة، قبحاً وجوراً وكفراً !!

وعلى الرغم من محاولتي إبداء الرضا الصعب على مسالك حزبية مختلفة فإني أعوض النقص بالرضا وأتجنب النفاق بالحرص على المودة مع الجميع، وحتى لو كانت مودتي يعتريها النقص لأسباب حقيقية أو غير واقعية فإن أمثالي لا يضرون ويبقون مصرين على أن يكونوا نافعين لمن يريد الإنتفاع الشرعي بما يقولون أو يفعلون، ولو أرادوا الإضرار بأحد في لحظة خطأ أو غضب فإنهم لا يملكون أسباباً وإمكانات لإحداث الضرر، وإن ذلك الخلق لمن وظيفتهم المحببة والمؤثرة ولو بعد حين، فأنهم يخافون أن يكون اتزانهم مشجعاً للآخرين على الإمعان في الخطأ وتجاوز النقد البناء، لأن الناقدين لا يملكون سلاحاً غير الكلمة ولو امتلكوا سلاحاً غيرها، ولو جدلاً، ما استخدموه أبداً، لأن ذلك يناقض موقعهم واختيارهم.. ومن هنا فإني أمرن نفسي على المودة المشفوعة بالنقد مع حزب الكتائب، وقد أنجزت الكثير في هذا المجال من دون معرفة ما إذا كان حزب الكتائب قد قرر المودة مع أمثالي أو لا، ولكي تكون المودة صادقة لا بد من دعمها بالنقد الذي أمارسه سراً كثيراً وعلناً قليلاً على وليد جنبلاط وحزبه وبصعوبة نظراً لأن الحب معتق ولا تعتريه إلا الحيرة في طريقة اللحاق بوليد بك في سفره الدائم بين الحال والحال وما يسببه ذلك لأصدقائه من حرج لأنهم رأوه ضرورة كما هو ولا مانع لديهم أن ينتظروا عودته اليهم بعد حين، من دون أن تكون هذه العودة مانعاً من عودة أخرى الى مضارب من غادرهم.

من هنا أرى أن حالتي تخولني أن أقول للأحزاب راجياً: كفوا فقد كفاكم تحويلاً لهذه الطوائف الى مشروع كوارث على حساب حياتها وحيويتها وحرياتها ومنظوماتها الفكرية والعقدية المؤسِّسة والموسَّسة على كظم الغيظ وإفشاء السلام، لقد أضررتم بقابلياتها الوطنية، حتى لم نعد نأمن سلامة ولادة الوطن المرتجى من رحمها المملحة والمتهتكة، ولا نريد أن يأتي الوطن من وراء ظهرها ليكسر ظهرها وظهرنا، أو من أنبوب ملقح من ماء نظام آخر شقيق أو صديق أو عدو.. نريده مولوداً طبيعياً.. إبناً للجميع ليكون أباً للجميع، وهذا معنى روحي ووطني وإنساني وليس بيولوجياً ولا إيديولوجياً قومياً أو أممياً أو إسلامياً أو مسيحياً .. هو معنى لبناني لا يقف في وجه كل هذه المفاهيم ولكنه لا يختزل بواحد منها .. عودوا الى لبنان من مهاجركم الحزبية من دون داعٍ للقطيعة التامة معها حيث تبقى القطيعة النسبية المنهجية ضرورية ومنطقية. عودوا الى المشغل الكيميائي الحضاري اللبناني الذي كان الآخرون يراهنون عليه لكي يتقدم ويتوسع كمتخصص شاطر في إنتاج المضادات الحيوية وعقاقير الوقاية والعلاج من الأوبئة الطائفية السارية، والأدوية المنشطة للدورة الدموية في دولة مدنية، إن أصابها العجز القسري في شبابها أو العجز الطبيعي في شيخوختها، جعلتموه مصدراً وعلة لمنشطات الفايروسات الطائفية المنوَّمة أو المقموعة المستعدة للعمل في أي لحظة والجاهزة للزوال من عقول الحكام وأجسام الطوائف التي أسهمتم في إنتاج عقول لها على نمط عقولكم النمطية والتي زادتها الحزبية الطائفية تنميطاً وبؤساً وفقراً ورغبة في ادعاء القداسة وأبلسة الآخرين، مع تفريقها لإبليس عن إبليس بداعي مصلحة الطائفة الظالمة المظلومة والتي نشهد أن ظلمها الأول يأتي من داخلها أولاً ومعه يصبح الظلم الذي يأتيها من الخارج قابلاً للتحمل أكثر.. فاعتقوها واعتقونا معها واتفقوا وتعالوا لنمدن أحزابنا ودولتنا ونلزم الطوائف الكريمة، وترضى، بأن نتفرغ لحراسة المدينة معاً أو بالتناوب على ما يقتضي الظرف.. وحينئذ سوف نجد في الدين والمذهب كتباً في دروس تعليم الحراسة الوطنية بعقل مدني وعاطفة ريفية متحضرة، بدل العقل الريفي الذي تمدد في المدينة فزعزع مدنيتها بعدما أخذ منها الى ريفه ما لا يلائم الفلاحة والأرض ومصاطب السهر والحب والحكايا.. لأنه أنزل الإنقسام من مقامه السياسي الى مقامه الإجتماي ويوميات الناس، فانقسم المجتمع طوائف متساجلة أو متشاجرة في كل شيء، وامتدت العلة الى الطائفة (كل طائفة) التي ظننتم أنكم توحدونها وحدها من دون غيرها أو في وجه غيرها من الطوائف المتواجهة بفعل فاعلين كثر أهمهم أحزاب الطوائف، التي أصبحت شظايا مجتمعة في كيسكم ولكنها متنافرة الى أبعد الحدود في الكيس الواحد كما هو بين الأكياس إن لم يكن أشد وأدهى.. فاعتقونا يرحمنا ويرحمكم الله.

 السيد هاني فحص

(1) ترافق كمال جنبلاط وبيار الجميل عام 1946 في زيارة بشارة الخوري في لقاء مصالحة مع الرئيس بناء على مساعي السيدة نظيرة (الوالدة) وعندما أفشل أنطون سعادة عام 1947 محاولة التحالف بين التقدمي والقومي والكتائب حصل التحالف بين جنبلاط وكميل شمعون والكتائب في الانتخابات واستجابت الكتائب دعوة كمال جنبلاط الى الاضراب العام والتظاهر تمهيداً لإسقاط بشارة الخوري .

(2) يلتفت بعض المفكرين الشيوعيين اللبنانيين القدامى ويلفت الى أن لينين بعد الثورة واجه دولة ومجتمعاً فقيرين ، فاستحسن من أجل النهوض والنمو وتنشيط دورة انتاج معاصرة ومجدية ، أن يفتح أبواب روسيا أمام رجال المال والأعمال الأوروبيين والأميركيين للاستثمار والإعمار.

(3) هذه المحدودية الضيقة في الكتائب والنسبية في التقدمي ، تقابلها عدمية في التنوع في حزب الله الذي نجح في تحويل مؤيديه من الطوائف الأخرى الى حدائق خلفية مفتوحة له ليل نهار .. أما في حزب التحرير فتغيير المذهب من شيعي الى سني ضروري ، وفي الجماعة الاسلامية عرفنا أفراداً من الشيعة حائرين في مذهبهم .

عن السيد هاني فحص

السيد هاني فحص
كاتب باحث، في (الآداب والعلوم الإسلامية) – له العديد من الكتابات والمؤلفات في العديد من هذه الموضوعات، من كتبه: الحوار في ظل التوحيد والوحدة – الشيعة والدولة في لبنان – أوراق من دفتر الولد – خطاب القلب – ماضٍ لا يمضي – مقيمون في الذاكرة ... في شهادته هذه يقول رؤيته التقييمية والنقدية في الأحزاب والقوى الاجتماعية والسياسية التي يتناولها.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>