الرئيسية / العدد 12 / رحلة مع الغياب

رحلة مع الغياب

Print pagePDF pageEmail page

535773_10151460568180973_1580443272_n
(إلى الراحل مهدي خليل)

هي العاشرة صباحاً أو أكثر قليلاً، الصوت الآخر على الهاتف كان متقطعاً، يختلط فيه الكلام بالبكاء بالضجيج، لا أدري؟ ثمة أمرٌ كبيرٌ!. الصوت الآخر لم يكن إلّا صوت “محمد”، الأخ الأكبر والأب، الذي نعود إليه دائماً في كل أمر وقضية، نطلب النصح والمشورة والرأي، والله ما كنّا إلّا آخذين برأيه في كل الأحوال. صوته هذا المرّة كان مختلفاً، مرتبكاً، ضائعاً وما تعوّدناه كذلك. كان يقول كلاماً غير واضح، لم أفهمه، حاولت الاستفهام والسؤال، لكن، لا من مجيب! عاودت السؤال واسترقت بعض كلمات غير مترابطة: “لقد هوى النسر؟”، أعادها مرّات عديدة، وكأنه يردد درس استظهار عربي. لقد هوى النسر يا حسن! هذا ما سمعته هذه المرّة وبكل وضوح، من ذلك الذي اختلطت لديه القوة والرصانة والحنان والقول الفصل… لحظات تفكير قصيرة وأدركت بأن غيوماً سوداء بدأت بالتراكم، وأيقنت أن المصيبة قد وقعت. نعم مصيبة، لم أتمالك نفسي، بكاء وكلام غير مفهوم وحالة لم تنفع معها يدا ليزا المتعلقتان بي ودموعها المتساقطة خطوطاً على وجهها، وهي الجالسة بجانبي، من تهدئتها للمزيد من الاستفسار عمّا يجري. بكاء متصاعد وعبارات هلوسة تصدر مني، عاد الصوت هذه المرة من الجهة الأخرى ليقول ” إن الوضع صعب، ويجب أن نتمالك أعصابنا، وطلب مني الهدوء… وسرعة العودة”، لقد عاد أبي وأخي إلى ما تعودت عليه منه. شرح لي الوضع وأيقنت بأن بقية من حياة لا تزال في ذلك الجسد النحيل، الذي تركته منذ قرابة الشهرين، عيناه الشاردتان في الفراغ لا تزالان ماثلتين أمامي وأنا أودّعه: نعم لقد أدرك أنها المرة الأخيرة التي سيراني فيها، نظرات ماثلة أمامي لم أتمالك النظر إليها مخافة التعبير عن ضعفي وأنا الذي كان يجاهر بالصلابة. لملمت دموعي وبدأت بإعداد العدة للعودة سريعاً. إن فضل التكنولوجيا قد ساهم إلى حدٍ بعيد في تسريع القضايا: هاتف إلى كندا، إلى حاتم لمناقشة الوضع والتنسيق للعودة السريعة. ليزا تكفلت بالقطار ومتابعة حجز الطائرة مع حاتم وأنا: أتابع مع خالد تطور الأمور بواسطة الرسائل النصية… لكم كنت يا نهار السبت الواقع فيه 23 شباط 2008 يوماً سيئاً بالنسبة إليّ.
*****
معك يا مهدي كنت أتنقل من حادث إلى حديث، ومن مكان إلى آخر ومن دموع تتساقط دون إذن إلى ضحكة أستذكر فيها بعضاً من كثير كنّا فاعليه. الرحلة من “النورماندي” الفرنسية إلى باريس ستكون بالقطار. مع ساعات الصباح الأولى انطلقت؛ خيوط حمراء من شمس شباط النادرة في صباحات تلك المناطق. تأملتها وهي الآتية من الشرق وأنا المتجه إليه. تتقاطع نظراتنا، فأغمض عينيّ على طيفك: أتذكُرُ المرات العديدة التي تقاسمنا فيها تلك المشاوير البعيدة، نصل الليل بالنهار؟ أتذكُرُ كم مرة تحايلت عليك لكي تقود السيارة عني وكنتُ على يقين بأنك لم تنم منذ أيام؟ هي لحظات تمتد من البقاع الغربي إلى عكار، ليالي وأيام الانتخابات النيابية بما كانت تحمله من آمال وهموم وتعب، على طرقات طويلة وظروف صعبة، هي أيام وليالي ما بين عكار وبيروت والجنوب، ما من حديث إلّا وكان علي أو نديم أو أبو علي خالد أو غيرهم من الرفاق مشاركاً فيه، إن لم يكن بواسطة الهاتف، فبموضوع الحديث. أفتح عينيّ فأجدهما لا تزالان عالقتين في خيوط الشمس المشرقية، والقطار يقطع المسافات، فتبدو المزارع وبقايا الماء على الشجر الدائم الاخضرار. لماذا غادر الدفء أشعة الشمس؟ لماذا غادرت الأوراق الأشجار وتساقطت متناثرة متطايرة؟ أعود إلى الوراء إلى الجامعة ودروس “اليوناني”؛ هل تذكر “السيرك” الذي كنت أقيمه أمام الصف وأنتم تفكون شيفرات تلك الدروس وتلك اللغة؟ أعود إلى الامتحانات ومادة علم الجمال والفلسفة الشرقية، إلى عكار وعصام والحزب والرفاق… ضحكة تتسلل عندما أتذكر اعتصام حلبا أو مناقشات اللجنة المنطقية أو السهرات اليومية في المنزل، هل تذكرها؟ نعم كنت أعلم أنك تعلم من أَمَرَ بإحضار الأعلام إلى الاعتصام، لكن، ولكي تترك لنا (عصام وأنا) بعضاً من لحظات ظفر كنت تُنكر معرفتك بالأمر.
هدير متواصل، وهمهمات مسافرين؛ كلٌ له حكاياه ومشاكله وأفراحه وأحزانه. أتأمل تلك الوجوه الناعسة والمتعبة من حولي، فأجد نفسي أتعسها، لم لا؟ فأنت بين الحياة والموت. أترانا نسابق الوقت أو الزمن أو القدر؟ لا أدري! تعود بي الذاكرة مجدداً إليك، من أين أبدأ؟ ما من زاوية من زوايا أيامنا أو ركن من يومياتنا إلّا وأنت فيه محادثاً مناقشاً… أتأمل الماضي فأراك مالئه، أتخيل المستقبل فأجده فراغاً مملاً. أعود إلى الفلسفة والجامعة والعائلة والحزب… ضجيج، يختلط فيه صخب الأحداث وكثافتها مع أصوات احتكاك عجلات القطار مع سكته الحديدية عند الوقوف. ناس وحقائب وصافرات، قطارات تأتي وأخرى تذهب، كلٌ إلى وجهته. واقف على الرصيف، حقيبة صغيرة بيدي، فتراني ساهماً ضائعاً في مكان مررت فيه عشرات المرات، لكن هذه المرة لا أدري ما أصابني. ثقلٌ لم أعهده فوق أكتافي، خطوات متثاقلة، بطيئة ومترددة. أنهيت المرحلة الأولى من أطول رحلة قطعتها في حياتي مع أن الوقت لم يتعدَّ الساعتين.
*****
فضاءات مترامية، وجدت نفسي معلقاً بين الأرض والسماء، غادرت للتو مطار شارل ديغول في باريس، وها أنا أقطع المسافات متأملاً باتساع دائرة الضوء من حولي؛ إنني أقرب إلى ملامسة السماء، أرى الأرض مساحات رمادية، أفتش من نافذة، تكاد لا تتسع لحركة رأس طفل صغير، أبحث، لا أدري عن ماذا! ربما سأصادف حاتماً من على علو ثلاثين ألف قدم، لِمَ لا؟ فهو يجب أن يكون في الوقت نفسه مسافراً لكي نراك. تختلط عليّ الرؤية، ما بين الغيوم التي تصطدم بالطائرة وتكاد تُسقطها وخبرك الذي أسقطني. لا أدري ماذا أفعل، تتسرب بعض قطرات من ماءٍ مالحٍ، أشعر بسخونتها على يديّ، وطعمها في فمي، صوت بكاء مقموع في داخلي يلحّ طالباً الإذن بالخروج، فمنعته مخافة أن أُغضِبك وأنت من كنت تريدني أن أبقى قوياً. استجبت لك كالعادة وها أنا أعود طائراً في فضاءات العمر متصفحاً قارئاً حالماً، عيناي شاردتان في البعيد، لا أدري أي بعد؟ في الماضي أو الآن؟ في مسافات الزمن أو الواقع المعيوش بلحظته؟ لا أدري! أعود إلى معاندة دموع الحزن المنسلّة غصباً من مجاريها إلى فضاءاتها المفتوحة على ألف قضية وقصة وحلم. هل تذكر كم من مرةٍ عاندتك؟ لا لشيء! وإنما فقط للمعاندة. هل تذكر النقاشات التي كانت تتبع كل اجتماع حزبي وموضوعها كان سلوكنا المشترك عصام وأنا؟ ومع ذلك، وبعد الكلام القاسي، وأحياناً التأنيب كنت ترسلنا لنجلب عدة السهرة لنكمل النهار ونصله بليلٍ ربما يلحق بصباح اليوم التالي؟
هي هي الحياة يا أخي، لا تترك للإنسان متسعاً من الوقت، دائماً تربكه بمتطلباتها ومشاكلها وصعوباتها. أتخيل الآتي القريب وكيف سألاقيك وأسلم عليك وأردّد المعزوفة نفسها التي تعلمت قولها كل مرة أقابلك بعد ابتلائك بذلك الخبيث: “شد همتك حاج تتغنج”. نعم كنت أعلم، وكنت أنت تعلم بأن هذه المعزوفة هي مجرد كلام في الهواء. كنت تُدرك صعوبة الوضع ونحن كذلك. كنّا نجانبه أو نؤجله، لا لشيء وإنما لانعدام الخيارات ولأنك أنت. هل تذكر كم من مرة كنت ملاذنا لإيجاد الحلول، وبخاصّة لي: أتذكر كم كانت مشاكلي كثيرة وألقيت عبء حلّها عليك؟ أدرك صعوبة الوضع، لكن الجلد والتكبّر على المصيبة والعقلانية أو بعضها، كل ذلك مطلوب الآن، هكذا تعلمنا في مسيرة حياتنا، واجهنا الكثير من الصعاب والآلام، ولماذا لا تكون هذه مثل مثيلاتها؟ سنواجهها وسنهزمها. ربما منَّيت نفسي بذلك المنطق المقلوب وتحايلت قليلاً، ليس لشيء وإنما لأتحمل عبء المسافة إلى هناك، حيث الروح والجسد في معركتهما الابدية والحاسمة، نعم معركة سنحشد لها كل ما لنا وعلينا. بعضٌ من معنويات مصطنعة بدأت بالتسلل إليّ. ارتجاج، نتيجة ارتطام عجلات الطائرة بمدرج المطار معلنة وصولنا إلى براغ.
*****
“الحزب الشيوعي اللبناني يَنْعَى الراحل الكبير مهدي خليل”. سطرٌ مكتوبٌ على شريط إخباري فاجأني وأنا أفتح الأنترنيت في ذلك المقهى الموجود في مطار العاصمة التشيكية. سطر كان كفيلاً بتوجيه أكبر صفعة تلقيتها في حياتي. تجمّدت عيناي وأنا أراقب ذلك الشريط حتى خلته متوقفاً، جامداً لا يتحرك. دموعٌ كثيرةٌ تتساقط، لا أنظر من حولي ولا أُبالي من نظرات الجالسين. بضعُ رسائل نصية بدأت تصلني عبر الهاتف، أسمع رناتها، لكن لا أقرأها، الوقت الآن للدموع المنهمرة بغزارة لم أعهدها وكأنها نبع ماءٍ تَفجّر. دقائق وبدأت عجلة التفكير تعود إلى رأسي المتثاقل. تصفحت الصفحة الإلكترونية للحزب فوجدت صورتك تملؤها: رحيل القائد الشيوعي مهدي خليل وتفاصيل عن مسيرتك وعن الترتيبات المتخذة من قبل الحزب والعائلة. هل تدري بأن تفاصيل الترتيبات قد نوقشت بغيابك؟ نعم قضية تخصك تُناقش وأنت غائب عنها. عادت عيناي إلى الإفاضة من مخزون لا ينضب، أيُعقل أن تُناقش قضية تخص العائلة والحزب دون وجودك؟ إذن من سيُعطي الرأي الحاسم والنهائي؟ من سيكون له استنتاج خلاصات النقاش كي يُبنى القرار النهائي؟
تعليقات كثيرة على الخبر، تعازٍ وأسف، رسائل نصية على الهاتف تتتابع، صمت ثقيل، نظرات باردة شاردة، عالم أُقفل من حولي، لم أعد أرى سوى ضباب ولا أسمع إلّا الفراغ. لو تدري ما كانت حالتي؟ ثقل الحدث هدّ كياني وبدأت فوضى تزاحم الأفكار والتفكير في اليوم التالي. لم أدرِ كم من الوقت بقيت على تلك الحالة. عالم من حولي يضج بكل أنواع الضجيج: مسافرون وعجلات حقائب على الممر المعدني، موسيقى وكلام ودخان وبيرة وطعام… كل شيء في حركة دائمة ومضطردة إلّا أنا؟ متسمر على ذلك الكرسي المعدني في ذلك المطار البعيد أمام تلك الشاشة اللعينة الحاملة والمُعلنة لأسوأ خبر في تاريخ حياتي.
*****
نداء يدعو للصعود إلى الطائرة قطع دوامة الضياع واللاوعي المتجسدة في كل كياني… هدير، وأنا في منتصف المسافة بين الأرض والسماء، نافذة مشرعة على فراغ أسود مترامٍ، بضع أضواء خجولة ما بين أرض بعيدة وسماء متسعة لنجوم تختفي بين الغيوم، أبحث بينها عن روحك الصاعدة إلى الخلود علّي أحظى بمناجاتها لأشرح لها ما أصابني، أشكو لها وهني وعدم قدرتي، أهجس ببضع كلمات لا رابط بينها، تتسابق والدموع، ألتفِتُ، أفتش في مدى نظري، من تلك النافذة المفتوحة على كل شيء، علّي أحظى بنظرة أخيرة لروحك الطائرة في فضاءات العالم المترامية تنشر بعضاً منك، تختلط الأضواء بالضجيج بالبرق البعيد والغيوم الدائمة السواد وأصوات المسافرين والمضيفات… دوّار كبير ودوامة أفكار عجز عنها عقلي المتواضع. أُغمض عينيّ على صورتك والنعي المرافق لها: ما عساي أقول لحنان وأنا كنت قد وعدتها بأن مهدي سيهزم ذلك اللعين؟ نعم كنت قد وعدتها بذلك، وأكّدت بأن مهدي كعادته سيجد الحل. ماذا سأقول لنارا ويارا وهما لم يهضما بعد الحالة الجديدة في منزلهما، لم يتآلفا حياة لا يكون الأب والرفيق إلّا العنصر النشيط، موزعاً الابتسامات والنكات والفرح والرأي، وإذا لزم الأمر مع نارا القرار الحاسم النهائي. أما المشكلة الكبيرة، والتي عند التفكير بها أحس باختناق كبير، فهي باسم، الباسم منذ ولادته. أتذكر يا مهدي عندما رأيناه معاً ولأول مرة بعد ولادته، وكان لا يزال في الغرفة المخصصة للأطفال وبين العديد من حديثي الولادة، عندما سألتني: أيهما باسم؟ وأشرت إليك بأنني أعتقد أنه ذلك الولد الذي يهز أطرافه الأربعة، وقبل أن تجيب أتت الممرضة وأشارت علينا على الطفل نفسه، وكل ذلك من وراء الزجاج. نعم الهمّ الكبير، ليس كيف سأقابل باسم، لأنه لا يزال صغيراً يمكن ببضع كلمات أن تحيّده إلى حين. مشكلتي ومشكلة باسم هل من سيعوّضه فقدانك؟ ليس بصفتك الأبوية فقط وإنما بكل صفاتك ومواصفاتك التي تَربّى عليها العديد من الناس. كيف سأقابل محمد وأنا أُدرك كيف أمضى أوقاته منذ معرفته بمرضك؟ نعم يا مهدي محمد لم يعد ذلك “المحمد” الذي تعرفه؛ إنه دائم البكاء وحزين ومُحبط… كيف سأواجه أحمد الدائم الصراخ في وجه الجميع منذ التشخيص الأول، والذي فقد صفة الطبيب في مثل هذه الأحوال وعاد إلى الأخ الحنون الباكي عند الحديث عنك؟ كيف سأواجه بقية الإخوة علي ومحمود وخالد وحاتم والرفاق والأصدقاء والجميع وأنت تعرف جيداً مكانتك عندهم؟ كبيرة جداً علينا يا مهدي هذه المصيبة، قدرتنا متواضعة لا لشيء إلّا لأنك أنت. تساؤلات وأسئلة وافتراضات وفرضيات تتداخل بعضها ببعض دون ضوابط، مهام وهموم تنتظرنا من بعدك، فراغ ندرك تماماً أنه كبير ومخيف، سنفتقدك وننتظرك عند أول قضية لبت الرأي النهائي، سننتظرك عند كل اجتماع ومهمة لنأخذ ما يفيدنا في تنفيذ المهام، وستبقى أيام العطلة والمناسبات رتيبة باردة حزينة لأنها افتقدت محورها، ويبقى الانتظار طويلاً وستبقى عتبات الدار تلوّح بمناديل الفراق، ومع ذلك سننتظرك رغم إدراكنا بصعوبة الموقف.
أصوات وإشارات تنبئ بقرب وصول الطائرة إلى بيروت أيقظتني من لجة عميقة، فأحسست بالاختناق؛ عرق فاتر على وجهي، وملوحة الدموع في فمي ونظرات شاردة من النافذة إلى بيروت المضاءة على خجل، كل ذلك أعادني إلى الواقع. إننا على المدرج والطائرة تفتش عن المكان الذي ستتوقف فيه.
*****
سلام من دون كلام لخالد ونبيل، صمت ووجوم. كلانا (خالد وأنا) نتهيأ للخطوة التالية: أنا لاستضاح التفاصيل وخالد لإخباري برحيلك. لم يكن يدري أنني على علم بذلك. اختصرت الوقت وخففت إرباكه وباغته بالسؤال: ما هي الإجراءات التي تم اتخاذها؟ نظر إليّ وأجابني بدموع حارة لا تترك مجالاً لغيرها، فأجبته بالطريقة نفسها. هدوء وخلو الطريق من السيارات والضجيج والهواء البارد في الخارج أعطانا بعض الوقت للبقاء مع ذاتنا دون كلام. إنها الثالثة فجراً من يوم الاثنين الواقع فيه 25 شباط 2008. حوالى الساعتين تفصلنا عن الوصول إلى المنزل. متسع من الوقت لكي نناقش ما تم الاتفاق عليه. سألته عن كل شيء؛ عن اللحظات الأخيرة كيف كانت، من كان موجوداً، كيف تمت مناقشة الآتي من الأيام، هل تم الاتفاق مع الحزب على الترتيبات… كمٌّ من الأسئلة طرحتها دفعة واحدة تعكس حالة الضياع والقلق التي تنتابني، فأجابني بشكل مباغت وغير متوقع: ستعرف أي خسارة خسرنا! لقد عكس لي حالة الإرباك الكبير عند مناقشة التفاصيل المتعلقة بالدفن والعزاء في عكار وبيروت وطرابلس… لقد افتقدنا من كان عملانياً في الظروف الصعبة. راح يسرد التفاصيل والمواعيد، وأعلمني بمجيء قيادة الحزب إلى عكار؛ لقد وصل الدكتور خالد ونديم وعلي وعبد… والكثير قبل وفاته لقد كانوا إلى جانبه قبل مغادرته… لقد أعلمني بوصول حاتم… أعلمني بكل شيء وشكا لي التردد والتخبط الموجود. هل تعلم يا مهدي أن الجميع كانوا بقربك إلّا أنا؟ قلتها في سرّي مرفقةً ببكاء صامت ردّ عليه خالد بالمثل. طويلة تلك المسافة إلى المنزل، مررت بحلبا دون التوقف للسلام عليك، إنها المرة الأولى. وصلت إلى البيت، هدوء مطبق وبرد قارس؛ الطبيعة تصرخ بريحها وأشجارها… لم أدخل المنزل، طفت حوله كأني أبحث عن شيء لكن لا أدري ما هو. هدوء إلّا من صوت الطبيعة. دخلت، الجو بارد. الساعة قاربت الخامسة صباحاً. شردت على ما يبدو وسافرت إلى أبعد نقطة في حياتي وأقمت فيها. انتظرت دورة الأحلام أن تبدأ باستجلاب الماضي لأستعرض بعض محطاته. أصوات خفيفة وحركة أقدام، وصوتٌ نائحٌ أعادتني إلى الواقع. إنها السادسة صباحاً، حاتم في الغرفة الملاصقة لي. استقبلني بعينين حمراوين من كثرة البكاء وقلة النوم. معاً صعدنا إلى مصدر الصوت الرافض للواقع لأن سنّة الحياة يجب أن تأخذ الناس “بالتقادم”: الكبير قبل الصغير. خطوات بطيئة على الدرج لا تستعجل الوصول… ناس، أقرباء… أهل… محمد في الوسط يرسل الكلام في كل اتجاه … أمامنا حتماً يوم طويل، وسيستمر طويلاً…
*****
أيام ومعزون، وحزن وكلام، صحف تكتب، آلاف الناس من كل لبنان، رفاق وأصدقاء ومحبون حضروا إلى “عكّارك” حاملين حزنهم على فراقك، حلبا لم تعد تتسع لبقية لم يتسن لها توديعك، طرابلس فتحت بابها لأصدقاء كثر، بيروت احتضنت كل لبنان بقواه السياسية والحزبية والرسمية والاجتماعية. فلسطين نعتك كأحد أبنائها المدافعين عن قضيتها. أربعينك تحول إلى تظاهرة أممية، ففُتح قصر الاونسكو لإحيائها. نعم يا مهدي كل هذا وأكثر حصل في الأيام التي تلت رحيلك. لكن يبقى الفراق أكثر حضوراً، والغياب سيد الموقف، وعليه علقّنا عجزنا متوسلين المساعدة، طالبين الأخذ باليد التي أصبحت بلا حيلة: أيها الحاضر بقوة في حياتنا…المفروض والمكتوب والمقيم…أيها الغياب: هل سألت مرة واحدة لماذا كل هذا العذاب؟ تحرمنا الأحبة…يغادرون متلاحقين إلى ما وراء المجهول… تتركنا عُزلاً أمام مرآة العمر… نُحصي من غابوا… تتساقط دمعة حسرة وأسى، ليس على الغياب وإنما على ذاتنا الغائبة أصلاً في متاهات واقع افتراضي.
أيها الغائب: تسكن القلب والروح وثنايا الذكريات… أخذت بعضاً منّا معك ولم تعد… أصبحنا أنصاف ذواتنا وأرواحنا… سكنت البعيد وتركتنا نلملم اللحظات… ربما الجميلة ولكن الأليمة… نقلّب الصفحات الصفراء المركونة في صندوق العمر المتهالك المتراكض، نقرأ: هنا ولدنا… هنا شربنا… هنا اختلفنا… هنا انصرفنا إلى هناك… تكثر “الهنا” وتكثر “الهناك” على ماض أحببناه لأن فيه بعضاً منك ومنّا… لن نعيشه مرة أخرى… أحببنا عذاباته لأنها معك… تسكن الحلم والماضي… تأتينا طيفاً يحوم، يقترب… ثم ينصرف كشهاب ومض واختفى… تسكن الكلمات والروح… نحدثك أو نتوهم ذلك … فلا تجيب.
ما غادرتنا أبداً… هل تذكر كم من الليالي سهرناها … كم من اللحظات عشناها… كم من هموم الحياة تقاسمنا حملها… يأخذنا القدر غيلة… وتظلماً… يبقينا مع الماضي دائماً. نسكن الماضي ونحبه لأنه يذكرنا ببعض منّا الموجودة فيك… نلملم الأجزاء المنتشرة على صفحات الذاكرة لنعود ونصنع منها شبه حياة، أو نأملها كذلك. ننتظرك ونحن نعرف أن أصعب اللحظات هي أن تنتظر شخصاً وأنت تعلم أنه لن يأتي!
*****
نعم، نعلم بأنك لن تأتي، فما ذهب أحدٌ إلى هناك وعاد. نعم، نعلم أنك ذهبت مسافراً مغامراً كعادتك إلى ذلك الغامض البعيد في الزمان والمكان. رحلت وارتحلت في طبقات الهواء على سرج من غيوم وأحلام، تقطف النجوم وتلوّن أقواس قزح، ربطت الثريا بالثرى، والبعيد بالقريب والفرح بالحزن والغائب بالحاضر. أيها الساكن فينا ابداً، أيها الحالم بعالم أفضل وبغد آخر.
أيها الآتي من حلم طفولة لمّا يينع قط، إنه في طور التفتّح على وجنات صفحات السماء المترامية، أيها الحالم بالوطن الحر والأرض المحررة والشعب ليس فقط السعيد وإنما الآمن والواعد والمبدع والمشرق والبسيط والصامد والصابر. تركت فينا بعضاً منك، بعضاً من كثير كنت مالكه ومبدعه وقائله وفاعله ومُحْدثه و مُحدّثه ومدرّسه والمؤمن به. تركتَ لنا المثل والأمل والعمل والفعل، تركت لنا حروف النحو والهجاء والتورية والتشبيه وحروف الجر وأصحابها. تركت لنا الحزب والشعب والدرب ودروباً كثيرة ومسالك وعرة وأفكاراً منيرة. أكثرت علينا فيما تركته، أرهقتنا، وبعدُ لم نستفق مما اصابنا، قدرتنا على التحمل تأرجحت كثيراً، مالت وكادت أن تسقط لولا ذلك الصوت الآتي من البعيد، من جوانب الحياة وميادينها، من كل موقع وموقف وقضية. صوت نَهَرَنا، فانتبهنا إلى ذاتنا وحالنا.
إنه صوتك وصوت من جاورك وجاراك في عاداتك وسلوكك، صوت من سبقونا على درب وعرة بمسالك صعبة وخطرة، صوت من أنكر الظلم وعاند قساوة الحياة والقدر المحتم، صوت من كنّا معهم ورحلوا، وتركونا لنكمل ما بدأوه وبدأناه منذ أن أخذ الظلم مكانه بين الشعوب. إنه صوتك وصوتنا في قضايانا التي ما غادرت ساحاتها وميادينها وجولاتها أبداً.
صوت من أطلق وعمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين الشعوب والأمم، من انتفض على ظلم وتبعية وعبودية واستلاب واستهانة بالكرامات، وصوت من حمل السلاح ليقاوم المحتل وليحرر الأرض، صوت من حمل القلم والفكر والكلمة والفكرة والممارسة الحسنة والصادقة. صوت من وعد ووفى، عاند وانتصر، قال وفعل، وهو صابرٌ محتسب بأن حياته هي سبب بقاء بعضٍ من العدل في هذا العالم المتمادي والممتد والمترامي. هو صوتك صوتنا وأصوات غيرنا، شهداء مضوا وأحياء ينتظرون وهم على عهدهم باقون مثابرون مؤمنون مناضلون.
نحن هم تلك الثلة القليلة في وطن نهشته طائفيته حتى الاختناق، غمره فساد سلطاته حتى التخمة، باعوه بالجملة وبالمفرق للخارج القريب منه والبعيد غير آبهين بشيء سوى الربح حتى لو كان قليلاً وبخساً. اعتبروه شركة عقارية وأسهم بورصة ومضاربات في سوق نخاستهم السياسية. نحن القلة القليلة التي لم تتلوّث لا بلوثة المال ولا السلطة ولا المحاصصة ولا المذاهب والطوائف. نحن كما ربيتنا وتربينا سوية على يد حزب فقير نظيف بسيط. هو حزبنا، جزء منّا من شعبنا من فقرنا من تعب وكدّ كادحينا، هو هو لم يتغير، تعب قليلاً من قلة الحال واشتداد العواصف لكن لم يهن ولم يتراجع.
حاضر ساطع بيننا، تركت فينا الأمل وبعضاً منك، تركت فينا ذكرى أليمة وحزنا شديداً عميقاً في ثنايا الروح وقلوب الأحبة والرفاق. تركت فينا ثغرك الباسم أبداً وحنان من وهبوك الحياة يوماً ما، تركت لنا السند والوعد والحزب والأصدقاء والعبرة والسيرة والنبرة وحس النقد والتحليل وفصاحة الكلام وعمقه. تركت لنا ذكرى نتجمّع حولها كل سنة، أحبة وأهلاً وأصدقاء ورفاقاً، وشاهداً نضع عليه بضع وردات حمرا، وكلمة من القلب إليك أيها الساكن أبداً هناك فوق تلك التلة الخضراء حيث بعضٌ من الأحبة راقدون.

عن مجد خليل

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>