الرئيسية / العدد 12 / على سبيل الحوار مع “قارئ لبيب”

على سبيل الحوار مع “قارئ لبيب”

Print pagePDF pageEmail page

من نافل القول ما درجت عليه بعض المجلاّت الفكريّة من تنبيه للقارئ إلى أنّ الموادّ المنشورة في المجلّة إنّما تعبّر عن رأي كتّابها دون رأي المجلّة. ذلك أنّ هذا “النأي بالنفس”، في حال كان هناك ما يبرّره، يثير في الأذهان، كما في النفوس، تداعيات متضاربة قد تترك القارئ في حيرة هاملتيّة أمام خلل في منطق التنبيه قد يشي بفساد ادّعاء الحياد إزاء ما تُقدّمه المجلّة لقرّائها، هذا إذا لم يكن في الأمر تحسّباً لمُساءلة ومحاسبة من سلطة ما، وتبرّؤاً من تَقَصُّد نشر ممنوعاتها.

مِسحة الحياد التقيّة على هذا النحو غالباً ما تجد سبيلها إلى المجلاّت المتخصّصة بالعلوم السياسيّة والاجتماعيّة، وتعني الموادّ التي تتطرّق إلى هذه الاختصاصات ذات التداعيات الأيديولوجيّة والسياسية المباشرة، أكثر من المجلاّت والموادّ المتخصّصة بالعلوم الطبيعيّة (التي ليست في منجى من الصراع الأيديولوجي على أيّ حال). فالعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة بشكل خاصّ باتت في صميم معتركات الصراع الأيديولوجيّ كوجه من وجوه الصراع الطبقيّ الذي بات مكشوفاً في ميدان الاقتصاد السياسيّ خصوصاً، حيث انهارت وتنهار تباعاً الدفاعات النظريّة عن الرأسماليّة الهرمة التي تحاول عبثاً تجديد لبراليّتها لأنّ الطبع الفاشيّ يغلب التطبّع.

من هذه الزاوية، ليست “الطريق” مجلّة محايدة، وقد تأسّست منحازة والحرب العالميّة مستعرة بين الديمقراطيّة والفاشيّة، حتّى قبل أن يبان رجحان ميزان القوى العسكريّة، إذ أنّ مؤسّسي المجلّة أرادوها سلاحاً يُرَجّح الميزان في صالح الديمقراطيّة بالوعي. صدرت “الطريق” ناطقة باسم “عصبة مكافحة الفاشستيّة والنازيّة” (في سوريا ولبنان)، لتتحوّل، بعد انتهاء الحرب بهزيمة ذلك المحور الفاشيّ، إلى رفع راية “أنصار السلم” في مواجهة الفاشيّات المموّهة بألف وجه ووجه، وإلى مواصلة الكفاح بسلاح الوعي نفسه وقد أثبت جدواه ضدّ القوى الطبقيّة المهيمنة في عالم الرأسمال، تلك التي رعت استشراء الفاشيّة قبل الحرب في استماتتها لوقف التحوّل الديمقراطيّ إلى الإشتراكيّة، ولم تلبث، بعد الحرب، أن واصلت رعاية الفاشيّات الجديدة، بل واستيلادها، في مناخ “الحرب الباردة” التي تُبقي العالم أجمع على “حافة الحرب”، لإشغاله بتسعير “سباق التسلّح” وبالحروب “الصغيرة” المتنقّلة لمواجهة ثورات التحرّر الوطنيّ وإجهاض التحوّلات الديمقراطيّة الثوريّة إلى الإشتراكيّة.

في مناخ الصراع الطبقيّ هذا، وفي ميادينه، كان “الربيع العربيّ”، حاملاً في جانب منه طابع انتفاضة ديمقراطية شعبية لا مراء فيه. ولم يكن بلا مدلول أن يُسارع صاحبُ “نهاية التاريخ”، إلى وصفه بـ”التشنّج العربيّ”. ذلك أنّ انتفاضات “الشعب يريد” إنّما َنمّتْ، في منظور فوكوياما، عن “ممانعة” تَحُول دون تَقَبّل تلك “النهاية” التي أرادها لـ “التاريخ” من الموقع الطبقي لـ “المحافظين الجدد”، وبالتالي دون الانخراط طوعاً في نعيم النيوليبراليّة المعولمة. والواقع، بَلى، هناك فِعْلاً ممانعة بهذا المعنى، هي التي تبديها كلّ الشعوب، في أميركا اللاتينيّة وأوروﭘﺎ وآسيا وإفريقيا، بل كما تُبْديها الديمقراطيّة الحقيقيّة في أميركا الشماليّة نفسها، وهي التي يعزوها فوكوياما، عندما يتعلّق الأمر بالشعب العربيّ عامّة، إلى “تشنّج” يحصر الظاهرة في خانة قصور نفسيّ/حضاريّ له نظريّتُه جاهزةً في “صدام الحضارات” الهنتنغتونيّ الذي يرفد خطاب “نهاية التاريخ”. إذا كانت النازية تبني تصنيف البشر العنصري على “العِرْق”، فان هنتنغتون يقترح للصراع الجديد تصنيفه المبنيّ على “الدِين”. يقول في “صدام الحضارات”: “الأديان الكبرى هي الأسس التي تعتمد عليها الحضارات الكبرى”. ويجري تسويق هذا المضمون الفاشيّ مموَّهاً بخطاب “ما بعد الحداثة” النيوليبراليّ.

كثيرون في العالم العربيّ وفي العالم عامّة سارعوا، وتسرّعوا، للاحتفال بأعياد “الربيع”، قبل أن يصابوا بالخيبة والإحباط وينكفئوا أمام الخطاب الفاشيّ المتجسّد على الأرض بوسائل إيضاحه الجاهزة: القمع الوحشيّ الذي واجه ما كان فعلاً تباشيرَ لربيعٍ آتٍ حتماً، وبواكيرَ ربيعٍ تمّ تطويقها بفَكّيْ كمّاشة الإرهاب، من النظام الرسميّ العربيّ القديم من فوق، ومن فاشيّة طالعة من القاع، طالما رعاها النظام إيّاه محتاطاً، ليواجه بها كلّ بادرة ديمقراطيّة شعبيّة يعلم بالخبرة التاريخيّة، التي تثقّفتْ بها نُخَبُه وأجهزتُه، أنّها بوادر “الربيع” الحقيقيّ الذي يَنتظر “الراسخون في العلم والمؤمنون” حلولَه، بِمِلْئه، في أيّ وقت، كما الفُجاءة، آتياً من “تاريخ” مُمانِع يأبى أن يُمحى من ذاكرةٍ باتت مُلكاً لكلّ الشعوب، لأنّ لها في ثقافة كلّ شعب جَذْراً يَستمِدّ النسغَ منها. هي فعلاً “لا شرقيّة ولا غربيّة”، لأنّها كانت مُعطاةً “للعالمين”، وباقية كذلك، شرقيّة وغربيّة معاً في آن، أو تنتفي، فتنتهي قَوْقعةً للدِين الأمميّ وقد استحال قوميّةً عنصريّة لدولةٍ مقابريّة، على غرار “دولة اليهود” التي تروِّجُها الفاشيّة الصهيونيّة. لذا بادر فوكوياما إلى مواجهة إطلالة طلائع سنونوات “الربيع العربيّ”، بتشخيصها كـ”تشنّج” شبه عضويّ يعتبره من أعراض تلك “الممانعة” العامّة التي تحول دون التسليم بـ”نهاية التاريخ”، ويقترح معالجتها بالوصفة “الحضاريّة” الجاهزة: “الدِين هو الحلّ”. فتكون الوصفة، في التطبيق العربيّ الإسلاميّ بشعار “الإسلام هو الحلّ”، هي هي الوصفة الفوكويامو/هنتنغتونيّة لعلاج “التشنّج”، وتكون الترجمة العملية للشعار، على الأرض، أنّ “الحلّ” هو هو المشكلة. إنّه “حلّ” آتٍ من خارج “التاريخ” الذي عادت أصداؤه تضجّ في صيحة “الشعب يريد إسقاط النظام”، ومن المفيد ألاّ يغيب عن الأذهان أنّ “النظام” المقصود كان في البدء، دَعْكَ من فسادٍ يزكم الأنوف، من الأنظمة التي أثبتت إذعانها لمشيئة أصحاب “نهاية التاريخ”، ونجحت في امتحان النأي بالنفس عن “الممانعة”، كما في امتحان التطبيع مع الفاشيّة الصهيونيّة التي، ككلّ فاشيّة عاديّة، تمطّ حبل سُرَّتها إلى خارج “التاريخ” (إلى ما قبله و/أو إلى ما بعده. وبالمناسبة، كان عنوان عمل فوكوياما الأخير: “النظام السياسيّ، من الأزمنة ما قبل الإنسانيّة حتّى الثورة الفرنسيّة”، معيداً الما قبل إلى مجتمع الشاﻣﭙﺎنزه، والما بعد إلى الفردوس الأميركي الحديث الذي لا “تاريخ” له، الّلهمّ إلاّ كتوالي انتقال الصالحين في العالم إلى نعيمه، بالجسد و/أو بالروح).

لم يكن من الغرابة في هذه المناخات أن يتدرّج إلى الداعشيّة “ربيعٌ عربيّ” عولجتْ بواكيرُه على أنّها “تشنّجٌ” يمكن إخضاعه لما يشبه العلاج النفسيّ الذي لا يستبعد الصدمات العنيفة والتدخّلات الجراحيّة. وفي كلّ ذلك جرى التعامل مع”الاسلام السياسيّ” على أنّه الداء والدواء، يعوّل عليه في العمل من الداخل على تصفية “ممانعة” تتواصل كبقيّة من “التاريخ”، في حين أنّ برمجته لهذه المهمّة خارجيّة المصدر، الأمر الذي يُحتّم في ظلّ العولمة تماساً واحتكاكاً، بل تداخلاً بين نقائض “حضاريّة” تظلّ متناحرة بالتعريف، لأنّ تعايشها، كما كان ممكناً قبل تصفية “التاريخ” (تاريخ التحرّر الوطنيّ، والديمقراطيّة الشعبيّة، ومقاومة الاستعمار والأمبرياليّة وحروبهما وفاشيّتهما، والتحوّلات إلى الإشتراكيّة…) يعني فشل اشتغال النظام العالميّ المأزوم أصلاً، والذي يظلّ بحاجة إلى تدخّل الـمُشَغّلين الذين باتوا يدركون بالتجربة أنّ أدواتهم يمكن أن تنقلب عليهم وتعرقل برمجة أنظمتهم وتشغيلها.

في هذا السياق المتفجّر يغدو من الصعب فَهْمُ ما يجري وِفقَ “نظريّة المؤامرة”، دون أن يعني ذلك انتفاء المؤامرات. فما يجري يندرج بكلّ أبعاده في ظاهرة الفاشيّة العاديّة التي تأسّست مجلّة “الطريق” بهدف مكافحتها في المعركة الأمميّة دفاعاً عن الثقافة، ولا حاجة لتكرار حكاية النازي ومسدّسه… وتواصل “الطريق” اليوم فتح صفحاتها لكلّ المدافعين عن الثقافة عامّةً ولكلّ إبداع ثقافيّ لأيّة ثقافة انتمى. وفي هذه المواجهة المشتركة على الجبهة الثقافيّة يكون من نافل القول طبعاً تنبيه القارئ إلى أنّ على صفحات المجلّة ما يتعارض ورأيها.

في المواجهة الثقافيّة مع الفاشيّة التي تتمحور حول زجّ الإسلام في المعترك استبعاداً للثقافة الوطنيّة الديمقراطيّة وفصائلها في التاريخ الحديث، لا يسع قوى اليسار الوطني الديمقراطيّ، و”الطريق” منها، إلاّ التشديد على أنّ الإسلام ليس “الحلّ” لأنّه ليس المشكلة، ولأنّ الحلّ ضدّ الظلاميّة الفاشيّة وليدة الأمبرياليّة هو، كما بيّنت التجربة التاريخيّة، جبهة ثقافيّة تضمّ الثقافة الإسلاميّة السمحة، تغتني بها وتُغْنيها، وتسهم في الغد الوضّاء للإنسانيّة جمعاء.

ويبقى من نافل القول أن يقال إنّ اختلاف الرأي بين الديمقراطيّين لا يخفى على “القارئ اللبيب”

الياس شاكر

عن الياس شاكر

شاهد أيضاً

1298027_f1024

الشيوعي ليس رمادياً

في مقالته، المعنونة “نقاش في مساحة الرمادي”، والمنشورة في العدد العاشر من مجلة “الطريق” لصيف ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>