الرئيسية / العالم يتغيّر / مصطلحا “الدولة الصاعدة” و “التنمية الرثة”

مصطلحا “الدولة الصاعدة” و “التنمية الرثة”

Print pagePDF pageEmail page

35E8446E-677D-4D26-9810-BF05770A2BC1_cx0_cy4_cw0_mw1024_s_n_r1

كان يُنتظر أن توضع الدول الشرق أوسطية الثلاث (مصر وتركيا وإيران) في قوائم الدول “الصاعدة” اليوم. فقد حاولت كل منها، في الماضي، القيام بالتحديث في مواجهة التحدي القادم من أوروبا. حاولت مصر هذا في القرن التاسع عشر تحت قيادة محمد علي، كما حاولته في القرن العشرين تحت قيادة جمال عبد الناصر. كما يمكن قول الشيء نفسه عن “التنظيمات” في تركيا العثمانية (كعملية إعادة تنظيم استهدفت تحديث الدولة) وكذلك الجهود اللاحقة في ظل العهد الأتاتوركي (1920-1945)، وبالمثل عن الحكم البهلوي في إيران (حتى 1979). لقد كان كل بلد من الثلاثة رائدًا- على طريقته الخاصة- في التحول التحديثي للأطراف الرأسمالية في القرنين التاسع عشر والعشرين. إلا أنه لا يوجد اليوم أي سبب يجعلنا ننظر لأي من البلدان الثلاثة كبلد “صاعد” مثل الصين وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والبرازيل والأرجنتين وغيرها. فلم ينجح أي من بلدان الشرق الأوسط الثلاثة في محاولاتها للصعود، وذلك بسبب تَعَارض تلك المحاولات مع القوى الإمبريالية، وبسبب الافتقار للقدرة على تحدي تلك القوى. ومع ذلك فإن هذه البلدان الشرق أوسطية الثلاث مهمة في حد ذاتها، كما يدور حجم سكان كل منها حول رقم الـ 80 مليونًا.
ماذا نعني بـ “الصعود”؟
استخدم البعض هذا المصطلح بمعنى ما، واستخدمه آخرون بمعنى مختلف كليًا في سياقات مختلفة، وذلك غالبًا بدون أي حذر أو تدقيق للمصطلح. من ثم أقوم هنا بتعريف المعنى الذي أضفيه على مجموعة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي تسمح لنا بالحديث عن “صعود” دولة وبلد وشعب ما في أطراف المنظومة الرأسمالية العالمية (مع مراعاة التعريف الوارد للأطراف في أعمالي السابقة).
فلا يُقاس الصعود بالمعدل المتزايد لنمو الناتج المحلي الإجمالي (أو الصادرات) عبر فترة طويلة من الزمن (أكثر من عقد)، ولا بتحقيق المجتمع المعنِيِّ لمستوى أعلى من حيث حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وفق ما حدده البنك الدولي وهيئات المعونة التي تتحكم فيها القوى الغربية والاقتصاديون التقليديون.
ينطوي الصعود على ما هو أكثر من هذا: تحقيق نمو مستدام في الإنتاج الصناعي في البلد المعنيّ، واطّراد قدرة هذه الصناعات على المنافسة عالميًا. ومرة أخرى يتعين علينا تحديد الصناعات المعنية، وماذا نعني بالقدرة التنافسية.
وينبغي أولاً استبعاد الصناعات الاستخراجية (المعادن، الوقود الأحفوري) من التعريف. ففي البلدان التي حبتها الطبيعة بهذه الموارد، يمكن أن يحدث نمو متسارع دون أن يكون نتيجة لأنشطة إنتاجية. وقد يكون من الأمثلة المتطرفة على هذا: دول الخليج العربي، فنزويلا، الجابون، وغيرها.
ينبغي أيضًا أن نفهم أن من الضروري النظر إلى القدرة التنافسية للأنشطة الإنتاجية في الاقتصاد كمنظومة في مجملها، وليس فقط إلى وحدة إنتاج معينة. وبسبب تفضيل الشركات متعدية القوميات العاملة في الجنوب للتعهيد والتعاقد من الباطن، فإنها يمكن أن تكون قوة دافعة لخلق وحدات إنتاج محلية مرتبطة بالشركات متعدية القوميات، أو مستقلة ذاتيًا وقادرة على التصدير إلى السوق العالمية، مما يمنحها وضعية تنافسية حسب تعبيرات الاقتصاديين التقليديين. ونحن لا نعتد بهذا المفهوم المبتور للقدرة التنافسية، والمستخلص من المنهج الأمپيريقي (التجريبي). فالقدرة التنافسية عندنا مرتبطة بتواجد منظومة إنتاجية متماسكة. وحتى توجد هذه المنظومة ينبغي أن يقوم الاقتصاد على تداخل وتكامل فروع الإنتاج بحيث تصنع نسيجًا كثيفًا متكاملاً.
تعتمد هذه القدرة التنافسية على عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، من بينها المستوى العام لتعليم وتدريب العمال على جميع المستويات، وكفاءة مجموع المؤسسات التي تدير الاقتصاد السياسي القومي- أي السياسة المالية، القوانين المنظمة للأعمال، قانون العمل، الائتمان، الخدمات الاجتماعية..الخ. ولا يمكن للمنظومة الإنتاجية كما نقصدها أن تُختزل في أنشطة التصنيع وحدها (رغم أن غيابها ينفي وجود منظومة إنتاجية تستحق هذا المسمى) وإنما يجب أن تتضمن أيضًا إنتاج الغذاء وكذلك الخدمات المطلوبة كي تعمل المنظومة بشكل طبيعي قادر على التكيف بتطور الظروف.
ويمكن للمنظومة الإنتاجية القائمة أن تكون أكثر أو أقل “تطورًا”. وأعني بهذا ضرورة تصنيف مجموعة الأنشطة: هل هي منخرطة في إنتاج “عادي” أم قائمة على استخدام تكنولوجيات متقدمة؟ فمن المهم تحديد مكانة البلد الصاعد من هذه الزاوية: في أي مرحلة هي من حيث الصعود على سلم الإنتاج القائم على تكنولوجيات متقدمة؟
من ثم تتطلب مسألة الصعود تحريًا سياسيًا وشاملاً. فلا يمكن لدولة أن تصبح صاعدة ما لم تتطلع إلى الداخل (أكثر من الخارج) بهدف خلق سوق محلية، وبالتالي إعادة التأكيد على السيادة الوطنية على الاقتصاد القومي. ويتطلب هذا الهدف المُرَكَّب السيادة الوطنية على جميع جوانب الحياة الاقتصادية. ويقتضي بشكل خاص تطبيق سياسات تحمي الأمن الغذائي والسيادة الوطنية على الموارد الطبيعية والوصول إلى الموارد خارج البلاد. وتتناقض هذه الأهداف المتعددة والمتكاملة مع أهداف طبقة الكمبرادور الراضين بنماذج النمو التي تلبي احتياجات المنظومة العالمية السائدة (الدولية الليبرالية) والإمكانيات التي تقدمها.
وفي هذا التعريف المقترح للصعود لم نذكر طابع الاستراتيجية السياسية للدولة والمجتمع: رأسمالي أم اشتراكي؟ وذلك بالرغم من أنه لا يمكن إهمال هذا السؤال لأن اختيار الطبقة الحاكمة يؤثر تأثيرًا أساسيًا- إيجابيًا وسلبيًا- في نجاح عملية الصعود. وفي هذا الصدد لن أقول إن الخيار الوحيد هو انتهاج منظور رأسمالي يطبق نظامًا ذا طبيعة رأسمالية: أي التحكم في قوة العمل واستغلالها، وإقامة سوق حرة. كما أن افتراض العكس، أي أن الخيار الاشتراكي الذي يتحدى الصور المألوفة للرأسمالية (الملكية العامة، وضع ضوابط على السوق) هو الخيار الوحيد القادر على استمرار الصعود لفترات طويلة من الزمن.
إن الروابط بين الجوانب السياسية للصعود من ناحية، والتحول الاجتماعي المصاحب من ناحية أخرى، لا تتوقف فقط على التماسك الداخلي للسياسة الاقتصادية، وإنما تتوقف بالمثل على درجة تكاملها-أو تناقضها- مع التحول الاجتماعي. والصراعات الاجتماعية– سواء بنيت على أساس طبقي أم سياسي- لا تكيِّف نفسها للتلاؤم مع منطق اضطلاع الدولة بعملية الصعود. بل إنها من مُحَدِّدات هذا البرنامج. وتبين الخبرة الحالية تنوع ودينامية هذه الروابط. وفي أغلب الأحوال يكون الصعود مصحوبًا باختلالات وأوجه لعدم المساواة. ومن الضروري فحص طبيعتها: هل هي اختلالات يكون المستفيدون منها أقلية ضئيلة أو كبيرة (الطبقة المتوسطة) وهل تتحقق هذه الاختلالات في إطار يُزيد إفقار أغلبية العمال، أم هي اختلالات أخف، بمعنى أن يجد فيها الشعب بنفسه تحسنًا في نوعية الحياة حتى لو كانت معدلات نمو المقابل الذي يحصل عليه العمال أقل من أهم المستفيدين من النظام؟ بعبارة أخرى: هل تربط هذه السياسة الصعود بالإفقار أم لا؟ إن الصعود لا يتبع مجموعة من القواعد المحددة. وإنما هو سلسلة من الخطوات المتتابعة، ويمكن للخطوات الأولى أن تمهد الطريق للنجاحات التالية، أو أن توصل إلى طريق مسدود.
وبالمثل تمر العلاقة بين الاقتصاد الصاعد والاقتصاد العالمي بتحولات مستمرة. ومن هذين المنظورين المختلفين تأتي السياسات التي يمكن أن تعزز السيادة الوطنية أو تضعفها، وفي الوقت نفسه: تعزز التضامن الاجتماعي أو تضعفه. لذلك لا يعتبر الصعود مرادفًا لنمو الصادرات، ولا يمكن قياس زيادة القوة بهذه الطريقة. فنمو الصادرات يمكن أن يقوي أو يضعف السيادة الوطنية لدولة صاعدة إزاء السوق العالمية.
لا نستطيع التحدث عن الصعود بعمومية، كما لا يمكن التحدث عن النماذج (الصيني، الهندي، البرازيلي، الكوري) بهذا التعميم. يجب القيام بتحليل ملموس- في كل حالة- للخطوات المتتابعة في تطور هذا الصعود، وتحديد نقاط القوة والضعف، وتحليل ديناميكية التطبيق والتناقضات المصاحبة له.
إن الصعود ليس مشروعًا اقتصاديًا محضًا، وإنما هو مشروع سياسي كليّ. من ثم يتحدد مقياس النجاح بالحد من الوسائل التي تتمكن من خلالها المراكز الرأسمالية المسيطرة من إدامة سيطرتها، لا قياس النجاح الاقتصادي للدول الصاعدة باستخدام أدوات الاقتصاد التقليدي. وقد قمت بتحديد الوسائل المذكورة في تحكم القوى المسيطرة في مجالات: السيادة على التطوير التكنولوجي، القدرة على الوصول إلى الموارد الطبيعية، الهيمنة على المنظومة المالية العالمية، الهيمنة على توزيع المعلومات، واحتكار أسلحة التدمير الشامل. ويرمي الثالوث الإمبريالي الجماعي (الولايات المتحدة، أوروبا، اليابان) إلى استخدام تلك الوسائل للحفاظ على أوضاعه المميزة في السيطرة على الكوكب، ومنع الدول الصاعدة من تحدي تلك السيطرة.
أستخلص من هذا أن طموحات الدول الصاعدة تدخل في صراع مع الأهداف الاستراتيجية للثالوث، وستتحدد درجة العنف المنبثق من هذا الصراع حسب مستوى راديكالية تحدي الدولة الصاعدة للامتيازات سابقة الذكر التي تتمتع بها المراكز المذكورة.
ولا ينفصل الصعود الاقتصادي عن السياسات الخارجية للدول: هل هي منحازة إلى الائتلاف العسكري والسياسي للثالوث؟ هل تقبل باستراتيجيات ينفذها الناتو أم تعترض عليها؟
التأملات التي تأتي بعد ذلك ستهتم بفشل محاولات الصعود التركية والإيرانية والمصرية، قبل وقت طويل وفي الماضي القريب، وإحباطها بسبب تدخل القوى الإمبريالية وعدم القدرة على تحديها. وكذلك أفكار الطبقات القائدة اليوم والتي تجعل من المشكوك فيه وجود أفق لصعود أي من البلدان الثلاثة. وينبغي فهم التأملات التالية في ضوء الإطار النظري الذي شرحناه في الصفحات السابقة.
تركيا
هل تركيا أوروبية؟ يتسم الجدل حول هذا السؤال بالإجابات المتسرعة جدًا والافتقار إلى التأسيس العلمي. ومن المهم ملاحظة أن الطبقات الحاكمة في الدولة العثمانية قد اعتبرت نفسها مرشحة للتأورب منذ عام 1453 حينما تردد محمد الفاتح- فاتح القسطنطينية- قبل إعلان نفسه “إمبراطورًا (أرثوذكسيًا) لبيزنطة/ القسطنطينية”، لأن الجنود الذين حاربوا تحت راية الإسلام- كغزاة- ما كانوا ليقبلوا هذا. وكذلك حينما انغمست تركيا العثمانية في القرن التاسع عشر في إعادة تنظيم الدولة في إطار “التنظيمات” (إعادة التنظيم أو “إعادة البناء”) فيمكن ملاحظة أن الهدف كان بوضوح: جعل تركيا دولة “أوربية”. ولعل السؤال الذي لم يكف المؤرخون عن بحثه في هذا الصدد هو ما إذا كان المجتمع العثماني/ التركي قد تقدم بالفعل في هذا الاتجاه أم أن التقدم المتحقق ظل متواضعًا، فلم يفِ بالتحدي.
وفي نهاية القرن التاسع عشر نظم عدد كبير من المثقفين والسياسيين العثمانيين- أتراكًا وغير أتراك- أنفسهم تحت اسم “الأتراك الشباب” عملاً على الإسراع في إيقاع هذه العملية، بداية من النأي بأنفسهم عن سلطان محكوم بعدم قدرته على تخيل الإطاحة بإمبراطوريته أو التخلي عن طابعها الإمبراطوري (أي السيطرة على المشرق العربي). وكصدىً للأيديولوجيات القومية الأوربية عرفوا أنفسهم كأتراك وليس كعثمانيين.
وخلقت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) الظروف اللازمة لتطبيق لا لبس فيه لبرنامج الأتراك الشباب تحت قيادة مصطفى كمال (أتاتورك). وفقدت تركيا الأقاليم العربية، وألغيت الخلافة، غير أنها انتصرت في الحرب ضد تدخل دول الوفاق. وتصورت الجمهورية التركية الوليدة نفسها كدولة ماضية في طريق “التأورب”.
لا شك في أن هذا كان مشروعًا للصعود. وتم تنفيذه أيضًا من خلال التحويل الرأسمالي للمجتمع. واعتقدوا أن هذا كان ضروريًا لتحقيق رغبتهم في اكتساب القوة. فلم يدركوا وقتذاك أن منطق الرأسمالية العالمية (بخلقها لمنظومة عالمية تقوم على استقطاب بين المركز والشركاء المُدمَجين في الأطراف) لا يسمح بهذا التطور. على أنه كان من شأن تزامن مشروع أتاتورك مع الثورة الروسية أن أثيرت التساؤلات عن مدى ملاءمة المقاربة الرأسمالية. لكن أتاتورك ومعاصريه لم يكونوا مؤهلين للخوض في تفكير من هذا النوع، بل إن الشيوعيين الأتراك أنفسهم كان لديهم القليل من الأفكار الواضحة بشأن هذا التساؤل.
كان الواقع الاجتماعي هو الذي شكل تطبيق محاولة الصعود الجديدة. ففي عام 1924 لم تكن “البرجوازية” التركية قد تجاوزت مرحلة الطفولة في أحسن التقديرات. مع ذلك وجدت طبقة من المثقفين والسياسيين والبيروقراطيين والعسكريين، جميعهم من الذكور، كانت قادرة على تولي مهمة قيادة البلاد. وقد جاءت هذه الطبقة من الجزء الغربي من تركيا (إسطنبول، أدرنة، إزمير)، وقد عرف هؤلاء أنفسهم بـ “الروميليان” (نسبة إلى روما في الأصل) أو البيزنطيين، وهو ما كشف عن طموحاتهم الثقافية (مشروع التأورب). أما شرق تركيا (الأناضول) فقد تشكل من الفلاحين الذين تجاهل أصحاب القرار مطالبهم. وقتذاك كان الأتراك “الروميليان” يعتبرون أنفسهم “متحضرين” أو “أوربيين”، بينما نظروا إلى الأناضوليين كبؤساء في حاجة إلى التحضر. وبطبيعة الحال كان الروميليان علمانيين بوجه عام، وحتى ملحدين، بينما كان الأناضوليون مسلمين ملتزمين. كما كان الروميليان وأنصار أتاتورك قوميين بالمعنى المتعصب وغير المتسامح للمصطلح. وهم لم يعترفوا قط بمذابح الأرمن، أو بالمعاملة المخزية التي لم توفر حتى أطفال الأرمن (التحويل الإجباري للإسلام والتمييز)، ولا باضطهاد الأكراد أو العرب في إقليم هاتاي (الإسكندرونة). وقد صبغ التعصب القومي جميع الحكومات في أنقرة، بما فيها حكومة الإسلاميين اليوم. فعلى خلاف مفكري الإسلام السياسي العرب الذين يكرسون الهوية الإسلامية إلى حد طمس الهويات الأخرى تقريبًا (فيقولون نحن لسنا جزائريين ولا عربًا ولا بربرًا، وإنما مسلمون وحسب) فإن الإسلام السياسي في تركيا يجمع بين الشعار الإسلامي والتعصب القومي، فيقول بأن التركي مسلم ولكنه تركي كذلك.
إن نموذج التنمية الوحيد الذي كان نظام الكمالية قادرًا على تصوره في هذا الوضع هو نموذج رأسمالية الدولة بقيادة سلطة أوتوقراطية مستنيرة. ويفيد تطبيق هذا النموذج الجماهير الشعبية، في الحضر والريف، بأن يسمح لهم بالصعود على سلم التراتب الاجتماعي من خلال تعليم الأبناء، وكذلك الحصول على نوعية حياة أفضل. وقد أنتج الحكم الاستبدادي المستنير شرعية لا جدال فيها في أعين الشعب. كذلك لم تتعرض هذه الشرعية لأضرار مرتبطة بصراعات ضد الإمبريالية، الأمر الذي سهل نجاحه.
وهذا هو بالضبط ما يميز محاولة الصعود التركية عن الدول العربية. فالحكومات القومية في البلدان العربية – كما سيتبين من عرضنا لمثال مصر الناصرية – كانت تتعرض بانتظام لعدوان القوى الإمبريالية. وهو ما لم يجربه الحكم التركي قط. وقد كان هذا موضع قوة وضعف في آنٍ واحد للحكومات التركية.
ففي الفترة من 1945 اختارت تركيا- التي كانت كمالية لا تزال- تحالفًا غربيًا ضد الخطر السوڨياتي (والذي تمثل لسوء الحظ في ادعاءات ستالين تلك السنة بشأن قارص وأردهان ومضيق البوسفور). كما أصبحت تركيا عضوًا مؤسسًا في حلف شمال الأطلنطي (ناتو) في وقت باكر حيث لم يكن هذا يتطلب إعلان الدول الأعضاء التزامها بالديمقراطية.
وقد سمح ضعف رأسمالية الدولة الكمالية (كحليف وليس كخصم للولايات المتحدة) لها بالاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية التي تكونت في أعقاب الحرب. وكانت واشنطن هي “الناصح” والضامن “لانتخابات” 1950 التي جاءت بمندريس للسلطة. ولكن انتخابه أدى إلى تغيير العلاقات بين القوى الكمالية/ الروميلية وفلاحي الأناضول. تطلع مندريس إلى طبقة أغنياء الفلاحين الأناضوليين الجدد الذين أنتجتهم التنمية الزراعية. وقد شدد هذا النموذج (المقترح والمدعوم من الولايات المتحدة والبنك الدولي..) على تنمية الزراعة الرأسمالية. لكن الفلاحين الأغنياء ظلوا “مسلمين”، وهو ما يتعارض مع الدولة الكمالية. وقد أضفي الطابع الكمبرادوري على طريق التنمية التركية بشكل تدريجي ولكن واضح: الزراعة الرأسمالية، الانفتاح على عمليات التعهيد الصناعي، خصخصة أجزاء كبيرة من مشروعات رأسمالية الدولة، فتح باب الهجرة الكبيرة لفلاحي الأناضول الفقراء. أما الطبقة الجديدة من رجال الأعمال المرتبطة والمستفيدة من التنمية الكمبرادورية فقد تكونت بالأساس من أبناء فلاحي الأناضول الأغنياء.
ومن الناحية السياسية كان على آخر المدافعين عن الكمالية- أي الجيش- أن ينتقل من هزيمة لأخرى، على الرغم من استعادة الدكتاتورية مرتين، حتى جاء اليوم – منذ سنوات قليلة – الذي تمكن فيه الإسلام السياسي الأناضولي التركي من بسط سيطرته على المجتمع.
وقد صاحب هذا التطور (الذي أسميه بإعادة إضفاء الطابع الكمبرادوري) إنهاء مشروع الصعود الكمالي: التأكيد القوي على الأهمية المستمرة للعقيدة السياسية للناتو، أي دعم استراتيجيات الثالوث الإمبريالي. وبهذا المعنى أقول إن تركيا بمثابة “كولومبيا في الشرق الأوسط”. ولمن يتشككون في صحة تصوري هذا أوجه انتباههم إلى التدخلات الأخيرة لأنقرة في الأزمة السورية الراهنة.
وينبغي فهم أن تركيا الحليفة للأمريكان لا تزال مرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي. بيد أنه لا يوجد تناقض، وإنما تكامل، بين عضوية الاتحاد الأوربي وحلف الناتو. على أن مشروع “الأوربة” هذا- الذي لا يزال يغذي وهم تركيا الجديدة- قد ارتدى عباءة الكمالية قبل أن يخلعها، الأمر الذي يطرح سؤالاً واقعيًا وإن كان ثانويًا. وفحواه أن قوى سياسية أوربية مختلفة في الاتحاد الأوربي تقبل ترشيح تركيا رغم رفض آخرين لديهم تبريرات أخرى محل جدل (لا مكان لبلد “مسلم” في أوربا “المسيحية”).. ولكنه مرة أخرى تساؤل قليل الأهمية. غير أن إضفاء الطابع الكمبرادوري (نقيض الصعود) يكتمل بحماس مؤيديه للانضمام للاتحاد الأوربي. وأمام العوائق التي تثيرها بعض الدول الأوربية: هل تعيد تركيا اكتشاف الشرق الأوسط؟ أو ربما: طوران؟ وكيف يمكن أن يحدث هذا فعليًا؟
إن تركيا نشيطة في الشرق الأوسط. ولكن ما هو الدور الذي تملؤه؟ في الحقيقة تتدخل تركيا كحليف للولايات المتحدة وليس كقوة صاعدة مستقلة. ولا جديد في هذا. فقد كانت تركيا عصب حلف بغداد الذي رفضه عبد الناصر عام 1954، ثم قامت ثورة العراق عام 1958. ومازالت تركيا حليفًا عسكريًا لإسرائيل. وهي تتدخل في سوريا حاليًا بإيعاز من واشنطن. ومن ثم فهي بوضوح “كولومبيا الشرق الأوسط”.
أما البديل الطوراني في رفض “الأوربة” فقد سبق تجريبه أولاً على يد أنور باشا عام 1918. ولكن صعود الاتحاد السوفياتي جعل هذا الطموح مستحيلاً، رغم أنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بدا أنه من الممكن بعثه مرة أخرى. ولكن ليس بوسع تركيا أن تفعل في هذا المجال أكثر من كونها حليفًا خاضعًا يطبق خطة أسياده الأمريكان.
إن المواقف التي تتخذها القوى الحاكمة في الجنوب في مجال السياسة الدولية ليست محايدة فيما يتعلق بتوجهات التنمية الاقتصادية. فالاندماج في الاعتبارات الاستراتيجية للقوى الإمبريالية يرتبط ارتباطًا طبيعيًا مع إضفاء الطابع الاقتصادي الكمبرادوري، أي المناقض للصعود. وهكذا فإن الإسلام السياسي التركي- مثله في البلدان العربية وباكستان- رجعي في مواقفه الاجتماعية، حيث يعارض صراحة نضال العمال والفلاحين.
لا بد من أن تدخل الدول الصاعدة في صراع مع القوى الإمبريالية السائدة، حتى وإن اختلفت كثافة الصراع من لحظة لأخرى. فلأي مدى هي مستعدة لأن تعاملها القوى الإمبريالية حتى تظل مرشحة للصعود؟
إيران
إيران أمة عريقة وعظيمة تعتز بتاريخها، وقد سبق أن تعاملت بقوة ومبكرًا مع التهديد الأوربي، الانجليزي والروسي. وفي 1907 بدأ الإيرانيون ثورتهم ضد الحكام من سلالة القاجاري الفاسدة، والذين ثبت عجزهم عن مقاومة الأجانب. وفوق هذا، كان مثقفون كثيرون ممن شاركوا في الثورة قد تلقوا تدريبهم في القوقاز الروسية مع حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الذي قام بالثورة البلشفية فيما بعد). وهو ما جعل الكثير من القادة الإيرانيين أكثر تمسكًا من أماكن أخرى بالربط بين السيطرة الإمبريالية والنمط التاريخي للعلاقات الطبقية الاستغلالية (النظام الإقطاعي).
وقد تعاملت السلطة الجديدة للأسرة البهلوية الحاكمة- التي تأسست عام 1921- مع هذا الوضع بطريقة خاصة: إذ اتخذت مواقف رجعية من دعاوى التغيير الاجتماعي، إلا أنها في الوقت نفسه رفضت أن تكون ذيلاً للقوى المسيطرة في السوق العالمية. ولكن التأثيرات بعيدة المدى للوجود السوفياتي في شمال إيران أثناء الحرب العالمية الثانية، والدعم الذي ناله بناء الدولتين والمجتمعين المستقلين في أذربيجان وكردستان، ونشأة حزب اشتراكي ومعادٍ للإمبريالية قوي (توده)، والموقف القومي لرئيس الوزراء مصدق الذي أمم النفط عام 1951.. كل هذا لم يكن من الممكن أن تتجاهله المخابرات المركزية الأمريكية عندما رعت الانقلاب الذي سمح لمحمد رضا شاه بتحويل الاتجاه وإعادة الالتحاق بالمعسكر الغربي.
وفي محاولة من محمد رضا شاه للدفاع عن النظام ضد تحدي القوى الديمقراطية والقومية والتقدمية في إيران، انخرط منذ 1962 فيما سميت “الثورة البيضاء” مع اتخاذ موقف دولي “محايد”. وفي الواقع لم يقلص الإصلاح الزراعي جزءًا من هذا، فهو لم يقلص سلطة وثروات الإقطاعيين، وإنما سهل فقط صعود طبقة الفلاحين الأغنياء الجديدة. أضف إلى هذا: تحديث الممارسات الاجتماعية (خاصة تجاه المرأة) والجهد الذي بُذل في مجال التعليم. وبالنسبة للمواقف الحيادية (الصلح مع الاتحاد السوڨياتي عام 1965، والصين عام 1970، وتأميم آخر للنفط عام 1973) فقد قبلتها الدول الغربية وفق الشروط السائدة، ولم يكن لديها بديل عن القبول. وكان اعتماد النظام على الأجهزة الأمنية (جرائم البوليس السياسي “السافاك” الذي اكتسب سمعة سيئة جدًا) هو السبيل الوحيد للإبقاء على النظام الاجتماعي الرجعي. وقد كان مشروع محمد رضا شاه بالتأكيد في إطار المسلك الرأسمالي (وإن كان رأسمالية الدولة). وجاءت حدود وتناقضات هذا المشروع نتيجة لهذا الخيار والمبدأ. كان الجو الذي خلقه انتشار عدم الانحياز في أعقاب مؤتمر باندونج قد فتح هامشًا للتحرك لجميع دول الجنوب، وفرض على الاستعمار التراجع وقبول تنازلات لم يكن من الممكن تصورها في غياب جبهة عدم الانحياز.
وأدى تحطيم حزب توده باستخدام العنف البوليسي إلى إفساح الطريق أمام قوة جديدة تتحدى النظام. وقد تمحورت هذه القوة حول رجال الدين الشيعة وزعيمهم آية الله الخميني. لكن النظام الإسلامي الذي قام منذ 1979 قد أضعفته تناقضاته الداخلية. فقد كان منذ نشأته نظامًا رجعيًا من حيث رغباته في إعادة تشكيل المجتمع، ليس فقط فيما يتعلق بمقارباته الثقافية (كحجاب المرأة) وإنما أيضًا من حيث موقفه من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وحصل النظام الإسلامي على تأييده الأكبر من فئتين اجتماعيتين: تجار البازار أو البرجوازية التجارية/ الكمبرادورية، وأغنياء الفلاحين الجدد.
ورث النظام رأسمالية الدولة التي يديرها “التكنوقراط” الذين سبق أن تحالفوا مع دكتاتورية الشاه. وما فعله النظام الجديد ببساطة هو إحلال إدارة دينية محل تلك الإدارة “المدنية”. وقد استطاع رجال الدين الذين شغلوا مناصب إدارية إثراء أنفسهم دون اعتبار للتماسك الإجمالي الذي كان عليه مشروع الشاه للتحديث، والذي ظل تحديثًا ظاهريًا وتقوده شخصيات دينية، مما جلب للمشروع الأصلي المزيد من الحدود والتناقضات. بيد أنه بينما كان نظام الشاه مواليًا للغرب، أصبح بإمكان النظام الجديد التدثر بعباءة معادية للإمبريالية، وإن كانت مواقفه مختلطة بالعداء للغرب عامةً.
إن التشوش شديد جدًا. وهو ما يفسر كيف أمكن لمحللين عرب وغربيين كثيرين وصف النظام بأنه “تحديثي” (إسلام حديث كما يقال). وهم يبنون هذا على تطورات واقعية، ولكنهم يخطئون في فهم مغزاها. فمن الطبيعي مثلاً أن سن زواج الأنثى قد ارتفع، كما أخذ في الصعود عدد النساء اللاتي يعملن ويشغلن نفس مسؤوليات وأدوار الرجال. ولكن هذا التقدم موجود أيضًا في جميع مناطق جنوب العالم (باستثناء دول الخليج!) كما في شماله. أما الحداثة، ناهيك عن التحرير، فهي تتطلب ما هو أكثر من هذا بكثير.
لقد دعمت الولايات المتحدة الشاه حتى النهاية، الأمر الذي أثار المواقف الإيرانية القومية المتوقعة. وهو ما دعا واشنطن إلى تعبئة حليفها السابق صدام حسين للدخول عام1980 في حرب إجرامية وغير عقلانية لمدة عشر سنوات. وأدى هذا إلى تشكيل معسكر عربي تحت رعاية واشنطن (دول الخليج المؤيدة للعراق) بادر بإثارة العداء بين إيران (الشيعية) والخليج (السني في معظمه). وقد وصف البعض هذا الصراع بصراع الأصوليات. مع ذلك لا توجد حقائق تؤكد أن هذه الثنائية الطائفية التي شغلت الإقليم على مدى التاريخ كان لها بالضرورة طابع الصراع الثابت والدائم. إذ إن التزييف والأكاذيب هي الوسيلة التي تستخدمها القوى الرجعية المحلية والاستعمار لتعبئة هذه الطائفة أو تلك في خدمة مشاريعها.
هكذا أصبحت إيران (الإسلامية، الشيعية، الخمينية) خصمًا للقوى الغربية، حتى لو لم تكن تريد هذا. كما أن إيران الخمينية لا تدير اقتصادها بطريقة أخرى غير القواعد العامة للرأسمالية. ومن ثم من السهل تصور التوصل إلى تسوية ما للتعايش بين هذه الرأسمالية المحلية والرأسمالية على النطاق العالمي. وقد اقترح رجال الدين الشيعة الداعون “للإصلاحات” مثل هذا الطريق. بيد أن دول الخليج قد عملت على إحباط هذه المحاولات عن طريق تحذير واشنطن وإثارتها ضد خيار طهران النووي الذي لم يكن مبادرة جديدة خاصة بنظام الخميني، فالشاه محمد رضا هو الذي وضع إيران على هذا الطريق. ولم تعترض واشنطن على هذا في حينه. أما نظام الخميني فلم يفعل شيئًا أكثر من الاستمرار في ذات الطريق. من ثم لا يوجد سبب حقيقي للوم، حتى إذا افترضنا أن وراء البرنامج النووي السلمي برنامجًا لإنتاج السلاح النووي. لا يوجد سبب واحد يدعو لقبول رأي واشنطن، وحلفائها الخاضعين في الناتو، فيما يتعلق بالانتشار النووي. ويبين الصمت إزاء الترسانة النووية الرهيبة في إسرائيل أسلوب القوى الغربية في الحكم على الأمور: أوزان مختلفة، ومعايير مختلفة. فالمشروع الخاص بإنهاء التسلح النووي (وهو أفضل خيار ممكن) يجب أن يبدأ تنفيذه بالدولة الأكثر خطرًا في عالمنا، أي الولايات المتحدة.
ويبدو التحدي الاستراتيجي أكثر تعقيدًا، لأن احتلال العراق والمأزق في أفغانستان لم يمنحا واشنطن النتائج التي أرادتها. فبالتأكيد تم تدمير العراق، ليس الدولة فحسب (الانقسام بين أربعة نظم في الأمر الواقع: سني، شيعي، كردي 1، كردي 2 !) بل والمجتمع أيضًا. فمثلاً اغتيل جميع العلماء تحت إمرة المحتل. ولكن تدمير العراق منح إيران في الوقت نفسه ورقة ضغط هائلة من خلال استطاعتها تعبئة حلفائها المحتملين (الشيعة) عند الحاجة. ولحل هذه المشكلة قررت واشنطن إضعاف إيران بتدمير حلفائها الإقليميين، بادئة بسوريا!
لكن هذا لا يغير من السؤال الذي طرحناه: هل إيران على طريق الصعود؟ إجابتي القاطعة والمباشرة: لا يوجد شيء في تطور النظام الاقتصادي الإيراني يسمح باستنتاج أن تتخلى الدولة الإيرانية عن “التنمية الرثة” اللصيقة بالدولة الخمينية. ولا يوجد ما يكفي من عداء القوى الإمبريالية لاستنتاج أن إيران تمثل دولة صاعدة.
مصر
كانت مصر أول بلد في أطراف الرأسمالية المعولمة يحاول “الصعود”. ففي بداية القرن التاسع عشر، وحتى قبل الصين واليابان بوقت طويل، تبنّى محمد علي ونفّذ مشروعًا لتحديث مصر وجيرانها اللصيقين في المشرق العربي (شمال شرقي أفريقيا والشام). واستغرقت هذه التجربة الطموحة ثلثي القرن التاسع عشر، لكنها فقدت قوة الدفع في سبعينيات ذلك القرن وتحديدًا في النصف الثاني من حكم الخديوي إسماعيل. ولا يمكن تحليل هذا الفشل دون أن نأخذ في الاعتبار عنف العدوان الأجنبي على يد بريطانيا العظمى، القوة الأعظم للرأسمالية الصناعية في تلك الفترة. وقد تم هذا بالحملة البحرية عام 1840 ثم السيطرة على مالية الخديوي في سبعينيات القرن، وأخيرًا العدوان العسكري المباشر عام 1882، وهكذا مضت انجلترا في طريقها بكل شراسة من أجل تحقيق هدفها: التأكد من فشل مصر الحديثة في الصعود.
من المؤكد أن المشروع المصري كان خاضعًا لحدود عصره، حيث استهدف الصعود داخل الرأسمالية ومن خلالها، وذلك على العكس من محاولة الصعود الثانية التي سنتناولها فيما بعد. ولا شك أن التناقضات الاجتماعية في هذا المشروع (بفعل منطلقاته السياسية والثقافية والأيديولوجية) كانت مسؤولة على الأقل عن جزء من هذا الفشل. وفي الحقيقة أنه لولا العدوان الإمبريالي لكان من المحتمل التغلب على هذه التناقضات، مثلما حدث في اليابان. فقد أُجبِرت مصر الصاعدة على البقاء في وضعية الطرف التابع لأربعين عامًا (1880-1920)، حيث أعيد تشكيل مؤسساتها في خدمة نموذج التراكم الرأسمالي/ الإمبريالي الذي ساد في تلك الفترة. ولم تكتفِ هذه الردة المفروضة بضرب المنظومة الإنتاجية، وإنما ضربت أيضًا المؤسسات السياسية والاجتماعية في البلاد. وعملت هذه الردة بشكل ممنهج على تعزيز كل التصورات الثقافية والأيديولوجية الرجعية والقروسطية التي كانت مفيدة للاحتفاظ بمصر في وضعية الخضوع.
ولم تقبل الأمة المصرية- شعبها ونخبتها- هذا الوضع قط. وقد أدى هذا الرفض العنيد إلى مولد موجة ثانية من الحركات المتصاعدة التي تفجرت على مدى الخمسين عامًا التالية. وفي الحقيقة إنني أرى تلك الفترة كسلسلة من النضالات والحركات الكبيرة المتطلعة إلى الأمام. وقد كان لديها ثلاثة أهداف: الديمقراطية، الاستقلال الوطني، التقدم الاجتماعي. ولم يكن من الممكن فصل هذه الأهداف الثلاثة عن بعضها البعض، على الرغم محدوديتها وتشوش صياغاتها أحيانًا. وبهذه القراءة لم تكن فترة النظام الناصري (1955-1967) سوى الفصل الأخير في تلك السلسلة الطويلة من النضالات المتواصلة التي بدأت مع ثورة 1919-1920.
ومنذ اللحظات الأولى لنضالات التحرير المتصاعدة على مدى خمسين عامًا في مصر كان التشديد- مع تشكيل “الوفد” عام 1919- على التحديث السياسي من خلال اعتماد دستور 1923 لشكل برجوازي من الديمقراطية الدستورية (الملكية المقيدة)، وكذا التشديد على استعادة الاستقلال. وسمح هذا الشكل المعتمد من الديمقراطية بالعلمنة التقدمية (وإن لم تكن العلمانية بالمعنى الجذري للمصطلح) والتي كان رمزها: العَلَم الذي يتعانق فيه الهلال مع الصليب (وهو العلم الذي عاد إلى الظهور في مظاهرات يناير وفبراير 2011). وسمحت الانتخابات للأقباط- ودون أدنى مشكلة- ليس فقط بأن تنتخبهم الأغلبية المسلمة، بل وأن يتولوا المناصب العليا في الدولة.
أما البريطانيون المدعومون بقوة من كتلة رجعية تشكلت من القصر وكبار الملاك وأغنياء الفلاحين، فقد عملوا بكل قوة على إحباط التقدم الديمقراطي الذي حققته مصر تحت قيادة “الوفد”. فقامت دكتاتورية صدقي باشا في الثلاثينيات بإلغاء دستور 1923، كما اصطدمت فيما بعد بالحركة الطلابية التي كانت بمثابة رأس الرمح في النضالات الديمقراطية المعادية للإمبريالية. وفي مواجهة هذا الخطر لم تكن مصادفة أن تؤيد السفارة البريطانية والقصر الملكي بقوة تشكيل جماعة “الإخوان المسلمين” عام 1927 والتي استوحت الفكر “الإسلاموي” في أكثر نسخه “السلفية” الوهابية تخلفًا وعداءً للديمقراطية والتقدم الاجتماعي، كما صاغها محمد رشيد رضا، فيما شكل ولادة جديدة “للإسلام السياسي”.
وأدى غزو موسوليني لإثيوبيا، ونذر الحرب العالمية الثانية، إلى إجبار لندن على تقديم بعض التنازلات للقوى الديمقراطية. ففي عام 1936 سُمِح بعودة “الوفد” للحكم- بعد أن تعلّم الدرس- وتم توقيع معاهدة انجليزية- مصرية جديدة. وبالطبع شكلت الحرب العالمية نوعًا من القيد، ولكن المد المتصاعد للنضالات استؤنف بالفعل في 21 فبراير 1946 بتشكيل “اللجنة الوطنية للعمال والطلبة”، وتعززت راديكالية هذه النضالات بدخول الشيوعيين وحركة الطبقة العاملة مسرح الأحداث.
ومرة أخرى ردت القوى الرجعية المصرية- مدعومة من لندن- باستخدام العنف، ولهذا الغرض جرت تعبئة “الإخوان المسلمين” وراء الدكتاتورية الثانية لصدقي باشا، ولكنهم لم يتمكنوا من إسكات حركة الاحتجاج. فعاد “الوفد” إلى السلطة بعد انتخابات 1950. ولم تتمكن القوى الرجعية من هزيمة “الوفد”، الذي ألغى معاهدة 1936 ونظم أعمال الفدائيين في منطقة قناة السويس، إلا بإشعال حريق القاهرة (يناير 1952) في عملية انخرط فيها “الإخوان المسلمون” بقوة.
وقد رأى البعض في انقلاب 1952 الذي قام به الضباط الأحرار، وبالأحرى انقلاب 1954 الذي أمسك عبد الناصر بالسلطة بعده، “تتويجًا” لمسيرة النضالات المتواصلة، بينما رأى البعض الآخر فيه نهاية تلك النضالات. وقد رفضت الناصرية رؤية النضالات المتواصلة وصاغت خطابًا أيديولوجيًا محا كل تاريخ النضالات من 1919 حتى 1952 كي يؤرخ لبداية “الثورة المصرية” من يوليو 1952. وقد أدان شيوعيون كثيرون وقتذاك هذا الخطاب ورأوا أن انقلاب 1952 ثم 1954 قد استهدف وضع نهاية لزيادة الطابع الراديكالي للحركة الديمقراطية. وما كانوا مخطئين في هذا وقتذاك لأن الناصرية لم تتخذ شكل مشروع مناهض للإمبريالية إلا بعد مؤتمر باندونج في أبريل 1955. ومن هذا الوقت أسهمت الناصرية بقوة في اتخاذ موقف دولي معادٍ بثبات للإمبريالية (بالتعاون مع حركتي الوحدة العربية والوحدة الأفريقية) كما قامت بإصلاحات اجتماعية.
ولكن كل شيء كان يتم من أعلى، وليس فقط “بدون ديمقراطية” (حرمان الجماهير الشعبية من أي حق في تنظيم نفسها) إذ بلغ الأمر حد “القضاء” على كل أشكال الحياة السياسية. وهو ما كان بمثابة دعوة للإسلام السياسي ليملأ الفراغ الناجم عن هذا النهج. وفي غضون عشر سنوات فقط (1955-1965) استنفد المشروع الناصري طاقته التقدمية، وهو ما أتاح الفرصة أمام الإمبريالية- بقيادة الولايات المتحدة- لكسر الحركة عن طريق استخدام أداتها الحربية في الإقليم، أي إسرائيل.
مثلت هزيمة 1967 نقطة النهاية للمد الذي استمر لخمسة عقود. وبدأ التراجع من عبد الناصر نفسه الذي اختار طريق تقديم تنازلات لليمين و”الانفتاح” (على العولمة الرأسمالية بالطبع) بدلاً من تعميق الطابع الراديكالي كما دعت إليه قوى عدة، وفي مقدمتها الحركة الطلابية (التي احتلت مقدمة المسرح لفترة قصيرة قبيل وفاة عبد الناصر عام 1970 وبعدها). وعمل خلَفه أنور السادات على تكثيف وتوسيع التحول اليميني وقام بدمج جماعة “الإخوان المسلمين” في نظامه الدكتاتوري. وبعده مضى حسني مبارك في الطريق نفسه.
أرست مصر في عهد عبد الناصر نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا وُجهت إليه انتقادات لكنه كان نظامًا متسقًا على الأقل. راهن عبد الناصر على التصنيع باعتباره السبيل للخروج من تقسيم العمل الاستعماري الدولي الذي كان يحصر مصر في دور البلد المصدر للقطن. واتسم نظامه بتوزيع للدخول يعمل لصالح توسيع الطبقات المتوسطة ودون إفقار للجماهير الشعبية.
اضطلع كل من السادات ومبارك بتفكيك المنظومة الإنتاجية المصرية، وأحلا محلها نظامًا غير مترابط بالمرة ومبنيًا بشكل مطلق على ربحية الشركات التي كان معظمها مجرد مقاولين من الباطن للاحتكارات الإمبريالية. أما معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة، التي امتدحها البنك الدولي على مدى 30 عامًا، فلم يكن لها معنى على الإطلاق. فقد كان نموًا معرضًا لمخاطر التراجع إلى أقصى حد. وفوق هذا صاحب هذا النمو: ارتفاع مذهل في مستويات البطالة واللامساواة، الأمر الذي ألحق الضرر البالغ بأغلبية الشباب في البلاد. وهو الموقف الذي ظل قابلاً للانفجار، ثم انفجر بالفعل.
كانت البلدان العربية، أثناء فترة باندونج وعدم الانحياز (1955-1970) في مقدمة نضالات شعوب وأمم ودول الجنوب من أجل مستقبل أفضل ونظام عالمي أقل اختلالاً. وكانت هناك قسمات مشتركة بين جبهة التحرير الجزائرية وبومدين، مصر الناصرية، نظامي البعث في العراق وسوريا، جمهورية اليمن الجنوبي. فهي لم تكن نظمًا “ديمقراطية” بالمعايير الغربية (كانت نظمًا “للحزب الواحد”)، كما لم تتطابق حتى مع معاييرنا نحن التي تقتضي التمكين الإيجابي للشعوب. ومع ذلك كانت تلك النظم شرعيةً في أعين شعوبها، بفضل إنجازاتها الفعلية: التوسع في التعليم والصحة وغيرهما من الخدمات العامة، التصنيع وضمانات العمالة، إمكانية الحراك الاجتماعي لأعلى، إلى جانب المبادرات الوطنية المستقلة والمواقف المناهضة للإمبريالية. ومن ثم تعرضت هذه النظم لهجمات إمبريالية شرسة ومتواصلة، وبخاصة من خلال تكرار الاعتداءات الإسرائيلية.
أنجزت تلك النظم ما استطاعت إنجازه في الإطار القائم خلال فترة وجيزة، لنقل 20 عامًا، وبعد هذا فقدت قوة الدفع نتيجة لحدودها وتناقضاتها الداخلية. وتزامن هذا مع انهيار القوة السوفياتية، مما يسر الهجوم الإمبريالي “النيوليبرالي”. واختارت الدوائر الحاكمة طريق الارتداد والتسليم بمطالب العولمة النيوليبرالية كي تتمكّن من البقاء في السلطة.
وكانت النتيجة الحتمية: حدوث تدهور سريع في الشروط الاجتماعية. وفي غضون سنوات قلائل تبدد كل ما أُنجِز في عهد الدولة الشعبية الوطنية لصالح الطبقات الشعبية والمتوسطة، وأصبح الفقر والبطالة الواسعة النتيجة المنطقية للسياسات النيوليبرالية التي اتبعت. وهو ما خلق الشروط الموضوعية للتمرد والثورة.
استغرقت فترة الردّة- بدورها- نصف قرن تقريبًا. فمصر التي استسلمت لمطالبات الليبرالية المعولمة والاستراتيجية الأمريكية، توقّفت ببساطة عن الحضور كعامل نشط في السياسة الإقليمية والعالمية. واحتلّ مكانها حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيون (السعودية، إسرائيل). وبالتالي تمكنت إسرائيل من الاستمرار في نهج التوسّع في الاستيطان بفلسطين المحتلة بتواطؤ ضمني من جانب مصر ودول الخليج.
وقد تسبّبت عملية نزع السياسة من المجتمع (نتيجة للنهج الفعلي للنظام الناصري) في صعود الإسلام السياسي. وجدير بالذكر أن الناصرية لم تكن النظام الوحيد الذي اختار هذه المقاربة. وإنما كان هذا مَلْمَحاً عامًا لمعظم النظم القومية الشعبوية في الموجة الأولى من استيقاظ الجنوب، وهي نُظُم تبنّت مفهومًا مماثلاً في إدارة الحياة السياسية. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن النظم الاشتراكية التي كانت قائمة وقتذاك قد تبنت أيضًا المقاربة نفسها، على الأقل بعد الحقبة الثورية التي كانت ديمقراطية بطبيعتها، ولكن الأمر اختلف بعد ذلك حينما أخذت النظم تعمل على توطيد حكمها.
من ثم كان المَعْلم السائد هو إلغاء الممارسة الديمقراطية. ولا تعني الديمقراطية هنا مجرد إجراء الانتخابات التعددية. وإنما تعني ممارسة الديمقراطية بالمعنى الصحيح للكلمة، أي احترام تعددية الآراء والمشروعات السياسية وحق التنظيم السياسي. ولما كان التسييس يتطلب الديمقراطية، فإن الديمقراطية لا توجد إلا عندما يتمتع أصحاب الرأي المختلفون مع السلطة بحرية التعبير. وقد أدى طمس الحق في التنظيم حول آراء ومشروعات سياسية مختلفة إلى القضاء على التسييس، الذي تسبب في النهاية في الكارثة التي وقعت بعد ذلك.
وقد أعلنت هذه الكارثة عن نفسها في العودة إلى الآراء القديمة الغابرة (دينية وغير دينية)، وهو ما انعكس أيضًا في القبول بمشروع “المجتمع الاستهلاكي” المبني على توطيد ما تسمّى “النزعة الفردية”، وهو الاتجاه الذي ينتشر ليس فقط وسط الطبقة المتوسطة المستفيدة من نمط التنمية هذا، وإنما ينتشر أيضًا وسط الجماهير الشعبية التي تطالب بالاشتراك في الحد الأدنى من الرفاه، خاصة في ظل غياب بديل واقعي وذي مصداقية. ومن الواجب النظر إلى هذا كمطلب مشروع للجماهير الشعبية.
اتخذت عملية نزع السياسة في المجتمعات الإسلامية شكلاً سائدًا وهو “العودة” الواضحة أو الظاهرية “للإسلام”. فقد أصبح خطاب المسجد مع خطاب السلطة هما الخطابان الوحيدان المسموح بهما في الفترة الناصرية، وازداد الأمر كثافةً في عهدي السادات ومبارك. واستُخدِم هذا الخطاب لإيقاف صعود أي بديل قائم على إرساء طموح اشتراكي. وقد شجع السادات ومن بعده مبارك الخطاب “الديني” ليصاحب ويتمشى مع تدهور الظروف المعيشية الناجم عن إخضاع مصر لمقتضيات العولمة الإمبريالية. ومن هنا كان رأيي بأن الإسلام السياسي لا ينتمي إلى كتلة المعارضة، كما يزعم “الإخوان المسلمون”، وإنما هو جزء عضوي من بنية السلطة.
ويتطلب فهم نجاح الإسلام السياسي المزيد من التوضيح للعلاقة بين نجاح العولمة الإمبريالية من ناحية وصعود شعارات جماعة “الإخوان” من ناحية أخرى.
أدى التدهور الذي صاحب العولمة إلى انتشار أنشطة القطاع غير المنظم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وهي الأنشطة التي تُعتبَر المصادر الرئيسية لدخل أغلبية السكان في مصر (تقدرها الإحصائيات بـ 60%). وتملك تنظيمات “الإخوان المسلمين” قدرة حقيقية على العمل في هذه الظروف، وبدوره أدى نجاح “الإخوان” في هذه المجالات إلى المزيد من تضخم تلك الأنشطة، ومن ثم ضمان إعادة إنتاجه على نطاق أوسع.
وتتصف الثقافة السياسية التي يضطلع “الإخوان المسلمون” بنشرها بتبسيط شديد. إذ تضفي هذه الثقافة في مضمونها “المشروعية” على مبدأ الملكية الخاصة وعلاقات السوق “الحرة”، دون اعتبار لطبيعة الأنشطة المعنية، والتي تتمثل في أنشطة بدائية (“البازار”) غير قادرة على دفع الاقتصاد القومي إلى الأمام وتحقيق التنمية. يُضاف إلى هذا أن الوفرة المالية الهائلة في بلدان الخليج قد سمحت بطفرة كبيرة في تلك الأنشطة، حيث تضخ تلك الدول الأموال المطلوبة لهذه الأنشطة من خلال القروض والمنح الصغيرة. فضلاً عن العمل الخيري (مستوصفات طبية..الخ) الذي صاحب تضخم القطاع غير الرسمي.
لا تهدف دول الخليج إلى المساهمة في تنمية القدرة الإنتاجية للاقتصاد المصري (كبناء مصانع مثلاً..) وإنما ترمي فقط إلى تنمية هذا الشكل من “التنمية الرثة”، ذلك لإدراكها أن إحياء مصر كدولة تنموية سوف ينتهي به الأمر إلى السيطرة على دول الخليج (التي تقوم على القبول بشعار أسلمة المجتمع) وتهديد السيطرة الأمريكية (التي تريد مصر كدولة كمبرادورية يضربها الفقر المتزايد) والسيطرة الإسرائيلية (التي تدرك وزن مصر في مواجهة التوسع الصهيوني).
لقد كان “الاستقرار” الظاهري للنظام المصري موضع مديح متواصل من جانب المسئولين الأمريكيين المتلاحقين، وآخرهم هيلاري كلينتون. وقد قام هذا الاستقرار على عاتق جهاز أمني مهول قوامه 1,2 مليون جندي (بينما لا يتعدى حجم الجيش نصف المليون جندي) وأطلقت أيدي هذا الجهاز في ارتكاب الانتهاكات والجرائم اليومية. وزعمت القوى الإمبريالية أن ذلك النظام قد “حمى” مصر من تهديد الإسلام السياسي. وهو زعم لا يتعدى أن يكون كذبة خرقاء.
ففي واقع الحال قام النظام بدمج الإسلام السياسي الرجعي (وخاصة النموذج الوهابي في بلدان الخليج) في بنية السلطة، بمنحه السيطرة على التعليم والقضاء ووسائل الإعلام الرئيسية (خاصة التلفزيون). فكانت الخطب العامة الوحيدة المسموح بها هي خطب السلفيين في المساجد، الأمر الذي سمح للإسلاميين بالظهور بمظهر “المعارضة”. وقد تكيفت خطابات المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة- بازدواجيتها المثيرة للسخرية- مع تلك الأهداف، ولم يقلّ هذا في عهد أوباما عمّا كان عليه في عهد إدارة بوش.
أدى الدعم الفعلي للإسلام السياسي إلى تدمير قدرة المجتمع المصري على مواجهة تحديات العالم الحديث (مثل التدهور الكارثي في التعليم والبحث العلمي). ولجأت واشنطن إلى إدانات عَرَضية لانتهاكات الإسلام السياسي (مثل الاعتداء على الأقباط) كي تضفي شرعية على تدخلاتها العسكرية في إطار “الحرب على الإرهاب” التي انفردت بوضع قواعدها. وكان بإمكان النظام أن يبدو بمظهر “المتسامح” طالما كان لديه صمام الأمان الذي توفره هجرة أعداد كبيرة من العمال الفقراء والطبقة المتوسطة إلى بلدان الخليج. غير أن استنفاد هذا الترتيب (بسبب حلول المهاجرين الآسيويين محل العمالة الوافدة من البلدان العربية) أدى إلى بعث الحركات المعارضة. فكانت الإضرابات العمالية عام 2007 (أقوى إضرابات في القارة الأفريقية على مدى الخمسين عامًا الماضية)، وحركات المقاومة لصغار الفلاحين المهدَّدين بنزع أراضيهم لمصلحة الرأسمالية الزراعية، وتَشكُّل جماعات الاحتجاج الديمقراطية وسط الطبقات المتوسطة (مثل حركتي “كفاية” و”6 أبريل”)..وهو ما أنذر بالانفجار الحتمي الذي توقعه المصريون جميعًا بينما شكل مفاجأة “للمراقبين الأجانب”. وهكذا بدأت حقبة جديدة في تيار النضالات التحريرية، والتي سنحاول فيما يلي تحليل اتجاهاته وفرصها.
إن تاريخ مصر الحديثة هو تاريخ الموجات المتتالية لمحاولة الصعود، مع التبنّي لنموذج المجتمع الرأسمالي أساسًا. غير أنه ارتبط بالتحولات الاجتماعية التقدمية والديمقراطية، انطلاقًا من رؤية واضحة بضرورة مواجهة عداء القوى الغربية. ويجب أن نعزو تعثر هذه المحاولات إلى ذلك العداء، والذي ركّز على مصر أكثر من تركيزه على غيرها من البلدان، بما فيها تركيا الحديثة.
وفي العام 2011 دخلت مصر مرحلة جديدة في تاريخها. والتحليل الذي أقدمه هنا لحركة ديمقراطية، وطنية وشعبية بشعاراتها، ولاستراتيجيات العدو الرجعي المحلي وحلفائه بالخارج، يسمح لي- أي هذا التحليل- بتصوّر وجود طرق متعددة للصعود. إلا أنه بالنظر إلى المستقبل القريب يبدو أن مصر ستغرق في مُركَّب قاتل من: التنمية الرثة، والإسلام السياسي القوي، والخضوع لسيطرة النظام الإمبريالي العالمي. ومع ذلك، سوف يتواصل النضال، بل ربما يسمح بإيجاد مخرج من هذا الطريق المسدود وإعادة اكتشاف طريق مناسب للصعود.
الصعود والتنمية الرثة
لا يمكن أن يتحقق صعود دون وجود سياسة ثابتة للدولة تستند إلى كتلة اجتماعية مريحة، تمنح المشروعية والقدرة على بناء مشروع متماسك يتطلع إلى توجيه منظومة الإنتاج الوطني نحو الداخل. كما يجب أن يضمن مشروع الصعود مشاركة الغالبية العظمى من الطبقات الاجتماعية والفئات التي تحصل على ثمار التنمية. وهو ما يتناقض مع التطور الذي يفرضه الاستسلام لمتطلبات الرأسمالية العالمية والاحتكارات العامة، والذي لا ينتج شيئًا أكثر مما أستطيع تسميته “التنمية الرثة”.
وسوف أقتبس هنا بتصرف من الراحل أندريه جوندر فرنك الذي سبق وأن حلل تطورًا مشابهًا، وإن وقع في زمان ومكان مختلفين. تأتي التنمية الرثة في يومنا كمنتَج للتفكّك الاجتماعي المتسارع المرتبط بنموذج “التنمية” (وهو لا يستحق هذا الاسم) الذي فرضته احتكارات المراكز الإمبريالية على المجتمعات الطرفية الواقعة تحت سيطرتها. وهو ما يتبدّى في النمو الهائل لأنشطة البقاء (المسماة بالمجال غير المنظَّم) من جراء الإفقار المرتبط بالمنطق الأحادي للتراكم الرأسمالي.
وبالإمكان ملاحظة أنني لا أصنف الصعود باعتباره “رأسماليًا” أو “اشتراكيًا”. ذلك لأن الصعود عملية ترتبط بالتكامل- وبالصراع في الوقت نفسه- بين منطق الإدارة الرأسمالية للاقتصاد، ومنطق الإدارة “غير الرأسمالية”- وربما الاشتراكية- للمجتمع والسياسة.
ومن بين تجارب الصعود هناك حالات تستحق اهتمامًا خاصًا بسبب عدم ارتباطها بعملية التنمية الرثة. ففيها لم يقع إفقار للطبقات الشعبية، وإنما حدث تقدم في مستويات المعيشة، حتى لو كان متواضعًا. ومن بين هذه الحالات حالتان رأسماليتان بشكل واضح، هما كوريا وتايوان (ولن أناقش هنا الشروط التاريخية الخاصة التي سمحت بنجاح الصعود في هذين البلدين). وهناك بلدان آخران ورثا طموحات اقترنت بمسمى الاشتراكية، وهما فيتنام والصين. ومن الممكن أيضًا تصنيف كوبا في المجموعة الأخيرة إذا استطاعت التغلب على التناقضات التي تمر بها حاليًا.
لكننا نعرف حالات صعود أخرى ارتبطت بالتنمية الرثة على أوسع نطاق. وتعتبر الهند أفضل مثال عليها. فهناك أجزاء في هذا المشروع تتطابق مع مقتضيات الصعود، إذ هناك سياسة للدولة تعمل لصالح بناء منظومة إنتاجية صناعية. وبالتالي هناك توسع مرتبط بهذا في الطبقات المتوسطة، وتقدم في القدرات التكنولوجية والتعليم. كذلك هناك قدرة على لعب دور مستقل في السياسة الدولية. ولكن فيما يتعلق بالأغلبية الساحقة- وبالتحديد ثلثي المجتمع- نجد عملية إفقار متسارع. وهكذا نجد نظامًا هجينًا يجمع بين الصعود والتنمية الرثة. وبالإمكان إلقاء الضوء على الرابطة بين هذين الجانبين المتكاملين في الواقع. ودون اللجوء إلى التعميم المبالغ فيه أعتقد أن هناك حالات أخرى تنتمي إلى ذلك الهجين، مثل البرازيل وجنوب أفريقيا وغيرهما.
ولكن يوجد أيضًا في العديد من بلدان الجنوب وضع يتسم بغياب عناصر الصعود بينما تنفرد عمليات التنمية الرثة بالتحكم في حياة المجتمع. وتنتمي الحالات الثلاث التي تطرقنا إليها في هذه الورقة (تركيا، إيران، مصر) إلى هذه المجموعة التي أرى فيها مشروعات لعدم الصعود أو التخلي عنه.
ففي تركيا ومصر يغرق مجتمعاهما في دوامة عنيفة بسبب الاستسلام للنموذج الاقتصادي الكمبرادوري، والانحياز الاستراتيجي إلى جانب الولايات المتحدة، والتنمية الرثة والإفقار، وصعود الإسلام السياسي الرجعي. والسبب في هذا أنه كلما استسلم المجتمع للتنمية الرثة كلما أصبح عرضة لصعود الإسلام السياسي. وفي إيران أدت ثنائية التنمية الرثة وسيطرة رجال الدين على المجتمع إلى إدخال هذا البلد في نفس الدوامة، وذلك على الرغم من الصراع السياسي مع واشنطن. من ثم من الضروري لهذا البلد- وأكثر من أي وقت مضى- تخليص نفسه من أوهام الانتقال تحت سلطة الإسلام السياسي.
هناك خطاب إعلامي سائد بالغ السذاجة، مضمونه أن “انتصار الإسلام السياسي أصبح محتومًا لأن الهوية الذاتية الإسلامية تهيمن على واقع مجتمعاتنا، وهو أمر واقعي يرفضه البعض ولكنه سيفرض نفسه عليهم”.
غير أن هذا الزعم يتجاهل كليًا واقعًا آخر. وأعني به واقع عملية النزع العمدي للسياسة من المجتمع، وبدونه ما كان يتسنى للإسلام السياسي أن يفرض نفسه على تلك المجتمعات. كذلك يَدّعي هذا الخطاب أنه “لا يوجد خطر وراء انتصار الإسلام السياسي، وهو انتصار مؤقت، لأن السلطة المنبثقة منه محكوم عليها بالفشل، وعندئذ سيهجره الرأي العام”. ويتصور هؤلاء أن الإخوان المسلمين من النوع الذي يمكن أن يقبل تنفيذ مبادئ الديمقراطية حتى إذا عملت ضد مصالحهم!.
ومع ذلك يبدو أن واشنطن تتبنى هذا الخطاب ظاهريًا، وكذلك الرأي العام الذي تشكله وسائل الإعلام في الغرب. وهناك أيضًا فريق من المثقفين المصريين والعرب المقتنعين بهذا الخطاب، ربما بشكل انتهازي، أو بسبب الافتقار إلى وضوح الرؤية.
ليكن معلومًا أن الإسلام السياسي عندما يتمكن من تشكيل الحكومات فإنه يواصل فرض نفسه إن لم يكن للأبد فلفترة طويلة على الأقل (50 سنة؟). وينبغي ألا ننسى حالة إيران على سبيل المثال. فأثناء هذه الفترة ستواصل بلدان أخرى مسيرة التنمية، وعندئذ سنجد أنفسنا في قاع القائمة بالفعل.
لذلك لا أرى في الإخوان المسلمين “حزبًا إسلاميًا” بالأساس. فهم أولاً حزب رجعي تمكن من الفوز بالحكومة، ومن ثم فهم يمثلون أفضل تأمين لاستمرار سيطرة المنظومة الإمبريالية على مصر وغيرها من البلدان المعنية.

سمير امين

عن سمير امين

سمير امين
اقتصادي ومفكر ماركسي مصري

شاهد أيضاً

535773_10151460568180973_1580443272_n

رحلة مع الغياب

(إلى الراحل مهدي خليل) هي العاشرة صباحاً أو أكثر قليلاً، الصوت الآخر على الهاتف كان ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>