الرئيسية / العدد 12 / جوانب سيكولوجية مجهولة في شعر سعيد عقل

جوانب سيكولوجية مجهولة في شعر سعيد عقل

Print pagePDF pageEmail page

 said-3akl

أعطى سعيد عقل للناس انطباعًا جازمًا بأنه رجل الإباء والكرامة والعنفوان. والحق أن فيه الكثير من هذه الصفات الايجابية، التي لا يماري فيها أحد، ولكن كيانه ينطوي أيضًا على جوانب سلبية قلّما التفت اليها النقاد. من ذلك أنه يفصح في شعره، وبجلاء تام، عن ميول مازوشية ناجمة عن الدونية وعقدة الذنب. والمازوشية، كما هو معلوم، هي التلذّذ بالعذاب، أو الرضى به دون أية محاولة لتغييره، وذلك تحقيقًا للشعار الشهير: “نصيبي الألم، ونصيبكَ القسوة، أنا الضحيّة وأنت الجلاّد”. ولن نستفيض، في هذه العجالة النقدية، في شرح التعريفات أو النظريات، وحسبنا تسليط الضوء على بعض القصائد لنخرج منها بما يفيد الخبرة العملية الحياتية.

يقول في قصيدة “أحبك” من ديوان “رندلى” ما يلي:

“أحبكِ في ذلّة الراكعِ              وأحيا على أمل وارعِ

وأعرف ألا أبوح بحبّي           فأبقي له مسحة الخاشعِ”

فأن يركع العاشق للمرأة، وكأنها مطلق إلهي، ظاهرة منتشرة عند مَن يعانون عقدة النقص، فنراهم يحقّرون ذواتهم ويمجّدون الحبيبة بحيث تتكوّن ثنائية مشؤومة طرفاها: الرجل الذي يقلب المعادلة الذكورية، وإذا هو كالعدم أو الهباء، ثم السحر الأنثوي الذي يستوجب العبادة. ليس هذا وحسب بل إن الشاعر يلجأ إلى مزيد من الايضاح فيعلن لنا أن الركوع يتّصف بالذلّة، وما هو كالسجود الرومنطيقي الشائع في بعض القصائد والأفلام السينمائية. هي العبادة الذليلة للمرأة حين لا يملك المرء حولاً ولا قوة، فيشعر أن ثمة قوة جارفة، ساحقة، تدفعه إلى التلاشي في حضرة إله معبود. ولو تساءلنا، تبعًا للسياق، عن أسباب هذه المازوشية المريبة، لوجدنا أنها تعود إلى أمل وادع، أو ضئيل، بالفوز بالحب، الأمر الذي يؤكد لنا الدلالة العميقة لهذه الثنائية المشار إليها: انسحاق تام أمام الآخر، ثم كبت رهيب يهيب بالشاعر ألا يبوح بحبّه خشية تعرضه للإملات المعنوي. ولعل هذا الكبت، الصادر عن عقدة نقص، هو الذي يولّد هذه المشاعر السلبية، الشبيهة بالموقف الديني، في وجهه الاغترابي، ولذلك يستحيل الحب، وهو الظاهرة الأكثر صحّة في الحياة، إلى خشوع يلغي الأنا لمصلحة المعبود البشري. وبكلمة أكثر دقّة، يؤدي كبت المشاعر والغرائز دورًا حاسمًا في تسميم الحالة العشقية، فلا تعود المرأة كائنًا بشريًا، يتمّ التفاعل معه في حالة من الاغتناء المتبادل، ولكنها تصبح كائنًا مقدسًا يتمتع وحدة بالحرّية المزعومة، في حين يعاني الشاعر دونية المذلّة:

“وقربكِ لي معبدٌ لا يُمَسّ                   يُزار ويُلمسُ من شاسعِ

أحطّ به لفتتي من بعيدٍ                   وأمضي على لذّة القانعِ”.

واللافت، هنا، أن الحبيبة معبد لا يسمح للرجل بأن يُمس، مع أن المعابد هي أماكن مقدسة يدخلها المؤمنون للصلاة والنجوى. إنها معبد لا يجوز لمسه والدخول فيه، ولذلك تُزار وتُلمس من بعيد، فكأن الشاعر خلع عن المرأة ثوبها الأرضي، ثم راح يمعن في تقديسها، وتنْزيهها عن الوضع البشري، شأن العابد حيال المطلق الإلهي. فلا مجال للغرائز الطيبة، بل لا مجال لعاطفة الحب السويّة بالإنطلاق والترعرع، وهذا هو جوهر الكبت: أن يُنْكر الرجل ميوله الطبيعية، ويرى في الآخر تجسيدًا إلَهيًا، ولذلك يكتفي باللفتة البعيدة، متنائيًا عن التواصل السوي، ثم يمضي على لذة القانع باليسير من التلبيات.

نستنتج، بحسب السياق، أن هناك علاقة وطيدة بين المازوشية والكبت تفضي إلى نوع من العبادة البشرية المنحرفة: الرجل منسحق تمامًا، وبمنزلة اللاشيء، والمرأة هي الكلية الحضور، الكلية السحر، فمن الطبيعي إذن أن يتحول الحب إلى ركوع ذليل، وأن تصبح الحبيبة إلَهًا يتطلّب التضحيات والتقشفات.

وإذا كان الكبت، ولا سيّما المتطرف منه، علّة العلل في توليد الاضطرابات النفسية، فإن هناك علاقة واضحة بين هذا الكبت وحب الموت. يقول عقل في قصيدة “سمراء” من ديوان “رندلى” ما يلي:

“سمراء ظلّي لذةً                  بين اللذائذ مستحيلهْ

ظلّي على شفتيّ شوقهما         وفي جفني ذهولهْ

ظلّي الغدَ المنشودَ                 يسبقنا المماتُ إليه غيلهْ”.

لقد حرّم الشاعر على نفسه، في القصيدة السابقة، عاطفة الحب الطبيعية، مكتفيًا بدونية القانع، وها هو الآن يتقيّد بمحرّمات ثقيلة لعلها بنت ذلك المجتمع القديم، قبل منتصف القرنِ العشرين، حين كانت اللذة المشروعة تعدّ خطيئة الخطايا. فهذه المرأة السمراء تثير في الشاعر متعة فائقة، تضجّ في جوانبه، ولكنها لا تخرج إلى حيّز التحقيق. إنّها اللذة المستحيلة القائمة على عقدة الذنب، وهذه الأخيرة تزيّن للرجل أن المادة نجسة، دنسة، من المفترض أن يتحرّر منها ليبلغ صعيد الروح. ألَم يتردّد منذ قرون متتالية هذا القول الشهير: “الجسد مقبرة الروح”، إضافة إلى عبارة أخرى تعلن لنا أن الدنيا على تضاد تام مع الصبوات الروحية العميقة؟ فليس بدْعًا أن يستلهم سعيد هذا المنحى الاغترابي الذي طالما هاجمه فلاسفة الأنوار منذ فولتير، مرورًا بنيتشه، وصولاً إلى الأزمنة الحديثة حيث تحرّر اللاهوت الحديث من هذه النظرة السلبية. لا غرابة إذًا أن يشتاق الشاعر إلى هذه اللذة المحرّمة، وأن يعيش في شبه ذهول عن العالم المادي الذي يراه قذرًا. ومحصلة الأمر أن التواصل الحقيقي لا يكون إلا بعد الموت، عندما تطرح النفس ثوبَها الترابي، كما هي الحال عند المتصوف التائق إلى التلاشي خلاصًا من الجسد، وشوقًا إلى عالم أكثر جمالاً يندغم فيه. ولا ريب أن العلاقة متينة بين كبت اللذة والحنين إلى الموت، وقد تندرج هذه الثنائية في إطار النزعة المازوشية التي لا تكتفي بالألم، بل إنها تحاول تتويجه بالفناء وصولاً إلى البقاء، عنيت بقاء الروح الخالدة. على أن ثمة ملاحظة تُطْرح ألا وهي أن الأسلوب الشعري الجميل، كأسلوب سعيد عقل، يقلّل كثيرًا من صدمة الانحراف النفسي، فتكتسي هذه ثوبًا رائعًا لحمته وسداه هذه الانفعالات الرقيقة، والصور الرائعة، والإيقاع الشجي. ثم إن العذرية، ولو متطرفة، أجمل من الإباحية الفجّة، ولذلك يخاطب الشاعر شيئًا ما في أعماق القارئ العربي الذي لا يزال لاوعيه يحفل بموروثات لم يُسلّط عليه ضوء العقل بعد.

*****

قلنا إن المازوشية هي حب العذاب والموت بتأثير الكبت. أما السادية فهي حب الإيلام، وربما وصل إلى حدّ القتل، بسبب عقدة النقص التي تدفع الرجل إلى إيقاع الأذى بمن يحب، وكأن شعار السادي هو: “نصيبكَ الألم ونصيبي اللذة، أنتَ الضحية وأنا الجلاّد”. ففي قصيدة “زهرة الزهور” من ديوان “أجمل منك؟ لا” ملامح سادية واضحة. يقول الشاعر بلسان الفتاة العاشقة ما يفيد مازوشية المرأة وقسوة الرجل:

“كُنْ أنتَ للبيضِ، وكن للسُمْرْ

ما همّني؟ حبّي أنا يبقى

سعيدة به وإن أشقا

تحبّنِي أو لا تحب، أنتَ أنتَ العمر!”

فهذه الفتاة تخاطب الشاعر، فتدعوه إلى حب الفتيات البيضاوات أو السمروات، فلا فرق عندها بين هذه الفئة أو تلك، ولا تهمّها الخيانة، كما تزعم، لأن حبّها خالد. وقد قرأنا، في الماضي، تحليلاً مضحكًا يقول إن هذه المرأة مثال العاشقة أو الزوجة الوفيّة. وليس الأمر على ما يدّعون، إن نزعة تحقير الذات، كما نجد ذلك جليًّا في العبادة البشرية المنحرفة، تظهر بجلاء في هذا النص، ولكنها تفصح أيضًا عن شعورين متضاربين: سعادة الفتاة القانعة المكتفية بدونيتها، ثم شقائها الطبيعي، والمسّوغ بتأثير الخيانة التي تطعن الكرامة في الصميم. فالحب لا يعرف تعددية الالِهة، إن جاز القول، فهو صيرورة الاثنين واحد في جسد واحد وروح واحدة. فلا معنى إذًا لتجاهل الخيانات، أو ازدراء الحب المتبادل، حتى لو كان هذا الحب يختصر العمر كلّه. والحق أن هذا الموقف يعبّر، ولو جزئيًا، عن وضع المرأة قديمًا عندما كانت مستسلمة للتقاليد الظالمة، استسلامًا يتسم بالرضى والمذلة. وإذا كان الحب ابن الحرية الداخلية، فلا يعرف هذا الشعور البهيّ من عاش في العبودية، وراح يسوّغها فيما يشبه تنظير المازوشيين والمازوشيات. إن الرجل هنا مشبع بالنزعة الذكورية المؤمنة بتعددية العلاقات فيما تبدو المرأة راضية، قانعة بلفتة من البعيد، على ما هو جليّ في قصيدة سابقة:

“أما كفى أني على يديكْ

أشتاتُ أُلهيَهْ

وبي نيهْ،

يا حلو، أن أغرق في عينيك؟”.

الحب، هنا، مغترب، قائم على ثنائية الساحق والمسحوق حتى إن العاشقة تكتفي بأن تكون أشتات أُلهية، وقلْ لعبةً محطمة يكسرها الرجل الجبّار اللاهي بمصيرها. واللافت أنّها ترتضي الذل، ويراودها شعور بأن تغرق في عينَي الرجل الذي يخونها مع البيض والسمر. هنا تتعانق مازوشية الأنثى مع سادية الحبيب الذي يطيب له تحطيم لعبته، كما كان يفعل صغيرًا، وكأن وجوده لا يقوم إلاّ على أنقاض الآخر:

“تُميتني، تُبقي عليّ

إشفاقةً أو ترضيهْ

ما هم؟ أنت الضوء في عينيّ

وأنت في ثغري أغنيهْ”.

وهكذا يبلغ الانحراف النفسي حدّه الأقصى. فلا يهمّ هذه العاشقة المسْتلَبة أن يميتها الرجل إشباعًا لغروره، ولا يهمّها أن يبقيها على قيد الحياة بدافع الشفقة أو الترضية. فما يقضّ مضجعها هو أن تستمر في هذا الحب المريض لأن الرجل كالضوء في عينيها، وكالأغنية في ثغرها. ولم يخطئ من قال إن المازوشية نوع من العبادة المنحرفة لمخلوق بشري، تتجلّى في عبادة زعيم مستبد، أو رجل متعدّد العلاقات، بل إن بعض الفلاسفة ذهبوا إلى أن الشعور الديني الخلاق لا يقوم على إلغاء الإنسان وتضييع حياته ودنياه لمصلحة الإله المتعالي. ذلك أن المشاعر السامية، كالحب والدين، تفترض الحرية أولاً، ومن ثمّ اغناء الشخصية، وليس استلابها. ولعل قراءة سريعة للأغاني العربية تفيد ثنائية الظالم والمظلوم، وهي التي تشي بثنائية سياسية مدارها الحاكم الجبّار والمحكوم الضعيف. ونحن لا نصدّق أن ثمة حبّا صحيحًا في العالم العربي ما دامت الحرية مفقودة، وطالما مثّلت التقاليد عائقًا أساسيًا يعيق نمو هذا الشعور السامي. ولعل قصيدة عقل تندرج في إطار هذا الوضع العبودي حيث تتسمّم كل علاقة طبيعية، كالشعور الوالدي والأمومي، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية، فما بالك بعاطفة الحب المبنيّة على ما يشبه علاقة الأعلى بالأدنى، والإله بالعبد، وقِسْ على ذلك.

*****

من المعروف أن النفس البشرية ملتقى الأضداد، فالعذرية لا تنفي الحسية، والمازوشية لا تلغي السادية. من هنا نجد في شعر عقل ميولاً شهوية واضحة، من المضحك تجاهلها والقول إن شاعرنا خلق امرأة مثالية لا علاقة لَها باللحم والدم. يقول في قصيدة “نداء الربيع” من ديوان “رندلى” ما يلي:

“أنا فوق صدرك أطيب روحًا

وأطرب شعرًا، وأصفى نيهْ

خلعتُ شبابي على نافرينِ

به، وعلى فجوةٍ عاريهْ”.

فقد يشتدّ الميل العذري، وقد يتأجج نقيضه، تبعًا لحالات النفس المتناقضة. على أن شاعرنا يفصح عن تهافت كبير حتى في نزعته الحسية، كما أعرب سابقًا عن دونيته في نزعته العذرية الناجمة عن كبت متطرف. يقول في قصيدة “نار” من ديوان “رندلى”:

“قوامك يدعو، ودلدال ثوبكِ

يهدم من عزّتي ما بقي

سألتك فرّي من الثوب، واعرَيْ

فشفّافه، في الدجى، مرهقي”.

والأمر هنا شبيه بالتحدي حيث تهدم الأنوثة المغرية ما تبقّى من كرامة الرجل، وكأن المفاتن المحجوبة ترهق أعصاب الشاعر. فأين هو العنفوان المشهور، كما يتوهّم بعض النقاد؟ لقد تهدمت العزة، وقل ما تبقى منها، فأضحى صاحبنا شبيهة ببرج متعالٍ يكاد يسقط على الحضيض. هذه هي المرأة التي تسحر وتستلب، حتى يقع الرجل ضحيّة الاغواء، ويكاد يضيع إباؤه.

*****

ولن نتوقف طويلاً عند مظاهر أخرى في شعر سعيد عقل كالنرجسية وما شابه، لأن ذلك يتطلّب كتابًا على حدة. وحسبنا في هذه العجالة أننا سلطنا الضوء على جوانب سيكولوجية مجهولة عند معظم النقاد المنبهرين بمثل أعلى منفصل عن الواقع، وضائع في ضباب الوهم. على أن التعبير عن ميول سلبية لا يخفض من قيمة أي شاعر إلا إذا قلنا إن الإنسان العظيم كامل وخالٍ من النقص. والحقيقة إن النفس البشرية زاخرة بالأضداد، ومن الضروري أن يصدر الشعر عن الجوانب الإيجابية والسلبية على السواء. ولا ريب أن الشر، يعلّم ويبصرنا بأخطائنا، كما يعلّم الخير ويقودنا إلى طريق الفضيلة. والنقد الأدبي معنيّ بالمتناقضات كلها، بغية تأسيس مملكة العافية النفسية حين تتوازن الثنائيات، كالروح والجسد، والأنا والآخر، والذكورة والأنوثة، والإنسان والمتعالي. وكل خلل في هذه الأضداد التي ينبغي أن تتصالح وتتوافق قد يجرّ الخراب على الفرد والجماعة.

نختم مع بيتين لسعيد عقل في قصيدة “حوار” من ديوان “أجراس الياسمين”:

“لي لذة بتفرّسي                             في الموت في عينيه نارْ

بيتي أنا الخطر البهيّ             حِجارُه مني حجارْ”.

جان نعوم طنوس

عن جان نعوم طنوس

كاتب وناقد وأستاذ في الجامعة اللبنانية

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>