الرئيسية / العدد 11 / حفلة الرجل الكبير

حفلة الرجل الكبير

Print pagePDF pageEmail page

 horn_oneill_post

“إضحك! إضحك! ليس هناك إلا الضحك! لم يعد للخوف مكان، فالموت .. مات”

   من مسرحية يوجين أونيل “لازاريوس يضحك”

والآن هذه هي يا فتيات الساحة الخضراء المرحات، ويا اللاهثين الجدد خلف الثراء، تفاصيل حفلة الرجل الكبير، رجل الأعمال المخيف صاحب الأصابع الخفيفة، المدبّبة، الذي طبقت شهرته الآفاق بالكرم الذي يبديه حيال الفتيات المرحات، ورجال الشرطة، والأرامل. فهناك شعور بالشفقة ينتاب الرجل الكبير حيال الفتيات المرحات، ورجال الشرطة، والأرامل، والحال كذلك مع بعض المحامين والقضاة، إنها شفقة تظل مستترة أثناء النهار تحت نظارته السوداء القاتمة، ولا تظهر إلا في حفلة رقص كبيرة .

والآن هذه هي يا جيل الشوارع الضائع، والمثاليين الباحثين عن أفق آخر، تفاصيل حفلة الرجل الكبير، عاشق الفتيات المرحات، اللواتي يتبخترن عند الأصيل في شارع الشط والساحة الخضراء، الرجل العجوز المتفائل، الذي وطد أقدامه في أرضنا بأصابعه الخفيفة المدبّبة، وأستطاع أن يروّض القوانين ويترك بصمته على نصوصها بالكي والسلخ.

لقد أصبح في مستطاعي الآن أن أجوب المقاهي والساحات وأعلن تفاصيل حفلة الرجل الكبير قبل أن يأتي رجال الشرطة ورجال المباحث ليقصّوا أثر خطوات الحقيقة من لسان إلى آخر بنظرات حديدية صارمة، وقبل أن يتمكن الصحفيون الصغار والكبار، ذوي الأفواه الكريهة المفتوحة على الدوام، من تلفيق قصة كاذبة عن حفلة الرجل الكبير.

يمكنكم الآن أن تتوقفوا عن سحب أنفاس النرجيلة، وتضعوا أكواب “المكياطا” جانبا، يمكنكم الآن أن تقلعوا لحظة عن التفكير في الجهة المجهولة التي تنحدر نحوها البلاد بأسرها وتصغوا إليّ. يمكنكم الآن أن توقفوا السيارات على جانبي الطريق وتفتحوا النوافذ فلدي التفاصيل الحقيقية لحفلة الرجل الكبير.

لقد استيقظ الرجل الكبير قبل أن يضيء الفجر أشجار النخيل وقبل أن تطير الطيور نحو أمكنة بعيدة، وتفقّدَ بخطوات آمر ثكنة أسرّةَ الخدم المرتّبة وتفرّس بنظراته الصلبة في ملابسهم النظيفة وأصابعهم المفرودة المقلّمة، وابتلع إفطاره المكوّن من أراض جديدة ممزوجة بأبنية لم يكتمل بناؤها، وطلب من أمين سرّه الخاص البحث في طول الشوارع وعرضها عن فتاة مرحة، فوّاحة وطازجة رآها مرة تركض عارية في أحلام يقظته، ليتأتّى له أن يستر عورتها بذراعيه الكريمتين، وطلب من خادمته التي تتحرك في أرجاء البيت بخفة ذبابة أن تبحث عن أنامل ماهرة يمكنها ترميم وجهه كي يستعيد هيبته التي عصفت بها ساعات نوم متقطعة مفعمة بكوابيس مفزعة.

- آه آه أيها المسكين…

قال بحسرة لطبيبه الخاص:

- ينبغي أن تكون لأدويتك قوة مَفْرزة قادرة على تمشيط أحراش غابة نومي الموحشة، والقبض على شرذمة من الأشباح عديمة المظهر تقتحم أحلامي وتظلّ تلاحقني حتى مسقط رأسي، ورجال أشرار أنصاف عراة كالقراصنة، يحطمون أبواب البنوك التي تغفو فيها حساباتي المسالمة، ويضرمون النار في ممتلكاتي التي وهبتني إياها الحكومة.

ثم أصدر الرجل الكبير أمرا مغلفا بالمال للبحث عن أولئك الأوغاد الذين تُبيّض ألسنتُهم شائعات سريعة الفقس عن حفلات الرقص التي يقيمها تحت الحراسة المشددة حتى الفجر مع فتيات مرحات، غريبات الأطوار، ربح نهودهن وأردافهن في منافسات لعب الورق مع مهربي التبغ:

- يا للفوضى إن وجهي لا يشبه الطاعون ، أوغاد يجب أن تغلق أفواههم بالسلاسل .

هتف وهو يرفع كأسه، ثم شرب رشفة من النبيذ والتفت بنظرة حانقة نحو وجهه في المرآة وصرخ. تهشمت المرآة وقَيّدَ صراخُه في الحال مجموعة من المشاة، وذهبوا سريعا في رحلة غامضة نحو أمكنة مجهولة لا يعرفها إلا الموتى. وذهب إلى غرفة النوم المدججة بالأسرار، وإذ لم يكن في الغرفة أحد سواه، فقد خلع نظارته السوداء القاتمة واستلقى على السرير بأحزانه، رافق حيرته في جولة على امتداد حدود ممتلكاته مع نحو مئة شِكّ، وأخذ صوتُ باخرة من المخاوف يتعالى في قفصه الصدري، حتى لم يبقَ في جدار نظرته المكسوّة بالظلمة أية نافذة. وكان قد رجع للنظر إلى وجهه في المرآة، وإذ كان ليس من السهل التنبؤ بنواياه، فقد أمر نفسه بطلاء المرآة حتى لا يرى نفسه ممددا في رماد الخوف، غير قادر على الركض أو الوقوف، محنّطا في شباك عناكب كوابيسه المفزعة. وكان أكثر جنونا وهو يترصد جمهرة من الأشباح تترآى له من خلال صقال المرآة الدائري المطعّم بالذهب، ثم تقوم بتحطيم الأبواب والنوافذ المزوّدة بدعامات حديدية وتتهيأ لنهب ممتلكاته، وكان يحلم بأن يعيش بمنأى عن لحظات الكسوف الكامل لهيبته حين تطارده وجوه ميتة مخيفة تمشي على غير هدى في أنفاق أحلامه المظلمة واكتشف أن النوم وسط الخدم – والأضواء مضاءة – أفضل وسيلة لقمع مخاوفه وليتحاشى رؤية نفسه مشلولا مهشما أثناء قصف الرعد المفاجيء في شتاء كوابيسه المعتمة.

كانت الأمطار قد هطلت بغزارة عندما استيقظ وأصابعه على زناد كلاشنكوف، وكان الخدم المذعورين يلتصقون بالجدران لتجنب صيحاته وركلاته المباغتة وهو يجرجر قدميه وقد انتشل نفسه من مستنقعات مخاوفه الليلية بإطلاق زخة من الرصاص العشوائي وشعر بالسعادة حين وجد نفسه مليئا بروح فتاكة وجال في خاطره أن النهار يعيد إليه معنوياته التي تتناهبها زمرة من الأشباح الليلية. أمضى ساعات الظهيرة جالسا في الشرفة وهو يراقب الخدم الذين قاموا بابتهالات يائسة لتشتيت السحب، نهض ولوّح تلويحة عصبية بيده وقد تحركت في رأسه أفكار غريبة كالحشرات، ثم استدار، وسار عبر الشرفة مدمدما من بين أسنانه:

- كان ينبغي على الأمطار أن تتجنب هذا الوقت المحدد من يوم الخميس.

وكانت لعناته تسافر سافرة وسط زوبعة من الصياح وشتائم بذيئة يوجهها إلى السماء مباشرة لتغير وجهة سحبها الماطرة، وعندما بدأ صبره يتآكل من شدة الغضب تمكّن الخدم فجأة – وتفادوا حرباً دامية غير مكترثين بطلقات الرصاص التي كانت تدوي من فوق رؤوسهم وتحت أقدامهم من الشرفة – من نصب سرادق حتى يتسنى للرجل الكبير الجلوس تحت شجرة لا أحد يعرف اسمها جلبت من أدغال بعيدة في طائرة خاصة تابعة للخطوط الجوية الهولندية ليتمكن من رمي حفنة من النظرات إلى ضريح فارغ أمر ببنائه تخليدا لذكرى أراض وممتلكات طارت فجأة من بين أصابعه الخفيفة المدببة:

- آه آه أيها المسكين ..

قال مخاطبا أحد القضاة :

- لدي حيوان خرافي يعيش في أمعائي ، حيوان مفترس يقتات على الأموال وعلى كل ما لدى الآخرين من أشياء براقة ، جميلة ، وكلما رأيت أملاكا لا تحمل علامة أصابعي المسجلة يصبح حيواني المقيم في أمعائي عصبيا ولا يستطيع أحد الاقتراب منه .

استدعَى إليه خادمه وكلفه بنزع ساعة القاضي الذهبية وخاتمه. ابتسم القاضي ابتسامة صفراء تفصح عن تقديره للمهارة التي نزعت بها ساعته وخاتمه دون ألم وقال:

- إنني سعيد جدا أن أراك مفعما بهذه الروح القوية ، منذ قليل كنت أبحث في ذهني عن كلمات تلائم مكانتك لكن أعتقد أنّك، لا، لا أعتقد، بل أؤمن أنك أكبر من كل الكلمات، وما أود أن أؤكد عليه أيضا أنه ليست لديّ أيّة شكوك في قيمة وأهمية حيوان أمعائك. والأمر المهم هو أنني على استعداد دائم لإطعامه كلما حاصرَتْه أنياب الجوع الحادة .

التقط نفسا عميقا وهو ينظر بفضول، مراقبا القاضي العاجز عن إخفاء اضطرابه، وقال:

- إنني لست من هذا العالم الجاحد وهذه الأمة الملعونة التي لا تقدّر فلذات أكبادها، لو ولدتُ في زمن الإغريق لكنتُ من الآلهة ولكان في مستطاعي أن ألتهم مصائر البشر على مائدة إفطاري في السماء، ولو ولدت في قرطاجة لأطحت برأس صنوي هنيبعل وفزت بقلب “إميليسي” ونكحتها عميقا حتى الأرض السابعة .

تهيأ القاضي ليقول شيئا إلا أن الرجل الكبير منعه من الكلام برفع يده وقال:

- أعرف أنه ما يزال في حنجرتك الكثير من النباح لكن لا تنبح الآن.

وبحركات سريعة دخلت خادمة، وبهزّة من رأسها خرج القاضي مسرعا وبعد أن فرغ الرجل الكبير من التهام طبق الصمت الممزوج بمرارة شكوكه وهواجسه التي تحاصره كلما كان وحيدا، طلبت منه الخادمة أن يلقي نظرة على بيان حساباته المستترة. لكنه بدلا من ذلك دخل مكتبه ونظر إلى عريه الفاحش في انكماش وجه طبيبة أعشاب وانفجر بضحكة مفاجئة إذ لم يتمكن من رؤية عانته الغافية صحبة معدته الرخوة أسفل محاصيل كرشه المزدهر وقال:

- إن التفكير في النساء يعتصر روحي ويتركها قطعة جافة. لكن سيأتي ذلك اليوم الذي يدركن فيه أن وضع نظراتي على أراضيهن الخصبة ميزة ستملؤهن فخرا.

كان ينظر إليها وكأنه لا يراها:

- لقد تلافيت الكثير من الصعوبات خلال مواجهاتي مع النساء وعن طريقك يجب أن يكون بحوزتي هذا المساء أكثر من غراء لاحم لسدّ ثقوبهن الطولية .

بعد هذه المقابلة ضحك كثيرا لأنه تناول الغداء مع نفسه ولم تحاصره كآبة القيلولة:

- لأبد أنها أحست بالضجر فرحلت إلى الآخرة.

قال لنفسه ضاحكا وازداد ضحكه حين أغتسل بمساعدة فتاة مغاربية شاحبة مذعورة، ونظفت أخرى أسنانه من بقايا ضحاياه، وغطس في لجة من العطور لإزالة رائحة العرق النتن المنبعثة من تحت إبطيه. قام بسلسلة من الاتصالات الهاتفية وهو يحتسي نخب الساعة الخامسة، زمجر وبصق وهدد وضرب السقف بوابل من الصحون عدة مرات وحطم الهاتف إذ لم يتمكن أحد من معرفة حدود ممتلكاته. ثم جلس وهو يضحك عندما تذكر حفلة الرقص. ارتدى معطف “الفارك” الجديد ونظر مسرورا إلى نفسه في مرآة لم تُطْلَ بعد وخرج إلى الردهة، توقف هناك لحظات، وخرج الجميع، رجالا ونساء وخدما، من غرفة الطعام واتجهوا نحو الردهة وفجأة توقف ونظر إلى وجوه صفيقة لرجال دفعتهم الحاجة، والإفلاس، والعجز والبطالة إلى أن يصنعوا من جلود وجوههم أحذية على مقاس قدميه، ثم استدار ودون استعجال الخطى أخذ يتابع طابورا من الفتيات ويبحث بعينيه البائستين عن تلك الفتاة التي كانت تمشي حافية على رصيف أحلام يقظته، وقف طويلا إزاء فتاة نحيفة وكانت أسنانها بارزة من بين شفتيها المضمومتين، لاحت ابتسامة ساخرة خفية تحت شاربه فتقدم مساعده أمسكها من ذراعها وألقاها خارجا، وتقدم هو إلى الأمام خطوة أو خطوتين ثم نظر إلى فتاة بيضاء، ناعمة، كأنها لم تقف يوما تحت أشعة الشمس، تقدم نحوها ببطء وهو يبتسم ثم أخذ يدها وشد عليها بقوة بين يديه وقال:

- إنك لست جميلة لكنك مقبولة فوجود شيء أفضل من لا شيء. لابد أنك كنت سعيدة حين وجدك الرجال في شارع الرشيد؟

نظرت إليه مضيقة عينيها وهزّت رأسها نافية وقالت:

- لا أذهب إلى هناك فشارع الرشيد مسلخ تذبح فيه أحلام النساء.

أصدر تنهيدة طويلة ومرعبة. ثم مدّ يده وأمسكها بعنف من ذراعها وهمس في أذنها:

- كان يجب أن تقعي في حبي منذ النظرة الأولى ليكون لك شرف الوقوف إلى جانبي في هذه الليلة الخميسية.

وقفت الفتاة ساكنة. كانت خائفة وهي تراه يتقدم نحوها، خطت خطوة للوراء ثم وضعت يدها حول فمها وصرخت. لم يقل الرجل الكبير شيئا. وما كان منه إلا أن نظر إليها طويلا وعلى وجهه شبح ابتسامة بلا معنى ثم أدار ظهره إليها وسار مبتعدا وأمر بأن تنطلق حفلة الرقص. انبعثت “الزكرة” بشكل مباغت رافعة صخبها إلى حد لا يحتمل ثم صرخ لكي يثبت لنفسه ولها من هو:

- لا أحد يعاملني هكذا، لا أحد يتجاهلني في بيتي، وعلى كل من يأتي إلى هنا أن يقف أمامي في انتظار إحساني ، وليس لأحد أحد مهما كانت مكانته أن يدير لي ظهره.

قال ذلك بوحشية وقد عضّ شفته السفلى غيظا. بيد أن صخب “الزكرة” بدد صرخته واكتشف حينذاك أنه كان يخاطب نفسه، فظل للحظة، متوترا يبحث عن نفسه وسط فوضى الرقص وطنين الغناء وعندما تأكد من أنه على وشك الغرق في بركة الاهمال واكتشف أن وجوده مجرد ضيف فضولي لا يتوقف عن القفز من فوق الأكتاف لرؤية الراقصات، فجأة صرخ :

- إنها حفلتي ..

وامتلأت الصالة برائحة صرخته البركانية ، وأخذ يدرك أن أنفاسه الحارة كسيت هي الأخرى بأناس يرقصون ويغنون، وقف بلا حراك وقد أدرك أنه على وشك الهبوط في هوة التشتت الكامل وفيما كان ينظر إلى الفوضى من حوله مشت يده المرتعشة نحو جيبه وتناول المسدس وهو يتخبط في مستنقعات غضبه المختلطة دون أن يحس به أحد وفجأة أطلق النار نحو السقف، توقّف الرقص وفرّ الراقصون وتسمّر الجميع في أماكنهم وأخذوا يمطرونه بنظرات تتأرجح بين الخوف والتضرّع ثم انصرفوا واحدا تلو الآخر:

- هذه الليلة لا وجود لها. عندما أكون هنا يجب أن تحيط بي النظرات من كل جانب وبما أن هذا الشيء لم يحدث سأحذف هذه الليلة من التقويم وبهذا سيكون شهر فبراير لهذا العام سبعة وعشرون يوما فقط.

نطق الرجل الكبير بهذه الكلمات بصوت متهدج وأيقظ الصمتُ الذي تلا ذلك كلاباً شرسة قابعة في داخله وتقدم نحو الفتاة الخائفة:

- في مستطاعي أن أنزل عليك وعلى عائلتك اللعنة إن شئتُ، لكنني رجل يحب الوقوف في صف الخير والحب والجمال.

حاولت الفتاة أن تخفي القلق الذي تحس به، ذلك أن البقاء مع وحش شيء يثير الرعب. أمال الرجل الكبير رأسه ونظر إليها وقال محذرا:

- لا توجد منافذ للهروب

نظرت إليه بخوف، ونظرت إلى المسدس في يده ثم عادت تنظر إليه. اقترب، توقف خلفها وقال:

- ألا يعجبك المكان ؟

لم تجب، وظلت واقفة أمامه، مد يده وداعب جسدها بمسدسه من رقبتها حتى الإليتين وهمس في أذنها:

- بعد قليل سنصعد إلى الأعلى

زمت شفتيها غضبا وركضت نحو الباب إلا أنه اندفع قبلها وأمسك بها من ذراعها وحملها بالقوة نحو المصعد وعندما تأخر في فتح أبوابه أمرها بالصعود سيرا على الأقدام إلا أن المصعد هبط فأدخلها عنوة. حملهما المصعد إلى الطابق العلوي، دفعها أمامه في اتجاه غرفة النوم وهي تصرخ فاقدة السيطرة على نفسها، فوقف قبالتها دون تسرّع ووضع المسدس بين حاجبيها وقال:

- لا أريد أن أسمع ضجة.

كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكانت الليلة ممطرة، البيت يهجع في الصمت، ويسمع بين الحين والآخر صوت نشيجها المكتوم، وكان صوت الرعد يتعالى بعد وميض البرق. كان الرجل الكبير يمشي قبالتها بعد أن خلع معطفه، وكان قد شتت تركيزه صوت الرعد. وصرخ:

- لا داعي للخوف . هيا اخلعي ملابسك لنحتفل لوحدنا بيوم الحب.

رد فعل الفتاة الأول كان الرفض من خلال هز رأسها من اليمين إلى اليسار وهي ترتعش. لم يكن الرجل الكبير يعتقد أنه قد اقترف خطأ، فالفتاة وجمالها وبراءتها، كل ذلك سيدفعه إلى الجنون. سيقوم بتقييد الفتاة واختراقها. جلست على حافة السرير وقد شحب لونها، وكان المطر يتساقط بغزارة من خلال النافذة. بقي الرجل الكبير بضعة لحظات صامتا دون أن يقول شيئا وأخيرا حدجها بنظرة ازدراء ثم قرفص وأخذ يتفحصها بعناية وأحس بموجة غضب تغمره فنهض وقال صارخا:

- لن أنتظر طويلا ..

وبخطوة واسعة اقترب من السرير وأمسكها من شعرها وحنى رأسها للوراء وصاح في غضب:

- لن انتظر حتى الصباح

- لا تمسني ..

قالت وأغمضت عينيها إذ شعرت بصوت لهاثه قريبا من أذنيها، وصعدت رائحة كريهة من فمه إلى أنفها وحاولت ابعاده بيديها وصرخت ثانية:

- ابتعد ..

وحين لم تتلق ردا استدارت بسرعة، لكن فجأة دوّت صرخة، صرخة رهيبة هزت البيت بأسره، تهاوت الفتاة على الأرض دفعة واحدة فيما انتصب الرجل الكبير متشنجا، مشى إلى الأمام خطوتين أو أكثر ثم وضع المسدس على الأرض، وتلفت في كل الاتجاهات، السرير، الفتاة الممددة على الأرض، المطر الذي يهطل من خلال النافذة، ابتعد عن الفتاة خطوتين وجلس على حافة السرير ورأسه بين كفيه، دخل مساعده وقد وقف في مكانه مباشرة وفي صمت راح يلتهم الرجل الكبير بعينيه وقال في دهشة:

- ما هذا ؟.

لم تكن لدى الرجل الكبير رغبة في الشرح، فقد نظر إلى مساعده لحظة وقال:

- لا شيء .

هز مساعده رأسه موافقا وقال بلباقة:

- نعم لا شيء. إنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا اللا شيء. يجب أن تطمئن، لن تقال كلمة واحدة، وحفلة الرقص التي كان من المزمع إقامتها الليلة البارحة قد ألغيت بسبب الأحوال الجوية السيئة. وبسبب التعب والإرهاق قد ذهبتَ إلى الفراش مبكرا.

رفع الرجل الكبير بصره عن الفتاة وقال متسائلا:

- ما هذا؟

راح الصمت يزداد وبدا سلوكه يشي بنفاد صمت. ولكنه لم ينتظر جوابا إذ يعرف حقيقة الرجال الذين يعملون لديه، وكان واثقا من كفاءتهم.

كانت الشمس قد أشرقت ولكن الرجل الكبير الجالس في شرفته ببذلته القاتمة ويحتسي القهوة بمفرده لم يكن يرى شيئا بعد أن مرّت في ذهنه ذكرى الفتاة. شعر بالضيق فجأة إلا أنه نهض واقفا وضحك كثيرا في يومه الجديد.

محمد العريشية

عن محمد العريشي

كاتب من ليبيا

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>