الرئيسية / العدد 12 / في أزمة الحزب الشيوعي اللبناني: أسئلة قد تبدو صادمة

في أزمة الحزب الشيوعي اللبناني: أسئلة قد تبدو صادمة

Print pagePDF pageEmail page

47328941524028776
1- إستهلال.
أحدث أنهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية مع مطلع التسعينات، عصفاً عميقاً في أبنية الحركة الشيوعية في العالم. وطال العصف بالطبع الحزب الشيوعي اللبناني. فضرب في مشروعية وجوده النظري والسياسي حيث وضعه في دوامة أزمة مستعصية لم يخرج منها بعد رغم أنقضاء عقدين ونصف من الزمن على مفاعيل النهيار المذكور.
إزاء ذلك، تعاظم الحديث عن الأزمة من داخل الحزب ومن خارجه، وسال حبرٌ غزير من اتجاهات ورؤى مختلفة من أجل الوقوف على طبيعتها وامكانيات تجاوزها بصورة أو باخرى..
وأُرجعت الازمة في ضوء ما اشير اليه الى علل متعددة من مثل: التبعية الى المركز السوفياتي- منهج الإسقاط الإيديولوجي- غياب الديمقراطية- مسؤولية القيادة- طبيعة النظام الداخلي- الأزمة الطائفية… إلخ.
بيد أن هذه العلل تأسّست في أغلبها الأعم على مفهوم موصوف للأزمة، هو الذي حكم الى حدّ بعيد طبيعة المقاربة والتحليل وجعلها تتحرّك بين حديّن هما: أساليب الوصف الشكلانية وطرق التجريب الضيّقة…

2- في مفهوم الازمة.
الأزمة، في تعبير سوسيولوجي، هي تعطّل (أو كرْبجة) في آليات اشتغال بنية أو نظام أو مؤسسة في لحظة من لحظات تَطوّرها؛ أي أن المفهوم في ضوء هذا التعبير يتحدّد بنموذج تطوّري تأخذ به البنية أو النظام أو المؤسسة، ويعمل كل شكل من هذه الأشكال المجتمعية على محاكاته من داخل واقع مختلف عن واقعه الأصلي…
وحين لا تُحقّق تلك الأشكالُ النموذجَ التطوّري المنشود، تبرز أمامها الأزمة، وتأخذ في طرح الأسئلة عنها. تلك التي تنتمي الى مسار تطوّرها وفاق النموذج المستلهَم، وليس تلك الأسئلة التي تنتمي الى مسار واقعها بالذات…
على هذا، يغدو واضحاً أن علل الأزمة أو أسئلتها التي وردت أعلاه، قد طُرحت من باب المنظور التطوّري. ذلك أنها طُرحت من خارج الواقع، لا من داخل حقائق الواقع اللبناني.
فما هي الأسئلة الفعلية التي يطرحها هذا الواقع؟؟

3- نظر اپستمولوجي.
قبل طرح الأسئلة هذه يجدر بنا أن نحفر معرفياً على مفهومين هما: الاتجاه والمدرسة.
الاتجاه يعبّر عن قواعد نظرية عامة أو مبادئ كلّية يتشارك بها كل من ينتمي إليه. فالاتجاه الشيوعي يتمثل في قواعد النظرية الماركسية العامة وفي مبادئها الكلّية؛ ويتشارك به كل الأحزاب والحركات والمنظمات الشيوعية في العالم.
أمّا المدرسة، فهي تعبّر عن اندراج القواعد العامة في المحسوس المجتمعي. أو بلغة أخرى، هي تحيل الى الحزب والحركة والمنظمة التي تستند الى هذه القواعد وتقوم بممارسة نظرية وسياسية خاصة في حقلها المجتمعي، لكي يميّز كل شكل منها نفسه عن الآخر. وبما أن المحسوسات المجتمعية لامتناهية، والممارسات النظرية والسياسية الخاصة متعددة ومتنوعة، فقد تعددّت الأحزاب والحركات والمنظَّمات الشيوعية، سواء بين مجتمع وآخر أو في المجتمع الواحد نفسه. ولعلّ هذا ما يؤكده تعدد التنظيمات الماركسية في المجتمع اللبناني، ويفسّر مدى التباين والاختلاف بين ممارساتها النظرية والسياسية…

4- أسئلة قد تبدو صادمة.
ثمة قاعدة منهجية في الماركسية تقول بالتحليل الملموس للواقع الملموس. ما يعني من منطلق هذه القاعدة أن الحزب الشيوعي كموجود واقعي في المجتمع اللبناني، مدعو ماركسياً الى وعي علاقته مع الملموس المجتمعي الذي ينوجد فيه…
وهكذا، في بلد كلبنان يصبح طرح الأسئلة الآتية ملّحاً من الزاوية الماركسية نفسها:
أين تقع الطوائف؟ هل تقع داخل الحزب أم خارجه؟ أو كيف يظهر المجتمع الطوائفي في لبنان داخل الحزب؟ وما هو السبيل الذي ينبغي التعامل معه لكي نعي المسار الماركسي الواقعي؟…
إذا بقي النموذج التطوّري يحكم مفهوم الأزمة، يكون الجواب أن الطوائف تقع خارج الحزب. فمن ينظر في الأدبيات الحزبية، يجد أن الطائفية كانت تعبر عن آفة أو مرض يسكن الجسم اللبناني، ويشكّل عقبة أمام نموّه وتطوّره. وتلك مقاربة أخلاقية – قيمية تستند الى نموذج تطوّري يخلو من الطائفة والطائفية، ويُنزّه الحزب منهما ما دام يحاكي النموذج ويقتدي به…
ثم قوربت المسألة الطائفية من زاوية جديدة، حيث أُحيلت الطوائف في متنها الى السياسة وحسب. فغدت الطائفة علاقة سياسية. والطائفي، الشكل التاريخي المميّز للنظام السياسي الذي به تمارس البرجوازية سيطرتها الطبقية، فتمنع الطبقة العاملة من أن تتكّون بما هي جماهير، أي بما هي قوة مستقلّة. وفي المساق نفسه، غدا الطائفيّ أيضاً علّة التناقض المأزقي الذي تعاني منه البرجوازية والذي يتبدّى بين أن يكون الطائفي هو الشرط الأساسي لوجود الدولة البرجوازية اللبنانية، وبين أن يشّكل العقبة الأساس أمام بناء تلك الدولة بما هي دولة برجوازية..
لكن هذه المقاربة المتّسقة نظرياً لم تتحرّر كلياً من أثر الفهم التطوّري عليها وعلى مفهومها للأزمة. وهكذا إذا ما استطاعت الدولة أن تتخلّص من شكلها الطائفي، تكون قد توافرت على شروط بنائها كدولة برجوازية هي بالتأكيد التي تحاكي دولة النموذج التطوّري الغربي..
والحال، فقد تبّدى أن هاتين المقاربتين، المثالين، انطلقتا من بداهة نظرية واعية أو لاواعية تفيد بأن الطوائف تقع خارج الحزب. لذلك، لم تطرحا الأسئلة الفعلية من أجل إنتاج مقاربات ماركسية للملموس الطائفي في لبنان…
أما السبيل الذي يعي المسار الواقعي الماركسي في مثال الطائفية فهو الذي يرى، في اعتقادنا، أن الطائفة هي تركيب مجتمعي حقيقي تقوم لحمته أو عصبيته على الهوية الدينية او المذهبية. وأن الطائفية هي انتظام مؤسسي لهذا التركيب حيث أمكن له أن يخترق كل مناحي النسيج المجتمعي ويتدخّل في الاجتماع والاقتصاد والثقافة بقدر ما يتدخّل في السياسة والايديولوجيا…
هنا يتاح لنا أن نقول: إذا كان فهم الطائفة والطائفية على النحو الذي تقدّم يندرج في نطاق المسار الماركسي الواقعي، يكون هذا الفهم، قد أُنتج من خارج المفهوم المتداول عن الأزمة، ويكون قد تخلّص من مفهوم العقبة أمام النمو والتطوّر، وتحديداً، من عقبة نموذج تطوّري معلوم كان الحزب قد أخذ به ولم يستطع أن يحققه على أرض الواقع على امتداد عقود طويلة…
وعلى أساس الفهم نفسه، يتاح لنا أيضاً أن نسأل: إذا كانت الطوائف تخترق أو تحضر في كل مناحي النسيج المجتمعي، ألا يمكنها أن تحضر في بنية الحزب أو في بنى الأحزاب اليسارية والوطنية الأخرى؟..
• يدلّنا الملموس الحزبي في لبنان أن الطوائف حضرت في البنى الحزبية بكيفيات وأشكال لا حصر لها: فقد رأينا بالعين المجردّة أن ثمة تنظيماً ماركسياً قد ارتحلت أغلبية كوادره واعضائه الى “حمى” الطوائف. وأن الحزب أصيب بنزف كبير اخذ وجهته العامة نحو “مضارب” الطوائف ذات الألوان المختلفة. ناهيك عن أن هناك احزاباً وطنية قد هاجرت بكليتها الى الموسم الطائفي في الشمال والجنوب والبقاع والجبل!!..
فماذا نسمي هذه الظاهرة؟ هل هي تجديد فكري؟!! أم إغناء للماركسية من خلال جديد العلوم الاجتماعية والأنسانية؟!!. هل هي تفاعل نظري ومعرفي “خلاّق!” مع پيار بورديو، وأنتوني غيدنز، وموريس غودولييه، ونوربير إلياس، وسلافوي جيجك، وإريك هوبزباوم.؟!!… أم أنها حسب التحليل الماركسي الواقعي ناتجة من فعل حضور الطوائف في بنية الحزب؟.
• وفي مثال مختلف يدلّنا الملموس الحزبي في السودان، أن الحزب الشيوعي السوداني طرح على نفسه السؤال الفعلي المستمد من الواقع، وهو: كيف نبني علاقتنا مع الدين؟ فقدّم جواباً بكيفية خاصة عبّرت عن نفسها بممارسة نظرية وعملية من خلال ما قام به شيوعيون سودانيون من تأدية أشكال الصلاة انسجاماً مع تلك الممارسة التي أنتجها ماركسياً، إنما من صميم التحليل الملموس للواقع السوداني.
إن مثالاً كهذا، يقدّم درساً بليغاً للوقوف على دلالاته المنهجية والنظرية لجهة وعي العلاقة مع المحسوس المجتمعي في موضوع محدّد، وليس لمحاكاته أو إسقاطه على محسوس مختلف. لكن دلالاته تفرض على الحزب الشيوعي اللبناني (وعلى غيره من التنظيمات الماركسية) أن يطرح السؤال عن علاقته بالدين. وليس على الحزب أن يجيب عنه بشكل مماثل أو مطابق لجواب الحزب الشيوعي السوداني. ذلك أن محسوسيْ البلدين مختلفان ومتباينان على غير صعيد… غير أنه ليس من الماركسية في شيء أن يذهب شيوعيون لبنانيون الى أنماط مسلكية علنية تستفز الحسّ العام وتكرّس تهمته المسبقة ضدهم بأنهم ملحدون، من دون أن يدرك هؤلاء، أن هذه الممارسات تشكّل أحد جوانب المعضلة في الحزب، وتضعهم خارج الواقع الفعلي في مجتمعهم في آن..

5- سؤال نافل..
قد يطرح السؤال في إثر ما عرض آنفا: هل الحزب الشيوعي اللبناني هو حزب طائفي؟
الجواب التطوّري الذي يحكم مفهوم الأزمة يستهجن هذا السؤال ويستنكره، ويؤكد جوابه البديهي، أنّ الحزب غير طائفي ما دامت تركيبته تشتمل على كل الهويات الطائفية أو المذهبية في لبنان. وما دام نموذجه الذي يقتدي به يخلو من الطوائف والطائفية.
لكن السؤال نفسه يغدو نافلاً من المنظور الماركسي. ففي ضوء هذا المنظور، الحزب موجود واقعي لبناني، أي أنه جزء من الواقع. وككل جزء من كلّ، لا بدّ من أن يحمل حقائق الكل وتأثيراتها عليه. وبما أنّ الطوائف تجد قنواتها في النسيج المجتمعي كلّه، من العائلة، الى الحزب، الى النقابة، الى الجمعية، الى الطبقة وصولاً الى الدولة، يغدو الحزب، واقعياً، إحدى قنوات حضور الطائفية في بنيته…
لكن حضورها فيه يتبدّى باشكال وبكيفيات خاصة يحكمها جدل العلاقة بين الحديث والتقليدي، أو حضور الحديث في التقليدي، وحضور التقليدي في الحديث. وهي تختلف بالضرورة عن اشكال وكيفيات حضورها في بنى الأحزاب الأخرى سواء كانت يسارية أو ليبرالية أو قومية أو مصنّفة طائفية…

6- خيار أيديولوجي..
في هذا المقام، لم نتناول المسألة الطائفية لكي نحصر أزمة الحزب فيها، بل قاربناها كمثال حيّ على وعي واقعها من داخل الحزب، أي قمنا بتفسيرها بهدف تجاوز حضورها البنيوي. وما ينطبق على مثال الطائفية، نراه يشكّل مدخلاً منهجياً لإعادة إنتاج وعي العلاقة بمنظومة الفكر الماركسي من داخل الواقع اللبناني، أي لإعادة إنتاج ماركسية تقوم على ممارسة نظرية وسياسية خاصة وتنفتح على بناء عالم فكري جديد..
وإذا لم يذهب الحزب الى منهجية كهذه، سوف يبقى يدور في حلقة مفرغة من التفسير الإسقاطي للواقع، من دون أن يصل الى أي فعالية حقيقية في تغييره. وسوف يبقى يعيش في حالة أعقد بكثير من الأزمة، ما دام لم يأخذ بحقيقة الجدل الواقعي بين التفسير والتغيير، وبجانب وعي الماركسية بصفتها خياراً إيديولوجياً يجد في فكر المنتج، الفكر الأكثر اقتراباً من الواقع المحسوس…
أخيراً، إن خيار الماركسية بالمعنى المجازي، هو زرعٌ كوني غضٌّ. لكن اذا لم تسقِهِ من مائكَ في نيسان، تكون غَلَّتُه على بَيْدَرِكَ هزيلةً في حزيران..

فؤاد خليل

عن فؤاد خليل

استاذ في الجامعة اللبنانية، معهد العلوم الاجتماعية، له 13 مؤلفا. صدر له أخيراً، عن دار الفارابي، "الثورة العربية، مقالات فلسفية وسوسيولوجية" وله دراسات وأبحاث في العديد من المجلاّت العربية

شاهد أيضاً

535773_10151460568180973_1580443272_n

رحلة مع الغياب

(إلى الراحل مهدي خليل) هي العاشرة صباحاً أو أكثر قليلاً، الصوت الآخر على الهاتف كان ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>