الرئيسية / العدد 12 / رهيف فيّاض: “حكايةُ معمارٍ سجاليٍّ ومقاوم”

رهيف فيّاض: “حكايةُ معمارٍ سجاليٍّ ومقاوم”

Print pagePDF pageEmail page

855178

-1

كان أكثرَ ما راودني عند بدئي بتعلُّمِ العِمارةِ في معهد الفنون الجميلة البحثُ في ثنايا الوطنِ عن معمارييهِ وعن المساهمين في الحركةِ العماريةِ في لبنان. كثيرةٌ هي الأسماءُ، قليلةٌ اللامعةُ منها والجاذبة لأفكاري المعمارية الجنينية ولآرائي ومواقفي في مجمل القضايا السياسية الإجتماعية والمعرفية المعمارية، وأنا الشابُ الطالبُ في معهد الفنون الجميلة حينها، الإعلاميُّ والناشط الطلابيُّ في قضايا الجامعة اللبنانية.

ربما يكون رهيف فيّاض أول المعماريين الذين إلتقيتهم في بحثي الدائم عن العمارة، ولا شكّ في أن هذا اللقاء الأول بيني وبين معمارٍ رحب الصدرِ للحوار المجدي، خلوق في تقديم زوّادته الثقافية والمعرفية لضيفه، شفاف في طرحه لوجهةِ نظره، واثق ومطّلع، صفاتٌ تأخذني لأقولَ أنّي أصبحت أمام الأستاذ المعمار رهيف فيّاض.

كان لقائي الأول مع كتابه “العمارة ووعي المكان” الذي لفت إنتباهي في معرض بيروت العربي للكتاب، تصفحته لدرجة أني قرأتُ عدّة صفحاتٍ منه وقوفاً وقرّرتُ أَن أضمّهُ إلى مكتبتي، وبعدها تتالت مطاردتي لمؤلفاته التي سبقت هذا الكتاب وأعقبته. أما اللقاء الجميل الصدفة مع الدكتور رهيف فيّاض فكان في “صوت الشعب” في شباط من العام 2006 وتحديداً في الذكرى الـ 19 لإنطلاقة الإذاعة، حيثُ كنت أقدّم برنامج حوارات ثقافية. إلتقيته حينها وأبلغته رغبتي في أن أناقشَ معه العمارة في برنامجٍ إذاعي يقرب من فكرة “بفسنر”، في هيئة الإذاعة البريطانية، الذي أدخل العمارة مادةً إذاعية، فَلِمَ لا تكون لنا تجربةٌ مماثلة في لبنان..؟

قَبِلَ بحماسةِ من لا يرفض أيّة فرصة إسهام بتطوير الفهم الجماعي للعمارة وطرق تعليمها، وكان حينها رئيساً لهيئة المعماريين العرب، فاتّفقنا على تقديم سلسلة من الحلقات وتواعدنا أن نلتقي قريباً عندما تختمر فكرتي أكثر.

اللقاء الأول، رهيف فيّاض البالغ من العمر سبعين عاماً حينها، جالسٌ وراء مكتبه في مقرّ عمله حيث يواظب على الدوام حتى اليوم، لأكثر من ثلاثين عاماً وهي عمر تواجده فيه وليس في ممارسة المهنة، التي عرفت فيما بعد أنها تجاوزت الخمسين عاماً كان في معظمها الأستاذ الصدوق والمحب الذي كسرَ الجليد المتراكمَ بين الطالب والأستاذ في “معهد الفنون الجميلة”، وقدّم نموذجاً خلّاقاً في تعليم طرق العمارة ومفاهيمها بإمتلاكه فنّ طرح الإشكاليات المعمارية ومعالجتها، وقد ترهق طلاباً كسالى، وحتى أساتذةً ما إعتادوا البحث والنقد، ولكنها تخلق المجال التعليمي الحرّ الديمقراطي، فتزرع المعرفة في وعي طلاب العمارة وتساهم في تكوين فلسفتهم المعمارية.

يأخذنا النهار بطوله وجزءٌ من الليل في حديثنا عن العمارة الذي غالباً ما يتحول إلى حوارات في القضايا السياسية والإجتماعية العامة. سعةٌ معرفية قلما تجدها في إنسان، معمارٌ بكل ما للكلمة من معنى، فنان في القدرة على التأثير في محيطه الأكاديمي والمهني.

-2

تبدأ الحكاية في أيلول عام 1936، نشأة هادئةٌ في كنف عائلة الأستاذ والمربّي جبرائيل فيّاض، ولبنان بكل أزماته والحرب العالمية الثانية لم يمنعا الطفل من استكمال دراسته الإبتدائية ثم الثانوية في “الكليّة الوطنية الأرثوذوكسية – الميناء طرابلس”، لتمرّ السنون وتتوالى الأحداث ويجد الشاب رهيف فيّاض نفسه طالباً في “الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة”، الحاضنة الأولى في تكوّن شخصية المعمار فيه أو لِنَقُلْ لإكتشاف قدراته الفعلية للسيرورة في طريق المعمار، الطريق “الصعب” كما يحلو له القول.

إبتدأَ رهيف فيّاض التعلّم في “الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة” مع برامج تقليدية للتدريس، مرتبطة مع برامج “المعهد العالي للفنون الجميلة” في باريس، حيث كانت العمارة حينها تعتبر جزءاً من الفنون. درس أولاً العمارة الكلاسيكية الغربية، وتعلّم الكثير من مفرداتها، مثل التناغم، التجانس، النسب، ودور العناصر المكوّنة للعمارة، فأدرك أهميّة مكان العمارة تحت الشمس، وفهم الظلال، وإكتسب المهارة اليدوية والدقة في التعبير عن الفكرة المعمارية، إضافةً إلى القدرة على فهم دور الهندسة الإقليدية في العمارة كأحد أوجُهِ تطوّر الحسِّ الجمالي كما يقول. إلّا أن التعلّم الذاتي كان له الدور الأساس في ذاك المهجعِ الكبير الذي كان محتَرَفاً يضمُّ طلاباً من السنة التحضيرية الأولى وحتى سنين التخرج في منطقة من وسط بيروت، تعرف اليوم باللعازارية.

مرحلةٌ أولى، رفدها بحاضنةٍ ثانية من التكوين السياسي وإتساع الفضول العلمي والمعرفي، فكانت حاضنة التسييس المبكر، تلك الوسيلة للدخول إلى مجالات المعرفة الضرورية لتكوين المعمار، التي تربط العمارة بحركة الثقافة ككل، عبر الإطّلاع على السينما، المسرح، الأدب، الرسم والنحت. تميّزت هذه المرحلة على حدّ قول فيّاض بظاهرتين إثنتين، واحدةٌ إيجابية في التوسّع المعرفي، وأخرى سلبية من الإحساس بالغربة، سببها أن الإطلاع الثقافي كان يمرّ عبر لغةٍ بعيدةٍ عن الثقافة الوطنية نظراً لأن التعلّم كان يجري عبر اللغة الفرنسية، فاصطفى منها المنشورات الفكرية والثقافية التقدّمية التي كانت تصدر من باريس مثل Démocratie Nouvelle, La Pensée, Les Lettres Françaises وغيرها، ليتبيّن لي فيما بعد أن رهيف فيّاض الفرنكوفوني الثقافة، جاهد كثوار الثورة الجزائرية في تعلّم اللغة العربية الأم وكان لنشاطه في الحزب الشيوعي اللبناني دورٌ أساسيٌ في تعلمه العربية وتملّكها.

وتكتمل دورة تكوّن المعمار في حاضنةٍ ثالثةٍ من ممارسة المهنة والإحتكاك مع المعماريين الروّاد. دخل رهيف فيّاض مكاتب كبار معماريي زمانه، أمثال شارل شاير، واثق أديب، جورج ريّس وأنطون تابت. في فترةٍ من ثلاث تجارب إمتدت لست سنوات، من العام 1957 حتى أواخر العام 1963، أي من بدايات الدراسة وحتى نهاياتها. كان مجال التجربة الأولى مع المعمار شارل شاير الآتي من بولونيا حينها، والمتشارك مع المعمار اللبناني واثق أديب. إختبر المعمار الشاب رهيف فيّاض العمل في محترفٍ كان قد صمم أهم مباني تلك الفترة، كفندق “الكارلتون”، “دار الصياد”، ومجموعة من المباني الكبيرة في منطقة الروشة، وأشهرها مبنى “الشال”. ليبقى لمحترف شارل شاير، حيث هدوء التكوين والعمل على أنغام الموسيقى الكلاسيكية أثره الجميل في ذاكرة المعمار الشاب. بعدها تعرّف في تجربته الثانية إلى المعمارييّن ناجي الخوري المقدسي وجورج ريّس الآتيين من فلسطين واللذين عكسا في عملهما خبرات التوليف بين عمارة موطنهما والتعليم المعماري المتقدم والنوعي المتأثر بالمدارس الأجنبية.

في تلك المرحلة، كانت قد اختمرت تجربة معمار لبناني وطني أسّست لفهم علاقة العمارة بإطارها الوطني الإنساني الحداثوي، وأقصد المعمار أنطون تابت، القيادي الشيوعي الذي تولّى تأسيس مجلة “الطريق” سنة 1941. لتكون صوت المثقفين في “عصبة مكافحة الفاشستية والنازية”، والذي كان قدّم نظرته عن “فنّ العمار اللبناني” بمحاضرة في “الندوة اللبنانية” في 25 نيسان 1947، كما كانت له إسهامات في تنظيم مهنة الهندسة وبدأت تجربته المعمارية ومواقفه الوطنية تستقطب المعماريين الشباب. وهو على ما كتب حسين مروّة:

“الذي نهض بمفرده بثورة إيجابية بنّاءة في ميدان الهندسة المعمارية بلبنان ثم بسوريا… ثورته الهندسية قامت على فلسفة حيّة… أخذ الركن الأساسي لفلسفته هذه من أستاذه أوغست بيريه”

                        حسين مروة، مجلة الطريق، العدد الخامس والسادس-السنة الثالثة والعشرون 1964

فكانت للمعمار رهيف فيّاض تجربته الثالثة في ممارسة المهنة وفي العمل السياسي والغوص في قضايا الشأن العام والتكوّن في العمل المهني مع المعمار أنطون تابت، حيث الشفافية في العمارة هي ذاتها شفافية الحداثة في إظهار الهيكل الإنشائي الخرساني في واجهات المبنى والعقلانية في العنصر الإنشائي المتكرر، فقد كان جوهر النهج عند أنطون تابت هو إحترام إستقلالية الهيكل الإنشائي عن جسم المبنى.

ما إن أتمّ رهيف فيّاض مراحل التكوين تلك حتى خرج إلى المهنة ملتزماً شروطها ومواثيقها في العمل المهني والتطور الفكري، البحثي والمعرفي. وبدأت تجربته التي تخطّت الحدود اللبنانية إلى داخل العالم العربي وخارجه مشاريع ودراساتٍ وأبحاثاً وكتابات لنا عودة إليها في مقالات لاحقة.

-3

مرحلة الممارسة في المكاتب الهندسية أسهمت في أن يكون المعمار رهيف فيّاض على تماس مع الحداثة التي كانت بدأت أولى تأثيراتها في عمارة لبنان. لقد فهم معلّمنا العمارة بإطارها الوطني الإنساني وتأثّر بالحداثة والعقلانية كما التأثر بالعمارة الكلاسيكية، في نظرة تجمع بين الإلمام بمبادئ العمارة الكلاسيكية التي وضعها ماركوس ڨيتروڨيوس پوليو (70- 15ق.م) Marcus Vitruvius Pollio في مؤلفاته المعمارية العشرة “العمارة” De l’architecture ثم أسهم في تطبيقاتها أوجين ڨيولّيه لو دوك Viollet-le-Duc (1879-1814) Eugène بمؤلفه الشهير “محادثات في العمارة” Entretiens sur l’architecture من جهة، وبين التواصل مع التيارات المعمارية الناشئة في قلب الحداثة الوافدة إلى ثقافتنا المعمارية المحلية من جهةٍ أخرى. وأعطت هذه الممارسة المعمار فيّاض نظرة كليّة شمولية مهّدَتْ لسيرةٍ معماريةٍ حافلة فيما بعد، وكأنه التزمَ نظرةً كتب فيها الفنان العالمي پابلو پيكاسو 1973-1881)) Pablo Picasso يقول: “لا يمكن رسم التكعيب أو التجريد بدون إدراك وتعلُّم رسم التفاصيل والنسب والأبعاد في الرسم الكلاسيكي”.

كيف يرتبط رهيف فيّاض بمضامين الحداثة وهو الذي عاش فترة الخمسينيات مراحل تكوّنه المعماري في أوج مرحلة إقتباس الحداثة في العمارة لدى المعماريين اللبنانيين؟.

قرأ رهيف فيّاض تيارات ناشئة في مدرسة الحداثة المعمارية كانت قد برزت مع المدينة الحديثة في عصر الأنوار، وبدأَتْ تعصفُ بالحقل المعماري العالمي، فارضة تأثيرها على النقاش الفلسفي العماري في كلّ أنحاء العالم، وأثّرت أمواجها في المعماريين، وصبغت أفكارهم بأفكارها الحالمة، وكان روادها المعماريون الإجتماعيون التقدميون الذين تأثروا بأفكار منظرين إقتصاديين أمثال هنري دو سان سيمون (1825-1760) ، والإشتراكي الإنساني شارل فورييه (1832-1772)، وأبرز هؤلاء الرواد المعماريين، إبنزير هاورد (1928-1850)، الذي قدّم تصوره الحلم في كتاب “مدن الغد الحديقة“Garden Cities of Tomorrow (1898) يقترح فيها تصاميم لمدن المستقبل التي يعيش فيها الإنسان متناغماً مع الطبيعة، وقد أسس بذلك لحركة “المدينة الحديقة” التي طبعت برؤيتها تخطيط المدن البريطانية حتى أواخر العشرينيات، متصدياً لمشاكل المدينة التي برزت في المملكة المتحدة بعد إكتشاف آلة النسيج وتعدد مصادر الطاقة والتطور الصناعي والزراعي، ليرفد الرؤية المؤسِّسة للحداثة أيضاً لدى المعمار والمخطط طوني غارنييه (1948-1869) الذي بدأ مفهوم العمارة معه يكتسب المضمون الإجتماعي نحو إنتاج مدن عمالية صناعية وطرح مفاهيم السكن الإجتماعي والعمارة بإعتبارهما غاية لراحة الناس ولتصبح المدينة مع الأفكار التقدمية تلك، المكان الذي يجمع الناس بحياة حرّة.

يعتبر المعمار رهيف فيّاض أن الحداثة وإن كانت تحمل الكثير من التغريب لا تخلو من رؤية إنسانوية. فهي قد حوّلت العمارة من عمارة بلا هوية إلى عمارة ذات هوية واضحة المعالم. رؤية المدينة الحديثة التي إبتدأت مع المعمار المخطِّط إيلدفونس سيردا (1879-1815) الذي وضع مخططات تَمدّد مدينة برشلونة الإسبانية سنة 1859، تُوِّجت بـ”ميثاق أثينا” Charte d’Athènes عام 1943 الذي صاغه المعمار الفرنسي لوكوربوزييه (1965-1887). إلاّ أن إجتماع ومؤتمر “سيام” (CIAM) Le Congrès International d’Architecture Moderne ، المؤتمر العالمي للعمارة الحديثة الذي بدأ عقده عام 1929 من قبل نخبة من المهندسين والمعماريين الأوروبيين، يبقى في نظر رهيف فيّاض المسار والحاضنة الفكرية الأساسية للحداثة في العمارة.

زمان تكوّن المعمار رهيف فيّاض كان زمان الحداثة بمضمونها الإنساني، الذي يحاول أن يكون المعبّر عن عمارة كونية تحمل معها الرفاهية للناس، حداثة في العمارة نشأت بعد الثورة الصناعية لتتصدى لمشكلات السكن والمدينة وتَوسّعِها، إنطلاقاً من الفكرة التي سادت حينها بأن الإنتاج الصناعي يوفر البحبوحة للناس، وفق شمولية الرؤية الكونية للتقدّم. كان الظنّ بأن الصناعة ستجلب التقدّم للبشرية ككل بطريقةٍ واحدة على نطاق الكرة الأرضية، حسب الرؤية التي بنيت على الفكر الطوباوي الذي سبق وعايش الفكر الماركسي. إتّخذت هذه الحداثة تعبيرات متعددة، إختلفت بين بلدٍ وآخر، وكان من أكثرها تأثيراً في رؤية المعمار فيّاض مدرسة البنيوييّن الروس التي طرحت القضايا الإجتماعية في العمارة، وبرزت بين عامي 1920 و1930 في الإتحاد السوفياتي، ومن أهمّ روادها المعمار كونستانتين ميلنيكوف (1974-1890)، ونرى هذا التأثير أيضاً عند أناتول كوپ (1915-1990) وكتابه الشهير “Ville et revolution” (المدينة والثورة).

تابع فيّاض كتابات المعمار كريستيان نوربرغ شولتز (2000-1926) في كتابيه “الدلالة في العمارة الغربيةLa Signification dans l’architecture occidentale ” و”فنّ المكان” L’Art du lieu. وكتابات الفيلسوف وعالم الإجتماع الماركسي الفرنسي هنري لوفيبر (1990-1901) الذي كتب في الإجتماع المديني. تيارات أخرى أكثر إلتصاقاً بواقع بلدانها أثرت في هويته المعمارية كتجربة المعمار الڨار آلتو (1976-1898) التي وجدت لها أصداء لدى المعماريين العرب. ولعل التجربة الأهم هي تلك الآتية من أميركا اللاتينية، وخاصة البرازيل وكولومبيا، مع لوسيو كوستا (1998-1902) وأوسكار نيماير (2012-1907) وتجربتهما العظيمة في مدينة برازيليا. أما من العالم العربي فقد كانت تجارب المعمار حسن فتحي ورفعت الجادرجي من التجارب المؤثرة في إنتاج عمارة محلية بطابعٍ وطني ودافع عنها فيّاض وأسهم في شروحاتها فيما بعد كبديل معماري إجتماعي.

لم يستنسخ المعمار فيّاض التجارب والمدارس التي تأثر بها، بل تفاعل وتعاطى مع إنعكاساتها وأضاف إليها بعدنا القومي الوطني والمحلي، أو رفض ممارستها بعيداً عن المضمون الإنساني، لأن العمارة أساسها الإنسان وحاجاته.

-4

العمارة والمكان لا يفترقان في أعمال المعمار رهيف فيّاض، “على العمارة أن تشعرنا أنها موجودةٌ في المكان منذ أن كان” يقول. برزت قراءته لهوية المكان واضحة في تصاميم “جامعة البلمند”، حيث أنتج عمارة تخاطب ما يجاورها، وتندمج في محيطها. بساطة تصاميمه وسهولة قراءتها تجعله يمتلك طابعاً تصميمياً خاصاً وبصمة معمارية تطبع أعماله. مبنى “المركز الثقافي الروسي” في بيروت، الذي صممه في السبعينيات، ومبنى نقابة المهندسين في طرابلس، يدلّان على قدرة المعمار في إستخدام الفراغ أو الحيز المعماري بوظائف متنوعة بعيداً عن التعقيد، إنسيابية في العلاقة مع الخارج والمحيط. عمارته إذن إبنة موطنها بعيدة عن مظاهر الطراز الدولي وإستخداماته ومواده.

وأخيراً مشاريعه السكنية في إعادة إعمارالضاحية الجنوبية والتي قامت تصاميمها على قاعدة إحترام البعد الإنساني والألفة وسهولة العيش لأصحاب البيوت المهدّمة خلال العدوان الأميركي- الصهيوني على لبنان العام 2006، أضف إلى ذلك جمالية وبساطة المباني وإنسجام كتلها المتناغمة المترابطة وخاصةً تلك المطلة على الشوارع الرئيسية. فقد قدّم المعلّم رهيف فيّاض لمساته الخاصة في مخططات إعادة إعمار الضاحية “وعد” داعياً إلى إشراك المواطنين في عملية إعادة الإعمار كشريكٍ أساسي له حقوقه وعليه واجبات، إنطلاقاً من فكرة إعطاء المواطن الشعور بملكية المدينة، فالواجهة والمشهد المعماري حقٌ عام وملكٌ للناس، وليس للمعماريّ الذي عليه أن لا يخدش مشاعر المواطن تجاه المكان. يقول فيّاض : “المبنى هو ملك الناس، يلقي بثقله على كل الذين يمرّون بجانبه، العمارة بدورها تصنع المدينة والمدينة هي ملك ناسها، فالعمارة والمدينة هي ملك الناس وبالتالي العمارة والمدينة هي شأن عام وعلى المعمار إذا كان يريد فهم المدينة أو العمارة في المجتمع أن يكون مسيَّساً”.

لا يفصل المعمار رهيف فيّاض في تصميم عمارته بين الممارسة والنظرية. هي رؤية عملية واحدة يحاول المعمار فيها أن يكون منسجماً مع ذاته في العمل المطروح أمامه، لتكون الممارسة وليدة إبداع مرتبط برؤية تستعمل القدرات التصميمية، وتكون المحصّلة هذا النتاج الفكري الواحد من البداية حتى النهاية، أي من التصوّر الأولي حتى تشييد المبنى والدخول اليه.

-5

أتت كتابة رهيف فيّاض في قضايا العمارة وشؤونها بعد ممارسة طويلة في مجالي تعليم العمارة والعمل المهني. وهو كانت له إسهامات في قضايا سياسية ووطنية قبلها، لكنه لم يقمّ بصياغة أفكاره المعمارية كتابةً إلاّ بعد أن طُرح على بساط البحث، في مشروع إعادة إعمار بيروت، المخطَّطُ التوجيهي للمدينة عام 1992، الذي إعتبره فيّاض إستفزازاً كاملاً لناس المدينة ولتاريخها. كتب مقاوماً لهذا المخطط التوجيهي الذي يلغي نهائياً طابع المدينة، وكان أول مقالٍ كتبه في حقل التنظيم المديني والعمارة تحت عنوان “بيروت، أم مدينة أُنزلت بالمظلات” فتح فيه سجالاً لم ينقطع حول إعادة إعمار مدينة بيروت، لتتوالى بعدها كتاباته ودراساته فتطال مواقف وآراء معمارية لمجمل المدن اللبنانية كصيدا، طرابلس، صور، النبطية… وغيرها من المناطق التي أفرد لها صفحات كتبه. ثم تناول موضوعات عامة وقضايا نظرية ليضع فيها الخطوط الأساسية لنظرته المعمارية.

كان كتابه الأول “العمارة الغانية والإعمار الموجع” قد صدر عام 1999 بعنوانه المزدوج الذي يتعلّق بإعادة إعمار المدينة، “عمارةٌ غانية” بدأت تنتشر في بيروت و”إعمار موجعٌ” يقضي على هوية المدينة وتاريخها، يجعلها مدينة للعبور وليس للعيش. أطلق فيّاض في هذا الكتاب صرخته: إفقاد المدينة قلبها يساهم في فرزها طائفياً، وأعاد التصويب في مفاهيم العمارة الحديثة التي أصبحت اليوم بعيدة كلّ البعد عن مفاهيم الحداثة الخصبة، التي صاغها روّادها. “هي عمارة الطرز العالمي المعاصرة، لها زيّها الموحّد، الواجهات الزجاجية أو الصفائح المعدنية التي تمارس الإبهار، بعيداً عن هوية المكان وساكنيه”. كتاب “العمارة الغانية والإعمار الموجع” جمع فيه مقالاتٍ ودراساتٍ كانت قد نُشرت في الصحف اللبنانية درس فيها نزعات المقاومة في التراث المعماري الوطني والقومي لدى معماريين أمثال، فردنان داغر، بهجت عبد النور، أنطون تابت، رفعت الجادرجي، أحمد مكيّة، حسن فتحي وغيرهم. في الكتاب الرابع والأخير من هذه السلسلة خاتمة من نصّين برز فيهما لدى المعمار رهيف فيّاض نوع نادرٌ من الكتابة في العربية، حسب ما كتب أستاذنا محمد دكروب في تقديمه.

في “العمران الذاكرة العمران الوهم” الذي صدر عام 2000 يستكمل فيّاض الغوص في شؤون إعمار المدينة، يقرأ العمارة من حيث هي علاقة جمالية إجتماعية تاريخية في مجال أوسع هو العمران، مستعيناً بعوالم الروائي والكاتب الإيطالي إيطالو كالڨينو Italo Calvino (1985-1923) مستحضراً شخصياته الروائية من رواية “المدن غير المرئية” “Les villes invisibles” إلى شوارع مدينة بيروت ضمن نصوص روائية ممتعة وسينمائية، يلفت فيها إنتباه القارئ لمحاولات القضاء على الأحياء التاريخية في المدينة مشدداً على أهمية الذاكرة المعمارية وتأثيراتها.

أما كتاب “العمارة ووعي المكان” الذي صدر عام 2004 فيتصدى رهيف فيّاض فيه للنمطية السائدة في العمارة اليوم، النمطية المستوردة التي تفرض طرازاً معمارياً واحداً معلّباً هو ذاته نمط العمارة المعولمة التي تقتحم الخصوصيات الثقافية والتراثية لمدننا وجغرافيتها بتقديمها عمارة لكلّ الأمكنة حسب زعمها. يستعرض التيارات المعمارية المؤثرة في أعمال المعماريين اللبنانيين، ليخلص إلى أنّ لا تيارات معمارية في لبنان، ولا تيارات معمارية لبنانية، بل إتجاهات متعددة للإقتباس عند المعماريين اللبنانيين، بغياب هاجس جعل النقل الإقتباسي هذا ينتج عمارة تتلاءم مع ظروفنا المحلية.

يطلق الكاتب رهيف فيّاض في مؤلفه “العمارة ووعي المكان”، مفهوم “وعي المكان” مفهوماً مقاوماً ملازماً لمفهوم “الوعي الطبقي”، في مواجهة عمارة “الزمن النيوكولونيالي” التي تغزو مدننا اليوم والتي تدوس وعينا لمكاننا بكل مكوناته، الطبيعية والتاريخية والإنسانية. لغة العولمة الواحدة تلك لا تواجه على حدِّ تعبيره إلا بهويات خاصة للمعترضين عليها، هويّات تعددية حرّة في مواجهة قسوة النمط الواحد المسقَط والمدّعي الديمقراطية والحرية.

يتابع المعمار رهيف فيّاض نتاجاته الفكرية في كتاب “من العمارة إلى المدينة” الذي صدر عام 2010 في مرحلةٍ بدأنا نعيش نتائج إعادة إعمار مدينة بيروت. قرأ تحولاتها الجديدة، شرح بالملموس ما كان قد حذّر منه من إبتعاد الرؤية الهندسية للمدينة عمّا يمليه مكانها الطبيعي. الشركة العقارية هدّمت ولكنها لم تبن بعد، وبيروت لا تزال بلا حيّز عام، بلا مركز وبلا قلب. واجه فيّاض من جديد ناطحات السحاب التي بدأت تخنق المدينة وسكانها بإحتكارها المشهد البحري. ميزة كتاب “من العمارة إلى المدينة” أنه صدر إثر إنتهاء مشروع إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت التي شكّلت منعطفاً في مسيرة المعمار رهيف فيّاض، وأضافت إلى فكره المعماري تحدّيات جديدة وميادين للممارسة في المهنة سمحت له بإخضاع الفكر لميدان التجربة في التعاطي مع المدن المدمرة وأعطته فرصة لتقديم نموذجٍ في إعادة إعمار المدن وبكلفةٍ أقل بكثير مما أنفق في وسط بيروت. في الكتاب ذاته أعاد نشر مقالته الشهيرة تحت عنوان :”نعمّر الضاحية؟ أم نعمّر ما دمّرته الحرب فيها؟”. وضع المعمار فيّاض في مقالته هذه الخطوط الأساسية لإعادة الإعمار في الضاحية الجنوبية عبر إعادة إنتاج علاقة الناس بالأمكنة وإعادة النسيج الإجتماعي في الأماكن التي إعيد إعمارها وإعطاء المقاومة والصمود بعداً إضافياً.

كتابه الأخير “خلاصات الفكر، العمارة، والمجتمع” الذي صدر عام 2013، لعله الكتاب الأكثر غزارةً في الكتابة المعمارية، يجمع فيه الكاتب أعماله وكتاباته ومنطلقاته النظرية في العمارة، يعيد زيارة الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت ويفتح السجال في مباراة “دار الفنون والثقافة” في وسط بيروت متسائلاً “نبني داراً للفنون والثقافة؟ أم نبني ضريحاً؟”. فيكتب عن تحولات العمارة راهناً وعن ظاهرة الكونية في عمارة بلدان المركز الغربي المتقدمة وإستخدام التكنولوجيا في التصميم والبناء التي يواجهها في عمارة الملموس والبنيانيّ المعماريّ “التكتونك” مُجتمِعَيْن، اللذين يسمحان للمكان/الشكل التصدّي لهجوم التحديث المعولم القاسي.

-6

فكر الدكتور المعمار رهيف فيّاض هو الفكر المنحاز طبقياً ضدّ العولمة ونتائجها الكارثية على ثقافات الشعوب وتراثها العمراني. فكرُه إبن بنية فكرية نبتت في حقل حركة التحرر الوطني العربية، تكونت في ظلّ الصراع العالمي بين الإمبريالية من جهة والمنظومة الإشتراكية وحركات التحرر الوطني من جهةٍ أخرى، آمنت بقضايا الشعوب وبحقها في الحرية والعيش الكريم وعملت لإرساء مبادىء الإشتراكية والعدالة الإجتماعية. هي إذن بنية فكرية صراعية، تنحاز في سيرورتها إلى الإنسان صاحب الأرض والهوية في مواجهة الإستغلال الآتي بالفوضى من وراء الأطلسي وجواره، وتربط عملية تَحقّق العدالة والتغيير داخل مجتمعاتنا العربية بالتحرر من التبعية الإقتصادية والثقافية لدول المركز الرأسمالي المتوحش الذي يتّبع سياسة الهدم. بنية سقط كثرٌ من أبنائها في وهم الفكر اليومي، منهم من إستكان للهزيمة، ومنهم من بهرته أسلحة “الديمقراطية” ودباباتها وسطوة جيوشها، منهم من تنكّر للهوية فإختار الذات المنغلقة، قلّةٌ قليلة آمنت بأن الطريق صعب وبأن المعركة طويلة. ومن هذه القلّة كان رهيف فيّاض.

من هذه البنية الفكرية أطلّ على العمارة والعمران في لبنان والوطن العربي وطرح إشكاليات الهوية المعمارية في الثقافة العربية المعاصرة وساجل ودافع عن المدن وهويتها العربية الإسلامية في نظرة حداثوية وجدلية للعلاقة بين التراث والحاضر في العمران والثقافة.

اليوم وبعد تسع سنوات على لقائنا الأول لم يتغير رهيف فيّاض بل إزداد إنتاجاً فكرياً ومعرفياً، فلا يزيده العمر إلا صلابة في معركته ضدّ مظاهر الجهل والتبعية في مجتمعاتنا العربية، ها هي اليوم حقيقة واقعنا تثبت الموقف الذي دافع عنه رهيف فيّاض بفكرٍ حرٍ مقاوم. وفيما هو يتابع قضايا واقعنا الوطني والعربي لا ينسى متابعة أخبار مدن العالم العربي، قِبلته، ومحطّ الآمال. لا ينسى فلسطين وأخبارها فهي الخيط الذي يربط كل الأحداث وهي الجرح، الألم ومصدر السعادة في إنتصاراتها. أراه اليوم يعطي وجهه أفق البحر يستقبل قرص الشمس يومياً ويودعه من على شاطىء بيروت المدينة التي أحبّ، أحبّها عروس البحار وحضناً يلفُّ عالمنا العربي، تخوض معركة إستقلالها وتُسقط الأحلاف الإستعمارية وتُقاوم بناسها، بوافديها وبعمارتها عام 1982 وتقاوم في 2006 وتقاوم الآن لتقاوم غداً، مستعيدةً تاريخها وشاطئها وقلبها.

مصطفى حجازي

عن مصطفى حجازي

مصطفى حجازي
مهندس معمار لبناني

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>