الرئيسية / العدد 12 / الأغنية في ضوء الحراك الشعبي العربي

الأغنية في ضوء الحراك الشعبي العربي

Print pagePDF pageEmail page

3

مقدمة وتلخيص

هُوَ أنْ يأتيكَ الشجر عن طيب خاطر حين يتصحّر البصر في العقل والقلب ويلبس الأفق الشجر

لَنْ أتناولَ الموضوع من زاويةِ الذاتِ فَقَطْ، موسيقيّاً ولُغويّاً (شِعْريّاً، أدبيّاً…)، وفكريّاً- فلسفيّاً وواقعيّاً، ولنْ أقتصرَ على ما ليستْ عليها في معالجةِ موضوع يستحيلُ (يتحوّلُ) ذاتاً. سأضعُ نَفْسيَ خارجي قليلاً وأضعُ خارجي في نَفْسِي… هل أنجح؟ بلى؛ لا سيّما أنّ المعرفةَ تكامُليّةٌ، وتواصليّة حضاريّاً، وتفاعُليّة.
في الوقتِ المحدَّدِ للكلامِ ضِمْنَ الوَقْتِ المُشَرَّعِ على التركيبِ الاحْتماليِّ والحَتْميِّ أيضاً، أجنحُ إلى التبسيطِ والاختزالِ وبعض التكثيف لأنّ الابداعَ الثقافيَّ- الآنَ تحديداً- يفترضُ ذلكَ (بما أنّنا في حضرة “شبكة المبدعين الثقافيّين- غوتِه”) كأنْ أقول إنَّ “الفنَّ مَطَرٌ” وَهُوَ “أنْ تَنْزَعَ عَنْهُ أيّامَهُ لنحتميَ بها مِنَ المَطَرْ”.
– “ومَنْ هُوَ؟”، تسألُني، “وكيف يكونُ الفنُّ المَطَرَ ومِعْطَفَنا؟”
– “حَدّثْتُ عَن الفَنِّ ونَسَجْتُهْ لأُبادِلَكَ الحُبّ. الفَنُّ كُوَّةُ الإنسانِ في الزَّمَكان للإنسانْ”.
مَن يسعى، وَالمجاز مَدْخَلاً، إلى تعميقِ معارفه حَوْل ثيمة “الفنّ في زمن الأزمات عربياً” بإمكانِه قراءة دراسة فكريّة ونقديّة لي حَوْل “الأغنية في ضَوْءِ الحراكِ الشعبيِّ العربي” اسْتِناداً إلى واقِعِنا العربيِّ، وبعضِ المرتكزاتِ الفلسفيّة (مارتن هايدغر، فريدريش نيتشه) في تقاطُعِها والفنّ (على اعتباره لغة)، وحركةِ الواقعِ والتاريخ (كارل ماركس…)، إلخ. أمّا هنا، فأنطلقُ من عُنوانِ النَّدوةِ العريض “الفنّ في وقتِ الأَزَمات” (ثمّ تحديداً من العام 2011 إلى العام 2014) لنتناولَ الفنَّ معاً من زوايا ليستْ مغايرة لكنّها تُتيحُ فرصةَ اكْتِناه ما الفنّ أوّلاً، وما دَوْره ثانياً، قبل تَعْداد بعض الأعمالِ الفنّيّةِ الصادرةِ حديثاً (نَعْرُضُها سَمْعيّاً وسَمْعيّاً- بصريّاً) في هذا الإطار. لا يمكن أنْ نَعُدَّها خارِجَ سياقٍ فنّيٍّ ملتزم يُشَكِّلُ أساساً (الأخوان رحباني وفيروز وزياد الرحباني ومرسيل خليفة من لبنان مثلاً، وسيّد درويش والشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم من مصر على سبيل المثال) كما لا يمكن عدم تناوُل الثورة/ الثورات والانتفاضات – بمعزل عن محاولاتِ الالتفافِ والتحوير- إلاّ على اعتبارِها مساراً وصيرورةً.
في موجزِ الإضاءة أنتقلُ مباشرةً إلى بعضِ ما جاءَ في كتابِ “ما الفنّ؟” للِيون تولْسْتُويْ لمحاولةِ تفسير ذلكَ المبهم الإشْكاليّ (ودَوْره) حتّى لدى العديد من المثقّفين والنُّقّاد غير المُنْسَلّين مِنَ الفَنِّ عالَماً: “الفنُّ ليس مهنة، الفنُّ شيءٌ كبير (أيْ هامّ)؛ حيويٌّ عضويّاً للإنسانيّة، يُدْرِجُ في حَقْلِ الشعورِ (أي الحقل العاطفيّ) تصوُّراتِ المنطقِ/العقل (…). عُدَّ الفنُّ تاريخيّاً ما ينبغي أنْ يجعلَ مُدْرَكاً “تجاوُزاً” (أي الغامض) لا تَبْلُغُهُ الحواس لكي يَقْبِضَ الأفرادُ على انطباعٍ عن الواقعِ، عن المادِّيِّ، تُجاهَ الإلهيِّ؛ الموغلِ في التجريد (…). ميزةُ الفنِّ الجوهريّة تَكْمُنُ في جَمْعِ الناس. إلى جانبِ الكلام (تفسيري: أي اللغة الكلاميّة التي يمكن أن تكونَ فنّيّةً إبداعيّةً؛ الأدب والشِّعْر خصوصاً؛ يتحدّثُ تولْسْتويْ عن “الفنِّ الشِّعْريّ”) الفنُّ من وسائل تقدُّمِ الإنسانيّة”. هل يمكن أنْ لا نأخُذَ نظريّةَ أرتور شوبنهاور (1788- 1860)، الذي يَعُدُّ الموسيقى “جوهرَ الإرادةِ…”، في الاعتبار؟
لا يُستهان بأهمّيّةِ دَوْرِ الفنِّ وجوديّاً، لا سيّما في غَوْرِ الأزَماتِ وطنيّاً وقوميّاً، سياسيّاً (اقتصاديّاً- اجتماعيّاً) حيث يَحْتَلُّ مكانةً خاصّة نظراً للحاجةِ الفنّيّةِ والإنسانيّةِ التعبيريّة في الانعطافاتِ الحادّة و/أو المؤثّرة (التعبيرُ قد يَحُثُّ على التغيير) من جهة، وحاجة تَلَقّي هذا التعبير لارتدائِهِ من جهةٍ أُخرى (ارتباطاً بسَيْكولوجيا الأفراد والجماهير، وسَيْكولوجيا الإبداع عموماً، علماً بأنّ التعبيرَ الفنّيَّ ليس انْعكاساً ميكانيكيّاً للحدث، وارْتباطاً ببحثِ الإنسانِ عن معناهُ والزمانِ والمكانِ وفيهما ربْطاً بالثابتِ والمُتَحَوِّل. يكتسي الثابتُ معنى الغَيْبيِّ عموماً في مَنْطِقَتِنا. بالمعنى العميق والعامّ الثابتُ برأيي تحوُّلٌ (لافْوازييه…) حتّى في الغَيْبيِّ لأنّ ما يتحوّلُ هو كيف يرى إليه الإنسانُ (كيف يفهمه وأين يمكن أنْ يتعاطاه أو لا) مع تقدُّمِ وعيِه. في زمن التحوّلاتِ الكبيرة والكُبرى هناك دَوْرٌ تأريخيٌّ جزئيّاً أيضاً للفنّ، ويمكن أن يؤدّيَ دَوْراً “استشرافيّاً”. لن أستفيض؛ المزيد في خِطابي النقديِّ الطويلِ المنفصلِ والمتّصلِ في آنٍ واحد. لا ينفصل دَوْر الفنّان الحقيقيّ عن دَوْرِ المثقّفِ الطليعيّ (الدَّوْر النقديّ). يُمَثِّلُ الفنُّ (من مرايا الحضارة) محاولةً لإعادة تشكيل عالمنا وواقعنا وإنساننا وهُوَ ما يَجْعَلُ، على الأقلّ، حياةَ الإنسانِ على هذه الأرض أَكْثَر احتمالاً. “هُوَ أنْ يأتيكَ الشَّجَرُ عن طِيبِ خاطِر حين يتصحّرُ البَصَرُ في العقل والقلب ويلبَسُ الأفق الشجر” (القول لي وتفسير بعضه: الفنّ ناصية أحياناً…)

نماذج فنّيّة (2011-2014):
من لبنان:
1- فيديو كليب “الربيع العربي” (إلى محمّد البوعزيزي- تونس) من ألبوم “يا حبيبي”- 2014 (الأغنية من كلمات غدي الرحباني، مَوْسَقة وَرؤية أسامة الرحباني، غناء هبة طوجي).
2- من لبنان وسوريا: أغنية “ظِلالُنا” (تحوي القصيدة رؤية لا تخلو من استشرافٍ جزئيّ مفزّع لأجزاء من المشهد العربي) من أسطوانة “زمن”- 2013 لأميمة الخليل (شِعْر هاني نديم، مَوْسَقَة باسل رجوب، غناء أميمة الخليل).
3- (شبابيّاً): أغنية “مَدَدْ” (نقديّة) لـ”فرقة الراحل الكبير” (تأسّست الفرقة عام 2013، وتضمّ عبد قبيسي (بزق وغناء)، عماد حشيشو (عود وغناء)، علي الحوت (إيقاع وغناء ومشاركة في التوزيع)، خالد صُبَيْح (كيبورد/بيانو وتأليف)، ساندي شمعون (غناء منفرد)، ونعيم الأسمر (غناء منفرد)).
من مصر:
1- “نشيد الثوّار” (شِعْر مصطفى إبراهيم، النشيد مقتطع من قصيدة “سفينة نوح” المدوّنة بكامِلها في دراستي، غناء محمّد محسن* من شباب الثورة المصريّة).
2- أغنية “وأنا كُلِّ ما قول” لفرقة “مسار إجباري” (فيديو كليب) .
(تأسّست فرقة “مسار إجباري” عام 2005، الإسكندريّة: أيمن مسعود (كيبوردز)، هاني الدقّاق (غيتار وغناء)، أحمد حافظ (غيتار باص)، تامر عطاالله (درامز)، وتضمّ الفرقة منذ العام 2008 محمود صيام (غيتار)).
3- أغنية “الحرام” لدينا الوديدي (كلمات منتصر حجازي).
4- أغنية “آه من الإخوان” (نقديّة) لتامر أبو غزالة (فلسطيني وُلِدَ في القاهرة عام 1986)

وفيما يلي نص الدراسة.

في ظلّ ما جرى ويستمرّ في منطقتنا وعالمنا العربيّ من حراكٍ شعبيٍّ تبدّى في ثوراتٍ، وانتفاضاتٍ، وتحرُّكاتٍ احتجاجيّةٍ متنوّعة المظاهر، ومواجهاتٍ بطوليّةٍ مفاجئة حديثاً، آخذين بالاعتبار أيضاً اختراق بعض الحراك هناك أو هنالك حيث باتت الثورة البيضاء حرباً “بالواسطة”، وحيث تدخّل العالمُ “المُتَحَضِّر” لتصدير مفاهيمه ونموذجه “الديمُقراطي” (!) كما زعم طويلاً قبل اعترافات صريحة من إدارته تكشف مخطّط الغرب، وإستراتيجيّاته، وحقيقة ما حدث… في ظلّ ذلك كلّه سمعنا، في مدى 3 سنوات ونيّف، أصوات شعوبنا العربيّة هتافاتٍ بحناجر من نور وأغاني مستوياتها متفاوتة، أصدقها صوت الناس ملح هذه الأرض وعيونهم الجائعة إلى حياةٍ كريمة؛ إلى الكرامة الإنسانيّة والوطنيّة والعربيّة التي علّموها درْساً للعديد من الأنظمة وحُكّام الكرتون؛ إلى العزّة والتقدّم في حضنٍ دافئ آمن يشكّلون بدورهم حصانته الأولى إن لم نقُل هم الذين منذ فجرهم يشكّلونه. أغنيات من لبنان عن “الربيع العربي” (أسامة وغدي الرحباني/ هبة طوجي)، ومن لبنان وسوريا معاً (أميمة الخليل بالتعاون مع الشاعر السوري هاني نديم وباسل رجوب)، ومن مصر (” نشيد الثوّار” مثلاً، أداء وتلحين محمّد محسن من شباب الثورة، وشعر مصطفى إبراهيم)، ومن “ثورة الياسمين” (“راجِعْ يا بلادي”)، وبعض نماذج الراب RAP من اليمن، وليبيا، وسوريا، وفلسطين، إلخ… تقتصر عموماً على محاكاةٍ فاشلة، أو منقوصة على الأقلّ، للغرب نَمَطاً، وتنأى فنّيّاً (رقْصاً أو بالأحرى تعبيراً جسمانيّاً لناحية الحركات المفتعلة، ولَفْظاً) عن مقوّمات ثقافتنا وحضارتنا ولَوْ حوت مضامينها معاناة حقيقيّة وإشكاليّات واقعيّة، وتنمّ عن عِقَد دونيّة ضمنيّة أو قلّة وعي – ممزوجة بنيّة حسنة غالباً- إزاء الوافد الرائج الجارف الذي يحوّلنا إلى مجرّد مستهلكين ومقلّدين، وعن أزمة هويّة.
تتأرجحُ الأغاني الهادفة وطنيّاً وسياسيّاً بين النخبويّ والشعبيّ وشعبيِّ الشعبي من جهة، وبين المشرقيّ- العربي (من مصر وحتّى من المغرب العربيّ أحياناً) وتجارب الدمج بين الغربيّ والشرقيّ (بعضها موفّقٌ وطبيعيٌّ في التفاعل الثقافيّ والحضاريّ والبعض الآخر هجين غير متجانس وغير ناجح أو تجاريّ) والتغريب من جهةٍ أخرى، إلخ.
نضيء تباعاً، في سياق التحليل والعرض، على بعض النماذج التي صدرت خلال المرحلة الممتدّة هذه مع تلك التي شكّلت أساساً للصادر حديثاً – وقد تمّت الاستعانة بها في ساحات الحراك الشعبيّ (نذكر ههنا مثلاً صوت الثنائي الشيخ إمام/ أحمد فؤاد نجم في ميدان التحرير) ووسائل الإعلام والنشاطات الفنّيّة الثوريّة- مثلما مثّلت اللحظةُ الثوريةُ حتميّةً بعد عقودٍ تراكمت وأفضت إلى هذا الأوّليّ في التغيُّرِ والتغيير، وإنْ حُوِّرَ في بعض البلدان العربية ظرفيّاً أو بدا خامداً فيما يشكّل جمراً تحت الرماد في لجّة الصراع المستمرّ، والتناقضات، والإشكاليّات المرحليّة، وبعض التطوّرات الكبيرة الملحوظة.
وقبل استكمال الكلام على مجموعةِ الأغاني الهادفةِ هذه رَبْطاً بـ”الربيع العربي” لا بدّ من القول إنّ ثمّة أغنيات سوف تولد حتماً شيئاً فشيئاً – إذ أنّ ما سمعناه وما صدر حتّى يومنا هذا لا يختزل الحراك كُلّه وتداعياته وامتداده صيرورةً – ولا بدّ من التطرُّق إلى دَوْر الأغنية الهادفة وموقعها، والتوقُّف عند الأساسيّ في معناها وجوديّاً انطلاقاً من اللغةِ أوّلاً لأنّ الأغنيةَ لغةٌ…
بديهيٌّ القول إنّ اللغةَ الكلاميّة وسيلةٌ للتعبير والتواصل والموسيقى لغةٌ يمكن أن ترتديَ ثوْباً تعبيريّاً خالصاً أو تعبيريّاً وتواصُليّاً. وحين يُزاوج المرء بين لغتيْن مختلفتيْن في فضاء الغناء يلتمس مزاوجةً بين الكلمة والموسيقى. معاني اللغة الأولى (الكلاميّة) أكثر تحديداً عموماً فيما تُقارَب الثانية بمنظارٍ ومكيالٍ مغايريْن لأنّ المعنى كامنٌ في ثنايا النسق/ السياق/ المسار النظاميّ لهذه الموسيقى أو تلك إذا تناولناها في حالها الصرفة لفهمها من زاوية السيمياء الذاتية endosémiotique (A propos de logique et de signification musicales- Nicolas MEEUS).
يستلزم ارتباط الموسيقى بالكلمة (النَّصّ) “ترجمةً” للدلالات اللغويّة الكلاميّة (إبداعيّاً) عبر الموسيقى؛ أي محاولة عَكْس (هنا بمعنى بَلْوَرة، صوْغ، و”تفسير”) المضمون/ المضامين بنظامٍ موسيقيٍّ ما أو أكثر (في حال الدمج)، ما يمكن اكتناهه عموماً في العَبْر- سيمياء diasémiotique.
بذلك نكونُ أمام تعبيرٍ على تعبير (كلاميّ على موسيقيّ أو العكْس) وكتابةٍ على كتابة كجسدَيْن يتماهيان فنّيّاً ويعكسان حالاً بين الذاتيّ والموضوعيّ، لا سيّما أنَّ الفنَّ وليد الواقع من جهة (إضافةً إلى الخيالِ الذي يجري في الواقع ويمكن أن يغدو واقعاً فعليّاً)، ويحمل الخصائص الفرديّة أيضاً – الاتّجاهَ الفرديَّ إزاء الموضوع، وفي صميمه، في كيفيّة الرؤية والتناوُل/”الخلْق” بحسب الوعي، واللاوعي، والقدرات، والميول، وعوامل عدّة- للذات المبدعة من جهةٍ أخرى.
وبالمعنى الهايدغري (مارتن هايدغر) العميق، اللغة ليست مجرَّد أداة يملكها الإنسان إلى جانبِ غيرها من الأدوات، بل إنّها ما يضمن إمكان الموجود وسط الوجود؛ “مصير اللغة يرتكزُ دائماً في حياةِ شعبٍ ما على علاقتِهِ بالوجود” (Introduction à la métaphysique)، لذلك قالَ محمود درويش “أنا لغتي”. انطلاقاً من هنا للأغنيةِ الهادفة (“الملتزمة”) عباءة وجوديّة من خيوطٍ وثيقة الارتباط بنوْل الظروف/ المرحلة، في المكانِ والانعطافاتِ المجتمعيّةِ المفصليّةِ والوطنيّةِ والقوميّة -وصولاً إلى الكونيِّ- والحتميّات، ربْطاً بثقافة الشعب/الشعوب والهويّة بطبيعة الحال، وكلّ ما يُداخل الخطَّ الحضاريَّ العريض التواصليّ والتراكميّ.
يبرزُ إذاً دَوْر الأغنية هذه، التي تحتلُّ مكانةً خاصّة وموقعاً مميّزاً في الوجدان للأسباب المذكورة وغيرها، في المواجهات المصيريّة وكلّما حَدَثَ تغييرٌ كبير أو تغيُّرٌ، أو كلّما كاد يحدث ربّما (لدى الغالبية على الأقلّ)، لأنّها تحثّ على التشبّثِ بالذاتِ، بالمعنى الواسع ههنا للمصطلح، حين تغدو الذاتُ الكبرى الحاصنة ذواتنا موضوعاً، ولأنّها تحضُّ على التقدُّمِ على الذات وإليها في الوقتِ عيْنه.
تتأثّرُ الأغنيةُ بالواقعِ (بِكُلِّ ما يستبطنه) وتؤثِّرُ في مجرياته نسبيّاً (نذكر على سبيلِ المثال لا الحصر غالبيّة الأغاني الهادفة والأناشيد من السبعينيّات إلى نهاية الثمانينيّات في لبنان) على مستويَي الصمود والتصدّي، وتحريضاً- تعبئةً في المجابهةِ والإقدامِ (كثيرون هم مَن حاربوا واستُشهدوا على وقْعِ العديد من الأغاني تلك). لا يقتصرُ الأمر على الجانبِ النفْسيِّ الذي سنتناوله بل يتعلّقُ أيضاً وجوهريّاً بسؤالِ الإنسان عن معناه في الزمانِ والمكان من حيث يعلم أو لا يعلم، وبمُساءَلة المعنى الذي يتقطّرُ إجاباتٍ ضمنيّةً أو مباشرةً مفتوحةً على كلّ إمكانات التطوير؛ على استكمالٍ لا يمكن أن ينتهيَ لأنّه يُمَثِّلُ التحقُّق.
للّغةِ محكيّةً منغَّمةً بْروزودِيّاً أو مُمَوْسقةً فنّيّاً أو أثراً مكتوباً، أهميّةٌ خاصّة بالحياةِ والطبيعةِ الإنسانيّتيْن؛ بالعيْش وشروطه، تماماً مثل الهواء والماء والنار والتراب والخبز، حين يكون بعض المذكور، مثلاً، بمثابة تجلّيات مادّيّة للّوغوس، حين يعطيها الإنسان معنىً ما رمزيّاً إلى جانب اعتبارها موضوعيّاً مقوّماتٍ ضروريّةً لا بدّ منها على هذه الأرض، وهو واهبُ المعانيَ والقيَمَ ومجترحُها؛ “الإنسان هو الذي ابتدعَ القيَم أوّلاً، من أجْلِ البقاء، هو الذي ابتدعَ معنىً للأشياء، معنىً إنسانيّاً؛ لذلك يُسمّي نفْسه إنساناً؛ يعني أنّه: المُقَيِّم (“هكذا تكلّم زرادشت”- فريدريش نيتشه). تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ الأهمّيّة الحيويّة للّغةِ تعود تاريخيّاً إلى الجينيِّ إنسانيّاً والبنيةِ الدماغيةِ لغويّاً (نعوم تشومسكي) حتّى قبل أن ينطقَ الـ homo-sapiens (العاقل) منهوكاً بحادثِ اللغة فيما كان يرنو إلى الأعلى (الثمر). عندما غنّتْ فيروز مثلاً “بأنَّ البلابلَ لمّا تَزَلْ هناكَ تعيشُ بأشعارِنا” (“سنرجعُ يوماً”) لم تقتصر قصيدة الأخوين رحباني بِصَوْتِها على الجانب الفَنِّيِّ في اللغةِ ومنها بل حملتْ دلالةً فلسفيّةً كبرى تنمُّ عن إدراكِ دَوْر اللغة فنّيّاً، ليس للفنّ (نظريّة “الفنّ للفنّ”) المكتفي بالتعبيريّ تفنُّناً و/أو التواصليّ فحسب، بل للاستمرار طبيعيّاً، للبقاءِ وجوديّاً. في “يوميّات الحزن العاديّ” كَتَبَ محمود درويش: “ومِنْ شِدَّةِ ما ازْدَحَمَ الجَليلُ الأعلى بالغابات، كانَ لا بُدّ أنْ تُبَرْهِنَ القدْسُ على أنَّ الصخورَ قادرةٌ على امتلاكِ حيويّة اللّغة. هذا هو وطني”. بالشِّعْرِ عَبَّرَ جبران خليل جبران: “فالغِنا (الغناء) سِرُّ الوجود” ونكتشفُ اليوم علامَ ارتكزَ المفكّرُ والأديبُ فلسفيّاً فيما قد يُخيَّل إلى بعضهم أنّ اللغةَ المغنّاة، لا سيما الشِّعْر المغنَّى، ترفٌ فَنِّيٌّ، إضافةً إلى تحريم الموسيقى من قِبَل المتطرّفين دينيّاً، ما يعوِّق تقدُّم اللغة العربية ذاتها موضوعاً في ذاتها- الموضوع؛ في النطاقِ العربيِّ ثمّ العالميّ، لا سيّما أنّ “السؤالَ في اتِّجاهِ الوجود وعلاقتنا بِهِ يبقى في تشابُكٍ وتماسُكٍ بالنسبةِ لنا مع السؤالِ حوْل اللغة (…) إنّ أزمة الوجود أزمة لغويّة” (هايدغر). لا يمكن إلاّ الموسيقى أن تُشَكِّلَ الدعامة الأولى والأقوى للّغةِ الكلاميّة على مستوى الانتشار إذ أنّها تُحَرِّرُ المادَّةَ (أي اللغة الكلاميّة) من ثقلها، كما توضح الإسْتِطيقا، وبالتالي تضمنُ انتصار اللغة لذاتِها فيها أوّلاً. من محتوياتِ “يوميّات الحزن العاديّ” (“الوطن… بين الذاكرة والحقبة”) نستعيدُ في السياق هذا جزءاً من حوارٍ هامّ ومعبّر يعقبه تعقيب درويش:
– “ماذا تعلّمتَ في المدرسة؟
○ سلامٌ على العصفورِ العائدِ من بلادِ الشمسِ إلى نافذتي في المنفى. أَخْبِرْني أيّها العصفور عن حالِ أَهْلي وأجدادي.
– والأغنية السابقة؟
○ ألغوها.
– ماذا كانتْ تقولُ الأغنيةُ التي ألغوها؟
○ عليكِ مِنّي السلامُ يا أرض أجدادي/ ففيكِ طابَ المقامُ وطابَ إنشادي.
لا فارِق كبيراً بين الأغنيتَيْن غير الفارِق بين الحنين القادم من بعيد والحنين الطالِع من قريب. كلتا الأغنيتَيْن تُعلنُ الحبَّ للأرضِ ذاتها. وكلتاهما تُحَدِّدُ مفهومَ الوطن بالانتماءِ إلى الأجداد. الأولى- لشاعرٍ يهوديٍّ عاشَ في روسيا. والثانية- لشاعرٍ عربيٍّ عاشَ في فلسطين وما رأى المنفى وما سمعَ بِهِ. بعد قليل، تغلّبت الأغنيةُ الأولى على الثانية، وصارَ الشاعرُ الثاني يغنّي الحنينَ البعيد. وصار الفتيان العرب الباقون في بلادِهِمْ محرومين من التغنّي بقصيدة شاعرهم. وصارَ طريقُهم إلى المستقبلِ مرهوناً بإتقانِ أغاني الشاعر اليهوديّ الذي كان يُقيمُ في روسيا. والمُعَلِّمُ العربيُّ الذي يجرؤ على تلقينِ أغنية حبّ الوطن مطرودٌ من العَمَلِ بتهمةِ التحريض على دولة إسرائيل وبتهمةِ اللاساميّة…”.
ببلاغةٍ وبساطةٍ يُفَسِّرُ الشاعرُ الفلسطينيُّ اللغةَ هايدغريّاً (من دون تحديد المرجع؛ “فأنّى لَكَ أنْ تثبتَ البديهةَ بالبرهانِ؟” على حدّ تعبيره) وصولاً إلى محاولتِهِ الاستعانة نسبيّاً بمصدرٍ (من دون ذِكْره) ارْتُكِزَ عليه في التفكيك (جاك دِريدا):
“وعليكَ أنْ تدافعَ عن حروفِ اسْمكَ المفكَّكَة، كما تدافع القطَّةُ عن جرائها… مهما نَأيْتَ ستدنو/ ومهما قُتِلتَ ستحيا/ فلا تظنَّنَ أنَّكَ ميْتٌ هناكَ/ وأنّك حَيٌّ هنا/ فلا شيء يثبتُ هذا وذلك إلاّ المجاز/ المجاز الذي دَرَّبَ الكائنات على لعبةِ الكلمات/ المجاز الذي يَجْعَلُ الظِلَّ جغرافيا/ والمجاز الذي سيلمّكَ واسْمكَ/ فاصْعَدْ وقومكَ/ أعلى وأبْعَد مِمّا يعدُّ تراث الأساطير لي وَلَكْ/ اكتبْ بنفسكَ تاريخَ قلبكْ/ منذ إصابة آدم بالحُبِّ/ حتّى قيامة شعبكْ/ واكتبْ بنفْسكَ تاريخَ جنسكْ…”.
ويوضحُ بَعْدُ أكثرَ:
“حين يُجْمَعُ حرفٌ إلى حرف، أي عَبَثٌ إلى عبثٍ، يُسْفِرُ غامضُ الشكل عن وضوحِ صوْتٍ ما، ويَفتحُ هذا الوضوحُ البطيء مجرىً لمعنىً له صورةٌ، فتصيرُ ثلاثةُ أحرفٍ باباً أو داراً. وهكذا تبني حروفٌ خاملة، لا قيمة لها إذا افترقتْ، بيتاً إذا اجتمعتْ. يا لها مِنْ لعبة! يا لَهُ مِنْ سِحْرٍ. يولَدُ العالمُ تدريجيّاً من كلمات. هكذا تصير المدرسة ملعباً للخيال… الحروفُ أمامك، فخُذْها من حيادِها والْعَبْ بها كالفاتح في هذيانِ الكَوْن” (“في حضرة الغياب”).
“الصَّوْتُ صرخةُ الروحِ لإشْباعِها” كَتَبْتُ مرّةً. وحين حَدَّثَ نيتشه عن اللغةِ حيويّاً مَرَّ أوّلاً بالقراءةِ “بمِلْء الصَّوْت”، يُقابلها الإنصاتُ – رهافةُ “الأُذُن الثالثة” (مجازاً)- لإبراز الصلة اللغويّة الهامّة بين الأسلوب والصَّوْت والأُذُن، ما يُعْرَفُ بالحضور الميتافيزيقي للصَّوْت فلسفيّاً (للميتافيزيقا تعريفات عدّة). “المهارة الغنائيّة (ومعها أيضاً فنّ التنغيم)” تأتي إذاً من اللغةِ الكلاميّةِ في “الأسلوب الخطابيّ” (“ما وراء الخير والشرّ”).
في ظِلِّ ما يدمي غزّةَ والشعبَ الفلسطينيّ نُصغي مجدّداً:
“أتركوا ليلةً للغناء” (“تصبحونَ على وطن”).
“هنالكَ عرْسٌ على بُعْد بيتَيْن/ فَلا تغلقوا البابَ، لا تحجبوا نزوة الفرح الشاذّ عنّا/ فإنْ ذبلتْ وردةٌ/ لا يحسّ الربيعُ بواجبِهِ في البكاء/ وإنْ صمت العندليبُ المريض أعارَ الكناريُ حصَّتَهُ في الغناء (…)/ فَلْنُنْهِ طقْسَ جنازتنا كي نشاركَ جيراننا في الغناءْ”.
ها شِعْر الكوْنيّ محمود درويش الذي لطالما اكتسب أهمّيةً وسطوةً استثنائيّتَيْن إنْ في الإطارِ الغنائيِّ أو بصوْتِه العاري الذي يجنح إلى “الغنائيِّ” على صعيد الـ musicalité في الإلقاءِ الشعريّ (يرافقه أحياناً “الإخوة جبران” من فلسطين على العود). وتعودُ اليوم إلى الواجهةِ الأغنية الهادفة بصيغةِ الجمْع (“جِسْر العوْدة”، و”زهرة المدائن”، وسواها إلى جانب “أناديكم”- أحمد قعبور/ توفيق زياد مثلاً، إلخ.). نبدأ بغزّة في الكلام على “الربيع العربيّ” (للمزدوجَيْن معنى ههنا) لأنّ فلسطين قضيّة العرب المركزيّة التي تمادى العالمُ في ضَرْبِها وبعضُ مَن مِنّا ولَنا هادنَ ولمّا يزل وتخاذل، لأنّها البوصلة، بها – احتلالاً- يُبَرَّرُ اليوم السياجُ الشائكُ ذريعةً (بالمنحى الاستشراقيّ) بين الشرق والغرب، بيننا وبيننا (!)، وبين الإنسان والإنسان. حالُها متعلّقةٌ بوضع العالم العربيّ والمنطقة تاريخيّاً، حاليّاً، وفي المستقبل (والعكْس)، ولا يمكن التحدُّث في العمْقِ عن “الربيع العربي” بمنأى عن الصراع العربي- الإسرائيلي وتداعياته. يمكن “سيّدة الأرض” أن توحِّدَ العرب مجدّداً، شعبيّاً على الأقلّ، بَعْد الانقسام الكبير المرسوم في الخارج على أساسٍ دينيٍّ- طائفيّ، إضافةً إلى انقساماتٍ أخرى على هامشِ الانقسامِ العريضِ وتقسيم المُنْقَسِم عيْنه في إطار التفكيك- ما يُبَرِّرُ وجود إسرائيل (ومَن خلْفها) في المنطقة بوصفها كياناً دينيّاً (ولا يمكن الدين أن يشكّلَ قوميّةً) ويجعلها طليقةً في مشروعها التوسُّعيّ (من الفرات إلى النيل) ويكشف البُعْدَ والهدفَ الاقتصاديَّيْن جوهراً- أي محاولات الإضعاف والتمزيق عبر التجزئة والتفتيت لكي يغدو التنوّعُ والتعدُّدُ تناقضاً وتنافراً واقتتالاً داخليّاً، إلخ. رغم تخبُّط العديد من البلدان والشعوب العربيّة في أزماتها الداخليّة المتشعّبة فإنّ عيون العرب، على صعيد الرأي العام بمعظمه، صُوِّبتْ من جديد نحو فلسطين بما يمليه عليها القلْبُ والعقلُ والضمير، ما يُنعش القضيّةَ نسبيّاً التي عُمِدَ إلى اقتلاعها حتّى من الذاكرةِ، ويحثُّ العديد من الأنظمة العربيّة إثر التطوّرات الجدّيّة والتصعيد هنالك – ربْطاً بما يحدث في المنطقة أيضاً- على التفكيرِ على الأقلّ (!) إنْ في إطار المراجعة أو الترقُّب أو الحسابات، ويحضّ بعضها على المبادرةِ القابلةِ للتعديل التي لا بدّ منها وأكثر على نطاقٍ أوسع رسميّاً وأعلى سقفاً. تزامُناً والأفعال العدوانيّة الهمجيّة الأخيرة ضدّ شعبٍ مسالمٍ أعزل في الأساس، كان ولمّا يزل يتسلّح أطفالُه بالحُبِّ قبل الحجارة، براعم الغد أولئك الأبرياء الأبطال من أغصانٍ مكينةٍ في شجرٍ عميق الجذور يُثَبِّتُ تربةَ الأرضِ أفقاً مُمْكِناً في المستحيل… تزامناً والاعتداء هذا على شعبٍ قاومَ بجسارةٍ دفاعاً عن حَقّه وله “هدفٌ واحدٌ: أنْ يَكُون” (محمود درويش)، بُثَّتْ إعلاميّاً من لبنان بعض أغاني جوليا بطرس، لا سيّما “وين الملايين؟” (من كلمات علي الكيلاني) في ظلّ الصمت العربيّ في البداية خصوصاً (ثمّ “الحقّ سلاحي” فيديو كليب)، كأنّما ليستحضر المتلقّي أنّى كان – في لحظةٍ تكثّفتْ معانيها أسئلةً (“الشرف العربي وين؟”، “الدم العربي وين؟”، “الغضب العربي وين؟”…)- شريطَ الأحداث مُذْ سُرقت فلسطين وطُعنت في عُتامة التواطؤ العربيّ المُجَرْجِر عموماً (على صعيد أنظمتنا في غالبيّتها) بَعْد الانكسار العربيّ الكبير، والحال الجماهيريّة التي خالَها كثيرون بمثابة خنوع، إضافةً إلى ظاهرة “تَعامي النعامة” العجيبة كَرَدِّ فِعْلٍ طالَ قَبْلَ أن ينتفضَ عددٌ من شعوبِنا الأبيّة انتصاراً لكرامتِه وقوتِه وحرّيّتِه ووطنيّتِه وعروبتِه؛ لإنسانيّتِه ضدّ أنظمة أمنيّة ظالمة وبعضها مائع على أكثر من صعيد، ولا يمكن الإطلاق والتعميم في ما يتعلّق بالموقف من إسرائيل ومدى الإسهام، بصورةٍ أو بأخرى، في مَدِّ يد العَوْن للشعب الفلسطينيّ أو الامتناع عمْداً، وصولاً إلى “بَيْعِ” القضيّة؛ لا بدّ إذاً من أَخْذِ التباينات والتفاوُت في الاعتبار. أمّا التساؤل غنائيّاً عن الشعب العربيّ بصيغة المُفْرَد، فيعكسُ قناعةً وخلفيّةً قوميّتيْن، ويُشَكِّلُ، في الحدّ الأدنى، دعوةً مُلحّة إلى رَصِّ الصفوف إزاء المحوريّ.
من تونس بعد فلسطين نسمع “راجِعْ يا بْلادي” بأصواتٍ متنوّعة في “يوتيوب”، ويشكّل الجمهور/ الحشد/ الشعب كَوْرساً، علماً بأنّ التوزيعَ التجاريَّ مسَّ جماليّة النموذج الفنّيّ، وبأنّ الأداءَ المؤثّر “دويتّو” عفويٌّ (“الرفيق أنور”) لرجلٍ وطفلٍ من دون مرافقة عزفيّة فيما الإيقاع تصفيق الحضور المتواصل، تتخلّله الزغاريد… يستميلنا الجنوح نحو التراث المشرقيّ- العربي، إنْ على المستوى الموسيقيّ المقاميّ أو على صعيد النَّظْم لناحية الأوزان في الزجل والتقطيع اللفظيّ، إضافةً إلى المحتوى الصادق جوهراً، ويشفُّ عن بساطةٍ لم تخلُ من أسئلةٍ شعبيّةٍ عميقة ومباشرة، وتوْقٍ واعد يكتنف الإيمان والتحدّي ويؤكّد الاستمرار ثوريّاً: “نور الثورة في قلبي ما زالَ حَيّْ” (شعار الساحة التونسية). اللحن، الذي حمل الكلام، والمتوارث بالتواتُر (شفهيّاً)، دَوَّنَ الحدث. أمّا عدد المقاطع اللفظيّة (من الأوزان السريانيّة)، فيندرج عموماً في خانة “مُوَشَّح” 7/4 بحسب “الشِّعْر” العامّيّ (الفولكلور) وليس الموشّح الغنائي كقالبٍ كلاسيكي: “مَحْلا الثورة التونْسية/ تْضُمِّ الْجَميع”/ (…)/ مين اللي خانْ تْرابِكْ/ يا تونس مين/ غير الخَوَنة والعُمَلا/ والرَّجْعيينْ (؟)”. هذا بالإضافة إلى أوزان أخرى: “فوق التَلّ وُتَحْتِ التلّ وُ/ بين الوادي والوادي”، “يا حَلالي وْيا مالي/ يا وطنّا يا غالي/ يا شهيدْنا يا غالي”.
اللافت أنّ بعض ثوّار الياسمين تغنّى بمصر في تنوُّعِها الثوريِّ لكي تعانقَ ذاتَها وتعانقَه والعرب: “مَحْلا الثورة المصرية تْضُمِّ الْجميع”، وأنّ كلام الأغنية ينسحب أيضاً، وإنْ بصورةٍ غير مباشرة، على فلسطين: “راجِعْ راجِعْ يا بْلادي عَبْرَ الجِبالْ/ واللهْ لَتْشوفوا انْدادي عَ الساحة رْجالْ/ راجِعْ راجِعْ يا بْلادي عَبْرَ البِحارْ/ وين تِتْلاقى انْدادي في الساحة احْرارْ/ راجِعْ راجِعْ يا بلادي عبر الحدود…”.
بين الأغاني التي دوّى صداها في الآونةِ الأخيرة أغنية “الربيع العربي” (تأليف وتوزيع أسامة الرحباني، كلمات غدي الرحباني، غناء هبة طوجي، علماً بأنّها صُوِّرتْ على شكل فيديو كليب)، وتستبطنُ أمَلاً ما يرتكزُ على الإنسانيِّ انطلاقاً من كوْن الإنسان كُنْه الأرض: “ثورة الحياة بْتِرْجَعْ بالصرخة الإنسانية”، ومن التاريخ بوصفه “دوْرةً”/ فصولاً كما يرى إليه أسامة. تستحضرُ الأغنيةُ الشرارةَ الأولى للثورةِ: “بِدْيِتْ بِعَرَبيِّةْ خُضْرة وِلْعتْ ثورة بالميدان” (محمّد البوعزيزي/ تونس)، وتُبَيّنُ كيفيّة تغيير وجهة الثورة عموماً لإعاقة التغيير الحقيقيّ والتقدُّم عبر الدين أداةً: “عِمْلوها ثورتنا حَمْرا تقتل بإسم الأديان” (مشروع الإسلام السياسي بمظاهره وتجلّياته المختلفة)، إضافةً إلى دور التدخّلات الخارجيّة السلبيّ الناتئ في “الوطن العربي” المستباح خندقاً. لا تخلو الأغنية من هاجسٍ رئيس منوط بمستقبل العرب ومصير الحضارة العربية: “خَوْفي عَ هالشعب العربي (…) يبقى جاهل مِتْلِ الصبي يِحْكُمْ بِصْفوف الروضىة”. تكتنفُ موقفاً نقديّاً جليّاً وتعكس مرحلةً من مراحل الثورة (على اعتبارها مساراً وصيرورةً كما أرى إليها) ولا تعكس المرحليّة في الثورات وفق ما تشفّ عنه التجارب التاريخيّة التي أفضت إلى تغيُّراتٍ كبرى (الثورة الفرنسية مثلاً ربْطاً بالغرب)، وبالتالي لا تُقارب الثورات والانتفاضات استناداً إلى حركة التاريخ. هذا من جهة. من جهةٍ أخرى، ورغم صحّة المعالجة والتناوُل على المستوى العام ومدى تداخُل الأمور في المنطقة وتشابُك العربيّ والإقليميّ والدوليّ، لا سيّما أنّ التحويرَ والالتفافَ واضحان، فإنّ المشهدَ العربيّ يشتملُ على مشاهد عدّة بعضها يُعَدُّ متقارباً في واقعه ظرفيّا،ً فيما ينجو نسبيّا،ً حتّى الآن على الأقلّ، الثقلُ الجيوسياسيّ بسبب أو بالأحرى نتيجةَ سقوطِ قناعِ الذين خطفوا الثورة وانفردوا بالسلطة بإسم المنزَل والغَيْبيّ والمطلَق تحت راية “الإسلام السياسي “المعتدل”” وارتفاعِ منسوبِ الوعي لدى الشارع المصريّ (ما تمظهر في المسار التصحيحيّ- التقويميّ للثورة). وهذا ما يُبَلِّرُ إرادةً شعبيةً تنطلق ممّا لا تريده وَلَوْ تبدّى وعيُ الإرادة منقوصاً لدى فئات، ويُبَيِّنُ اكتنازَ الوعي المذكور تدريجيّاً وبالتالي بداية اكتناز الأوَّليّ ثوريّاً بصورةٍ أوسع، لأنّ الثورةَ تستلزمُ الوعيَ الثوريَّ مرتكَزاً ونواةً.
من رحم الثورة هنالك (يناير) وإنْ بعد أيّام من انطلاقها – أقصد الإشارة إلى كلّ مَن صعد إلى قطارها فيما يمثّل جزءاً من النسيج الاجتماعيّ، ومكوِّناً داخليّاً استطاع أن يكونَ الأكثر تنظيماً في مدى عقود- كانت الثورة المضادة التي كُشفت واكتُشفت بسرعةٍ قياسيّة في ظلّ حكمٍ يفتقرُ إلى رؤيةٍ اقتصاديّةٍ اجتماعيّة، وإلى الأُسُسِ الوطنيةِ العروبية، إضافةً إلى ممارساته القمعيّةِ الإقصائيّةِ والإلغائيّةِ التي جنحتْ إلى الماضويِّ والرجعيِّ المهترىء اللذين يتهدّدان حضارتنا وإنساننا– متلفّعةً بالقشور والترّهات الدينيّة وفهمٍ مغلوطٍ عمداً ينأى عن الجوهرِ القيَميِّ للأديان، وأَعُدُّ الإنسانَ القيمةَ العُليا على هذه الأرض- ما حثَّ عدداً لا يُستهان بأهمّيّته على قوْل كلمته الاحتجاجية في تحرُّكٍ سلميٍّ عموماً. عددٌ جماهيريٌّ معترض لصَوْن وجودِه، ووجهِ وطنه بالمعنى العميق، وإنْ بدت الأمور منطلقةً، خارج إطار النخب والقيادات (التي انخرط بعضها وأدّى دوْراً مؤثِّراً)، من الفطريِّ تلقائيّا،ً لأنّ الحدْسَ الشعبيَّ يلامسُ الغوْرَ حين يطفو حدثاً بهذين الحجم والوقْع.
ممّا لا ريب فيه أنّ المخاطرَ لا تزال قائمة في ظلّ التدخّلات ومحاولة تأجيج التناقضات وافتعال المشاكل وأعمال التخريب الوقحة والوضع الإقتصاديّ المأزوم، وفي ظلّ واقعٍ عربيٍّ شديد الدقّة يؤثّر بشكلٍ سلبيٍّ وإيجابيٍّ في الوقت عينه في مصر وعليها. لكن المؤكّد أيضاً أنّ نهوض العالم العربيّ منوطٌ بنهوض مصر وأنّ ما جرى ليس بقليل وسيُستكمَل حتماً رغم العوائق، ما يُبرز وميضاً يستضيء به أفق العالم العربيّ المتخبّط في أوحال الظلاميّات من ناحية، وأنظمةٍ لم تعد قادرة على الاستمرار طويلاً في غالبيّتها من دون اتّجاهٍ مدنيٍّ ديمقراطيٍّ مفعَّل – من ناحيةٍ أخرى- يشكّل تباعاً البديلَ الحقيقيَّ وثمر الحراك التغييريّ. وأمّا ضرورات المرحلة، فمتمحورةٌ بصورةٍ رئيسيّة حول الجانبيْن الاقتصاديّ والأمنيّ، في مجابهة الإرهاب لا في القمع الجبان غير المبرَّر وغير المتبصِّر الذي لا يزال يشكّل مطبّاً تنزلق إليه بلدانٌ و”منظومات” لمّا تستخلص العبَر من تجربة عقود برمّتها. حين يتساءل أسامة وغدي الرحباني بصوت المغنّية هبة طوجي في أغنية “الربيع العربي” “مين المسؤول؟” يلقيان المسؤوليّةَ على عاتق العديد من الأنظمة العربيّة بطريقةٍ غير مباشرة آخذَيْن بالاعتبار أيضاً (أسامة تحديداً) عواملَ عدّةً وثيقةَ الارتباط بالرأسماليّة المتوحّشة والعولمة في صيغتها الراهنة. وهذا ما يمكننا قراءته في باكورته “النظام الجديد” (النظام العالمي الجديد):
“قالوا رَح يِجْتِمْعوا بوكرا وجايي النظام الجديد/ لا مجاعة ولا حْروب وشَبَح المَوْت يصير بْعيدْ/ يا شعوب الأرض افرَحي بالحرّية تْمَرْجَحي/ صار الكَوْن رَعِيِّه وِحْدِه للراعي الوحيدْ/ صَدَّقْنا وصَدَّقوا الناس/ وفرحت البلدان والدُّوَل الضعيفة قالتْ إجا عَهْد الأمان/ ما تاري الحرّية حرّيةْ الكبيرْ/ المصير والكرامة بإيد الكبير/ وبَعْدو السمك بْياكُل بَعْضو/ يا وَيْلَكْ يا زغير/ يا سلام سَلِّمْ عَ الحرّية وخَلِّصْنا يا كبير/ استبشرنا بالراعي عِمِلْنا قطعان/ هُوِّ الراعي وهُوِّ الديب والسجن والسِّجّانْ/ يا رِسّامين ارسموا هالعصر المِنْهار/ ويا شُعَرا تْرَحَّموا عَ دَهَب الأشْعار/ جايي الوقت جايي عم بِيجِرّ سنين/ بالغضب مشحونة بِصْوات المحرومين/ يا سَيِّد العالم بوكرا رَح يوعى المسكين/ ويُطْلَع من الشعب الخُضْر ويقتل التَنِّينْ/ قَبْلَكْ روما كانتْ هَوْن نَدَهِتْها الأثار/ طافْ عليها نَهْر الناس وجَرَفْها التيّار” (كلمات منصور الرحباني، فكرة ومَوْسَقة أسامة).
ورغم الجنوح نحو ما يمكن أن يشكّلَ بداية تعدُّدية قطبيّة إلاّ أنّ ممارسات القطب الذي لا يزال يضغط بثقله وإستراتيجيّاته وأدواته في العالم عبر الاحتكارات الضخمة، والحروب، والاختراقات، إلخ. هذا القطب- الذي مَرَّ العالمُ بمرحلة أحاديّته وهيمنته المفترسة- ما زال مسيطراً إلى حدٍّ بعيد رغم نهوض روسيا نسبيّاً وبروز دوْرها في المنطقة والعالم مجدّداً، ورغم ما يمكن أن تمثّله الصين بحجمها العملاق وباقي التكتّلات التي لمّا تقوَ مجتمعةً على مجابهة كلّ ما تقترفه “حضارة الحديد”، إضافةً إلى إمكان تلاقي “الضدّ” و”الضدّ” (في العراق مثلاً) وتناقضات تجعل المشهد العام شديد التعقيد حدّ الإلتباس في لعبة الأُمَم بالنسبة إلى المتلقّي العاديّ والشاهد، وصولاً إلى المحلّلين الإستراتيجيين الذين لم يستطيعوا في غالبيّتهم قراءة الثورة في إرهاصاتها ثمّ انطلاقها فيما خَطَّها الناس.
يحيلنا ما يحدث في أوكرانيا مثلاً إلى ما قاله فريدريش نيتشه في كتاب “ما وراء الخير والشرّ”:
“هناك (في الروسيا) تحفظ وتختزن قوّة “اليُريد” منذ زمنٍ طويل، هناك تنتظر الإرادة، على نحو مخيف، إطلاقها (…). فمن أجل درء أعظم الأخطار عن أوروبا لن تلزم، على الأرجح، حروب هنديّة وتورّطات في آسيا وحسب، بل أيضاً انقلابات داخليّة، وتفتيت للأمبراطورية إلى أجسامٍ صغيرة (…) تزايد خطر الروسيا إلى حدّ يدفع أوروبا إلى التصميم على أن تصير بدورها خطرة، وتحديداً أن تحظى بواسطة ثلّة جديدة تحكم أوروبا، بإرادة واحدة، إرادة خاصّة مرعبة وطويلة يمكن لها أن تحدّدَ أهدافها لآلاف من السنين (…) لقد ولّى زمن السياسة الصغيرة: القرن التالي سيجلب معه الصراع من أجل السيطرة على الأرض، الإرغام على السياسة الكبيرة”.
يقصد نيتشه الإشارة إلى الغرب عندما يذكر أوروبا ولا يمكن اكتناه ما يحدث في عالمنا العربيّ ومنطقتنا إلاّ ارتباطاً بالعالم مع أخذ الخصوصيّات والعوامل الداخليّة الهامّة بالاعتبار. لذلك فإنّ الأغنيةَ، التي تُعالج ثيمة النظام العالميّ الجديد، تستندُ في رأيي إلى قراءةٍ متبحّرة في الفكريّ- النظريّ والواقع معاً وفي آنٍ واحد مثلما تعكس موقفاً جذريّاً لا يمكن أن لا يقترن، بصورةٍ أو بأخرى، بالأغاني التي تطرّق عبْرها إلى مواضيع من واقعنا العربيّ واللبنانيّ حُكْماً (“لازم غَيِّر النظام” مثلاً) وإشكاليّاتهما الملحّة إذ أنّ أسطوانة “يا حبيبي” التي تحوي “الربيع العربي” تتضمّن أيضاً “إلي وإلَكْ السَّما” (كلمات منصور الرحباني) حيث يخاطبُ العظيمُ “سيّد القوّة” (أي الولايات المتّحدة الأميركية) منحازاً كعادته للإنسان وقضاياه وتطلّعاته وأحلامه في إدانةٍ جليّة لا تحتمل التأويل، ودعوةٍ صادقةٍ تنمُّ عن قناعةٍ راسخة وهمٍّ طَبَقيٍّ حمله أيضاً العظيم عاصي، وتشفّ عن الخلفيّات والمنطلقات التي تتدثّرُ بها مواقف أسامة ومنصور في المحطّاتِ الغنائيّةِ أو الأعمال الفنّيّة التي تُداخلها الموسيقى مشهديّاً/ وظيفيّاً أو تُشَكِّلُ ركيزتها الأوّليّة أحياناً (المسرح الغنائي، والسينما في تقنيّاتها على وجه الخصوص).
انطلاقاً من هنا نُقاربُ الأغنيةَ هذه (أي مجمل الأغاني هذه) بوصفها ملتزمةً بكلّ ما للكلمة من معنى، وعلى اعتبارها جزءاً من مسارٍ تجديديٍّ مغايرٍ فنّيّاً وثقافيّاً في ظلّ الانحدار على مستوياتٍ عدّة والموجة التجارية- الاستهلاكيّة الجارفة التي يقطف بعض روّادها أو عددٌ من المنخرطين فيها، بين حينٍ وآخر، بعض الشعارات والعناوين الثوريّة أو الرفضيّة العريضة أو الكليشيهات المرحليّة ويُبرزها في أُطُرٍ هشّة وسياقاتٍ مكرورة لكن تبعاً للحظيّ المناسباتيّ و/أو الرائج المنمَّط عموماً الذي يغدو في حالٍ كهذه زائلاً بعيداً عن الحفْر والمُراكَمة اللازميْن، وعن التحديثِ والقيمةِ الفنّيةِ التي ينبغي أن تتشكّلَ في خطٍّ متواصلٍ على مراحل، والتي تُشَكِّلُ أساساً للحُكْم والتقييم بالإضافةِ إلى الصدقيّة.
غالباً ما نتحدّثُ عن مثقّفين أو مناضلين على طريقتهم (وإنْ في مرحلةٍ من المراحل) حين نُحَدِّثُ عُمْقاً عن الفنّانين الملتزمين ونتاجهم (الإلتزام يكون بين المسيرة والعمل؛ بين الحياة والواقع المعيش والمصوغ انسلالاً أو اجتراحاً)، علماً بأنّ التعبيرَ هذا “مطّاطيٌّ” ولا بدّ من إدراك ماهيّة الالتزام فنّيّاً بالمعنى الواسع إنْ لم نقُل الأوسع، لا سيّما أنّ الأفاهيم (المفاهيم) – التي تتطوّرُ وتتّسعُ كلّما تقدّمت المجتمعات والشعوب؛ مع ارتقاء وعي الإنسان فرديّاً وجمْعيّاً- باتت أسيرة ذهنيّاتٍ ضيّقة محدودة ههنا في مجالٍ شائكٍ دقيق يختلطُ فيه الحابلُ بالنابلِ وتكاد تضيع المعايير الفعليّة ظرفيّاً. مع ذلك فإنّ التاريخَ سيعيد للأعمالِ النوعيّةِ الشفيفةِ موقعها ومكانتها، علماً بأنّ تأثيرَ غالبيّتها يتجاوز الحلقات النخبويّة التي تبرز الحاجة إلى دوْرها الرياديّ البنّاء اليوم، خصوصاً عندما يقترنُ العملُ الموسيقيُّ بالكلام (أي القصيدة المُمَوْسَقة و/أو النصّ المنغَّم) لأنّ شعوبَ منطقتنا تميلُ تاريخيّاً إلى الكلمة.
أغاني الحراك الشعبيّ في معظمها ليست وليدة برهة مقطوعة من سياق مثلما يُشَكِّلُ الحراك الشعبيّ، المتمظهر في تجلّياتٍ وأشكالٍ متباينة أو قريبة ومتماثلة بعض الشيء تبعاً للزمان والمكان والخصائص، بدايةً لتغييرٍ يأتي من تغيُّرٍ نوعيٍّ (شكّل مفاجأةً للعالم بأسره) أفضى إليه التراكمُ الكمّيّ. يمكن فهم الموضوع من الزاوية الفلسفية هذه. ويمكن استيعاب الجنوح إلى الاستعانة بأغاني زمن النهوض في خلال الحراك وبَعْده ارتكازاً على الزاوية عينها، والنوستالجيا، وعلى اعتبار الأغاني هذه رمزيّاً، بمعنى أو بآخَر، إحدى الإواليّات الدفاعيّة كما قلتُ في بحث سابق (مجلّة “الطريق”، العدد1، صيف 2011) إذا تناولنا الظاهرةَ استناداً إلى علْم نفْس الجماهير والأفراد لا بالمعنى النظريّ الخالص بل من خلال الملاحظة والتجربة العمليّة، وارتكازاً على ما تُمثّل من قيمةٍ فنّيّةٍ وطنيّة تؤكّد الهويّةَ والانتماءَ، لا سيّما أنّها – إلى جانب الفنون بل في مقدّمة قائمتها- وجهٌ من وجوه حضارتنا أو إحدى مراياها.
لا يمكن إغفال عدم توفُّر ظروف ملائمة عموماً تستوْلد أعمالاً ناضجة على الصعيد الغنائيّ (مع وجود استثناءات معدودة)، لا سيّما أنّ للإبداعِ شروطاً ليس الوقت آخِرها، أي المدّة الزمنية التي يستغرقها أيّ عمل، وتبلُّر الرؤية، والمسافة الزمنيّة وغير الزمنيّة التي يستلزمها التأليف أحياناً إزاء الأحداث الكبرى أو العاديّة المتراكبة والمتكرّرة في إطار دوّامة إنْ لم نقل في مستنقعات عالمنا، إلخ. لا يمكن إغفال سيكولوجيا الإبداع عند التطرّق إلى العلاقة القائمة بين الحدث التاريخيّ والعمل الفنّيّ (ومبتدعه/ صانعه) ولا يمكن لأحدٍ أن يحدّدَ مسبقاً قواعد العمليّة الإبداعيّة ربطاً بالزمان والمكان والحدث المشار إليه أو أيّ حدث آخر أنّى كان. ثمّة أعمال تُشكِّلُ ردَّ فعلٍ سريعاً نسبيّاً (حاجة تعبيرية تعتمل وتتجسّد بشكلٍ فوْريّ نوعاً ما أو في مدى قصير زمنيّاً) وتلامس غالباً الشعبيّ وشعبيّ الشعبي وقد توائم بين الشعبيّ والنخويّ ونادراً ما تندرج في النخبويّ الصرف، علماً بأنّها تأتي من كلّ المتراكب المتحوّل إذا نظرنا إلى اللغة من زاوية البُنى ألسنيّاً. في المقابل ثمّة أعمال تستغرق مدّة طويلة لكي تختمر بين الوعي واللاوعي قبل أن تتجسّدَ، إضافةً إلى طبيعة كلّ ميدان ومستلزماته أو حتّى داخل الميدان الواحد المتنوّع والمتشعّب. كتابة الزجل على سبيل المثال مختلفة عن قصيدة النثر، وصوْغ موقف ما في سياقٍ كلاميٍّ يُجاورُ اليوميَّ لغةً مختلفٌ عن الشِّعْريِّ المتقطّر مجازاً؛ الاختلاف المومأ إليه يكون لناحية الوقت، والتقنيّات، والجهد، والتفنُّن…
أيضاً وأيضاً فإنّ فعل التلحين أسرع من التوزيع الموسيقي المتطلّب الذي يشكّل عِلْماً قائماً في ذاته ويفترض حُكْماً التفكير آلَتيّاً (من آلة) أفقيّاً وعموديّاً. بهذا المعنى يُعَدُّ التأليف المتقن عمليّة مركَّبة ولا يمكن بالتالي أن يبصرَ النورَ عملٌ أوركستراليٌّ ضخم أو قصيدٌ سمفونيّ بين ليلةٍ وضحاها فيما قد يبزغ لحنٌ سريعاً. لذلك، وبما أنّنا نتحدّثُ عن الإبداع فرديّاً في الحقل الغنائيّ وإنْ اتّسع أحياناً لأكثر من فردٍ مجتمعين في عملٍ واحد (الشاعر والموسيقي أو الشاعر والملحّن والموزّع، إضافةً إلى دوْر المؤدّي/ المؤدّين الهامّ) فإنّ إطلاق التعميمات كيفما اتُّفق حول كيفيّة معالجة الفرد/ الأفراد الحدث الجمْعيّ أو غير الجمْعيّ الذي يهزّ سكون الأعماق وحول علاقة الزمن المباشرة بالعمل أو الفضاء الزمنيّ الذي تفرضه الضرورة في قلْب الزمن لإتمام العمل… إطلاق التعميمات هذا ينمّ عن جهلٍ في المجال الأكثر صعوبةً، لا سيّما أنّه منوطٌ بالفكر و/أو الخلق. قلتُ ذات مرّة إنّ “الموسيقى (اللغة الأكثر تجريداً) هي الأبطأ في حركة صعودها والأسرع انحداراً”، ما يفسّر عدم وجود نتاجات لامعة (إلاّ في ما ندر) بمستوى ما أنتجتْه مرحلة النهوض بما أنّنا (الاعتراف واجب) في زمن ما دون الإنحطاط عموماً وإنْ بعد عصور الانحطاط التي لم تخلُ من ومضاتٍ زاخرة. الضوْء الحقيقيّ اليوم على المستوى هذا نراه إمّا آتياً من تلك المرحلة (مرحلة الأحلام الكبرى عربيّاً وعالميّاً) وإمّا متأثِّراً بمناخاتها وقيَمها وما تلفّفتْ به من معتقداتٍ وأفكارٍ تغييريّة تقدُّمية تحرُّرية، إذ لا يمكن لشيءٍ أن ينسلَّ من الفراغ رغم الفجوة الزمنيّة داخل الزمن بين الأمام والوراء وما يتوسّطهما. ويمكن بالتالي الكلام على أزمنةٍ في الزمن الواحد وفق الواقع السياسيّ في كلٍّ من العراق وليبيا وتونس ومصر حيث رأى العالمُ مشروعاً خطيراً كاد يعيدها قروناً إلى الخلف في خلال وثبتها في حين أنّ “الفْلاشْ باكْ” التاريخي ربْطاً بالحاضرِ يُفَسِّرُ أحداث العراق مؤخّراً ومخطّط تقسيمه، لا سيّما أنّ عصور الانحطاط في العالم العربي (بين القرن الثالث عشر والتاسع عشر) بدأت مع سقوط بغداد. وعلى الرغم من أنّ ما جرى ويستمرّ في العراق لا يندرج في إطار الثورات والانتفاضات إلاّ أنّه يشكّل جزءاً من مشروع “الفوضى الخلّاقة/ البنّاءة” و”الشرق الأوسط الجديد” ومن “الربيع العربي” جغراسِيّاً. تحيلنا المشاهد المرعبة في هذا الإطار – تُعَمِّمُها الفضائيّات ووسائل الاتّصال والتواصل في العالم الافتراضيّ، ونتلقّاها عبر الإعلام بأشكاله كافّة- على أغنية “المرتزقة” (كلمات غدي الرحباني من أسطوانة “لا بداية ولا نهاية”) التي تنسحبُ، جزئيّاً على الأقلّ، على الواقع العربيّ راهناً (في العراق، وأحداث سوريا وليبيا…) على الرغم من أنّها كُتبتْ في الثمانينيّات (1985) وصدرت عام 2011:
“بْيِحْضَروا مْنِ الْعَتِمْ لا شَكْل وْلا رَقِمْ/ يِخْلَقوا الإرهاب/ ما بْيِنْتِموا لَحَدا حتّى وُمِشْ للصدى وْما إلْهُنْ أصحاب/ بِيشَعّْلوا ثوراتْ كتيرة/ الثورة عِنْدُن يعني المال/ بْيِجوا مْنِ حْبوسُنْ الكبيرة تَيْموتوا بْساحةْ القتال…”.
لا تنفصل أغنية “هِرْبان” من الألبوم عينه عن مجمل الأغنيات المذكورة غير أنّها تعكس، وإنْ في لحظة ما، حالَ اليأس العارم محلّيّاً الذي يقود نحو فقدان الإيمان بوطنٍ معلَّق باتَ في حُكْم الميت بالنسبة لغدي الرحباني: “هِربان وشالِحْ تذكرتي/ هويّةْ وطن مشبوه/(…)/ بإيدَيّي مْخَبّي وِجِّي/ وبِحْمُلْ ذكرى وطن ماتْ”.
هيولى أغنية “لازم غَيِّرْ النظام” لأسامة (من ألبوم “النظام الجديد”) التي تأتّتْ عن كليب (فيلم قصير) “قصّتنا بهالمجتمع” وأغنية “بلديّة بيروت”، وعن الواقع المعيش لبنانيّاً منذ العام 1992 وتجربةٍ شخصيّة – مَرَّ بها الفنّانُ اللبنانيُّ بينما كان يقود سيّارته مثلما يمكن أن يمرَّ بها أيّ مواطن عاديّ- تنمُّ عن إلتقاط الحلّ الحقيقيّ المتمثّل بتغيير النظام جذريّاً مع التشديد على أهمّية الاشتغال على الوعي (الوعي السليب للفرد المكبَّل والمسيَّر داخل النظام- المنظومة)؛ وعي “الانتحار” على حدّ تعبير الرحباني الذي استحال (أي تَحَوَّل) لاحقاً وعياً للاختيار وبالتالي الخيار. الأغنيةُ التي تستحضرُ جان پول سارْتْر في مقدّمتها (“الآخرون هم الجحيم”)، تطرحُ إذاً حَلّ “الخلاص” الفرديّ في ظلّ انسداد الأفق مع إبرازها الحَلّ الجمْعيّ وطنيّاً وضرورة تغيير النظام العام وليس النظام اللبنانيّ فحسب. يمكن المتلقّي قراءة النقد السياسي والاجتماعي أيضاً- الذي يتناولُ التناقضات المحلّيّة، والذهنيّة السائدة، وسيكولوجيا الشعب اللبناني- في أغنية “هيدا لبنان”. وبالعودة إلى “لازم غَيِّرْ النظام” لا بدّ من القول إنّها مُنعت ههنا فوْر صدورها، علماً بأنّها حازتْ جائزةً في فرنسا، قَبْل أن تنتشر،َ لأنّ أطرافاً سلطويّةً – تعي مدى تأثير الفنّ الكبير التحريضيّ على وجه الخصوص بالمعنى الإيجابيّ للكلمة وسطوة الكلمة هذه- تجنح نحو “التعمية” والتبريريّ “التجميليّ” المضلِّل لإبقاء الوضع المتعفّن على ما هو عليه، ما يُبيّنُ مدى هشاشة هذا النظام في بنيته، وصيغته العجيبة، وأدواته، وممثّليه… يقول أسامة إنّ اللغةَ العربية لم تسعفه كثيراً لأنّ التغييرَ الذي تَحَدَّثَ عنه في الألبوم يكون على مستوى الـ système وليس الـrégime فحسب غير أنّ “الترجمة” (ترجمة الفكرة بمعناها العميق) تقتصر لدينا على اصطلاح “نظام”. أغنية وأسطوانة “النظام الجديد” ليستا نقديّتَيْن فحسب بل إنّهما نقضيّتان أيضاً في جانبٍ ما يقود نحو خلاصاتٍ جليّة. “تجتاحنا العولمةُ التي تكتسي طابعاً استهلاكيّاً غربيّاً لتغييب الفكر (دوْر العقل)، وتمرير السياسة الكبيرة، وإفقار الشعوب” يقول منتج “جبران والنّبي”: “إنهيار الاتّحاد السوفياتي، الذي كان يُشَكِّلُ حاجزاً وقد فشل في تطبيق النظريّة، أثّر على المستوى هذا إذ أنّ العالمَ كان بنافذتَيْن أو بِبابَيْن وأمسى بعد سقوط الاتّحاد السوفياتيّ بنافذةٍ واحدة وبابٍ واحد”. يُفضّلُ الموسيقي والمسرحي الأربعينيّ العالمَ بخيارَيْن اثنَيْن على الأقلّ متحدّثاً عن “السلام” الرومانيّ (نسبةً إلى روما وما تُمثّله) الذي كان مسيطراً قبل أن يصبح “السلام” الأميركيّ هو المسيطر؛ فإمّا أن يكونَ المرء “مع” أو “ضدّ”. لاحظ أسامة خلال إقامته في الولايات المتّحدة أثناء دراسته ارتكازها على المخابرات جوهريّاً وفي المقام الأوّل؛ فإذا أراد هنالك قراءة كتاب لـ غيفارا أو عنه أُدرِج اسمه فوراً لدى “الإف. بي. آي” FBI أي أنّ الرقابة الاستخباريّة لا تقتصر على الكتابةِ وما يصدر في هذا المجال بل على القراءةِ أيضاً وكلّ ميدان التلقّي المؤثّر في الوعي وبالتالي التغيير. في أغنية “غيفارا” (شِعْر منصور) هناك ربْطٌ بين الثوراتِ وما أفضتْ/ تفضي إليه واقعيّاً ونزوع الثائر الأُمَمِيّ المثاليّ تْشي من جهة، وبين الدَّوْر الغيفاريّ الذي تحتاج إليه بيروت لتنهضَ من جهةٍ أخرى، ولا يمكن فصل قلب لبنان (عاصمته) عن محيطه العربيّ تاريخيّاً وراهناً. لذلك يمكن القول إنّ الأغنيةَ هذه تعكس بطريقةٍ غير مباشرة رؤيةً ما وقراءةً استباقيّة (مسبقة) في الثورة/ الثورات على الصعيد العربيّ أيضاً وأنّى كان (قبل أن تندلع) انطلاقاً ممّا يستلزمه واقعنا من “نموذجٍ” ثوريٍّ بما يرمز إليه ويتدثّر به من قيَمٍ ثوريّة وفكرٍ ثوريٍّ نموذجيٍّ مثّلَ ظاهرةً كونيةً متفرّدة عمّت الإنسانية. إنّها قراءة مبدئيّة في واقعنا والمقتضيات في ضوْء التجربة/ التجارب العالميّة وعَيْنَيْ غيفارا وأحلامه ومسيرته. “الثورةُ تأكلُ أبناءَها وتنتهي إلى البيروقراطية” يقول أسامة الذي يَعُدُّ ذاته غيفاريّةً مُظهِراً “تأثُّر العالم العربيّ بغيفارا ربْطاً بالقضيّةِ الفلسطينية”. التقى غيفارا و جمال عبد الناصر وقد برزتْ مجدّداً في ثورةِ مصر المستمرّة صورة القائد العربيّ الأبرز، ما يؤكّد التداخلَ بين الأغنية المذكورة وأحداث عالمنا العربيّ في الآونة الأخيرة.
في الشأنِ المصريِّ يلحظُ أسامة الرحباني “الحُكْمَ العسكريّ غالباً وعموماً منذ الفراعنة والعلاقةَ “الغريبةَ” الوطيدةَ بين الشعب المصريّ و”العسكر””. “كأنّ ثمّة حتميّة مرتبطة بطبيعة الأرض المصريّة ولاوعي الناس تفضي إلى حُكْمٍ عسكريٍّ تاريخيّاً هنالك” كما يقول في تحليله النتائج مستشهداً بقوْل لمنصور في هذا السياق: “الحرّيّة/الديمقراطية لا تُعطى لشعوبِ العالمِ الثالث جرعة واحدة”، فيما أرى أنّ الشعوبَ لا بدّ أنْ تناضلَ لانتزاع حرّيّتها (“الحرّية هي فهم الضرورة”/أنْجِلْز) وبناء أنظمتها الديمقراطيّة، ما يوافق عليه أسامة. وفي “فْلاشْ باكْ” يُضيء على العلاقةِ القائمةِ بين الثورة والثقافة والفنّ ارتباطاً بأحداثِ منطقتنا أيضاً يُظَهِّرُ أسامة بعض الأسباب التي أدّتْ إلى التراجعِ على المستوى الإبداعيّ في الاتّحاد السوفياتي، لا سيّما أنَّ الإبداعَ بحاجةٍ ماسّة إلى فضاء الحرّيّة، ما ينطبقُ على ما يجري في الساحة العربيّة عموماً ويعكس هاجساً وهمّاً إبداعيَّيْن في المرحلة هذه: “المفكّرون والفنّانون الذين عكسوا الرومانسيّة الثوريّة (اليساريّة) في نتاجهم أبدعوا خارج الاتّحاد السوفياتي أكثر من أولئك المقموعين داخل المنظومة هذه: دييغو ريفيرا وزوجته، إرنست همنغواي، وجان پول سارْتْر على سبيل المثال لا الحصر”. وفي ما يتعلّقُ بالرابطِ بين “تانغو الحرّية” Libertango (للمؤلّف الموسيقي الأرجنتينيّ الشهير أسْتورْ بْيازولا) – التي اقتصرتْ في الأساس تأليفيّاً على الموسيقى الخالصة قبل أن يكتبَ غدي الرحباني كلاماً للمقطوعةِ هذه، التي غنّتْها هبة طوجي، انطلاقاً من أحداثٍ تاريخيّةٍ في الأرجنتين وأميركا اللاتينية وارتكازاً عليها- وبين الواقع العربيّ راهنا،ً يشيرُ أسامة إلى الأنظمة العسكرية التي لا بدّ من أن تجنحَ ههنا نحو المدنيّ، أو بالأحرى أن يُداخلَ المدنيُّ النظامَ الذي يمسك بزمام أموره العسكريُّ، أي أن يتأتّى المدنيُّ عن العسكريّ وأن يساندَ الثاني الأوّل (وهذا ما يعدّه صعباً) في خلال مهمّة بناء النظام (ديغول، وآيزنهاور، وجول سيزار أمثلةً تاريخيّةً استثنائيّةً وفق أقوال الفنّان). “تفتقرُ الثورةُ في العالمِ العربيّ إلى المفكّرين الثوريين”، يقولُ أسامة وما يرفضه هو استثمار الثورات دينيّاً والاصطدام والصدام على الصعيد هذا، مشيراً لا إلى الدَّوْرِ الأميركي والهدفِ الاقتصاديِّ من التدخُّلِ والجانبِ التآمريِّ فحسب، بل أيضاً إلى خللٍ داخليٍّ في أرضيّةٍ خصبة أتاحَ تحوير الحراك. أغنية “إلي وإلَكْ السَّما” صرخةٌ ضدّ المسبِّب الظالِم في هذا العالَم. لا يمكن الأمور أن تستمرَّ على النحو هذا عالميّاً حيث أشعرُ بأنّني اللاشيء، بأنّني مجرّد رقم؛ هكذا يغدو الإنسانُ في الغرب، وعربيّاً ومحلّيّاً حيث يتمّ ضرْب العقل في ظلّ التسطيح الثقافيّ إعلاميّاً وعلى مستوياتٍ عدّة”، كما يوضح الرحباني أخيراً.

وإذا أردْنا الإضاءة على محطّاتٍ فنّيّةٍ لافتةٍ أيضاً على الرغم من أنّها لمّا تنتشر شعبيّاً تطرّقْنا إلى أغنية “ظلالنا” لـ أميمة الخليل (من أسطوانة “زمن”، كلمات هاني نديم وألحان وتوزيع باسل رجوب) التي قلتُ سابقاً إنّها “خارج التصنيف ومتميّزة في غرابتها وحَفْرها التعبيريّ على مستويَيْ الأداء والميلوديا النائحَيْن والمجرجرَيْن لترجمة دلالات نصٍّ وصوَر، وأضيف ههنا دياسيميائيّاً بحرَفيّة عالية، إنْ لم نقُل إنّها تشفّ عن قراءة (أيّ اطّلاع) للسيناريوات التفكيكيّة في المنطقة، أو رؤية لا تخلو من استشرافٍ مفزِّع لأجزاءٍ من المشهد العربيّ، علماً بأنّ المنحى التشاؤميّ عند الشاعر السوري يشمل العالم العربي بكلّيّته، ما يتكثّف في حرف النون لجمْع المتكلّم:
“نظنُّ ظلالنا خصماً/ نُقاتِلُها ونَنْهَزِمُ/ سينزحُ هارباً بَرَدى/ ويهجرُ مِصرَه الهرمُ/ سنصغرُ يا بني أُمّي/ ويرسم ظلّنا القَزَمُ/ (…)/ خرائطُنا تُبدَّلُ كلّ يوم/ والحدودُ دَمُ”” (هالة نهرا، ملحق “السفير” الثقافي- العدد 12459- 2013).
أميمة الخليل المرهفة، التي لطالما ارتدى صوتُها في الأغنيةِ والأعمالِ الهادفةِ حساسيّةً sensibilité بيِّنة أسهمتْ في تشكيلِ ذائقة سمعيّة عربيّة جديدة (مشروع مرسيل خليفة) ونذكر في هذا السياق حواريّة “أحمد العربي”، وأغنية “محمّد” (من أسطوانة خليفة الأخيرة “سقوط القمر” وإنْ لم تعكس نصوصُ درويش والقصائدُ المنغَّمةُ المذكورة الأحداثَ الأخيرةَ عربيّاً فيما تختزن قضيّةً لم تفقد راهنيّتها ومشروعيّتها، بل العكس)، وأغنية “الكمنجات” (محمود درويش)، لا سيّما أنّ الشاعرَ المثقّف قال إنّ:
“بين فلسطين والأندلس فَرْقاً يشبه المَوْت، وأنّ بعض السيّاح الثوريين- ممّن ينظرون إلى المسألةِ من زاويةِ التشابُه حسن النيّة وسيّء النتيجة- ينطلقون من موقعِ الجماليّةِ الشكليّةِ وضَبْطِ التضامُن. إنّهم سيبكون أكثر منكَ لَوْ سلّمتَ بهذا التشابُه وحاصرتَ حقوقَك ووجودَك بسياجِ الحنين الملهم. ولكن حين يلجأ الحنينُ إلى البندقيّة تعبيراً عن بُعْدِ المسافةِ بين فلسطين والأندلس، فستجد هؤلاء السيّاح المغرمين ببكائيّاتِ الشعوب القديمة يحتجّون على انتهاكِ جمال الانسجامِ التاريخيّ. إنّ فكرة الفردوْس المفقود تغري المفتقرين إلى موضوعٍ مؤثّر ولكنّها تصيبُ الحالةَ الفلسطينيّةَ بتراكُمِ الدموعِ وفقر الدم. وهذا هو تفوُّقٌ وطنيٌّ على الجنّةِ، لأنّه يشبهها ولأنّه ممكنٌ” (“يوميّات الحزن العادي”)…
أميمة تجنح أحياناً، خارج إطار تعاونها وصاحب “وعود من العاصفة”، إلى الدراميّ الذي يوسِّعُ مدى حنجرتها ويزوّدها بأبعادٍ مشهديّةٍ، ما يتبدّى جزئيّاً ونسبيّاً في أغنية “ظلالنا”، وفي “مطر” (“أنشودة المطر”- بدر شاكر السيّاب/ عبد الله المصري).
نعثر إنترنتيّاً على “نشيد الثوّار” من مصر (أو “يا معشر الثوّار” من كلمات مصطفى إبراهيم، لحن وغناء محمّد محسن، وتوزيع رفيق عدلي من الألبوم المصغَّر “اللف فـْ شوارعك”) المتميّز لناحية البنية المقاميّة المشرقية- العربية، والتقطيع الواضح، والبساطة اللحنيّة التي تناسب الأنشودةَ الشعبيّةَ القابلة للانتشار ومستلزماتها، والشدو المشتمل على الجرْس timbre الملائم الذي يعكس نفَساً مصريّاً بيِّناً (يحيل جزئيّاً على محمّد عبد الوهاب وكارم محمود وإنْ في حلّةٍ عصريّةٍ مغايرة) وبالتالي هويّةً جليّة، والتأدية الصائبة، علماً بأنّ النموذج المذكور (أي النشيد فقط) هو الأفضل نسبيّاً وجهةً وطريقةً ونمطاً على الصعيد الموسيقيّ بين كلّ ما أدّاه محمّد محسن حتّى يومنا هذا. يبدو الفنّان الشاب قابلاً للتطوُّر غنائيّاً في المستقبل إذا استثمر صوتَه في الأُطُر الفنّية والأساليب الغنائيّة المناسبة التي تتبدّى فيها طاقاته الكامنة، وحيث تتّسع تعبيراته. وأمّا الجزء المنغَّم والمؤدَّى من النصّ الكلاميّ بالمحكيّة (العاميّة) المصريّة، فلا يحوي كلّ الأبعاد التي يعكسها النصّ، كما قرأناه في فيسبوك (وقد تكون له تتمّة)، علانيّةً وبمباشِرية:
“الليل كما الغربال/ أمّا النهار بيلمّ/ والعِبْرة بـ اللي ابتدى قبل العدد ما يتمّ/ يا عبادة وسط الهَرَج/ يا قلّة جايبة الفرَج/ الثورة ركعة قضا/ مَفِهاش إمام بيئمّ/ يا معشر الثوّار/ الكُلِّ فيكو إمام/ يا جنرالات انزلوا/ المعركة قُدّام/ الثورة مَفِهاش رتب/ غير رتبة العسكري/ ولا حَدّ غير العَلَم/ راح ينضربلُه سلام/ وآدي سفينة نوح جُوّا الميدان طافية/ بِتلِمّ فيها يا مصر/ من كلّ زوج ألافات/ يِتْلَمّ فيها النوح/ عَ الضحك والقافية/ يتلَمّ فيها الصبر/ على رنّة الهتافات/ نتحامى وقت الهوا/ مِ الموج فـ بعضينا/ والشقّ.. نلضم سوا/ ونسدّه بإيدينا/ ومهما الطوفان يعلى/ نطلع ونعلى معاه/ سيبوا الطريق للّه/ العبرة بالمينا/ يا شعب مستنّاش/ خَدْ حقّو بِدْراعُه/ يا وطن ما بيساعناش/ واحنا اللي بنساعُه/ الدم لون واحد/ مَفِهوش عبيد ولا سيّد/ وإن بعتو دمّ الشهيد../ بُكْره حَتِتْباعوا”.
يخلو الجانب المغنَّى من دعوة الجنرالات و”العسكر” ويقتصر على تحيّةٍ للعلَم قد يجنح بعضهم اليوم إلى تأويلها عسكريّاً ربّما – إذا قرأ القصيدة بأكملها أو مقاطع إضافيّةً منها وربْطاً أيضاً بالدَّوْرِ التاريخيِّ العظيم للجيش في صوْن الثورة الشعبيّة العظيمة في لحظةٍ مفصليّةٍ محوريّة، لا سيّما في وجهتها التصحيحيّة – وقد يفهمها آخرون بالمعنى الوطنيّ العام انطلاقاً من رمزيّة العلم الموحِّد. ويخلو النشيد من القسم الثاني الأبرز في القصيدة الشعبيّة اللافتة الذي يحمل دلالاتٍ وقيَماً ثوريّةً وطنيّةً وإنسانيّةً حيويّة. الاقتطاع الانتقائيّ في التلحين ليس عشوائيّاً أو اعتباطيّاً كما أرى في تحليلي الأنشودة استناداً إلى عدم أخْذ تَسَلْسُل الجُمَل في القصيدة بالاعتبار في النموذج الغنائيّ، وإلى الواقع المصريّ والعربيّ في ظلّ المتغيّرات وهاجس العسكريتاريا لدى الاتّجاه المدنيّ الواعي الذي يمثّل ركيزة الثورة، علماً بأنّ ثمّة علاقة خاصّة فريدة من نوعها بين الشعب المصريّ والجيش كما قيل أعلاه، ما ينعكس في نموذجٍ غنائيٍّ آخر سنتناوله موضوعيّاً. الأهمّ أنّ “نشيد الثوّار” يضيء على النواة الأوّليّة للثورة:” العبرة بـ اللي ابتدى/ قبل العدد ما يتمّ”.
أغنية “تِسْلَم الأيادي” (كلمات وألحان مصطفى كامل، توزيع أحمد عادل)، المنتشرة في إطارِ شَعْبِيِّ الشعبي/ پوپ Pop، من خلال وسائل الإعلام (لا سيّما المرئيّ)، صُنِّفَتْ في خانةِ “الأوپريت” (التصنيف غير صحيح لأنّ “الأوپريت” هي الأوپرا الكوميديّة opéra comique)، وقد أفضى التوزيعُ الموسيقيُّ التجاريُّ الرديء والأداء غير المتقَن عموماً (باستثناء الحضور الصوتيّ المُمَيَّز للمؤدّية المحترمة غادة رجب ليس في النموذج المسجَّل بل على خشبة “مسرح الجلاء”، لا سيّما في البداية، وأداء سمير الإسكندراني الطبيعي وغير المتكلّف موسيقيّاً وحضوراً أيضاً في النموذج المصوَّر) إلى قيمةٍ فنّيّةٍ متدنّية لَمْ تَرْقَ إلى مستوى الحدث الثوريّ الكبير الذي يستحقّ نشيداً أفضل في رأيي. ثمّة إفراطٌ في المباشِريّة في نصٍّ لا يلامس الشِّعْريَّ على الرغم من أنّه يحوي بعض المقاطع المعبِّرة من اللّغةِ اليوميّةِ المتداوَلة في الشارعِ المصريّ. بمعزل عن مضمون النصّ الكلاميّ، إنْ في الأغنية هذه أو في “نشيد الثوّار”، لا بدّ من القوْلِ إنّ أسلوب الكتابة في نشيد مصطفى إبراهيم – وبعض الصُّوَر التي يشتملُ عليها- ينمُّ عن موهبةٍ واعدة على مستوى شِعْر المحكيّة المصريّة.
لا يمكننا الإحاطة في دراسةٍ واحدةٍ مختصرة، رغم سِعَتها، بِكُلِّ ما صَدَرَ غنائيّاً وفنّيّاً في ضَوْءِ الحراك الشعبيّ العربي بطبيعة الحال. أُكَرِّرُ ضرورةً ههنا: السؤال الأبرز لا يتمحور فحسب حول ما أنتجتْه المرحلةُ الممتدّةُ المفتوحة هذه، بل أيضاً حول ما لم أو بالأحرى ما لَمَّا تُنتجه إذ يكون في طوْر التشكُّل والتجسُّد تدريجيّاً. لا بدّ من دعمٍ واحتضانٍ حقيقيَّيْن على الصُّعُدِ كافّة للأعمالِ الفنّيةِ “الملتزمةِ” والوطنيّةِ الهادفةِ والصادقةِ القَيِّمَة وغير المتملّقة التي تتحوّلُ إلى مديح حذاء الحاكم (ما لا يخدم لا الحُكّام كما قد يُخَيَّل إليهم ولا أوطاننا وشعوبنا وحضارتنا وعالمنا) انطلاقاً من اكتناه دَوْر الفنّ (وأهمّيّته) غير المنفصل عن دَوْر المثقّف الطليعيّ. الفنّانُ المخضرمُ أو المتمرِّس الذكيّ لا يحتاج كثيراً أو دائماً إلى بَلْوَرَتِنا كيفيّة العمل واتّجاهه قُدُماً لديه إذ يُلتقط بسرعة غالباً في تفاعُلِهِ الطبيعيّ – الذي تغدو نتيجتُه مؤثّرةً بدورها وقد توضِح أكثر- إذا لم يقطن في “بُرْجٍ عاجيّ”. أمّا الموهوب المبتدئ أو اللامع “العنيد”، فلا بدّ من إضاءةِ الدرب أمامه أي تظهير الاتّجاه والكيفيّة/ الكيفيّات جملةً وتفصيلاً أحياناً لئلاّ ينزلق الأوّل في مستهلّ مسيرته، والأوّل والثاني معاً في ظلّ العوائق، ومُتَغَيِّراتٍ سريعة قد تُصَيِّر الرؤيةَ حتّى لدى العباقرة ضبابيّةً ملتبسةً برهة، وفي ظلّ التحدّيات الراهنة والمستقبليّة، ما يصعب الإسهاب في شرْحه هنا نظراً لمساحة الدراسة النقديّة هذه.
الفنّ والأغنية سلاحٌ قويٌّ أيضاً، وإلى جانبِ المعرفة، بل فيها، يصبح السلاح الأقوى لتغيير العالم (إحالة جزئيّة إلى مانديلا). الأغنية محاولةٌ للقبْضِ على المعنى، لبنائه أو حَفْر ظلال في المعنى؛ معنانا. “الطريق إلى المعنى- يقول درويش- مهما تشعّب وطال، هو رحلة الشاعر (…) ما هو المعنى؟ لا أعرف. لكنّي قد أعرف ما هو نقيضه. نقيضه هو استسهال العدم! كُلُّ شِعْرٍ جميلٍ مقاومة/ التراث الحيّ هو ما يُكتَبُ اليوم… وغداً…/ وجملةٌ نثريّةٌ، لا وزن فيها ولا إيقاع، إذا أحْسَن الشاعرُ استضافتها في سياقِ الملائم، ساعدتْه على ضَبْطِ الإيقاع، وأضاءتْ لَهُ طريق المعنى في غَبَشِ الكلمات”.

عن هالة نهرا

هالة نهرا
ناقدة فنية وموسيقية وكاتبة وشاعرة من لبنان

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>