الرئيسية / العدد 12 / مناضل في كل الساحات

مناضل في كل الساحات

Print pagePDF pageEmail page

a3071d51-d91b-4abe-a90e-e78178f388bf

تستعير “الطريق” هنا العنوان الذي وضعته صحيفة “السفير” لكلمة المعمار رهيف فيّاض هذه، وقد ألقاها في ختام الاحتفال المهيب الذي بادرت الصحيفة، بشخص صاحبها ورئيس تحريرها الاستاذ طلال سلمان، إلى إقامته تكريماً له، في قصر “الاونسكو” في بيروت، في 13 كانون الثاني/يناير 2015.
و”الطريق” التي تنشر هذه الكلمة، إنما تُقدِّمها للقارئ نظراً لكونها تنطوي على ما يتخطى التعبير عن الشكر لصاحب المبادرة والمساهمين في إنجاحها والمتكلّمين في الاحتفال، كما يتخطّى ما يمكن أن يكون بطاقة سيرة أسهب المتكلّمون في الاحتفال بها. الكلمة البليغة في انطوائها المتواضع على الثراء المتعدد الوجوه في شخصية المحتفى به، بما فيه وجه العالِم والفنان والأديب المرهف في تقطير العبارة العربية حتى تَماهي جماليتِها المتقشفة مع دقّة ما يراد لها أن تفيد، تقدّمها “الطريق” لما ينطبق عليها من احتفاء پاسكال بالأسلوب الذي يَشِفُّ عن انسان. ولإنسان الموقف الشفّاف دوام العافية والعطاء.
أ.ش

السيِّداتُ والسَّادة،
الزميلاتُ والزملاء،
الحفلُ الحاضِنُ المحبُّ.

مدخـــل

إنَّهُ مدخلٌ إلى كَلِمَتي، ينقُلُها بِقَفزةٍ، وقَبلَ أن أقرأَهَا،
إلى بعضِ خِتامِهــا. قفزةٌ أملاَهَا، جمـالُ ما قالهُ فيَّ،
السادةُ المتحدِّثون.

مَعالي الدكتور عدنان السيِّد حسين، رئيس الجامعة اللبنانيَّة ،
الدكتور عـادل الحـديثـي، أمين عام إتحاد المهندسين العرب ،
الدكتور خـالـــد حـــداده، أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني،
الصديق السيد غسَّان صفي الدين،
الأستاذ طلال سلمان، المُبادِرُ، الداعي إلى هذا الحفلِ، عميدُ الصحافةِ اللبنانية،
ناشرُ “السفيرِ” ورئيسُ التحريرِ فيها.

قُلْتُم اليومَ فيَّ، أيُّها السادة…، ما يَأْسُر،
وربَّما ما يُسْكِرُ،
ما يُنْسِيني خَريفي، والبَياضَ في مَفْرقي،
ما يدفَعُني إلى شىءٍ من الغرورِ… فأخْجلُ.
ثُمَّ أهْمِسُ في سرِّي: الغرورُ الخَفِرُ، في مثلِ حَالتِي اليومَ… حقُّ.
وما قلتُم فيَّ، في جَوْهَرِهِ، وبكلِّ الجمالِ والدْفءِ الذي فيه،
يُعْلِنُها في هذا الحفلِ المهيبِ:
أنت مناضلٌ، بنَّاءٌ، مِعمَارٌ، مُعَلِّمٌ، مُقاومُ.
أجَلْ… عَمِلتُ… كي أكونَ كلَّ هؤلاء…
وسأستَمرُّ ما بقيَ لي عُمرُ…
فشكراً… وألف شكر.
السيِّداتُ والسَّادَة،
الزَمِيلاتُ والزملاء،
الحفلُ الحاضِنُ المَهيبُ.

I
الجامعةُ، هي، في التعريفِ، مجالاتُ التعليمِ العالي المتنوِّعِ الإختصاصات، والبحثِ العلميِّ المتعدِّدِ المسارات. فهي إذاً، مكانٌ لإنتاجِ المعرفة.
والجامعةُ اللبنانيةُ، جامعتُنا الوطنيَّةُ، هي المكانُ المميَّزُ، لإنتاجِ المعرفَةِ، بها نرتقي، وبها، نُحاوِلُ أَنْ ننهَضَ بالوطن.

II
والمعرفةُ وحدها، لا تَكْفِي للنُهوضِ بالأوطان. فالوطنُ العربيُّ، هو جزءٌ من “الأطرافِ” المُلحقَةِ “بالمركزِ الغربيِّ الرأسماليِّ”، في وَاقِعِ عَوْلَمةٍ، وصَفَها “رَيْمُوند هِنّبوش بالمرحلةِ العليا للأمپريالية”.
ويكادُ عُرفُ التدخُّلِ لأسبابٍ يُسمُّونها إنسانيَّة، أن يُعيدَنا، إلى ما يُمكِنُ أن نُسمِّيهِ النيوكولونياليَّة.
علينا كي ننهَضَ، أن نُضِيفَ إلى المَعرِفَةِ، فكَّ الإرتباطِ “بالمركزِ الغربيِّ الرأسماليِّ”، والتحرُّر كلِّياً من التبعيَّةِ والهَيْمنة.
رهيف فيّاض يتسلم خلال الاحتفال التكريمي الذي أقامته له صحيفة “السفير” الدرع المقدّم إليه من قطاع المهندسين في
الحزب الشيوعي اللبناني

III
وانتَظَمَ المهندِسُونَ والمعماريُّونَ العربُ، في جسمٍ مهنيٍّ كبيرٍ هو “إتحادُ المهندسين العرب”، واحتفلوا مُؤخراً، بالذكرى الذهبيَّةِ لتأسيسِ الإتحاد. وناقَشُوا بالمناسبةِ، مَسؤوليةَ المهندسِ العربيِّ في التنمية، وهُوّيّةَ الأمكنةِ في مَشرِقِنا، والتراثُ المَبنيُّ ثروةٌ إستثنائيةٌ عِندَنا…، وغيرُها، وغيرها…

IV
وكانت طبقاتُ المجتمعاتِ العربيَّةِ وشَرائِحُها، قد انتَظَمَتْ في أَحزابٍ، ونقاباتٍ، وجمعيَّاتٍ، ناضَلَتْ طيلةَ عقودٍ لإنجازِ التحرُّرِ الوطنيِّ، وتحقيقِ التنميةِ، والعَدالةِ الإجتماعية. فاحْتفَلَ الحزبُ الشيوعيُّ اللبنانيُّ منذ أشهرٍ، بعيده التسعينيّ.

V
وأَطْلَقَ الصديقُ، وعميدُ الصِّحافةِ اللبنانيةِ، الأستاذ طلال سلمان في العام 1974، جريدةَ “السفير”. أربعون عاماً ونيِّف مَضَتْ، و”السفيرُ”، في مقدِّمةِ هذهِ النضالاتِ المُستمِرَّة.
ـــ الجامعة اللبنانيَّة: رئيسٌ، وكلياتٌ، وأنْظِمةٌ تعليميَّةٌ جديدة…، الإنتقاداتُ والمُقتَرحاتُ، النجاحاتُ والعثراتُ…، إحتضَنَتِ “السفيرُ” كلَّ ذلكَ، مدافعةً بصَلابةٍ عن الجامعةِ الوطنية.
ـــ فلسطينُ، والمقاومةُ أينما وُجِدَت، هُما القِبلةُ في “السفير”. إنَّهُما المعيارُ، والهدف. والموقفُ منهُما، هو المؤشِّرُ، للسيرِ الفِعليِّ على طريقِ التحرُّرِ الوطنيِّ، والتقدُّم .
ـــ المهندسونَ والتنمية، التعليمُ الهندسيُّ وتعليمُ العِمارة، المعماريّونَ في كتاباتِهم وفي تكريمِهِمْ، “السفيرُ”، هي الحاضنةُ لكلِّ ذلك.
ـــ اليسارُ راهناً، في عثراتِه وفي أَزماتِه.
ـــ حركةُ التحرُّر الوطنيِّ العربيَّة…، مصرُ، والعراقُ، وسُورية، واليَمن، وليبيا…
ـــ والإنفلاشُ الظلاميُّ المتوحِّشُ راهناً.
“السفيرُ”، في كلِّ ذلك، هي جريدةُ الوطنِ العربيِّ في لبنان.

VI
أرادَ الأستاذ طلال سلمان ناشرُ “السفيرِ” ورئيسُ التحريرِ فيها، ، أن يُكرِّمَني، وأنا أكتُبُ في “السفيرِ” منذُ ما يُنَاهِزُ رُبعَ قرنٍ، فلهُ خالصَ الشُكر، وكلَّ المحبَّة.
أرادَ أن يُكرِّمَني أُكرِّر، فوجد معظمَ الذين حَمَلَ قَضاياهُم طيلةَ أربعةِ عقودٍ، يُشارِكُونَهُ في ذلكَ، فكانَ هذا الحفلُ :
ـــ الجامعةُ اللبنانية، بشخصِ رئيسِها معالي الدكتور عدنان السيِّد حسين، وقد سبقَ له ولمجلس الجامعة، أن كرَّموني بمَنحِي الدُكتوراه الفَخريَّة في الهندسةِ المعماريَّة، بعد أن أمضيتُ ثمانية وثلاثينَ عاماً، في تعليمِ العِمارةِ في الجامعةِ اللبنانية.
لِمَعالي الرئيس، كلَّ الشُكرِ، وصادقَ الإِمتِنان.
ـــ وللصديقِ، أمين عام إتحاد المهَندسينَ العرب، الدكتور عَادل الحَديثي أقولُ، شُكري لكَ، هو في استعدادي الدائمِ، للمُساهَمةِ، في إعدادِ نشاطاتِ إتحادِ المهندسينَ العرب وهيئاتِه، وفي إنجاحِها، وهيئة المعماريين العرب بخاصَّة.
ـــ وللرفيق خالد حدادة، وأنتَ العارفُ، بتفاصيلِ ثلاثة وعشرين عاماً من النضالِ الصعبِ أمضيتُها داخلَ الحزبِ “1952 – 1974″، متدرِّجاً في كلِّ الموَاقع الحزبيَّةِ، حتى أعْلاهَا. إنها الصفحةُ الأولى في حَياتي، التي كُتِبَتْ علَيْها كلُّ الصفَحات.

VII
الحفلُ الحاضِنُ المَهيبُ.
ـــ لقد تركتُ مَوقِعي، لكنَّني تمسَّكْتُ بِشَغَفِ “المُناضِلِ”، بعيداً عن مُفردةِ “الناشطِ”، المُبتذَلَة والشائعةِ اليوم.
 “مُناضِلٌ”، في بَيتي، في تربيةِ أَوْلادِي، في عَلاقَتي بزَوجَتي، في نظْرتي إلى ذاتي، وفي إدراكي لمَعنَى وُجُودي.
 “مناضلٌ”، في كلِّ الساحاتِ التي انخرَطْتُ فيها، في الشأنِ العام :
1- في المُمارسةِ المهنيَّة حتى يومِنا هذا، عَبْرَ، مؤسَّسةِ “الدراساتِ المعْماريَّةِ والمدينية”، حيثُ عَمِلتُ مع مجموعةٍ من الزميلاتِ والزملاءِ، وطَالتْ أعمالُنا لبنانَ وأثني عشرَ بلداً عربياً وأجنبيَّاً.
2- في التعليمِ، في هذا العشقِ الآسِرِ، الذي يرى في التعليمِ مدرسةً كُبرَى للتعلُّم، ولتَكوينِ المعلِّم.
المعلِّمُ الحقُّ، المُدرِكُ لرِسَالتِهِ، يتكوَّنُ في العمليَّةِ التعليميَّة. يَرقَى بها، فَيرقَى مَعَها.
3- في عَلاقَاتِي العربيَّةِ الواسعة:
مُعلِّمُ عِمارةٍ، عضوُ ورئيسُ لجانِ تَحكيمٍ، في الجامعاتِ العربيةِ وخَارِجَها، محكِّمٌ لرسَائِلَ مَاجِيستير، ولأُطْروحاتِ دُكتوراه، محاضرٌ في العِمارةِ، والمدينةِ، والعُمران.
4- في رئاسةِ هيئةِ المعماريِّين العرب، مُحاضرٌ متنقِّلٌ بينَ العواصِمِ والمُدنِ في الوطنِ العربيِّ، منظِّمُ العديد من الندوات، وحلقات النقاش، والمؤتمراتِ المتخصِّصَة.
5- في مُقارَعَتِي دونَ مُهادنةٍ، لمشروعِ إعادةِ الإعمارِ، الذي أُسْقِطَ عَلينَا بعدَ انتهاءِ الحربِ الأهليَّةِ، ظالِماً، مُوجِعاً، مُهدِّماً تُراثَ المدينةِ، سَالباً حُقُوقَ نَاسِها، مُبْتلِعاً ذَاكِرتَها، وتاريخَها، ورمزَ وحدتِها.
6- بالتِزَامِي بالمُقاومةِ، وبدَورِها في تحريرِ الأرضِ في العامِ 2000، وبتصدِّيها لحربِ الكيانِ الصهيونيِّ عليها وعلى لبنان في العام 2006، وبانخِرَاطِي خَاصةً، عَبْرَ موقعٍ مُقرِّرٍ في “مشروعِ وعد”، في إعادة إعمارِ ما دَمَّرتْه الحربُ في الضاحيةِ الجنوبية، أَجْملَ مما كانَ عليه.
7- وفي كلِّ كتاباتي، حيثُ الإلتزامُ واضحٌ، بالعِمارةِ كمُنتَجٍ إجتماعيٍّ، يُلبِّي حاجةً متأصِّلَةً في الناسِ كما يقولُ الجَادِرجي، وبالإعْمارِ لرَفاهِهِم. وهو نقيضُ ما رأَينَاهُ في ما سُمِّي إعماراً، وفي مَا نراهُ الآن، من طفرةٍ في البُنيَانِ، يُنتِجُها رأسُ المالِ الجشِعِ، والمُلكِيَّـةُ العقاريَّةُ الكُبـرى، وقانـونُ البناء. “وبالمدينةِ ككائنٍ حيٍّ، يُولَدُ، ويَنمُـو، ويَعيشُ، ويتطَوَّرُ، ويخترِعُ نفسَهُ يومياً، بالتأقلُمِ معَ ضروراتِ البشَرِ، وحاجاتِهم”، كما كَتبَ جوزف سماحة فـي أيلول/ سبتمبر مــن العـــام 2006، في مقدِّمَتِهِ لما كَتبْتُه بعد حربِ تمـوز، بعنـوان : ” نعمِّرُ الضاحيةَ؟ أم نعمِّرُ ما دمَّرتْهُ الحربُ فيها ؟ “.

VIII
وقَبْلَ الخِتامِ، أقولُ لصَديقي العزيز “السيِّد” غسَّان صفيِّ الدين، لقد كَتَبْتَ يا صَدِيقي، فوقَ الصَفحةِ الأولى في حَيَاتِي، أَحلى الصَفَحات، وأكثرُها صِدقاً، والتزاماً.
فشكراً لمُشَاركَتِكَ مُتحدثاً في هذا الحفلِ، وكلُّ التقْديرِ لعاطِفتِك ومحبَّتِك.

السيِّداتُ والسَّادَة،
الزَمِيلاتُ والزملاء،
الحفلُ الحاضِنُ المَهيبُ.
تَحُوطُونَنِي وتَحُطْنَنِي، فتزرَعُونَ وتَزرَعْنَ فيَّ فرحاً مُعدِياً، ويتجذَّرُ إدراكِي لمعنَى وُجودي.
تَحُوطُونَنِي وتَحُطْنَنِي، حُضورُكُم وحضورُكُنَّ اليومَ دِفءُ.
سأحضُنُ بحرصٍ ما قيلَ اليومَ فيَّ. سأخْزُنُه عَمِيقاً في ثَنايَا ذَاكِرَتِي، أسْتعيدُهُ كلَّ صباح.
…أجْمَلُ التاريخِ كانَ غدا، قالَها سعيد عَقل… وغنَّتها فيروزُ في رائعتِهِ رائعتِها…”مُرَّ بي”.
مزهوُّ أنا، بحضُورِكُم بحضُورِكُنَّ، أقولُ،
…لا… أجملُ التاريخِ… كانَ الآن… الآن… وليسَ غدا،
مُستعيراً قولاً آخراً، لسَعيد عَقل.
شكراً لحضورِكُم،
شكراً لإصغائكم .

عن رهيف فياض

رهيف فياض

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>