الرئيسية / العدد 11 / صورة العتّال في قصة “بِعْتُ ضميري”

صورة العتّال في قصة “بِعْتُ ضميري”

Print pagePDF pageEmail page

image.asp

لا مراء أن الأنا هي، بمعنى ما، الآخر أيضاً، غير أن نشوة الأنانية تفصل بين طرفين ينبغي أن يتحابا ويتكاملا. ذلك أن الاختلاف، بأنواعه العديدة ومنه الاختلاف الطبقي، يولّد العنف، ويقسم الناس إلى فئتين متناقضتين: من يجب احترامهم لمشابَهتهم لنا في الانتماء الاجتماعي، وعندئذٍ نطبّق، ولو إلى حدّ، الوضعية الشائعة: “أحبب قريبك كنفسك”، والقريب قد يكون أخاً لنا في الطائفة، والقومية، أو في مركزنا الهرمي. ثم من يجب احتقارهم كالفقراء والمرذولين، وهؤلاء تصح فيهم العبارة التالية: “أحب نفسي ومن يشبهني، ولكني أقهر من لا يمتّ إلي بصلة مماثلة”. هي المانوية الجديدة القائمة على اسباغ صفة الخير على الذات والجماعة، وعلى اضفاء صفة الشر والتحقير على كل من يختلف عنا. وانطلاقاً من هذه المقدمة سنعمد، في هذه الدراسة، إلى تحليل قصة لإميل يوسف عواد عنوانها “بِعْتُ ضميري” الواردة في مجموعة “بساط الرمل” (مكتبة لبنان)، علّنا نلتمس فيها ما يلقي ضوءاً، ولو يسيراً، على خزّان العنف المنصبّ على الحمّالين القابعين في أسفل السلّم الاجتماعي، وفق منظور شبه عنصري.

بدايةً، يتحدّث الراوي عن بائع دخان أنكر تسلّمَه منه خمس ليرات، مدعياً أنه قبض ليرة واحدة. ولكن الراوي أمهله إلى المساء علّه يتذكر وينهي حسابه اليومي. وإذا به عند حلول الظلام يكرّر كلامه السابق، مقسمًا بالله وشرفه ليؤكد صحّة أقواله. عندئذٍ تملّك الرجلَ المظلومَ غضبٌ شديد، فامتدّتْ يده إلى كرسيّ قريب، وقذفه بوجه البائع المحتال، فاصطدم الكرسي بواجهة الزجاج، فتحطمت محدثةً ضجيجاً هائلاً جعل الناس يهرولون ويستوضحون. هذه هي الذكرى الأليمة التي عادت ببطل القصة إلى الماضي البعيد، حين كان صبياً صغيراً استغلّ حمّالاً صغيراً، فحرمه من حقه، وهو عبارة عن نصف ليرة لبنانية. وبمعنى آخر تلقى صاحبنا طعنة نجلاء من بائع الدخان، فكانت الدافع الرئيسي ليتذكر طعنة أخرى وجّهها إلى طفل مسكين. فلو لم يتألم لما شعر بالتعاطف مع غيره، وكأن الألم هنا باعث على تحطيم قوقعة الأنا، أو سبب لفتح كوّة في غرفة مقفلة هي الأنانية بما كانت تنطوي عليه من برودة مشاعر، وانغلاق آفاق الوعي.

لقد كانت طفولة الراوي مشبعة بالدوافع السادية المرادفة للرغبة الجنونية في سحق الآخرين وتحطيمهم:

“وكان رفاقي عصابة أشقياء يرجمون الغريب بالحجارة، ويغزون الجنائن والبساتين، ويضحكون من كل ذي عاهة، ويخرّبون كل ما طالت أيديهم في الطرقات وفي بيوت الجيران”. (بساط الرمل، ص 104)

إنّها ثنائية الجلاد/الضحية الشهيرة عند ذوي الطباع العنيفة. ولكن العنف نابع من حالة قهر لا تفصح عنها القصة. فاللعنة لا تنصبّ على الغرباء وذوي العاهات وحسْب، وهؤلاء يمثلون الآخر المختلف أو المرذول، بل إنّها أيضا ًعلى الآخر المؤتلف، أي على أبناء القرية، فلا عجب أن تغزو تلك العصابة البساتين لغياب أصحابها عنها، ولو مدّة من الزمان. أما إذا حضروا فمن المشكوك فيه أن يلجأ الأولاد إلى السرقة والتخريب، إذ لا بدّ من أن يكون الغير ضعيفاً مسكيناً، أو غائباً غافلاً، وعندئذٍ تنفجر العدوانية انفجاراً هائلاً، ولا تعفّ عن القريب والغريب. فهناك نقطة ضعف تمهّد لتنفيس الاحتقان الداخلي الذي لا نعلم مسبباته على وجه الدقة، فقد يكون ناجماً عن استبداد أبوي، أو تدليل أمومي، وما إلى ذلك. ويتبيّن لنا أن الأنا هي الموجود الوحيد، وما عداها باطل، وفي حكم اللا وجود. وهذه الأنا تعني أن كل شيء مباح ما دام يشبع الرغبات، ولا أهمية، من ثم، لكرامات وأرزاق الآخرين. فما يهم حقاً هو نزعة التخريب، ومنها تستمد اللذة، في حين أن نزعة البناء محتقرة، وربما تكون هزأة.

تذكر الراوي شرور العصابة التي كان يتزعمها، ولا يلبث أن يتحدث عن شرورها المنصبّة على الحمّال المسكين، بشكل خاص:

“وكان هذا العتّال الصغير يقف، كلما رأى أحداً منا، مضطرباً، ويدور بعينيه القلقتين في كل جهة، خائفاً كل مرة أن يقذفه أحدنا بالحجارة، أو يلحق به ويضربه بالعصا، أو يبصق عليه، أو يسلبه سلّة”. (المصدر نفسه، ص 104-105)

وإذا كان أهل القرية موضوع العدوانية عند هذه العصابة، فمن باب أولى أن يمثّل الحمّال ذلك الغريب، المحتقَر، المرذول، لوضاعة مهنته. ولذلك يجوز استخدام وسائل العنف كلها معه، فكأنه غير جدير بلقب الإنسان، بل إن الواجب هو سحقُ إنسانيّته وتعريضُهُ لأقسى أنواع الذلّ. ففي منطق هؤلاء الأولاد الأشقياء أنه ينبغي اضطهاد الوضيع المختلف، خصوصاً أنّهم ينعمون بالترف وطيب العيش، فكيف يتحملون وجود حمّال يستثير غرائزهم بسرعة، فيعاملونه معاملة الحيوان، أو أقلّ؟ إنّه في نظرهم تجسيد للشرّ والحقارة، في حين أن العصابة تجسيم للخير والكرامة. ولا يسأل أحد عن الوضاعة الحقيقية: أهي في هذا الحمّال المسكين، أم في الحياة الاجتماعية المبنيّة على تفاوت طبقي رهيب؟! لكن الثابت أن الحقارة ساطعة عند أولاد لا يحترمون الكفاح، ولا يحترمون أنفسهم أيضاً. إن شأن الصبي المضطهد كشأن عنترة قديماً. فقد عومل بقسوة وإجحاف لأنه أسود اللون، مع أنه حامي القبيلة وأشجع رجل فيها. كان الشريف بين الأخسّاء، والنبيل بين الوضعاء، وليس العكس صحيحاً.

هذه هي أعمال العصابة حيال الحمّال المحتقر. أما سلوك الراوي، وهو زعيم الأولاد المنحرفين، فالقصة تقول أنه أوصى، بعد حين، بعدم التعرّض لِهذه الضحية التي تسير منكّسة الرأس، ذابلة العنق. والسبب في هذا التساهل الأخلاقي حادثة وقعت يتدنّى فيها الحمّال إلى مرتبة العبد الحقيقي، شأن العبوديات التي عرفها الرومان وشعوب أخرى بارعة في قهر الآخر المختلف:

“فقد حدث، ذات يوم، أن كنت عائداً من المدرسة، وكان هو عائداً أيضاً من عمله وهو يغنّي. فغاظني غناؤه وأغضبني فرحه، فلحقتُ به، وأمرته أن يسكت ويمشي بهدوء وسلام. فأطاعني للحال، وانقلب فرحه إلى موجة من الألم طغت على أساريره. وراح يبكي، ثم ركع على الأرض، وتوسّل إليّ أن أتوسّط مع العصابة كي لا تعتدي عليه، وأخبرني أنه يتيم لا معين له إلا الله وأنا”. (المصدر نفسه، ص 105)

وهنا نتساءل عن الذي أغاظ هذا الولد المترف، وما معنى غناء الحمّال المسكين؟ عندما يغنّي هذا الصبي المحتقر فهذا يعني أنه حرّ ويستحق الحياة، وتليق به السعادة. وكيف يكون ذلك والراوي ينظر إليه نظرته إلى نفاية بشرية؟ فلا بدّ من معاقبته، ويتمثل ذلك بأن يكفّ عن الغناء، أي أن يكفّ عن كونه مساويًا للأسياد، وأن يقنع بعبودية دائمة. وهذا ما حدث بالفعل إذ ركع المسكين متوسلاً، فتدنّى إلى مرتبة العبد الطائع، فليس “العصيان” إلا دليلاً على رداءة الخلق بينما تشير الطاعة المطلقة، ولا نقول النسبية، إلى رضى السيد عنه، فكأن هذا الأخير هو الحرّ الوحيد، كالحاكم الشرقي عند هيغل، في الوقت الذي يقبع بقية الناس في حظائر العبودية. فعلى الآخر الذليل أن يعيش ذليلاً، تعسًا، طوال حياته، أما أن يغنّي ويفرح فتلك وقاحة ما بعدها وقاحة!

غير أن الراوي تحرّكت فيه عوامل الشفقة حين أعلن الحمّال استسلامه التام، كما يستسلم شعب في الزمن الغابر، وعندئذٍ “يعفو” عنه الغازي المنتصر. فكل تمرد هو تجديف على سماء النرجسية، وهذه الأخيرة تعني فيما تعنيه: أنا فوق رقاب الناس، وهولاء أدوات لإشباع متعتي في تعذيبهم. تقول القصة متحدثة عن تلك الشفقة الناجمة عن إذعان العبد وخضوعه:

“ولست أدري من أين أتتني الشفقة، وقد كنت قاسياً لا أعرف للشفقة معنى. فعطفت عليه، وأوصيت رفاقي في العصابة به. لكن كنت أحسّ مرات عديدة، وهو مار أمامي، بشيء يدفعني لضربه بل لسحقه، إذ كيف يجوز استثناء هذا الإنسان الوسخ من بطشي”. (المصدر نفسه، ص 106)

ولا ريب أن الشفقة، الناجمة عن وضعية الرضوخ، لم تكن كاملة، فكثيراً ما تنتاب الراوي نوبات غضب، فيودّ لو يسحق هذا العبد سحقاً تاماً، إذ كيف يُستثنى هذا الوسخ من بطشه؟ وكلمة “الوسخ” تعني هنا الآخر المختلف، الذي يعمل حمّالاً وضيعاً، فلا يجوز مساواته بالأسياد. إنه مصدر الكراهية التي تستثير ردات فعل عنيفة، لكننا نعرف أن هذه الكراهية نابعة من ذات غير سويّة، مبنية على ثنائية التمجيد والتحقير. أما المحبة التي يتعلمونها في المدارس والمعابد فحديث خرافة يا أم عمرو…

تلك هي الذكريات التي تغزو مخيلة الراوي (وكان قد أدرك سن الشباب) بعدما خدعه بائع الدخان، وسرق منه بضع ليرات. لكن هناك ذكرى أخرى تفسّر عنوان القصة، وهو “بِعْتُ ضميري”. فلقد حمل الحمّال بعض الأغراض إلى البيت، وإذا بالولد المدلّل يرفض اعطاءه أجرته، مع علمه التام أن المبلغ المدفوع سيعطيه له والدُه أضعافاً مضاعفة. وحدث أن الصبي المسكين عاد مجدّداً إلى البيت، وفي عينيه استجداء ذليل، فقذف الراوي نصف الليرة في وجهه، فانحنى الحمّال على الأرض والتقطها، وبدلاً من أن يرد له ربع ليرة، أو نصف المبلغ، طبقاً للاتفاق الجائر، اختلط عليه الأمر، فنقده ثلاثة أرباع الليرة، اعتقاداً منه أنه قبض ليرة كاملة. وكم سرّ الراوي بهذا الخطأ، وراح يفكر بمشاريع يمكنه القيام بِها، متجاهلاً بؤس ضحيته وحاجته الشديدة إلى المال، ولو كان يسيراً! على أن شعور الخوف لازم ربيب الدلال دون أن يهتدي إلى تفسير شاف له، ولعله الخوف من الضمير، أو من عقاب الوالد الجبّار:

“هل أخاف من هذا العتّال، وهو الذي يحتمي بي من بطش العصابة؟ هل يجرؤ أن يتّهمني إن أنا أنكرت كذبته؟ أصلبه على الشجرة كما صلبنا رفاقه، وكما صُلب هو أكثر من مرة. أطارده ليل نهار، وأقذفه بالحجارة أينما شاهدته. أحطّم له السلّ. لن تفلت يداي نصف الليرة مهما كلفني ذلك”. (المصدر نفسه، ص 106)

ويتبيّن لنا، من خلال هذا الشاهد، أن الراوي يخشى مواجهة نفسه بالحقيقة، وبدلاً من الاستسلام لها بوصفها باعثاً على الطمأنينة الداخلية، نراه يستسلم إلى نوازعه التدميرية، كالصَلْب والمطاردة والقذف بالحجارة وتحطيم السلّ. لقد رضي القتيل، ولم يرضَ القاتل، كما يقال. ولعل المسألة برمّتها تتعلق بنوع من التمييز العنصري النابع من عملية إلغاء الآخر المختلف والمحتقر، وذلك لأن شطراً من الشخصية قد ألغي أيضًا بفعل الحقد الضاري. فإذا ذوت قوى الحياة كالمحبة والرجاء والإيمان فإن قوى الظلام هي التي تسود، وكأن هذه العبارة تصحّ في هذا السياق: في البدء كانت الكراهية، والكراهية هي مسوّغ الوجود.

لقد زرع الخوف في أعماق الراوي هواجس اضطهادية إن دلّت على شيء، فعلى أنه ضحيّة وضع بائس لا تسلّط عليه القصة ضوءاً كافياً. فمن يَضطهِد غيره لا بدّ من أن يكون مضطهداً، ومن أحبّ يغمره شعورُ المحبة بالطمأنينة والسعادة:

“وعبثًا حاولت أن أهدّئ من روعي، فيتمثّل لي هذا العتّال الصغير بعملاق كبير وقد كشّر عن أنيابه، ورفع في وجهي يداً عريضة كالرفش وهو يهدّدني بأنه سيخطفني، ويخفيني في سلّه الكبير، ويدفنني حياً، إن كنت لا أردّ له نصف الليرة”. (المصدر نفسه، ص 106)

وبوسعنا تفسير هذا المقطع تفسيرات متباينة. فربما مثّل العملاقُ عقابَ الضمير، وربما جسّد الأبَ الجبّار المعاقِب، وقد يرمز السلّ، حيث يختفي الراوي، إلى بطن الأم، حيث النكوص إلى الماضي يعدّ عجزاً عن المواجهة، وانزواء سلبياً لطلب الأمان. والحقيقة أن كبت المشاعر الإيجابية كالحبّ والرحمة أعظم تأثيراً من كبت الدوافع الجنسية، لأنه تشويه لكامل الشخصية، وليس لجزء منها. فلا غرابة أن يولّد ذلك هواجس غريبة شبيهة بكابوس نهاري مخيف، ولكنها رغم هولها تبعث رسالة معينة هادفة إلى اصلاح السلوك، وترطيب القلب بندى المَحَبّة، وهذا الأمر لا يتحقّق إلا بتبديل نوعي في علاقة الأنا بالآخر.

وهكذا ينتقل الصبي المتصلب من حالة القدرة الكليّة عندما تسوّل له نفسه ضربَ العتّال وصلبَه، إلى حالة العجز الكليّ، فتمثّل له هواجس راعبة في عالم اليقظة. فما أشدّ ضعفه قياساً إلى هذا المحتقر الذي يتفنّن صبيان الأزقة في إيذائه. ولو كان الراوي مكانه لوقع، تواً، فيما يشبه الهذيان الاضطهادي، وأصبح ضحية لإضطرابات نفسية هائلة. حقاً إن التواضع غير الضِعة، والكرامة تخالف الكبرياء والتسلّط، وهاتان الميزتان من شمائل الشخصية العظيمة والنبيلة في حين أن اضطهاد الضعيف، من حيث منزلته الاجتماعية، علامة هشاشة حتى لا نقول علامة مرض داخلي وبيل.

والواقع أن بطل القصة يفتقر إلى الشجاعة الاخلاقية، ولا تعوزه شجاعة التعدّي والسرقة. وآية ذلك أنه لم يفهْ بالحقيقة عندما استجلى والده حقيقة الأمر:

“فاختنقتُ ولم أقوَ على فتح فمي لأعترف بجريمتي، بل لأردّ عن التهمة. وأردّها بصوت صارخ، ومن ثمّ، أهجم على هذا الإنسان الوسخ وأمزقه”. (المصدر نفسه، ص 106)

هذا هو الضعف النفساني الرهيب، فكل ما يقلقنا يدفعنا إلى العدوانية نَصُبُّها على الغير، ولا سيما على الإنسان “الوسخ”، المختلف عنّا. أما مواجهة الذات فشبه مستحيلة ما دمنا نتوهم الخير والنظافة فينا، ونتوهم الشر والقذارة في الآخرين. إنها المانوية الجديدة التي تقسم الناس إلى أطهار ووسخين، ولعلها ناجمة عن مجتمع استبدادي لا يعترف بحقوق الضعيف، بل يجرّده من إنسانيته، ويعامله كما يُعامل الحيوان، وربما أسوأ.

وتنتهي القصة التي لا تتجاوز صفحاتٍ أربع نهاية حزينة. فلقد دخل الصبي السادي غرفته وشرع بالبكاء، وهو سلاح المخادعين والكاذبين. وظن الوالد أنها دموع البراءة، مع أنها عند التحقيق دموع الذنب أو الخوف. وكان أن انفجر الأب انفجاراً بركانياً عدوانياً، ربما أخذ الصبي الصغير شيئًا من طباعه العنيفة التي تتجبّر على الآخر المرذول:

“ولم يدرك والدي أي معنى كان لدموعي. فظنّ أنّها كالعادة تعني البراءة، فما كان فيه إلا أن اندفع نحو العتّال الصغير وصفعه على خدّيه صفعتين رنّتا رنيناً مؤلِماً في جوانب الدار، ثم رفسه فانقلب على درجات السلّم واختفى”. (المصدر نفسه، ص 106)

أغلب الظن أن هذه الوحشية ناجمة عن تقسيم المجتمع إلى فئتين: الأولى يجب احترامها، والثاني ينبغي احتقارها، كما عبّرنا سابقاً. إن ردّة الفعل اتسمت بالإفراط، وهو دليل على انعدام السويّة النفسية. فلو اكتفى الأب بطرد الحمّال الصغير، لقلنا إنه سلوك عادي يتّبعه أغلب الناس. ونستطيع التمادي أيضاً فنعلن أن الصفع، وهو عنف مرفوض خصوصاً بالنسبة إلى صبيّ ضعيف، قد لا يدل على تعقيدات داخلية. أما الرفس بالرجل، وهو منتهى احتقار الكائن الانساني، فإنه يشير إلى أن الأب، كولده، يعاني تشويهاً نفسياً، وكأن العالم ميدان فسيح يدوس فيه الأقوياء الضعاف من الناس، نقصدُ مَنْ جَعَلَهم النظامُ الاجتماعيّ في هذه المرتبة. ولم تشفع بالعتّال طفولتُه البائسة، ولا فقره الشديد، ولا آلامه المذلة. ثم من هو هذا الأب الذي لا يدري شيئاً عن تعديات ابنه في القرية؟ كأنما العنف ينتقل بالوراثة، وكأن النظرة العنصرية سارية من جيل إلى جيل.

وتنتهي القصة في جملة سريعة، بليغة:

“وهكذا بِعْتُ ضميري أنا أيضاً، ولكن لمرة واحدة”. (المصدر نفسه، ص 106)

ولعل عبارة “لمرة واحدة” توحي بأن الراوي لم يكرّر فعلته، وربما بلغ النضج الإنساني، وهو غير سنّ الرشد القانوني، يُضاف إلى ذلك أن خداع بائع الدخان دفعه إلى تذكر أحداث الماضي، حيث إلغاء الآخر وسحقه. ومع أن الخاتمة لا تنتهي بمصالحة بين الولد القاسي والعتّال الصغير، فإنها تشير إلى تحول طرأ على الشخصية لأن استعادة أحداث الطفولة نوع من أنواع الندم، في هذا السياق.

قديمًا كانت المجتمعات البدائية بحاجة إلى ضحايا، حيوانية كانت أم بشرية. وفي القرون الوسطى تمثّلت الأضحية في مطاردة الساحرات وإحراقهن. أما في عصرنا فقد تجسّم ذلك في إلغاء الآخر المختلف عنا قوميًا، أو دينيًا، أو مذهبيًا، أو طبقيًا، بل إن معاناة الخادمات في البيوت اللبنانية والعربية تندرج في هذا الإطار. فمتى نتحرّر من أنفسنا قبل تحررنا من عدو خارجي؟ ومتى ننزع الخشبة في عيوننا قبل نزعنا القشة في عيون جيراننا؟ وحتّام ندّعي التمدّن ونحن نتصرف كالوحوش الجائعة إلى فريسة، إلى ضحية هي الآخر المختلف عنا؟.

جان نعوم طنوس

عن جان نعوم طنوس

كاتب وناقد وأستاذ في الجامعة اللبنانية

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>