الرئيسية / العدد 12 / سعيد عقل ناقداً

سعيد عقل ناقداً

Print pagePDF pageEmail page

Untitled-12_3_

الأهمية التي نوليها لهذا الموضوع تنبع من الأهمية التي أولاها سعيد عقل نفسه إلى النقد بشكل عام. وقد أغنى الموضوع بوجهات نظر تتعلّق بمختلف المبادئ الجمالية الخاصة بالفنون منذ الأزمنة القديمة.
*****
توطئة
بالنسبة إلى سعيد عقل، الشاعر والناقد، يشكّل الفن موضوعة لتأملٍ لا تقل أهمية أو فعالية عن التأمل اللاهوتي أو الفلسفي. وليس من العبث أن يكون عملاه الأوّلان “بنت يفتاح” و”المجدلية” مسبوقين بمقدّمتين تحليليَّتين. يعرض في الأولى (مقدّمة “بنت يفتاح”) مبادئ فن التأليف المسرحي الشكسبيري والكلاسيكي، وتقنيته الخاصة في الكتابة الشعرية- المسرحية، فيما يكشف في الثانية (مقدّمة “المجدلية”) عن مفهومه للشعر. تبرز المقدّمتان، بالإضافة إلى كتابات أخرى له في المجال الفني (مجموعة “كأس لخمر”)، الجانب الفكري لنشاطه الأدبي، حيث يثبت أنه صاحب مدرسة شعرية وليس مجرّد شاعر عادي.
عرفت مسيرة سعيد عقل الأدبية مراحل ثلاث: المرحلة الأولى كلاسيكية، بدءاً بـ “بنت يفتاح” وانتهاءً بـ “قدموس” ومروراً بـ “المجدلية”؛ مرحلة ثانية رمزية- پرناسية فسرّيالية بدءًا من “رندلى” وانتهاءً بـ “دُلزى”؛ وختاماً مرحلة ثالثة يفتتحها بـ “الخماسيات”، نسميها مرحلة “النضج”.
إلاّ أن هذا التقسيم لا يكشف عن التداخل بين المراحل وكيفية العبور بينها. فهو يوهم بأن ثمة انقطاعًا يفصل بين المراحل. ولكن في الحقيقة، أظهر سعيد عقل في تمهيد “المجدلية” (1937)، في مرحلته الكلاسيكية، انحيازه إلى المفاهيم الرمزية والسريالية (أهمية اللاوعي)، كما اتّضح اقتناعه بمبادئ الكلاسيكية في الأعمال التي تلت “قدموس” وفي التصريحات التي أعلن عنها في أكثر من مناسبة. كانت تأثيرات المدرستين الكلاسيكية والرمزية تتشابك عنده لتشكل نهجًا شعريًا جديداً ومستقلاً، غير أن رفضه لمبادئ الرومنطيقية كان قاطعًا وحاسمًا. ونستطيع القول إن سعيد عقل اتجه نحو الكلاسيكية ومن ثمّ نحو المدارس الأخرى، كردة فعل تجاه الرومنطيقية المسيطرة على الأدب العربي- اللبناني في حقبة معينة .
من بين كتاباته المنشورة خلال خمس وعشرين سنة، من سنة 1934 (مقدمة “بنت يفتاح”) حتى سنة 1960 (مقدمة لديوان هند سلامة)، نستخلص ثلاثة محاور تدور حولها آراء سعيد عقل النقدية، وهي من العام إلى الخاص: مفاهيم في الجمالية العامة، مفهومه للشعر، وأخيراً مفهومه للفن الروائي.

1- مفاهيم في الجمالية العامة

أ‌- أسرار الكتابة
“الأبيات غمرتنا بحالة سرّيّة الماهيّة،
لكنها تركتنا غير ما كنّا وفوق ما كنّا، ردّتنا أكثر تآلفاً مع حقائق في الكون ثَبْتة،
أما شرحها فلم يزدنا إلا معرفة بها، أعطانا علماً بحالة الشاعر، لم يعطنا الحالة”
إلى الألغاز التي تربك الإنسانية، يضيف سعيد عقل لغزاً آخر، هو “الحالة الشعرية” التي يصعب على المنطق الإنساني أن يفهمها. فعلى غرار مهمّة اللاهوت، إعلامنا بوجود حالة غموض كونيّ وتقديم التحليلات عنه، يُعْلِمنا النقد الأدبي عن وجود حالة الغموض التي يعيشها الشاعر من دون أن ينقل إلينا “الحالة الشعرية”. على القارئ أن يشعر بها كما على المؤمن أن يتواصل مع ربه بالإيمان.
منذ البداية، يضع سعيد عقل حدودًا للنقد معتبرًا إياه أقل مقاماً من الإبداع الفنّي. ولا يعود هذا إلى عجزه عن نقل “الحالة الشعرية” فحسب، بل أيضاً إلى عدم مقدرته الأصلية الارتقاء إلى مستوى فعل الإبداع. فالنقد يستخدم اللغة المنطقية التي تهدف إلى تفسير الظاهرة الفنية وتحليلها وفهمها، تلك الظاهرة التي تنبع من اللاوعي الذي وحده قادر على الإبداع.
يخيّل إلينا أننا نقرأ هنا تودوروفاً (Todorov) بنيويّاً قام بتجريد النقد التقليدي، الذي أراد حصر نفسه في التأويل ، من جدارته في تفسير العمل الأدبي. أما إذا كان تودوروف يعتقد أنه سيجد، بالتحليل البنيوي، الطريق لإقامة عِلم للأدب يكتشف آلية الإبداع الداخلية، فإن سعيد عقل، بصفته شاعراً، يرى أن الشعر لا يمكن بلوغه بالوسائل العقلانية، لأنه يسكن “حالة اللاوعي” المختلفة “بنيويّاً عن حالة الوعي التي يحلّلها النقد. بالتالي، يفترض سعيد عقل أن اختلافاً جذرياً يميّز الكتابة الشعرية عن الكتابة النثرية: “أرى أن اللاوعي رأس حالات الشعر، ورأس حالات النثر الوعي” . ويذهب إلى أبعد من ذلك مقلّلاً من قيمة النثر الذي يعدّه “تعبيراً باهتاً مخفّفًا (عن الحالة الشعرية)، يدنيها من أذهان الذوّاقة المحدود” .
ولكن هذا النثر الذي يستخف به، وقد نقول يحتقره، ليس نثر الكتاب والروائيين الكبار. إذ حين يعالج الرواية، يعترف بقيمتهم. فالروائيون الكبار، مثل الشعراء، يملكون مقومات كتابة تكشف عن حالة من اللاوعي. ويكفي أن نتوقّف عند مارسل پروست (Marcel Proust) لنرى، مع الباحثة كلود إدموند مانيي (Claude-Edmonde Magny) كيف أنه يجمع في كتابته ميّزات النثر مع ميّزات الكتابة الشعرية ذات الميول الميتافيزيقية . إذاً فالنثر الذي يعتبره سعيد عقل أدنى مرتبة من الشعر هو الكتابة النفعية التي لا تملك رسالة فنية وأخلاقية.
ب‌- متطلبات الفن
بالنسبة إلى سعيد عقل، يُظهر النثر أو الطابع النثري للتعبير اللفظي هيمنة الوعي في حالة اللاوعي. يتسلل النثر – أو الابتذال – بمكر وبشكل مدعٍ للفن. إنّه غياب الخفيّ في عمل فنّي، سواء أكان لوحة أم سمفونية أم منحوتة أم قصيدة. لذا وجبت محاربة الابتذال في الفن لأنه عقيم وقبيح وخالٍ من المشاعر الإنسانية.
يجد سعيد عقل في الحبّ (بمعنييه العام والخاص) العنصر الأساس الذي يحرّك كل عمل فنّي، وتالياً كل فنّان: “ويل شعرٍ، ويل فنّ ليس غزلاً” . أكثر من ذلك، ليس الحبّ بالنسبة إليه أساس الفن فحسب، بل هو أيضاً أساس الحياة والأفعال العظيمة والاكتشافات والنبوءات، وكذلك هو في أساس هؤلاء الأطفال المعجزين الذين لم يُكتشف سرّ قدرتهم بعد. لهذا يتساءل بمرارة: “تُرى أكان هؤلاء الصغار تحت تأثير حبّ لم يتوقّعه المؤرّخون فيسجّلوه أو يتحدّثوا عن أثره؟” . هل كان سعيد عقل يقصد ضرورة خطاب حبّ أعاد رولان بارث (Roland Barthes) تجميع شذراته بعد ذلك ؟
إذا كان الحبّ في أساس كل فعل إنساني كبير، يصبح بالتالي ضرورة عضوية لكل عمل فنّي، وبدونه يهيمن الابتذال العقيم. على الشعر إذًا أن يعبّر عن الحبّ بكل حالاته، العذرية منها كما الشبقية. لا يمكن تصوّر الشعر من دون الحبّ، إذ يضحي كالنحت أو الرسم من دون العري: “أمّا العري محكّ كلّ فنّ – ووسيلة كلّ فنّ كذلك” . ويكرّر هذه العبارة في أربعين الرسام اللبناني النيو-كلاسيكي مصطفى فروخ عام 1957 “مع أن العري منه – كالغزل من الشعر – هو موضوع المواضيع في شحذ الإرادة” .
الحبّ تقمصٌ للجمال، وهو دائم الحضور. لهذا يصبح الحبّ غاية الإبداع الفني ووسيلته. ويتحقّق تعبيره الأفضل في البساطة. تستمد هذه البساطة قيمتها من تناقض مزدوج. فهي إذ تُعبّر عن نوع من الراحة والهدوء الخارجيَّين، تكشف عن عمق التمزّق الإنساني، الضروري من أجل الارتقاء إلى الأعلى، إلى النوعي: “والبساطة إلهة عبادتها وجعٌ وجَزَع” . ما يجعل البساطةَ مستحيلةً أحياناً، ناتج عن كونها تتطلب تمكّناً كاملاً من التعبير الفني، ونضجًا في تشكّل الأحاسيس والمشاعر لدى الفنّان الذي لا يجدر به أن يمّحي إلى درجة البراءة أو هذه الطهارة التي “تصهرها جميعاً نبضة قلب أبدي الطفولة، يلهو بالنار، يلهو ولا يرعوي” .
وحدها سذاجة الطفل تتجرّأ على “اللعب” بموضوعات الحياة الخطرة والغامضة، واكتشاف الأسرار من أجل إطعام ذكاء الكبار. من هنا يرى سعيد عقل في “موسم في جهنّم” (Une saison en enfer) للشاعر الفرنسي أرثر ريمبو (Arthur Rimbaud) تلك الميزة المعجزة لفكر يُضْمر خلف مَلَكَتِه للغموض الإنساني فضولَ الأطفال وسذاجتَهم: “الجميل أن هذا الديوان الجهنمي الأسطر، الإلهي الآلاء على مصائر المعرفة، إنما أعطي أن يكتبه ولد. وهكذا باتت قراءته خبز الصغار، وإلهام عظام العقول” .
لا يطيل سعيد عقل حديثه عن مضمون العمل الفني، وهو المقتنع بپرناسيّته، تشده أناقة الشكل شرط أن تكون الأناقة في خدمة السذاجة أو أن يُعبَّر عن السذاجة بشكل فنّي. من هنا الاستنتاج المتعلّق بالطهارة والنضج المرير اللذين لا يمكن بلوغهما إلا من خلال ترويض المستحيل وتطويعه ، من أجل أن ينتج لدى القارئ “الشعور بالجبروت والانسحار بالأناقة” . فالعمل العظيم ينبع من هذه الحالة الشعرية التي تجمع السذاجة والبساطة، وليس من “الصراخ”، فـ”الصراخ في الفن، كالخطابة، عدوّ الشعر” .
حين يتم دمج الحبّ فنياً بالبساطة والسذاجة والأناقة والعظمة، يصبح ممكنًا الكشف عن العمق الإنساني وتقريب الكلمة من الكائن، وجعل الكلمة تعبيرًا وفيًا عن المعبّر عنه. وإذا كان الصدق والوفاء إرث الكائن البشري المخلوق على صورة خالقه، فهما أساس كل فنّ. إذ على الشعر أن يكون صادقاً، وليس بالضرورة صحيحًا كما يلاحظه في أعمال ميخائيل نعيمة: “من هنا أن الكلمة عند نعيمة هي هو. تقطر إخلاصاً قبل أن تقطر صواباً” .
ت‌- في سبيل الكلاسيكية
“الكلاسيكية رقعة تتوسّع دوماً، ودقائقها مجالات ما لها نهاية”
إذا كانت هذه هي المستلزمات المتناقضة للفن، أي البساطة/ الصعوبة المستحيلة، النضج/ السذاجة، القوة العظيمة/ الأناقة المنمّقة، فإن مبادئ المدرسة الكلاسيكية هي، بنظر سعيد عقل، مصدر لا ينضب للوحي. لقد استطاعت هذه المدرسة أن تجمع ببراعة وبفنّ، أفضل من أي مدرسة أخرى، الأناقةَ والعمقَ المعقّد للجوهر الإنساني، قوةَ الكلمة التعبيرية والسذاجةَ الطفولية للإحساس الطاهر والصادق، واستطاعت أن تقدّم للإنسانية أعمالاً أبدية وعالمية.
يرى سعيد عقل في الكلاسيكية أكثر من مدرسة يحدّدها الزمان والمكان، فهي مصير كلّ مدرسة فنية. فإذا كان العمل الفنّي حديثًا وقيّمًا، فسوف يعتبر عاجلاً أم آجلاً كلاسيكيًا. الكلاسيكية هي علامة كلّ عمل فنّي وُجد ليبقى خالدًا. فالأعمال الأدبية مثل “التأملات” (Les contemplations)، على الرغم من معارضة فيكتور هوغو (Victor Hugo) للكلاسيكية، و”موسم في الجحيم”، على الرغم من طابعها الثوري، تعتبر اليوم أعمالاً كلاسيكية، أي قيّمة وصالحة لتكون مصدر إلهام للحديثين. بهذا المعنى، يرى سعيد عقل في الكلاسيكية “رقعة تتوسّع دوماً” ، وفكرًا أكبر من مدرسة، وطموحَ كلّ فنان. غير أن الكلاسيكية تثور ضد “تطلّب الجديد للجديد، الجديد وإن بشعاً” ، وهي بالتالي معيار يتمّ من خلاله الحكم على قيمة تيار حديث، وتمييز الصفة الأبدية لعمل ما من الصفات الزائلة.
لكن كلاسيكية سعيد عقل المعلنة ليست نمطية بقدر ما هي متعلقة بالمفهوم. إنها ولاء لمعايير الكلاسيكيين العظام . فهي قوية لناحية نسف المعايير والأشكال التي أكل عليها الدهر، ونجدها متأهبة لزلزلة كل شيء. ينبع هذا التوجه الجدليّ من بحثه المستمرّ عن الخير، لذا فكلاسيكيّته ثورة على كل ما هو عفن وبائد، مع رفضه الدخول في ما يسمّيه “تجارب المختبر”. وهذا ما لاحظه وأعجب به في رواية “جبل الآلهة” لعبد الله حشيمي، إذ يقول في هذا الصدد: “لم يدخل في التجارب وإنما ظل يؤمن بأن الكلاسيكية مرابع لا تنفذ وعلى الأديب العليّ العظيم أن يكتشفها استمراراً” .
هذا التعلق بفكر الكلاسيكية أعطى سعيد عقل ميزة الانفتاح على مدارس أخرى، ليستخرج منها “النخاع الجوهري” (la substantifique moelle) كما كان يقول فرانسوا رابلي (François Rabelais). فهو پرناسي للغاية حين يتطلّب من الفنان أن يكون فخوراً بإلهامه وأن يواظب على صقل كلمته وجملته حتى يتماشى التعبير مع الفكرة، ويبلغ الرقيّ المرجوّ. فنجد مثلاً في كل مكان تعابير يستخدمها سعيد عقل على الدوام لتحديد عمل الفنان مثل: “نقش” و”نحت”. فهو يقول عن فكتور حكيم إن ريشته تساوي مقصًا فلورنسياً، وعن الشخصيات: “كأنها تماثيل من رخام تكاد – لوفرة ما افتنّ في نحتها- تهوي من أفاريز اپرتنون على العقل” .
سعيد عقل معجب بالقدماء ومستعد لقلب كل شيء من أجل التجديد. إنه كلاسيكي وحديث في آن معاً. يهمّه الموضوع العظيم بقدر ما تهمّه أناقة الشكل، ويبدو متذوقاً للفن ذي المتطلبات الصعبة بقدر ما هو نفسه متناقض الجوهر. إنه التناقض بعينه لأنه التجديد المستمر.

2- الشعر و مفهومه

أ‌- ما هو الشعر؟
“اللاوعي في الإنسان طاقة ولا كأحدّ الوعي”
هذه العبارة ليست لـ فرويد (Freud) ولا لأي محلل نفسي معروف. إنها ما أعلن عنه سعيد عقل عام 1937 في بداية مسيرته الشعرية. فكان من الأوائل في العالم العربي في إدخال فكرة “اللاوعي” إلى تحليل العمل الفني. لا يتميّز سعيد عقل بأصالة فكرته فحسب، بل أيضاً – يا للمفارقة! – بوعيه العميق لتجربته كشاعر. إذ لا يمكننا أن نفصل لديه التفكير بالحركة المبدعة عن الإبداع نفسه.
بالنسبة إلى سعيد عقل، للمفاهيم المكتشفة في التحليل النفسي دور مهمّ لفهم وظائف اللغة، وهي تساعد على تعيين مواقع أشكالها وانبثاقاتها المختلفة بدقّة. إن التمييز الأول الذي يقيمه يتمثل بأن اللاوعي هو جوهر الحالة الشعرية وأن الوعي جوهر النثر. ويذهب أبعد من ذلك ليقترب من الفهم الحديث للكتابة الشعرية التي لا تصب في إنتاج الأفكار أو الصور أو المشاعر الصادرة من الوعي والخاصة بالنثر. فالشعر بالنسبة إليه متجذّر في الأعماق الغامضة للإنسان (اللاوعي)، ويرتقي به إلى حقائق أخرى بالغموض نفسه (السرّيالية). يقوده ذلك إلى التساؤل: “ما ترى يحدو بي حيناً إلى كتابة النثر وآخر إلى إطلاع الشعر؟” . الجواب الذي يعطيه وظيفيّ، ويعتمد في جزء كبير منه موضوعَ التأمل وحالةَ الشاعر: “إن كان في داخلي ما هو فوق طاقة تلك القوى، إن كانت نفسي ذاتها في حالة فوق الوصف، خالصة، لا تشوبها صورة أو فكرة أو عاطفة، حالة تمكّن ذاتها من وعي ذاتها أعمق وأغنى، فأروح تلقائياً أكوكب بياض أوراقي بالشعر” . وظيفة الشعر إذاً هي إخراج “اضطرابات” اللاوعي. ويستطيع هذا الشعر بنقائه الذي لم يلمسه التفكير والرقابة العقلانيّان والواعيان تقديم التعقيد العميق للغموض الإنساني.
قد يقود هذا التمييز بين الكتابة الشعرية والنثر إلى خلاصة أنه ينبغي أن نحسم تماماً ما إذا كان النثر بشكل عام عبارة عن وعي مفقّر من فرط الرقابة. إن النثر الذي يدينه سعيد عقل هو الكتابة النثرية المبتذلة، تلك الكتابة النفعية التي لا تهدف سوى إلى التحليل والتفسير، وليس نثر الكتّاب الكبار كما أشرنا في بداية هذا البحث.
الحالة الشعرية التي يقصدها هي حالة الإبداع. وهي الحالة نفسها لكل الفنون، وينحصر الاختلاف على مستوى التعبير فحسب: “لا فنون قبل التعبير” . فالشعر حالة تسبق التعبير، لذا “يمكن للشعر وحده أن يشمل الموسيقى، التصوير، الرقص، العمارة، وما إليها من جمال وراءه يد إنسان. قبل التعبير: حالة من اللاوعي واحدة، لا تتبدّل إلا إذا اتخذت شكلاً” . ويشير هذا إلى التمييز بين قوة الخلق والشكل الفني المحدّد الذي تأخذه هذه القوة تالياً لتصبح شعراً أو موسيقى أو نحتاً أو رقصاً…
ب‌- التواصل الشعري
إن كانت هذه هي الحالة الشعرية، فكيف يتم التواصل معها؟ كيف يمكن للقارئ الواعي، الذي لم يمرّ بالضرورة بحالة الشاعر أو الفنان اللاواعية، أن يتلقى لغة اللاوعي ويفهمها؟ بتعبير آخر، كيف ينقل الشاعر حالته الشعرية إلى القارئ؟ لنستمع إلى سعيد عقل: “قلت أنقل ولم أقل أعبّر أو أترجم أو أصوّر أو أمثّل أو أدني أو أعكس أو أنبئ أو أنشر (…) نقل الشعر إذاً يقتضيني تعطيل الوعي في القارئ وأن أخلق فيه جوهراً أشبه بالموسيقى وأخلقه على شاكلته بالذات” .
حتى يتم هذا النقل، وجب على القارئ أن يكون في نفس حالة الشاعر لحظة الإبداع. ولكن ما السبيل إلى إيقاف عمل الوعي؟ من خلال الكلمات والإيقاع والموسيقى التعبيرية التي تبعد القارئ عن الخطاب العقلاني الرتيب وتخلق في خياله عالماً سحرياً يتناقض مع حالة وعيه ويزاحمها. إن لعبة الموسيقى التي تربط الكلمة التعبيرية بالمعبَّر عنه، بعد أن كان يفصلهما من قبل الخطاب العقلاني، تُحرِّر القارئَ من قيود الواقع الواعي وتنقله إلى العالم الذي أبدعه الفعل الشعري .
يعرّف سعيد عقل وظيفة الفن الشعري بالنقل أو التواصل. فمهمة الشعر لا تنحصر بالخلق السلبي أو بالجمال من أجل الجمال، ولكن تهدف إلى هدم وعي القارئ بطريقة حيوية، من أجل السماح للاوعيه بالالتقاء مع لاوعي الشاعر، وأن يتّحد معه ويستمتع به. ثمة علاقة تداخل جدلية بين الشاعر والقارئ، أو كما نقول اليوم، بين القارئ والنص. إذ لم يعد القارئَ يتلقى القصيدة بسعادة وسلبية، بل أصبح يشارك في إعادة خلق عالم شعري يغيّر فيه بتدخّله الفاعل. وبهذا يصبح الشعر خلقاً متواصلاً حتى اللانهاية.
ت‌- التعبير الشعري
ثمة سؤال عن علاقة النفسي بالشعري (بمعناه الإغريقي Poesis أي الإبداع) يطرح ترابطاً بين بنى الشخصية (وعي – لا وعي) وأشكال التعبير الفني. نعرض هنا أسس مفهوم سعيد عقل الشعري وجماليته.
كما ذكرنا في ما سبق، يختلف مفهوم سعيد عقل للاوعي عن مفهوم فرويد الذي يرى فيه مكاناً تتكثّف فيه رغبات الإنسان الجنسية المكبوتة. أما عند سعيد عقل، فمفهوم الليبيدو (Libido) غائب، أو على الأقل غير مأخوذ في الحسبان. فاللاوعي عنده، على عكس فرويد، طاقة نحو العظمة ونحو المطلق لا تقهر. إنه المكان الذي يسكن فيه النواة الإلهية في الإنسان. لم يعد اللاوعي مرادفاً للجنسي المكبوت، إنما للسرّيالي المخفيّ. وتحريره يعني تحرير الإلهي في الإنسان وكل ما يلازمه من عظمة وقوة.
بالتالي يصبح الشعر إخراجًا للاوعي، “الشعر؟ لَقطعة من برق ورعد” . إنه القوة العجيبة التي تساوي “فتح عوالم جديدة” و”البحث المستمر لأسرار الآخرة” . ومن خلال اتحاده الوثيق مع اللاوعي، يصبح الشعر رؤيا عظيمة يمتلك وحده الفكر المتسامي . الشعر وسيلة للمعرفة، فهو يعانق الواقعي والغامض، المرئي وغير المرئي، وهو بالنسبة إلى سعيد عقل، الوسيلة الوحيدة القادرة على إعادة طرح مسألة الحالة الإنسانية بشكل جذري وحقيقي. فالشعر يغذّي الفكر ويمنح إمكانية تخطي حدود المعرفة العقلانية، ويسمح بالتساؤل عن كل ما هو موجود خارج حقل إدراكه أو حتى عن أساس وجود هذا الحقل نفسه. إذا كان الخطاب العقلاني والمنطقي لا ينتمي إلى مجال الشعر، فإن من مهمة الشعر أن يفتح آفاقاً جديدة للتفكير العقلاني. إنه خصوبة الفكر الأبدية .
يقترب سعيد عقل من حلوليّة هوغو في (Ce que dit la bouche d’ombre) وبودلير في (Correspondances)، فيعتبر أن الشعر وحده قادر على الكشف عن المطابقات السريّة التي تحكم حياة الأشياء ، وبذلك تُعكِّر – إذا جاز التعبير- هناءَ الطبيعة لأجل إعطاء الأشياء حياةً جديدة . ينبع الشعر من أعماق الإنسان المظلمة ويتداخل في حياة الأشياء، وينقل “عدوى الحياة” محطّماً بطاقتِه حدود الحياة الأرضية. التعبير الشعري هو نقطة وصل بين مجهولَين لا ينفكّان يُقلقان الإدراكَ الإنسانيّ، وهو فعل عظيم يضفي على الكون طابعاً إنسانياً من جهة، و يضفي من جهة أخرى على الإنسان بعداً كونياً ، يجمع عمق موارده (اللاوعي) بمجموع رؤيته غير المحدودة (الواقعي والسرمدي). والشعر هو وحده الذي يوصلنا إلى الله .
تعود الأفكار والمفاهيم التي اعتنقها سعيد عقل بالنسبة إلى العمل الخلاق إلى مبدأ البساطة في التعبير الشعري. فالبساطة وحدها قادرة على جذب وعي القارئ وتدميره، والبراءة الممزوجة بالسذاجة هي الصفة الوحيدة القادرة على اكتشاف أمور الحياة الغامضة، وصبغ الكتابة بقوة تضاهي الأبدية بالعظمة، والزمن، والوحي.
ث‌- الشعر والإنسانية
ما ذكرناه حتى الآن يوحي بأن سعيد عقل يرى التجربة الشعرية انطواءً على الذات بهدف الوصول إلى المطلق، مبعداً بذكاء عاملاً أساسياً لا يستقيم الفعل الشعري من دونه، ألا وهو العامل الاجتماعي. ولكن إذا نظرنا إلى النشاط غير الشعري لهذا الإنسان، نلاحظ أن الاجتماعي لم يغب قطّ، بل كان دائم الحضور. ولكن كيف يعبّر عن هذا الحضور شعرًا؟ بتعبير آخر كيف يدخل العامل الاجتماعي في المعادلة؟ من خلال الشعر الملتزم ، الشكل الأبلغ والأقوى الذي يأخذه العامل الاجتماعي في الشعر.
لا يستطيع الشاعر، العالِم ببؤس الوضع الإنساني، أن يبقى مجرّد مراقب أصمّ وخجول وغير فاعل في وجه الظلم الاجتماعي. عليه أن يحوّل وعيه للواقع إلى فعل، عليه أن يناضل مع شعبه للبحث عما هو أفضل من خلال رؤية للحقيقة مرادفة للعدل. فيكون الالتزام هو الاستمرار الطبيعي – والضروري أيضاً – للوعي المُكتسب من التجربة الشعرية. ولكن من دون أن ينسى أنه فنان، كي لا يسقط في التعنيف البليغ غير المفيد الذي يلغي الجمال والسحر.
في استقباله للشاعر التركي الملتزم ناظم حكمت في “الندوة اللبنانية” عام 1960، أشاد سعيد عقل بالمزايا الفنية لهذا الشاعر الشيوعي الذي عبّر عن غضبه بلثغة ولد من اسطنبول ، وأكّد أنه “يكاد وحده، يجيد الصراخ” ، ويبقى “دوماً شاعراً” .
ج‌- الشعر والسياسة
منذ الرومنطيقية، التي يرى فيكتور هوغو أنها مرادفة لليبرالية السياسية في الأدب، أصبح للسياسة مكانها في الأدب ، أصبح الشعر، بواسطة رؤيته الإنسانية، يتناول المشهد السياسي ويجعل منه موضوعًا له. في منتصف القرن التاسع عشر، أعادت النهضة العربية، المتأثرة بالتيار الرومنطيقي وأفكار الثورة الفرنسية، للشعر القوميّ مكانته. وشارك الشعراء كل على طريقته الخاصة في هذا المجال، وكان أشهرهم خليل مطران. وحتى سعيد عقل الكلاسيكي والرمزي، كتب قصائد حضرت فيها السياسة بشكل مباشر أو غير مباشر .
ولكن ما يهمنا هنا هو العلاقة بين السياسة والشعر كونهما مجالين مختلفَين. هل هي علاقة شبيهة بتلك التي تربط الحبّ بالشعر؟ علاقة استيعاب متبادل تجعل التمييز البنيوي بينهما شبه مستحيل؟ على الرغم من أن ممثلي الشعر الفلسطيني عام 1967 ، وشعراء الجنوب اللبنانيين بعد العام 1970 قاموا بمحاولة من هذا النوع لـ “يشعرنوا” السياسة أو لـ “يسيّسوا” الشعر، لاحظنا أن أفضل ممثلي هذا التيار الذي بدأ غداة هزيمة حزيران 1967، إما تخلوا عن هذا الشكل الواعي (كمحمود درويش بعد العام 1972)، وانصرفوا إلى الحديث عن الانعكاس المقلق للحالة السياسية بالإجمال كونها تبعث الأمل واليأس في آن معاً لدى الفرد، وإما ابتعدوا عن الحدث السياسي نفسه الذي أسس لولادة شعر تقيّده حدود المناسبة الآنية الواقعية، فأدخلوا في شعرهم بصمة إنسانية عامة. وفي الحالتين كانت النتيجة هي نفسها: الشعر ليس إلا تعبيراً عن الوعي الفردي للشاعر أمام الحالة السياسية، تعبيراً يؤدّي إلى إنتاج مزاج معيّن.
يملك الخطاب السياسي – الغائب حتى الآن عن الحبّ – موضوعه ومنهجه الخاصين به. فلا يمكن للعلاقة بين الشعر والسياسة إلا أن تقوم على النفي. الشعر يؤنسن السياسة ويحرّرها من الآنية والواقعية، ويعمّمها، وبتعبير آخر ينفيها، وإلا ألغت السياسة الشعر.
إن المنطق الذي يتضمّنه الخطاب السياسي في تحليله للوقائع الاجتماعية/الإنسانية لا يجد سبيلاً إلى الشعر، ذلك لأن الشعر، حين يؤنسن السياسة، يذوّب كل الاختلافات التي وضعتها. بهذا المعنى، يلتقي سعيد عقل مع الشيوعي ناظم حكمت، على الرغم من تناقض اقتناعاتهما الإيديولوجية/السياسية، في سياق رؤية إنسانية وشعرية واحدة. ويقول في حديثه عن ناظم حكمت: “من هنا (من الشعر) التقينا قبل أن نلتقي. فرّقتنا وسيلة، وربما فلسفة على مصير الكون. لكنّ حب الإنسان، في إرادة نشله من البؤس، والحدب على وحدة الأسرة البشرية، والتطلّع إلى دكّ قضبان الحديد… كلّ هذا قرّب بيننا. وما تبقّى عمله الشعر” .
الشعر يوحّد حيث لا تكفّ السياسة (وحتى الفلسفة) عن رؤية الفوارق. لهذا فإن للشعر موقع الطليعة بين كل أشكال المعرفة الأخرى التي تنطلق من النشاط الفكري، لأنه الأكثر توافقاً مع أمل الإنسان بالوحدة.

3- الرواية ومفاهيمها
على الرغم من كونه شاعراً، لسعيد عقل تجربته الروائية في “لبنان إن حكى”. وهو يرى في الرواية قيمة أدبية وفنية وإنسانية مختلفة عن الشعر. فالتصنيف التقليدي الذي ينظمّ الإنتاج الأدبي في أنواع (الشعر والرواية والمسرح والملحمة…) غير ناتج عن حكم مسبق ظاهر أو مبطّن يعطي أفضلية معرفية وغير مبررة لنوع على الآخر.إن نظرة سعيد عقل لهذا التصنيف واختلاف الأنواع يفترض أن الانتقال من نوع إلى آخر يحفظ لكل نوع استقلاله. وهو يبلغ بذلك فكرة الكتابة الحديثة من غير أن يذكرها، تلك الكتابة التي تلغي كل اختلاف من حيث التفضيل القيمي بين الشعر والرواية.
يدهشنا سعيد عقل في كتاباته عن الرواية، ليس من حيث براعته فحسب وفطنته وإحساسه العميق بما هو قيّم جمالياً، بل أيضاً من حيث الحداثة المؤثّرة التي تبرز في كلّ تأمل. سعيد عقل قارئ روايات مواظب، فمعرفته بأمور الرواية هي ثمرة استيعاب واعٍ وموضوعي للإنتاج العالمي في هذا المجال.
أ‌- المسار الروائي في العالم وفي لبنان
في بضعة أسطر، يعيد سعيد عقل رسم مسار الرواية في العالم. من “دافنيه وكلويه” ((Daphné et Cloé عند الإغريق، التي طبعت بسذاجتها البدايات المتردّدة للنوع الروائي، إلى رواية الأميركيين الحديثة التي تدور حول حدث تتقابل فيه الحياة والنصر مع الموت، مروراً بالرواية الواقعية والنفسية في القرن التاسع عشر مع دوستويفسكي (Dostoïevski) وفلوبير (Flaubert)، من أپولونيوس (Apollonius) الفينيقي إلى سومرست موم (Somerset Maugham) البريطاني من دون أن ننسَ شاتوبريان (Chateaubriand) وغوته (Goethe)، نزعت الرواية إلى توليف القوة مع الأناقة: قوة البحث في أعماق النفس الإنسانية وفي صميم الواقع الاجتماعي، وأناقة الشكل الذي يسحر .
من هذا المشهد المكثف ينتقل سعيد عقل إلى التجربة اللبنانية في هذا النوع الأدبي محاولاً وضعها في السياق العالمي من أجل تحديد الثغرات التي يجب ملؤها، فيقول: “الرواية البدائية التي تقصّ لتلذّ، ثم التي على الحُبّ البالغ من قوّته حدّ التدلّه بالموت؟ إنهما في المنتظر. والتي تُحلّل حتى لتُسلّمك خيط الحياة؟ إنها لم تولد. والتي تنفض الكفن عن حضارة؟ إنها بدأت مع زيدان، ولكنها كانت فقيرة كلّ شيء. أما الآخذة بمبدأ “الفوضى الجميلة” وقل بأهواء الحياة العصرية، فقد نهضت على قدمين. متى تصل؟ لا عليك. كلّ ما لك أن تعلم أنها مشت” .
في علم اجتماع الرواية، يلجأ سعيد عقل إلى المقارنة ليصل إلى الحالة الراهنة لتطوّر هذه الظاهرة المحددة من الممارسة الاجتماعية الفكرية. وفي النقد الملتزم، لا تكفي مراقبة بسيطة، بل ينبغي الدخول في تصميم الطريق الذي يرى سعيد عقل أن على الروائيين اللبنانيين انتهاجه للحصول على سمعة عالمية، والتقدّم بالنهضة في هذا النوع الأدبي، وإعادة النفحة إلى النشاط الفني في بلده، تلك النفحة التي فقدها منذ زمن طويل.
وعندما قَبِل عام 1958 أن يكتب تمهيدًا لقصة نبيل خوري “المصباح الأزرق”، فلأنّ هذه الرواية “تملك هذا العنصر الأساسي الشهم الذي من أجله كانت القصة” ، وهذا ما يجب أن يشكّل القاعدة الوحيدة للرواية. بالنسبة إليه، جوهر الرواية متأصّل في وجودها ولا يسبقه، إذ يقول “في البدء كانت القصة لتكون” . فالموضوع موجود في كينونة القصة، وهو “أنها تُقرأ. في ما بعد، بعد مولدها بزمن طويل، طُلب من القصة أن تحلّل نفسيات، أن تبني أمماً، أن تدلّ على غدٍ أروع، أن تكون وحدة التناقض…” . إذا حدّدت كينونة الرواية جوهرها وخلقته، فإن تطوّرها يشهد منحنى داخلياً “إنها ممّا هي بذاتها ومما كان قبلها” .
ولكن منحنى التطور في الرواية ليس خطياً، فهو يتناسب مع اتساع حقل الأحداث والتأثرات. تُخلق الرواية من نفسها ولنفسها، بعيدة عن كل الفنون الأخرى، ومؤكدةً شخصيتها الجوهرية والمستقلة. وما إن تثبت أصالتها ويُعترف بها، تنطلق لتعانق مجالات أخرى وتتبنى تقنيات معرفية أخرى (كالفلسفة وعلم الاجتماع والسياسة والدين…). كانت الرواية مع “دافنيه وكلويه” محصورة في حقل محدود هو حقل الحبّ الساذج.
على عكس الشعر الذي يروي حالة الحبّ، تحكي الرواية قصته وتكوّنه والتناقضات وصولاً إلى النهاية أو موت هذه الحالة. وقد لزم الرواية قرون، بنجاحات وإخفاقات، لتصبح في القرن التاسع عشر مع بالزاك (Balzac) وفلوبير (Flaubert) الحكاية المكثّفة لمجتمع أو وسيلة لاستثمار حالات النفس البشرية. ولكن على الرغم من أن تطور الرواية رافقه توسّع مجالها، فقد حافظت، من خلال جدليتها التراكمية وتمحورها حول الحبّ، على صفتها الأولى من السذاجة.
ب‌- الرواية: تجربة الحياة
تماماً كالحياة، “القصة فن رحب، وحدها أبت أن يوضع لها أصول” ، إنها التجاوز المستمرّ. في تمهيد رواية عبد الله حشيمي “جبل الآلهة” (1959)، يثور سعيد عقل ضد “رواية المختبر” التي تنسى، حين تغرق في التحليلات الفلسفية، صفتها الأولى من الشفافية والعفوية ، وذلك عيب تفاداه كاتب “جبل الآلهة” ببراعة. الحداثة الضرورية يجب ألا تنكر أصل الرواية وسبب وجودها، بل عليها أن تستفيد منها وتتكيّف معها بما يحفظ سذاجة الموضوع . وحتى تنشأ الرواية، عليها أن تكون في علاقة مع الطبيعة وتتجنب التجربة: “إنسان من الرعيل الذي كانت الدراسة في عهده إثراءً للأنا لا تضخيماً للمقتنى. فإن واجه القصة في عهد الطفرة، لم “يدخل في التجارب”، وإنما ظلّ يؤمن بأن في الكلاسيكية مرابع لا تنفد، وعلى الأديب العليّ العظيم أن يكتشفها استمراراً” .
مثل كل فن، فالقصة ببساطة منطوقها تنطلق بأناقة، ليجتمع في القارئ اثنان معاً “الشعور بالجبروت والانسحار بالأناقة” . وينبع تأثير الرواية في القارئ من شموليتها الجهنمية “القصة أكبر من بحر، إنها الجحيم. فوضى ونار. لهذا تراها لا تستريح في الهدوء. النار شرط فيها ولو هي وصفت السماء” . إن التحفة التي ستجمع القصة إلى الشعر في تأليف أخاذ لم تزل في التوق ، وتبلغ قمة الفن حيث “يبرقع الموقف العنيف برمزية تقول الشهوة، والأضلاع الملتوية، وقهقهة العهر، وكأنها لا قالت ولا خدشت ذوقاً” .
ت‌- مهمة الرواية
الرواية تعبير عن نشاط إنساني معيّن، وهي من خلال إدراكها الخاص، تعيد بناء ممارسة اجتماعية محددة. ولأن عليها أن تترك تأثيراً في القارئ، عليها أن تملك مهمة وطابعاً أخلاقيين كلما كانا ضمنيَّين زادا قوّة، وإلا سقطت في أدب الأطروحة أو أسوأ من ذلك في التبشير (missionnarisme) غير المفيد لأنه لا يتوافق مع بنيتها الفنية. على القصة الحقيقية أن “تقول الشرّ لتبعد الناس عن الشرّ. ولكنها تفعل دون أن تحطّم الإنسان الشرير” (وهو شخصية القصة). وهكذا يصالح الجيّد بالجميل إذ يربطه بمفهومه اللاهوتي/الميتافيزيقي في هذا المجال.
من هنا، يصبح الفن الروائي، كما لاحظه عند أندريه جيد (André Gide)، تجسيدًا للفكر نفسه حيث “الريشة التي تتناول أدقّ الخواطر تعيده جسداً نابض الحرارة” . والرواية لا تحمل مهمة أخلاقية ولا تشكّل تقمّصًا للفكر إلا إذا استطاعت أن تحافظ على سذاجتها الأولى وأن تلبّي الشروط التي يتطلّبها فن القصّ. فالجميلُ ينتج الجيّدَ ويعيد الجيّدُ بدوره إنتاج الجميل. أما الأسلوب، فيعود إلى الإنسان.
خلاصة
كان الهدف من هذه الدراسة إلقاء الضوء على جانب مهمّ من النشاط الثقافي لسعيد عقل أُهمل من قبل الدارسين. وقد كشفنا أن خلف سعيد عقل الشاعر مثقّف يتمتّع بثقافة أدبية واسعة ويمتلك نظرة نقدية ثاقبة في أمور الكتابة الإبداعية. إذ لا يجوز اختصار نشاط شاعر كبير بشأن لغوي ثانوي أو ببضع مواقف سياسية غير ذات أهمية تخرج عن صراط الاقتناعات العامة، وإغفال نتاج يسهم في تطوير المخزون الثقاقي الأدبي لبلدنا.

هند اديب

عن هند اديب

أستاذة الأدب العربي الحديث في الجامعة اللبنانية-من أعمالها: "المتنبّي في عيون قصائده"، "شعرية سعيد عقل"، "طرابلس، مدينة كل العصور"، والعديد من الأبحاث والدراسات في مجلاّت محكّمة.

شاهد أيضاً

4f206c07-d7be-47a7-a721-3afb23d23442

في “أرق الروح” ليمنى العيد

في “أرق الروح”، السيرة الروائية للدكتورة يمنى العيد، ثنائيات متعارضة تتجلّى بوضوح في جدل الأطراف، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>