الرئيسية / العدد 11 / في الأزمة والأزمة البديل

في الأزمة والأزمة البديل

Print pagePDF pageEmail page

TARIK01

تواصل “الطريق”، مع هذا العدد، صدورها المنتظم، متضمِّنة، إلى بعض موادها المقرَّرة، بعضَ ما حفل به الحدث الثقافيّ المميَّز الذي شهدته العاصمة اللبنانيّة على مدى تسعة أيّام، بمناسبة الذكرى السنويّة التسعين لتأسيس الحزب الشيوعيّ في لبنان (24 تشرين أوّل / أوكتوبر 1924). ويمكن القول بلا مبالغة إنّ الحدث قد أعاد للحياة الثقافيّة والسياسيّة اللبنانيّة بصيصاً من الوهج الذي عهدَه اللبنانيّون في الحضور اليساريّ والديمقراطيّ عامّةً، وفي القلب منه الحضور الثقافيّ للحزب الشيوعيّ، حتّى في فترات محنة الديمقراطيّة جرّاء القمع، سواء في زمن “الانتداب” والاحتلال الأجنبيّين، أو بعد الاستقلال في أزمنة وصاية النظام العربيّ بالوكالة أو بالأصالة. ودائماً كان اليمين الطائفيّ المحلّيّ يلوذ بالخارج مُلتحِقاً به أو مُورِّطاً إيّاه، مستدعياً إيّاه ومستقوياً به كلّما لاحت فرصة لإفلات الديمقراطيّة من القيد الطائفيّ الذي يكبّلها، درءاً لخطرها على نظام الطغمة الماليّة.

في هذا العدد صدى لذلك الحضور الثقافي الديمقراطيّ الذي لم يكن يخشى الجهر بموقفه الداعم للحضور الشيوعيّ، أو المواكب له، في تاريخ الديمقراطيّة التحرّريّة العربيّة. ويجد القارئ في القسم الأدبيّ نصوص الندوتين المكرّستين، في إطار إحياء الذكرى التسعين، لشاعرين تركا بصمة لا تُمحى في تاريخ الشعر العربيّ الحديث: اللبنانيّ الياس أبو شبكة برومنطيقيّته الثوريّة التي تألّقت في النصف الأوّل من القرن العشرين مع بدايات الحضور السياسيّ المستقلّ للطبقة العاملة وحزبها، والفلسطينيّ سميح القاسم شاعر العنفوان العربيّ المقاوم تحت الاحتلال، وقد حال رحيله مؤخراً دون مشاركته في إحياء المناسبة التسعينيّة في بيروت، ولو من بعيد، إذا أمهله المرض كما كان لا يزال يأمل.

هذا وقد تعدّدت في الندوات الفكريّة السياسيّة الخاصّة بالمناسبة زوايا النظر إلى القضايا التي يواجهها مجتمعنا، مسلِّطة أضواء جديدة على تلك القضايا، القديمة منها والمستجدّة، بما يساعد القوى الديمقراطية واليسار عامّةً في صوغ المهمّات وتسديد المسار وتجديد البرنامج. وإذ يقدّم هذا العدد ملفّاً يتضمّن النصوص الكاملة للمداخلات في الندوة التي حملت عنوان “نحو الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة”، لأهمّيّة الموضوع وراهنيّته ليس بالنسبة إلى لبنان وحسب، فقد تمّ اختيار بعض النصوص من الندوات الأخرى التي لا تقلّ أهمّيّة، على أن تبقى نصوصها الأخرى مُدرجة بين مواد الأعداد القادمة بكافّة عناوينها، خصوصاً وأنّها مطروحة للدرس والنقاش في إطار التحضير للمؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعيّ اللبنانيّ الذي يطرح، إلى مهمّة تجاوز أزمته، في سبيل البحث النظري والميداني في القضايا التي من شأنها تجديد برامج اليسار في ضوء المتغيرات المحلية والعربية والعالمية في سبيل خروج القوى اليساريّة والديمقراطيّة من حال المراوحةن إن لم نقل التراجع، لاستعادة زمام المبادرة في المواجهة التي تخوضها كافة القوى الوطنيّة والتقدّمية، ضدّ الهجمة الامبرياليّة الصهيونيّة الرجعية.

وقد أبرزت الندوات تعويل الديمقراطيّين اللبنانيّين والعرب عامّةً على مسؤوليّة الشيوعيّين في معالجة أزمة حزبهم بعيداً عن التشرذم واستعادة موقعهم الديموقراطيّ الثوريّ. وعبّر عن ذلك موقفان (يفتتحان الملفّ في هذا العدد) يتقاطعان في التشديد على ارتباط حلّ أزمة الحزب ببرنامج نضاليّ لإخراج لبنان من أزمته، في انفتاح على الأفق العربيّ والقضايا العربيّة، في كلمة ناشر “السفير” ورئيس تحريرها طلال سلمان، كما على الأفق الأمميّ، في كلمة الإعلاميّ والناشط الاجتماعيّ ﭘﻮل أشقر. هاتان الدعوتان للانفتاح على ما يتعدّى لبنان إلى الأفق العربي والأمميّ، لا تتقاطعان وحسب، بل تتكاملان في برنامج للتغيير الديمقراطيّ في لبنان يستند إلى التشخيص العلميّ وطرح المهمّات للنضال الديمقراطيّ العامّ، في ضوء المواجهة العالميّة الدائرة اليوم، بمضمون طبقيّ، بين قوى الامبرياليّة والفاشيّة والظلاميّة المتفلّتة من جهة، ومن الجهة المقابلة القوى المتمسّكة بالتطوّر الاجتماعيّ الديمقراطيّ وباحترام القوانين الدوليّة وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها وفي اختيار نظمها الاجتماعيّة والسياسيّة.

في ضوء هذه المواجهة يتّضح أنّ مهمّة إسقاط النظام السياسيّ الطائفيّ في لبنان هي مسؤوليّة ديمقراطيّة تتعدّى بأبعادها حدود لبنان لتطال موازين القوى السياسيّة والطبقيّة على الصعيد الإقليميّ، بل الدوليّ. فالطائفيّة ليست مرضاً لبنانيّاً. إنّها مرض عالميّ تبعاً لدخول الرأسماليّة أزمتها العامّة (قبل ما يشار إليه راهناً بـ”العولمة”) بلجوئها إلى الحرب والفاشيّة كحاجة عضويّة بنيويّة لبقاء النظام الرأسماليّ، بعد اكتمال الانتقال المتفاوت إلى مرحلة الامبرياليّة، والدخول في صراع دائم بين مراكزها الرئيسيّة لإعادة اقتسام العالم كلّما تغيّرت موازين القوى بين تلك المراكز.

هكذا جرى تكريس الطائفيّة في الدستور اللبنانيّ مع إخضاع لبنان بالقوّة لما سمّي بـ”الانتداب” الفرنسيّ (اعترفت عصبة الأمم بالانتدابات كأمر واقع، ناتج عن اعترافها بمفاعيل مؤامرة سايكس/بيكو التي قدّمت فلسطين غنيمة لـ”الانتداب” الانكليزيّ، وعبره فريسة للكيان الصهيونيّ). بهذا المعنى استحضرت السيّدة عزّة الحرّ مروّة، رئيسة “لجنة حقوق المرأة اللبنانيّة”، في كلمتها التي تضمّنها الملفّ، نصّاً بليغاً من كتاب مهدي عامل “في الدولة الطائفيّة” يدحض ما تكرّر، ويتكرّر، من تشويه لفكره بالزعم أنّه يطالب بـإزالة “الطوائف” وليس بـإزالة “الطائفيّة”. والتشويه هذا لفكر مهدي، كما لفكر الحزب، إنّما ينمّ، لدى من يتبنّاه صراحةً أو ضمناً، عن إصرار على مراوحة الشيوعيّين في أزمتهم، ليكون الاستمرار في الكلام عليها كاستمراء لحس المبرد، بحيث يختفي النظام الرأسماليّ (العالميّ) وراء إصبعه الطائفيّ (اللبنانيّ)، وتبدو أزمةُ الأوّل أزمةً لدى الثاني. وهكذا يعمد اليمين الرجعيّ، في الصراع الإيديولوجيّ الدائر بلا هوادة، إلى تصوير الأمر كهجوم من “العلمانيّة” على “الطوائف”، بهدف تأليب الطوائف، بحضورها السوسيولوجيّ التاريخيّ، ضدّ الديمقراطيّة، وضدّ الديمقراطيّين المطالبين بالعلمانيّة الكاملة التي تضمن للمؤمنين فصل إيمانهم عن الفساد العضوي للدولة الرأسماليّة، وتالياً ضدّ الداعين للحيلولة دون تسخير الإيمان الدينيّ (العائد لحرّيّة الضمير) في خدمة الفساد المستشري.

وبعد، لا مخرج للديمقراطيّين، والشيوعيّون منهم، من أزمتهم، إلاّ بـإزالة الالتباس الناتج عن المنطق الشكلي (البرجوازيّ) الذي يرى إلى النظام الرأسماليّ الراهن بنظرة سكونيّة لاتاريخيّة (باتت الرأسماليّة في أزمتها العامّة بحاجة إلى “نهاية التاريخ”) فلا يرى الأزمة حيث هي، أي في النظام الراسماليّ. وهكذا تصيب الأزمةُ المنطق الشكليّ النقيض (البرجوازيّ أو البرجوازيّ الصغير). وحده فكر الطبقة العاملة، بمنطقه المادّي التاريخيّ (الديالكتيكيّ الذي يرى العالم في وحدته وفي حركته) قادرٌ على تجنّب الوقوع في الالتباس، لصالح المجتمع ككلّ، بصرف النظر عن حجم الطبقة العاملة في المجتمع. لقد خرج المارد من قمقمه، ولم يعد في الإمكان إعادته إليه. لا يمكن إعادة التاريخ إلى الوراء كما تأمل الإمبرياليّة، لا بالفاشيّة ولا بالحرب، كل ما تستطيع فعله هو التدمير والقتل اللذين ينقلبان عليها في نهاية الأمر.

هنا تكمن مسؤوليّة الديمقراطيّين، والشيوعيّون منهم، في الإضاءة على الأزمة حيث هي في الأصل. تكمن مسؤوليّتهم في خروجهم من أزمتهم بوحدتهم في “النضال الديمقراطيّ العامّ”، كما يقول لينين في الإجابة على سؤال “ما العمل؟”. إنّها مسؤوليّة أخلاقيّة وسياسيّة لم تَعُد مقتصرة على الطبقة العاملة، بل باتت تطال وتشمل كلّ إنسان يتمتَّع بالحدّ الأدنى من الحسّ السليم، نعني الحسّ الديمقراطيّ السليم الذي أسماه كارل ماركس الشيوعيّة باعتبارها الديممقراطيّة التي تتعلّم كيف تصون نفسها، وكيف تدافع عن نفسها، فيتغير العالم من أجل الإنسانيّة جمعاء.

الياس شاكر

عن الياس شاكر

شاهد أيضاً

4580387699_361ba2d59b_b

عناوين بحث لتجديد برنامج التغيير للحزب الشيوعي واليسار

يرتبط تفاقم أزمة الحزب الشيوعي اللبناني بالعديد من العوامل المؤثّرة. بعض هذه العوامل ذو طابع ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>