الرئيسية / العدد 11 / مأساة في خلفية المشهد

مأساة في خلفية المشهد

Print pagePDF pageEmail page

0DSCN3075

آخر مرة التقينا فيها، كانت في عمّان العام 2009. كان الطقس باردًا في ذلك النهار. وحول الشاي الصباحي الذي بعث بخارُه القليلَ من الدفء فينا، قرّرنا أن لا نخرج من الفندق، بل أن نبقى في مكاننا نراقب الخارجين والداخلين. كان يلتف بشاله النبيذي اللون. ولم يتوقف عن النهوض لمصافحة كلّ الذين كانوا يتعرفون عليه ويأتون لإلقاء السلام وسؤاله عن حاله. ربما هذا الكرم في المحبة، هو واحدة من صور الشاعر الذي لم يتوقف عن الاضطلاع بها.

في لحظة سكوت وسكون، خطر لي أن أسأله عن الوضع في الأرض المحتلة وعن رأيه بما يجري. قال: “أولاً أنا مقيم في وطني. وسأحاول الإقامة في وطني حتى يومي الأخير. وسأهتم في أن يقيم جثماني من بعدي، وترابي ورمادي، في هذا الوطن. وسأحاول أن يقيم أبنائي وأحفادي في هذا الوطن، لأنه وطن جميل يستحق التضحية وجدير بأن نكون مواطنيه، ونحن جديرون بأن نكون مواطنيه. أما الحالة الفلسطينية، فأنا طبعاً لا أضيف حين أقول إنها حالة بائسة وتعيسة وساقطة ومنحطة وبعيدة عن أي احترام وبعيدة عن أي مسؤولية وعن أي شعور بالمسؤولية. وهي حالة إما أن تلغي الطموح الفلسطيني إلى الحرية والاستقلال، وإما أن يتصدى لها الشعب. المعادلة ليست “حماس” و”فتح” فقط، هناك شعب، والشعب أكبر من “حماس” وأكبر من “فتح”. هناك شعب بأكمله يضع نفسه في خانة الفلسطيني. لا يعقل أن يُحسم أمر هؤلاء بالصراع بين قبيلتين عربيّتين. حالة الجاهلية الجديدة ليست وقفاً على الوطن العربي الكبير، هي تشملنا نحن أيضا، لدينا حالة الجاهلية الجديدة، الموجودة بين الفلسطينيّين. من قال إن الفلسطينيّ من طينة مختلفة. هو من طينة عربية معروفة ومألوفة”.

سؤال وجواب، تطورا ليصبحا حديثا طويلا نشرتُه في الصحيفة التي أعمل فيها، صحيفة “السفير”. لم يكن حواري الصحافي الوحيد معه، ولكن ذاك الحوار، كان الأخير معه. وإن استللت هذه الفقرة منه، لا لأذكّر بأن الحالة لا تزال هي نفسها، بل لأن الإشارة إلى هذه “الثنائية” في هذا الجواب، ثنائية الجاهلية القديمة والجاهلية الجديدة، تتيح لي مدخلا إلى قراءة سميح القاسم.

فنحن لو حاولنا أن نبحث عن ثيمة (موضوعة) يمكن لنا أن نعممها على شعر سميح القاسم، لوجدنا أنه غالبا ما كان يحاكي التراثيين العرب القدامى، وذلك عبر إحالته اللحظة الراهنة – حين الحديث عنها – إلى الماضي كي ينيطه به. فلو أخذنا ديوانه “الكتب السبعة” على سبيل المثال لا الحصر، لوجدناه يتكئ على رواية “الربذي”، أي أنه وبمعنى ما، يستلهم أخبار تلك الفترة ليروى واقعه الراهن.

في أي حال، تكمن المحكاة إذاً، في همّ سميح القاسم الشعري. بيد أن محاكاته هذه، لا تأتي لمجرد العبث أو اللهو، أو ضرب من ضروب التجريب المجاني، لكنها تأخذ سمة هذه الثنائية الكامنة ومظهرها في العملية الشعرية بأكملها والتي تتجلى في أكثر من مجموعة. ثنائية ترتكز على حوار القديم والجديد، على الأصوات المختلفة، على الأزمنة الغابرة والآنية. كأن هناك صراعات متعددة في شعره، وأول هذه الصراعات معركته الداخلية في ترجيع الألم، ألمه، الذي يتكئ بدوره على ألم غيره. وأيضا في هذه النبرة المغلّفة بالحزن، ليغني أمل المستقبل. أضف إلى ذلك كلّه، تأرجحه بين أسلوبين أو مناخين في الكتابة، فاللافت في مجمل شعره إصراره على كتابتين: الأولى ترتكز بشكل أساسي على “تفعيلة” وجدت امتدادها مع بداية الحداثة العربية في الأربعينيات وهي، بشكل ما، خميرة كتابة القاسم، بل تشكل “لغته” التي كتب بها غالبية شعره، والثانية محاولته الإفلات من قيد التفعيلة والقافية، لينطلق بعيدا عنهما، وكأنه بذلك يحاكي قصيدة النثر. مزيج قد يبدو غريبا أحيانا، ولكنه مزيج ذكي في أحيان عدة، لا سيما لو قرأناه ضمن إطار هذه الثنائية التي يحاول القاسم أن يرسم بها مناخاته. هذه الكتابة المزدوجة، إذا صح التعبير، هي محاولة لشقّ طريق خاص بالشاعر نفسه، من دون أن ينسى ماضيه، أي أنه يلعب اللعبة المزدوجة في المزج بين زمانين وكتابتين ومناخين، وبذلك أيضا هو يمزج بين “شعرين”.

لم يبتعد سميح القاسم – حتى في أكثر لحظات شعره حميميّة – عن الواقع العربي المثقل بالألم والحزن والهزيمة والضعف. إنه بشكل آخر يكتب المأساة الفلسطينية الحاضرة/الغائبة.

تبدو المأساة حاضرة في خلفية المشهد، أو في خلفيّة الفكرة التي تسبّبت بكل هذا الألم، لكنها غائبة في أن تكون مباشرة. لا يصرخ بصوت عال يدل على وطنه، وإنما يحضر هذا الوطن في نسيج القماشة التي ينسج بها تلاوينه وتجربته. وطنه هو المصدر الذي يستلهم منه البكاء، لكنه بكاء خافت، نشيج داخلي، ينجح في أن يجعله يمتلك أصواتا عديدة ومناخات متعددة وفضاءات بعيدة. أي أن الشاعر يحاول أن يجعل من تجربته الذاتية تجربة متعددة التدرجات. إنه وفي الوقت ذاته وحدانيّ ومتعدّد، حاضر وغائب، عام وخاص.

من هنا يمكن لنا أيضا أن نفهم هذه الثنائية في التركيب الكيميائي (وهذه كلمة غالبا ما كان يستعملها في شعره)، إنها – أي الكيميائية – تحاكي الروح والجسد، تحاكي البداية والنهائية، تحاكي بشكل أوسع الحياة والموت.

اللعبة الشعرية بأكملها، ترتكز على هذين المفهومين الكبيرين: الحياة أو الموت. شاعر القضايا الكبرى هو القاسم، وحتى حين يلجأ إلى الجنوح نحو كتابة المشهد المؤسَّس على تفاصيل وأخبار صغيرة، فإنه لا ينسى هذا التضادّ: الحياة والموت. وبمعنى آخر، تتأسّس الكتابة عند القاسم بين الشعر “واللا شعر” أي بين الكلام الذي يأتي بصمت وبين المحاولة لإطالة الشرح وأحيانا في بعض الهذر الذي تفترضه كتابة القافية والتفعيلة.

مشدود هو سميح القاسم في شعره إلى الاتكاء على النبوءة والأسطورة. ولكن الشاعر هنا، ليس رائيا، مثلما تعارفنا على هذا المصطلح. إنه نبي معكوس. أي أن القاسم غالبا ما يجرّد كل هذه الدلالات التي يستعملها من معناها الحقيقي ليعطيها أبعادا تتناسب ومضمونه. إنه “نبي” الشتات. وهذا الشتات يدفع الشعر إلى أن يكون خلاف ما هو عليه. إنه تاريخ ضارب في العمق، لكنه تاريخ زمن مهدور. إنه تاريخ مجيد، لكنه أيضا، تاريخ يرتع في أشلائه وقذاراته. إنه تاريخ التحولات والمتناقضات. تاريخ بدون تاريخ في العمق.

لو حاولنا أن نبحث في العمق، في شعر سميح القاسم، لقلنا إن كتبه (الشعرية) ليست سوى كتب المنفى (وإن بقي في وطنه)، وكتبِ الوداع وكتبِ القلق ولكن كتب الأمل وكتب الحبّ وكتب السرنمات.. كتب متعددة، لكنها تشكل كتابا واحدا. لأنها لصوت واحد مليء بالألم والحزن والوداع والتعب. أشكال متعددة لرجل يسائل حاضره عبر الماضي، ويسائل ماضيه عبر الحاضر، بكل ما يحمله هذان الزمنان من جثث وقتل وألم وقبور وتبلورات. من هنا، لا يبدو شعره سورة صورة لحياة يتساءل الشاعر عن معناها، وبخاصة في شقّها الاجتماعي – الإنساني.

وعَوْداً على بدء، فكما بدأت هذه الكلمة بجواب من سميح، أنهيها بكلمة أخرى من حواري الأخير معه. فعن سؤال عمّا إذا كان لا يزال يشعر بأنه “محكوم بالأمل” قال: “لا لسنا محكومين بالأمل، أنا لا يحكمني الأمل. أنا أبدِع هذا الأمل. أنا أخلق هذا الأمل، لأنه أملي الأخير. بدون أمل نفقد مبرر وجودنا كبشر، كأفراد. أنا كفرد، كمواطن عربي، في وطن عربي افتراضي، يحكمه العرب افتراضياً، في كينونة افتراضية. الكينونة العربية الآن هي افتراضية غير حقيقية، وهميّة بالمطلق، وبشكل فاجع جداً. وليس من قبيل الغرور، إذ أرفض أن أُتّهَمَ بالغرور وبالكبرياء وبالعجرفة والعنجهية، أرفض هذه التهم سلفاً لأنها تهم باطلة، بل من منطلق المسؤولية الإنسانية، المسؤولية الشخصية تجاه نفسي. أنا لا أريد بقصيدتي أن أحرر الأمة العربية بل أريد أن أحرر ذاتي. لا أريد أن أحرر الوطن العربي الكبير، أريد أن أحمي منزلي وحديقته ومقبرة أجدادي وبقعة الأرض التي سأدفن فيها والتي تغيرت ثلاث مرات لأسباب شتى. هذا هو دور الثقافة، هذا هو دور القصيدة. برأيي يبقى دور الشاعر أكبر من دور الجنرال هذه هي وجهة نظري”.

اسكندر حبش

عن اسكندر حبش

إعلامي وشاعر لبناني

شاهد أيضاً

tarik03

إفتحوا النوافذ

  لم أعرف أن أستاذي الأول، في الصفوف الابتدائية في المدرسة الرسمية في رشميا بقضاء ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>