الرئيسية / العدد 12 / الشيوعي ليس رمادياً

الشيوعي ليس رمادياً

Print pagePDF pageEmail page

1298027_f1024

في مقالته، المعنونة “نقاش في مساحة الرمادي”، والمنشورة في العدد العاشر من مجلة “الطريق” لصيف 2014، ركّز الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني د. خالد حدادة على أزمة الحزب من خلال تحليله وتوصيفه للواقع الحزبي ربطاً بالسلوك الداخلي والوضعين العربي والدولي.

بملاحظة أولية على المضمون يمكن القول: لقد امتلك د. خالد الجرأة في المبادرة (كعادته)، صرّح ولم يلمّح. تتفق أو لا تتفق معه المسألة هنا ثانوية. المهم هو النقاش الواضح والمطلوب من كل من يمتلك، ولو مجرد فكرة، قد تساهم في بناء منظومة فكرية تساعد الحزب الشيوعي على أخذ موقعه الطبيعي في الحياة السياسية. لقد لامس في متن المقال، أزمة الحزب السياسية والتنظيمية، بالرغم من دخوله في نقاشٍ مطولٍ مع “حزبيين” كان بالغنى عنه. الكلام الصادر عن الموقع الأول في الحزب يكتسب أهميته بحكم النظرة الكلية للأمور وكيفية إدارة الحياة الحزبية. لقد طُرحت في المقالة مجموعة قضايا يمكن مناقشته فيها وأخرى ستشكل مادة أساسية في نقاشات المؤتمر القادم.
تأسيساً على ذلك، ومن موقع الاهتمام الذي شكلته المقالة، وبقصد المساهمة، ولو بشكل متواضع، في الورشة الفكرية- السياسية والتنظيمية تحضيراً للمؤتمر الحادي عشر للحزب، سأتناول بعض القضايا المتعلقة بما ورد فيها أو بقضايا أخرى ذات صلة، لكن قبل الشروع في هذه المهمة، سأتوقف عند تفصيل بسيط من خلال إيراد ملاحظتين وجدتهما ضروريتين في سياق نقاشنا:
– إن “الرمادية” لا تصلح إلّا في عملية “مزج” بين لونين، أو لنقل، إنّ مسببها هو وجود آخرين متناقضين في الشكل والمضمون، وبذلك تصبح عملية الخلط بينهما “إسقاطية” لواقع يُراد منه تبرير أو خلق مساحة من “اللا-موقف” في مجمل ما يطرح من قضايا.
– إن النقاش في الأزمة الحزبية، أو ما يرتبط منها بواقع وموقع وعلّة وجود الحزب الشيوعي في لبنان، من قبل أصحاب الحزب أنفسهم، أي أعضاؤه، يتّسم، في الكثير من الأحيان، بالارتجال أو لنقل “بردّات” الفعل على فعل أو افتراضه أو لمجرد تأكيد وجود “رأي”. لن أكون هنا في معرض الإدانة أو الرفض لهذا النقاش، وإنما لأقول: بأن الجهد المضني جسدياً وفكرياً على المُناقش والمَناقش معه، يكون أفعل وأنتج إذا ما استُخدم في إطار محدّد ووجهة صحيحة. هنا، أرفض مقولة بأن الحزب مأزوم، بل وجب القول، بأن الحزبيين مأزومون. وبذلك نخفّف عن الحزب حمل وزر أخطائنا، وبالتالي نتحمّل نحن تقصيرنا وتهربنا من المسؤولية.

في انتفاء الحدود الواضحة
إن طبيعة الصراع السياسي هي انعكاس حقيقي وجدّي لطبيعة اختلاف المشاريع وتَنَوّعها، واستنتاج لاختلاف الهوّيات التي تحملها أو تُعبّر عنها. فمن أجل انتظام الحياة السياسية من الضروري أن تكون حتمية الاختلاف مرتبطة بالبرنامج والسلوك والممارسة وبالجو العام الحاضن والمكوّن لها. وبدون أدنى شكّ لا تأثير لتلك الصراعات على المسار الديمقراطي ببعديه المفهومي والسلوكي، ومن خلاله يمكن إرساء مبدأ التعدّد القائم على التنوّع واحترامه. فالصراع التناقضي القائم على التعددية المرتبطة بالمشروع السياسي لا يمكنه أن يشكّل أي خطر على الحياة الديمقراطية، وعليه يمكن بناء حياة سياسية منتظمة من حيث الشكل والمضمون.
هذ الواقع يجعل المواطن أمام سهولة مطلقة في انتقاء الخيارات الملائمة له ولطموحاته، وعلى أساس تلك الملاءمة يتكوّن وعيه الجماعي أو الخاص الموصل إلى العام المرتبط بكيفية الاختيار بين المشاريع المطروحة وسبب ذلك. وعلى أساس الانقسام حول الخيارات المتعددة، وفقَ شرطَيْ الوضوح والتناقض، تصبح عملية طرح شعارات مثل التغيير الاجتماعي أو السياسي أو الطبقي … “شرعية” ومشروعة أمام المواطنين لاختيار ما هو أنسب لفئة منهم أو لأكثريتهم، أو لأي مجموعة بغض النظر عن أي انتماء سابق من حيث الموروثات التاريخية أو الاجتماعية. إن وضوح الخيارات وملاءمتها للواقع تجعل العملية السياسية سلسة، منتظمة ومتفاعلة لإنضاج مشاريع سياسية مؤسسة لحياة عامة خارج الأطر التقليدية المتعارف عليها كالانتماء القبلي أو العرقي أو الطائفي أو العائلي…
بالعودة إلى فكرة الصراع السياسي، فهي فكرة قائمة على تناقض المشاريع والهويات السياسية وارتباطها بالقضايا التي تدخل في نطاق تنظيم الحياة السياسية وتكوينها عموماً. إنها فكرة يجب أن تكون قائمة على الوضوح، في المشروع والهوية والقوى والأساليب والحدود الفاصلة فيما بينها. لذلك، فإن ضرورة وجود الحدود الفاصلة في ذاتها، هي قضية مرتبطة، بدورها، بوضوح الرؤية السياسية أو أقله الرؤية “الضرورية” لتبيان خطّ “الفصل” في المشروع السياسي؛ أي إنّ ضرورة التعارض تستوجب ضرورة الوضوح في النوع والحد الفاصل، وعلى هذا الأساس يصبح الصراع السياسي واضحاً ومطلوباً نظرياً وعملياً. وإن انتفاء أي من تلك الأسباب المكوّنة للصراع السياسي تُفقد هذا الصراع ذاته علة وجوده. على هذا الأساس يشكل التناقض الواضح الحد الذي يصعب العبور من خلاله من جهة إلى أخرى دون عوائق أو موانع، لأنَّ الانتقال من مكان إلى آخر في مجال السياسة لا يجوز، وتحت أيّ ظرف، أن يكون سهلاً وغير ذي أهمية أو تأثير. هذا مؤشر إلى غياب المبدئية في طبيعة المشاريع وهوية حامليها. إنّ صعوبة الانتقال هذه تُعبّر عن جذرية القضايا وصدق من يمثلها، وأي تخفيف لأي من تلك المنطلقات هو تخل عن شرط ضروري من شروط الصراع السياسي وانتظامه، والذهاب فيه إلى صراع فوقي مرتبط بتبدل في مواقع عليا نتيجة توافق مصالح طبقة ما سياسية أو اقتصادية مرتبطة بأخرى أو برأس مال أو بارتباطات بعيدة كل البعد عن المشاريع والبرامج السياسية.
إن حالة انتفاء تلك الحدود الواضحة تؤدي، بدون شك، إلى بروز مجال كبير يغطي أكثرية المساحة السياسية، ويتمتع بامتداد كبير وبلون يميل كثيراً إلى الرمادي “المحيّر”، يأخذ لون الطبيعة السياسية المناسبة له، تارة يميل إلى التناقض الأبيض وطوراً إلى التناقض الأسود، أي يأخذ ما يمكن أن نسميه منطقة “اللاتوازن أو انعدام الوزن السياسي” المرتبط بأكثرية مكوناته بمصالح شخصية أو سلطوية لا تفيد إلّا أصحابها أو بخدمة آخرين. هذه المنطقة تمثل أساساً الخطر على الحياة السياسية أولاً وذلك لإضفائها، نوعاً من سياسة غير مرتكزة على قاعدة وأساس واضحين، وثانياً على طبيعة وأصل وكينونة الصراع السياسي وأدواته واستهدافاته، وثالثاً على الهوية السياسية التي تنتفي حاجة وجودها لعدم الضرورة وأخيراً على القضية السياسية التي تفقد قوة وجودها وضرورتها مما يؤدي إلى ضياع أي فرصة حقيقية في إحداث أي خرق في بنية النظم أو في مجال التغيير الاجتماعي القائم على الهوية والتناقض والحد الفاصل والقضية السياسية، وبالتالي ستنتفي موجبات جميع أنواع الصراعات السياسية الواضحة والبنّاءة.
إن تلك الحالة هي إعدام وبالمجان لأي حالة تغييرية حقيقية واستبدالها بنوع من التداول الفوقي لسلطة فقدت هي أيضاً الكثير أو فُرّغت من الكثير من محتواها وضرورات وجودها لمصلحة واقع مشوه وهجين ما بين سلطة فارغة ومشاريع وهمية وخطوط غير واضحة ونتائج مسبوقة الدفع والمعرفة. هذا الواقع يؤسس لحالة هيولانية في المشاريع والرؤى ولكن لا وجود لها عملياً وواقعياً، كما يؤسس لوجود حالة من العقم في إنتاج الأفكار لانتفاء الحاجة إليها كما لعدم وجود الدافع، وبذلك نقع في فخ التكرار واجترار الأفكار وعدم التجديد والغموض في المشاريع وانعدام رؤية في البدائل المفترضة على أكثر من صعيد وقضية. خطورة هذا الواقع هي ظهور مشاريع سياسية تستفيد من الغموض أو من اللون الرمادي لكي تنمو وتأخذ لها موقعاً متقدماً في الحياة السياسية واستكمالاً الاجتماعية. لا يمكننا هنا إلّا التأكيد بأن سوء استخدام الصراع السياسي وحرفه عن السياق الطبيعي المرتبط بالقضية السياسية هو المُنتج لكل حركات التطرف على اختلاف أنواعها واتجاهاتها في المشهد السياسي. لقد استفادت القوى المتطرفة من حالة انعدام الوزن السياسي ومن انتفاء أو تآكل المساحة الواضحة والخط الفاصل ما بين القوى والمشاريع، مما أعطى لها دفعاً لتكوّن أو لتحجز أو لتأخذ موقعاً متقدماً وحيزاً أساسياً في المكان والزمان كما في القضية والخطاب السياسي. إن خطورة هذا المستجد تكمن في استمالته للكثير من المواطنين إلى مواقع متطرفة في السياسة وفي الاجتماع؛ وما ازدياد كل تلك المجموعات المرتبطة بالتطرف السياسي ما بين اليسار واليمين بالمعنى التقليدي، وصولاً إلى الحركات الدينية والعرقية والإثنية والقومية والشوفينية… سوى دليلٍ قاطعٍ على ذلك. لقد انتهج متزعّمو تلك التيارات والمجموعات خطاباً منسجماً مع منطلقات كل واحدة منها، وأفرطوا في الكلام عن الثورات والتغيير الانقلابي، ووجدوا الأذن الصاغية عند جمهور واسع، وغالوا في الوطنية الكيانية والشوفينية مستفيدين من سياسات خرقاء ونماذج فاشلة في إدارة الواقع والسياسات العامة، واستفادوا من خطاب “غيبي” استفاد هو بدوره من حالات انهيار مرتبطة بالسياسة أنتجت وللأسف، نوعاً من الفراغ الأيديولوجي، فاندفعوا لتعبئة المكان والزمان، مستفيدين من سياسات وسلوكيات أغرقت العالم في دوامة الحروب والصراعات وغيرها ولكن من نوع آخر…

في السلوك وطبيعة الصراع
لقد استفادت هذه القوى من كل هذا الواقع المتناقض والمضطرب، ومارست السياسة من باب الإفراط في التناقض ولكن ليس من باب الحرص على القضية والموقف السياسي، ولا من أجل التمايز في طرح المشاريع المرتبطة بمصلحة شعبية أو نتيجة لظلم ما أو لسياسة معينة، وغالى تابعوها في طرح القضايا الخلافية المرتبطة بالدين والعرق والطائفة والمذهب وعلى ذلك خاضوا حروبهم، كما أفرطوا في طرح القضايا المريبة في النوع وكذلك المكان والزمان من خلال طرح مواضيع متعلقة بالهوية الوطنية أو الاندماج المجتمعي أو صراع الحضارات أو غيره، فأنتجوا حركات انعزالية في الخطاب والممارسة، وأرسوا حالة من التوتر الاجتماعي المتصلة بتوتر وسلوك مؤسس يؤدي إلى مزيد من التوترات على غير صعيد. هذا الواقع أنتج خطاباً سياسياً مفرطاً في الشوفينية وأبرز “الأنا” المتزمتة المرتبطة بالانتماء العرقي أو المناطقي أو الاثني، و”الهو” المرتبطة بأي آخر خارج تلك الانتماءات. هذا ما أنتجه غياب الخطاب السياسي القائم على نفي الاختلاف في المشاريع السياسية أو غموض تلك المشاريع، كما استفاد هؤلاء من الخطاب السياسي الملتبس وحمّال الأوجه، كما استفادوا، وبدرجة كبيرة، من انفضاض الناس عن الكثير من الأحزاب التقليدية استنكاراً لممارساتها السياسية ولعدم وضوح رؤيتها للأوضاع ومقارباتها للقضايا، وكذلك من تجاهل الناس للعمل السياسي عموماً واستنكافهم منه نتيجة عدم إيمانهم بجدواه أو رفضاً له أو لعدم تضييع الوقت في أمور ليست بذات فائدة برأيهم.
في فترة سابقة، خصوصاً في العقدين الماضيين، وفي الكثير من الدول الأوروبية مثلاً، حدث العديد من حالات التقارب ما بين المكوّنين التقليديين للحياة السياسية اللذين طبعا طابع الحياة السياسية في القارة العجوز ردحاً من الزمن. لقد انتفت مثلاً حدة الطرح البرنامجي بين يسار كان يمثل طبقات اجتماعية فقيرة أو متوسطة ويمين تقليدي كان يتمتع بدعم رأس المال وبعض التراث الديني؛ سبب هذا الاندثار لفكرة الانقسام أو لفكرة التقارب لا فرق بين المعسكرين، كان مرده اعتماد الواقعية السياسية على ما يقولون. إن انهيار الاتحاد السوفياتي بالطريقة التي تمت، قد أعطى المعسكرين الذريعة المطلوبة، فتحول اليسار التقليدي تحت وطأة الذي حدث وفي ظلّ خطاب متسرع جداً إلى الانحياز أو الميل إلى وسطية اعتقد أنها ملجأه الحامي له مما جرى، كما يمكن أن تكون في الوقت نفسه تنكراً للانتماء أو للنأي بنفسه عن المنظومة الفكرية التي اعتقد أنها انهارت إلى غير رجعة. وكذلك فعل اليمين، وتحت شعار العولمة وانتصار نموذجه الليبرالي، إذ إنه اعتقد بنهائية هذا الانتصار واتجه نحو الوسط ليس لملاقاة اليسار وإنما لملاقاة جمهور كبير اعتقد أنه في ذاك المكان، وفي لعبة تداول السلطة بواسطة الانتخابات كان كثير الحاجة إلى مثل هذا الجمهور أقله عددياً.
أضحت الصورة واضحة: لا فرق في البرامج، ولكي لا نعمم، لا فرق كبيراً في البرامج السياسية بين اليسار التقليدي واليمين التقليدي إلّا في بعض القضايا المتوسطة أو البسيطة فقط. كما لا فرق كبيراً في طريقة التعاطي مع العملية السياسية، التي انتظم الجميع فيها باعتبارها تقوم على تداول السلطة بواسطة العمليات الانتخابية، بحيث إنّ نقاش البرامج الحقيقية غاب كثيراً واستبدل بنقاش فوقي أي بين “الكبار” في المعسكرين. لقد أصبح شكل المواجهة مرتبطاً بالإطلالة الإعلامية وفصاحة الكلام أو الشكل أو المظهر، وأصبح معه الإعلام ومراكز الاستطلاعات والإحصاءات… هي من تحدد الفائز وبوقت مبكر، وتشكّل الرأي العام الداعم أو الحاضن لهذا المرشح أو ذاك. هذا الواقع أدى إلى خلق نهج جديد في الحياة السياسية والفكرية، وجعل الأمور تتجه إلى مربعات مشتركة كثيراً بين معسكرين سلطويين لا فرق بينهما إلّا بمن سيتولى السلطة ولو اضطرت الظروف في بعض الأحيان إلى التحالف فيما بينها لمنع أي مكّون آخر من أن يتقدم ويحجز لنفسه موقعاً متقدماً يمكنه بواسطته أن يشارك في الكم. إن الناتج الأهم من اضمحلال المساحة ما بين المعسكرين هو صعود التطرف على اختلاف مستوياته من قوى سياسية واجتماعية وخطاب سياسي. مرد هذا الصعود ليس مرتبطاً بانتفاء المشروع السياسي وليس ردة فعل، وإنما لملء مساحة سياسية اعتقدوها أنها قد فرغت نتيجة غياب المشاريع الواضحة والقوى الحاملة لها. لقد انطوت الفترة السابقة على صعود مدوٍّ لبعض الحركات المتطرفة في السياسة والسلوك، ليس في دول العالم الثالث والمناطق التي تشهد حروباً، وإنما في قلب الديمقراطيات الغربية والمجتمعات التي تفتخر بتعددها وبتنوعها وبتسامحها الفكري والسياسي والديني والاجتماعي. هذا الصعود يُؤشر، وبكل تأكيد، إلى تغير حقيقي في المزاج الشعبي العام المرتبط من ناحية بتغير الحالة السياسية الداخلية لكل بلد نتيجة السياسات المتبعة والقوى التي تمثلها، ومن خلال الحالة العامة التي يشهدها العالم وطرق علاج القضايا والخطاب السياسي المواكب من ناحية أخرى. نحن أمام منحى جديد في السياسة والممارسة له أسبابه ونتائجه.

على تخوم الرمادي
إن الخطاب المتطرف وخصوصاً اليميني منه قد استفاد من تجربتين في السياسة، الأولى هي انهيار مشروع اليسار عموماً وعدم تبلور البديل الجديد أو المتجدد، والثاني مرتبط بسياسات اليمين التقليدي الحاكم أو الموجود في السلطة حيث حاول تحت وطأة المتغيرات التقرب من الوسط لجذب كتلة اليسار إلى صفه للاستفادة الانتخابية مما جعله يتسامح ببعض القضايا التي يمكن التنازل عنها “كطعم” لجذب الناخبين. هذه الحالة جعلت اليمين المتطرف يقتنص الفرصة للانقضاض، بشعارات متطرفة وبخطاب تخويفي من الآخر، على الحياة السياسية ومن باب التطرف في القضايا وفي الخطاب السياسي. هذا المستجد قد أعاد وبدون أدنى شك، رسم الحدود الفاصلة ما بين المشاريع السياسية وإن بشكل بسيط ولكن، وفي الوقت ذاته، بطريقة مختلفة عن السابق من حيث الطبيعة والقوى والقضايا. لقد تمّت إعادة تحديد للخريطة السياسية فأصبحت تضم قوى كانت مغمورة أو غير ذات وزن سياسي في الواقع العام، عادت بوضوح من خلال النتائج التي حصلت عليها في العمليات الانتخابية، ومن خلال الخطاب السياسي الذي استجد، وكما قلنا بطبيعته وقضاياه. وهكذا أصبحت القضية، حالياً، قضية ألوان مرتبطة بطرفي تناقض ولون مشترك في الوسط. فإذا كان التطرف قد شغل القطبين من المساحة أو الطرفين فإن الوسط أو مساحة الوسط ظلت مشغولة بتقارب مريب بين معسكرين سلطويين وجدا مساحة اتفاق جديدة، وهي كيفية التواطؤ ولو غير المعلن لمحاصرة المستجد، ليس بداعي منع التطرف وإنما للمحافظة على تناوب ما على رأس السلطة. للأسف قد أعطى هذا السلوك دفعاً إضافياً لتلك القوى لتحسين مواقعها كما عمّق أزمة المشاريع السياسية وغيّبها كلياً عن مسرح الحياة العامة.
لقد تميزت الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي بالتركيز على الخطاب والقضايا الخلافية المرتبطة بأمور بعيدة عن السياسة التقليدية والمتعارف عليها. فمن صراع الحضارات ونهاية التاريخ في الخطاب الأيديولوجي لمنظري العولمة السياسية ومبشريهم، إلى نقاش الهوية الوطنية في فرنسا أو قضية المآذن في سويسرا أو الرسوم الكاريكاتورية في الدانمارك أو مسألة الأقباط في مصر أو يهودية اسرائيل أو قضية رواندا أو نيجيريا أو التيبت، مروراً بالعراق وأفغانستان والهند والشرق الأوسط وغيرها… شريط، لا بل خط مرتبط ومربوط بسلوك سياسي أصبح واضحاً باستهدافاته وحكماً بنتائجه.
إن التركيز على تلك القضايا جعل آليات النقاش تتغير وتبتعد عن المتعارف عليه. لذلك فإنّ التركيز على فكرة الهوية الدينية أو الوطنية المرتبطة بالكيانية الضيقة قد جعل قواعد اللعبة تتبدل وتتغير لمصلحة الخطاب السياسي الأكثر تطرفاً، بحيث أصبح من يمتلك ذلك الخطاب المثير للغرائز المرتبطة بالدين والعرق والمنطقة والكيان، هو الأكثر شعبية والأكثر تأثيراً، وذلك على حساب الخطاب المرتبط بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ومسألة التحرر والتحرير، ومواجهة التشوّه الحاصل على مستوى أكثر من قضية وفي أكثر من مكان. هذا الخطاب أسّس لنمط جديد في التعاطي قائم على تحويل الخصم إلى عدو يستوجب التعامل معه على هذا الأساس، ولذلك رأينا كيف أن العنف تحول إلى الوسيلة الأمضى والأسرع للتعبير عن الرأي والرأي المضاد في أكثر من قضية حول العالم.
لقد تم وضع المواطنين الواحد في مواجهة الآخر ولو كانوا يتقاسمون البلد نفسه أو المكان المشترك من عمل ومدرسة وحيّ وبناية. لقد وضعوهم متقابلين ومتناقضين حول الأصل والهوية والدين والعرق والإثنية والثقافة… وليس حول سبل مواجهة الفقر وتأمين الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم وإيجاد فرص العمل والحياة الكريمة… لقد أدى هذا الواقع إلى نمو حالات من الفرز القائمة على “النحن” و”الهم” المرتبطة بالأصل والدين، ونمت مجدداً فكرة الكره والحقد المتبادلين، واستُحضر التاريخ بويلاته ومآسيه، فذهب كل فريق إلى نبش أكثر الفترات السوداء التي لطالما اعتُبرت منتهية وتخطاها الزمن والوعي الإنساني كمواد للمتاجرة السياسية وحالات الفرز. لقد طغى الخطاب العنصري على مسرح الحياة السياسية في العالم، وما فكرة “الأنا أولاً” المرتبطة بالشخص أو الدين أو العرق أو الدولة إلّا دليل على الواقع الحالي. وما يثير الاستغراب أن تتحول فكرة التعددية إلى فكرة أساسية في عملية التفتت الاجتماعي وتوتير الأجواء بدل أن تكون جامعة لخطاب سياسي وسلوك مرتبط بالتنوع والغنى، وكذلك الديمقراطية التي، بدل أن تكون الوسيلة لإنتاج رأي عام متفاعل بالطريقة والسلوك أصبحت “وسيلة استخدام” للإقصاء والتهميش والنفي في لعبة مصالح سياسية ضيقة تُستعمل حسب الطلب، ووفق ما تقتضيه مصلحة من يحكمون الحكم. لقد طغى الخطاب السياسي المرتبط بالتقوقع “والكنتنة” على الخطاب الجامع المرتبط بالقضايا والمشاريع الكبرى.

إلى المنطقة الحمراء
من هذا المنطلق وأمام استشراء هذا الواقع المشوه في قضاياه وآلياته لا بد من التفتيش عن بديل آخر للحياة السياسية وامتداداتها، وعلى أساسه يمكننا وقف التدهور الحاصل. إن الأمور المتجهة في هذه الأثناء نحو المواجهات الحادة ذات الأبعاد الطائفية أو الكيانية أو المذهبية أو العرقية يمكنها أن تؤدي في نهاية المطاف إلى الانهيار الكلي للنظام العام المرتبط بأشكال الحكم والانتظام، وإلى سيادة نظم أكثر رجعية؛ فإذا كان فالتر بنجامن قد قال: “إن وراء كل فاشيستية ثورة ضائعة” فإننا نقول إن وراء كل قضية تثار في هذه الأيام، من طبيعة القضايا السابقة الذكر، رأسمالية متجددة تسعى إلى استكمال سيادتها وهيمنتها على ما تبقى من مقدرات اقتصادية وأخلاقية.
ما العمل؟ قول لينين هذا، وإن مرّ عليه قرنٌ من الزمن بدون إجابة، لم يتقادم بعد، حيويته مرتبطة بضرورة طرحه في كل محطة. فعلى أبواب المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي اللبناني تصبح الأسئلة ملحة وذات أبعاد مختلفة. نرتكز على ما ذكرناه ونتوخى الإطلالة على بعض المواضيع، لأنّ امتلاك الإجابات عن كم الأسئلة تبقى بين مجموع المهتمين من شيوعيين وأصدقاء وأصحاب اختصاص في جو من المسؤولية والجدية والموضوعية. إن التأكيد على الموقف المستقل للحزب يجب أن يبقى من أولويات النقاش، وهذا الموقف هو الذي يستطيع المحافظة على كيانية الحزب وهويته السياسية. أود مقاربة هذا الموضوع من زاوية الهوية الطبقية، والتي أصبحت مؤخراً غير واضحة وجلية؛ إذ لا يمكن للحزب الشيوعي إلّا أن يكون مُمثِلاً لفئة من الناس، والقول “بأننا حزب الشعب اللبناني” أظن فيه من التعميم ما يجعله خالياً من المضمون. المقاربة الطبقية للحزب تجعل البرنامج السياسي عامل نضال وفعلاً يومياً حول قضايا ومهام محددة وواضحة، وهذا يستوجب أيضاً تحديد مفهوم الطبقة. لا يكفي القول بأننا حزب الطبقة العاملة، لأن هذا التوصيف بحاجة إلى إعادة تحديد، فمن تكون الطبقة العاملة؟ وأيّ تعديل طرأ عليها؟ فئات الفقراء من مزارعين وأجراء ومياومين، فئات الطلاب والمعلمين وأصحاب الدخل المحدود؟ عاملون في القطاعات المتنوعة، موظفون إداريون… كل هذه الأمور بحاجة إلى التدقيق والتوصيف. بهذا التوصيف نستطيع مواجهة المستجدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا يمكن فصل أي منها عن برنامج العمل اليومي، ولا عمّا يحدث في العالم من إعادة تكوين “للمكان العام” وقضاياه، وعملية برمجتها باتجاه مناظير جديدة. هذا الواقع المستجد يفترض مقاربة أخرى للموقف السياسي الذي يجب أن يكون ناتجاً من موقف معارض ورافض للموجود، بمستوياتٍ ثلاثةٍ: السياسي والهيمنة الإمبريالية الأمريكية، الاقتصادي وهيمنة العولمة ورأس المال، الاجتماعي ومحاولة تحميل الفئات الشعبية مسؤولية الأزمات الاقتصادية ونتائجها. مجموع هذه القضايا تُوجب علينا اتّخاذ الموقف المنحاز للذين يعانون البؤس الرأسمالي أينما كان وأينما كانوا، متظللين بمنطق النقد البناء والواضح، حاملين مشروع البديل دون مواربة أو تبريرات. كما يجب الانتباه إلى نمط الخطاب السياسي المواكب للموقف شكلاً ومضموناً من خلال الابتعاد عن التعميم والاسترسال، خطاب يتابع القضايا، ويتخذ موقفاً منحازاً إلى المتضررين دون الإكثار من الشعارات أو الكلام القابل للتأويل أو حمّال الأوجه. خطاب الحزب الشيوعي يجب أن يكون للغد وليس للماضي، لأن ما يميز عمل الشيوعيين هو علميتهم وموضوعيتهم، ومتى انتفت هذه المواصفات انتفت علّة وجود الحزب الشيوعي أساساً.
“الفكرة مقابل الفكرة” و”القضية مقابل القضية” هي مقاربة مطلوبة في السياسة والسلوك. إن الإكثار من المفاهيم التي تأخذ بالثنائية شكلاً ومضموناً في الخطاب السياسي الحالي ما هو إلّا دليل على النية الاستغلالية لهذا المفهوم، من خلال إيجاد الذرائع والسلوكيات المتناقضة لوضع الرأي العام أمام خيارات محددة باثنين: إمّا “معي وإمّا ضدي” أو من “معنا ومن مع الآخرين”، وبذلك تُختَصر المسافات وتُحدّ في أكثر الأحيان بحدّ ضبابي أو رمادي أو “مشتبه فيه بين طرفين”، هما في كثير من الأحيان من الطبيعة نفسها، أو أقله، متفقان بحكم النتيجة المترتبة على الفعل. على هذا الأساس، تصبح مقاربة القضايا من زاوية الفكرة مقابل الأخرى، والموقف مقابل الموقف فاتحةً للخيارات في اتجاهات متنوعة، ومعها نستطيع تلمس الأبيض من الأسود في الممارسة السياسية والمنطلقات الفكرية. اعتمادنا على عملية القطع المعرفي في مقاربة الأمور وفصل النيات عن الأعمال، أي بمعنى أوضح محاكمة “الفعل” وليس النية أو الافتراض، يضعف حجة المتاجرة واللعب على وتر الاستخدام والاستغلال المعرفي وغيره، بحيث تصبح المساحة الفاصلة بين خيارين مساحة واضحة ومحددة وفاسحة في المجال أمام اختيارٍ واعٍ ومسؤول… بهذا النهج والمنطق يجب فصل القضايا ومقاربتها والعمل عليها، إذ لا يجوز الإبقاء على حالة الغموض كأساس للخطاب السياسي المستخدم. خطورة هذا السلوك تكمن في جعل القضايا كافة خاضعة لتأويلات مرتبطة بالظروف المحيطة التي تكون بأكثريتها لمصلحة النظام الحاكم. من هنا يجب أن يأخذ التدرج والترابط الموقع الأساس في عملية البناء التي تفترض حتماً آلية محددة وواضحة. ومنطق الآلية يجب أن يأخذ في الاعتبار القضايا التالية وبالتتابع:
– الاحتفاظ بخط الفصل بين القضايا أي بين المشاريع السياسية؛ بقاء الخط واضحاً يعطي الصورة الحقيقية لطبيعة الصراع مع وضوح في برنامج المواجهة. هذا أساسي، ومتى تحقق، فإن بداية إنضاج المشروع السياسي تكون قد بدأت.
– إيجاد القوى الحاملة والرافعة للمشروع السياسي. قوى صاحبة مصلحة حقيقية تستطيع حمل لواء السير فيه، وهمّ تبعاته، وكيفية استخدامه واستثمار نتائجه. إنها بكل بساطة إيجاد مناضلين قادرين على تحمل موجبات ظروف أو صعوبات عمل يتطلب مجهودات وتضحيات كبيرة. لكن متى توافرت العناصر المقتنعة تصبح المهمة أسهل.
– إيجاد الحاضنة الاجتماعية القادرة على تأمين البيئة الملائمة والتربة الصالحة لنموه وتنميته. أما شرطا وجود البيئة أو الحاضنة أو الأرضية فهما الاقتناع المتبادل بأن هذا المشروع السياسي هو فعلاً يلبي طموحات وآمال هذه الفئة أو تلك، والثاني هو الوضوح المطلوب في طبيعة المشروع السياسي نفسه بالتعبير الواضح وغير الملتبس عن الهم السياسي والاجتماعي لهذه الجماعة أو تلك. ومتى وجد الوضوح كانت المهمة أسهل وظروف نموها ونجاحها أفضل.
– خلق ذهنية العمل مسألة جوهرية إذ لا يمكن السير بالمشروع السياسي دون إيجاد الذهنية المتمتعة بالقدرة على التفاعل مع الأمور والقضايا الموجودة بطريقة علمية ومجدية وفعالة. هذه الأمور تتطلب عملية “قطع” بنيوية وأساسية وحاسمة مع أساليب وأرضيات وذهنيات ثبت عقمها أو فشلها أو عدم جدواها. لا يجب استخدام التقليد أو التماهي مع تجارب دون توافر الظروف الملائمة لها. هذا القطع إذن مطلوب وضروري في عملية بناء المشروع السياسي وفي عملية تنفيذه.
– احترام آلية العمل وكيفيّته وحتى أسلوبه لأنه، وفي ظل تنوع القضايا وتعدّدها وانتشارها، لا بد وأن يكون لدينا أكثر من طريقة أو مكان أو أسلوب. في حين تبقى ضرورة التنسيق على قاعدة الاحترام مسألة أساسية أقله اخلاقياً. من هنا يمكن أن يتم التأسيس لنمط آخر في مقاربة المشروع السياسي الواضح في ظل منطق التبادل القائم على الاستفادة الجماعية من مشروع سياسي واحد وموحد.
– التنظيم، بما هو أداة لتنسيق العمل، وإطار للمحاسبة بالاتجاهين، دون تغليب الطابع السلطوي أو الإلغائي على الطابع التعبوي. استخدامه يصبح جزءاً من الممارسة اليومية: يحدد المهام والصلاحيات، يتابع الأداء ويقيّمه ويتدخل حيث يجب. هنا سأستعيد قولاً للراحل مهدي خليل: ” …فالإطار التنظيمي هو أداة لتحقيق الأهداف، لا صنماً للعبادة. فلنكسر الصنم- الإطار إذا كان معيقاً، أو فلندفعه ليحتل موقعاً متقدماً يلبي طموحاتنا… لندفعه للتلاقي- ولا تهم التسمية للإطار التنظيمي الجامع – فلا نشترط جمعاً كمياً، وفق أنظمة وقوانين، بل المطلوب أن تتجمع الأفعال وإن كانت مختلفة الأدوات…”.
بمرآة عاكسة للتوصيف الآنف الذكر نسأل: أين تكمن أزمة الحزب الشيوعي في لبنان؟
لا بد هنا من التأني في طرح الموضوع؛ فالأزمة الحزبية، بداية، ليست مرتبطة بزمان أو بأشخاص معيّنين، هي أزمة ملازمة للحزب منذ وجوده، هي مخاض عُمُره من عمرِ الحزب، وإلا لماذا كان المؤتمر الثاني والثالث والسادس…. لا بد من تناول الأمر بعيداً عن المناظير الضيقة والشخصانية، ولنبادر ولو لمرة واحدة، وبجرأة إلى طرح القضية بمسؤولية وموضوعية. لا يمكن فصل أزمة الحزب عن أزمة البلد، حيث إنّ الرابط الموضوعي بين الاثنتين ليس في الطبيعة وإنما في المقاربة، وعندما نستطيع الإجابة عن سؤال: أي بلد نريد؟ نستطيع الإجابة عن: أي حزب نريد؟ فإذا كان مشروعنا السياسي قائماً على تغيير النظام السياسي واستبداله بآخر، يجب تحديد هذا الآخر بتفاصيله كافة، وبما أن الحزب هو الأداة الحاملة لهذا المشروع التغييري، تصبح مقاربة هذه الأداة ضرورية شكلاً ومضموناً لتبيان ماهيتها، وبذلك يمكننا القول إنّ الخيار السياسي أو المنطلق الإيديولوجي أو الفكري يناسبنا أمْ لا. لنقل، ولمرة واحدة وبمسؤولية، بأن جوهر الخلاف سياسي مرتبط بمقاربة القضايا وأحياناً كثيرة بغياب الرؤية، يكفي “التلطي” وراء الإجراءات أو السلوك لهذا أو ذاك للقول بأن هناك أزمة وهناك معترضين. نعم فليتحوّل النقاش والاعتراض على القضايا:
– أي نظام سياسي نريد؟ في ظل نظام طائفي متحكّم ومتمكّن، استعصاؤه نابع من طبيعته؛ طابعه مأزوم، لياقته في تجديد أزمته وتمديدها وفي سهولة استداراته وارتهاناته. سيطرته وديمومته من ضعف البدائل المطروحة. واقع يستوجب استبدال النظام القائم بآخر: وطني، ديمقراطي، علماني… دون تردد أو مواربة.
– أي مقاربة مطروحة للتحالفات؟ وجودها من عدمه، إن لم يقترن بقوى من الطبيعة نفسها وبالاستناد إلى مشروع سياسي يعكس الطبيعة المشتركة لقواه، تصبح “ادخاراً” لمواقف ستُوظف في لحظة من اللحظات في خدمة الاصطفافات الطائفية.
– المشروع المقاوم، ماهيته وآلياته؟ وضوح خياراته، أزمته المرتبطة بعدم ربطه بمشروع سياسي تغييري يأخذ نضالاته ويعكسها في تركيبة سياسية تبني نظاماً سياسياً على مستوى التضحيات….
– القضية الاجتماعية والاقتصادية؟ في ظل استشراء الفساد والمحسوبية، في ظل محاصّة لقمة العيش وتوزيعها على المذاهب، في ظل فقرٍ يغطي مساحة الوطن، أي مشروع بديل سيُقدم لفقراء لبنان، الذين أصبحوا، بالمناسبة، أكثرية الشعب اللبناني؛ فأين قضية العدالة الاجتماعية وبناء الدولة العادلة، دولة الرعاية… وحتى الاشتراكية…
هنا يستقيم النقاش وينتظم وكذلك الاختلاف، وعليه، على الشيوعيين أن يحسموا أي حزب يريدون وأي مشروع يحملون. من هذه العناوين يمكننا طرح السؤال التالي:
هل هناك ضرورة لوجود حزب شيوعي في لبنان؟
إنَّ هذا السؤال ليس موجهاً إلى أحدٍ بعينه، هو برسم كل الشيوعيين، الذين مضوا والذين ما زالوا ينتظرون، إلى الحاليين وربما السابقين (إن أرادوا)، إلى الذين ما زالوا متمسكين ببارقة أمل وبيرق يفتخرون بحمله، القابضين على جمر التحديات والمصاعب والمنتشرين في أربع جهات الوطن، وإلى الذين أصابهم داء “النق والنقار” والمرابطين ليلاً ونهاراً، فقط، على وسائط التواصل الاجتماعي لاصطياد خبرية أو شتيمة للنخر بها في جسم الحزب… إلى كل هؤلاء، ومن خلالهم إلى أصدقاء صدوقين ما فرّطوا يوماً بهذا الحزب، مهمة الإجابة، وليكن المؤتمر القادم على قدر التمنيات والآمال.
رفاق، إن فقدنا تواضعنا وصرنا نعيش حالة هذيان وضياع نصبح عمياناً أمام الأخطاء وكسالى أيضاً، فأبعدوا هذه الكأس المرّة.

عن حسن خليل

حسن خليل: باحث في الفلسفة - له عدة أبحاث منشورة في مجلات عربية ومحلية - صدر له: "ديمقراطية، عولمة... وحروب" 2010 - "قضايا قيد التكوين" 2011 - وبالفرنسية Démocratie Le grand Dégout 2011- La confusion des valeurs 2012.

شاهد أيضاً

a3071d51-d91b-4abe-a90e-e78178f388bf

مناضل في كل الساحات

تستعير “الطريق” هنا العنوان الذي وضعته صحيفة “السفير” لكلمة المعمار رهيف فيّاض هذه، وقد ألقاها ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>