مجلة فكرية سياسية يصدرها ماركسيون ويكتب فيها مفكرون وباحثون ومبدعون وطنيون من مختلف التيارات الديموقراطية في البلدان العربية
- أسسها أنطون تابت عام 1941
- أصحابها: ورثة أنطون تابت
- رئيس التحرير: محمد دكروب

للتواصل

هاتف/فاكس: 01657751
خلوي: 71505575
صندوق البريد 5175-15 البسطة
بريد التحرير:
editor@al-tarik.com
بريد الموقع الالكتروني:
wmatta1977@gmail.com
كما يمكنكم التواصل مع "الطريق" عبر موقعي فيسبوك وتويتر

الاشتراك السنوي

لبنان: 50 دولاراً للأفراد و75 دولاراً للمؤسسات.
البلدان العربية باستثناء المغرب العربي: 70 دولاراً للأفراد و120 دولاراً للمؤسسات.
أوروبا والمغرب العربي وأفريقيا: 90 دولاراً للأفراد و120 دولاراً للمؤسسات.
أميركا وأستراليا: 130 دولاراً للأفراد و180 دولاراً للمؤسسات
التحويل:
Beneficiary: Hana Safieh & or Salah Khoury
Account No: LB 19 0108 0000 0000 0061 8249 6002
Address: First National Bank - Sal Mazraa Branch - Cornich Al Mazraa - Achi Bldg
Swift Code: Finklbbe
* الأسعار تشمل أجور البريد

فايسبوك

40 عاماً “على الطريق”.. مع “السفير” وطلال سلمان

محمد دكروب

أربعون عاما على “السفير”، أنا أعتبرها أربعين عاماً من السياسة الوطنية التي تعنى وتهتم بلبنان وبالعالم العربي، كما إنها أربعون عاماً تحمل ثقافة وفكراً وروحيّة مختلفة. وأستطيع أن أقول بوضوح إنها روحيّة مختلفة في الصحافة اللبنانية، على صعيد المستوى الثقافي والعطاء الثقافي الذي تقدّمه والذي يستقطب عدداً كبيراً من الكتّاب، وليست مقتصِرة على نفر معيّن من اتجاه محدّد.

أتذكّر أننا كنا، ذات يوم، ننتظر صدور جريدة اسمها “السفير” – كنت يومها لا أزال شاباً – ننتظر كيف ستصدر هذه الجريدة. أستطيع أن أؤكّد، وإن كانت ذكرى العدد الأول غائمة بالنسبة لي، أن هناك نغما جديدا في حياتنا الثقافيّة، الصحفية، والسياسة الوطنيّة، جاءنا من جريدة “السفير”. وبهذين النغم الجديد والروحيّة الجديدة، استمرّت “السفير” ، بقيادة الصديق العزيز طلال سلمان.

طلال سلمان يمتاز عن سواه بكونه يمتلك روح الكتابة الثقافيّة الأدبيّة، ليس كاتباً سياسياً يكتب الافتتاحيّات فقط، بل لديه مشاركات فكريّة وخاصّة في “هوامش” المليئة بالثقافة والمعلومات عن عدد كبير من الكتّاب العرب. هذا الجانب أؤكّد أنه غير موجود عند مختلف رؤساء تحرير الصحف اللبنانية. الروحية الثقافية الشموليّة والمدى العربي ثقافيا وسياسياً. فالملحق الثقافي يمتلك مدى عربياً واسعاً، وموضوعات راهنة ثقافيّة، أنا أغتني به كلّما صدرت.

لذلك حرصنا أن نبيّن المدى الثقافي للمقالات الصادرة في جريدة “السفير” بشكل عام، والروح العروبيّة في “السفير”، بالإضافة إلى الأساس اللبناني من خلال الاتصال بمختلف الأطراف اللبنانية. فـ “السفير” لم تعزل نفسها عن المحيط كلّه. وأستطيع أن أقول إنها في مختلف مقالاتها، حتى السياسيّة، لا تغادر مستواها الثقافي والكتابي. عندما نقرأ المقالات والافتتاحيّات نجد المستوى الثقافي عميقاً، وهذا أيضا وجوده نادر في الصحافة اللبنانية. يبدو أنّ نزعة طلال سلمان الثقافيّة الفكريّة وذوقه الثقافي الأدبي هو، شاء أم لم يشأ، بشكل واعٍ أو لا، يُبرزان في صياغته توجه السفير بهذه الروحية، خاصة في الفترة الأخيرة، أنّ المحاور الثقافية التي يبذل فيها عباس بيضون جهداً واضحاً، مفيدة جداً، وأنصح بقراءتها.

ومن خلال تجربتنا  الثقافية مع صاحب “السفير” أذكر أنّ ما كتبه طلال سلمان عن كتاب “السنديانه الحمراء” واعتبره وثيقة مهمة تؤرخ لحقبة مفصلية في تاريخ لبنان وسوريا والحركة الشيوعية عموماً.

وبدوري، كنت أتصل به بعد إصدار كل كتاب من كتبه، ناقداً ومشجعاً. سواء عندما أصدر أجزاء عدّة من “على الطريق” السياسيّة أو “هوامش” الأدبية. وقد اهتممت اهتماماً خاصاً بمراجعة كتاب “هوامش” بأجزائه الثلاثة، إذ أعتبر أنّ هذا اللون من الكتابة بقلم صحافي محترف، ورئيس تحرير جريدة سياسية، سابقة  و حدث ثقافي بامتياز.

وقد شجعني طلال سلمان عند إعادة إصدار مجلة “الطريق”. وكان يتصل بي بعد كل عدد فيحييني ويهنئني على الجهد المميز المبذول في هذه المجلة التي كانت مهددة فأنقذها دأبنا وجهودنا.

على مدى أربعين عاماً، كان حضور “السفير” دائماً ولا يزال، كنا ننتظر صدور “السفير”، منذ العدد الأول، وكان عدداً يبيّض الوجه وبقيت على هذا المستوى. أستطيع أن أقول أنّ مثلث الوطنيّة اللبنانيّة، العروبة وروح التوحيد العربي وروح الإطلالة على العالم المتقدّم… هذه الروحيّة واضحة منذ العدد الأول في “السفير”. ولم تكن “السفير” يوماً لفئة واحدة من اللبنانيين، “السفير” هي لمختلف الفئات وخاصّة بجانبها الثقافي. وهذه الميزة  لها حضورها الواضح في الصحافة اللبنانية وفي الثقافة اللبنانيّة.

ولقد كتبت هذا التقديم لأؤكّد انطباعي الحقيقي، لأنني رافقتها، وأنا أسعى هنا إلى توصيفها كجريدة وبالذات الجانب الثقافي فيها.

لكلّ هذه الأمور التي ذكرتها، ولأنّ أربعين عاما، في الحياة الثقافيّة اللبنانيّة، ليست مسألة سهلة. أربعون عاماً و“السفير” مستمرة بصعودها، وأقصد الصعود لأنّ “السفير” ليست ثابتة في مكانها من التطور، بل هي ثابتة في موقعها الوطني العربي، لكنّ الصعود في مستواها السياسي، الثقافي المتنوّع، مستمرّ.

وأعتقد أنّ شخصيّة طلال سلمان لها التأثير القوي على استمراريّة هذا التوجّه في “السفير” منذ عددها الأول حتى الآن، إذ يتميّز طلال بـ“حب”عمله، وبحبّه للأشخاص الذين يكتب عنهم. لديه كمية من الحب نادرة في الميدان الثقافي.

عن مسيرة طلال سلمان وعن “السفير” في عيدها الأربعين، تجري “الطريق” هذا الحوار:

طلال سلمان.. حوار العمر

حاوره محمد دكروب

بالاشتراك مع سارة ضاهر

الجزء الأول:

بدايات ومسيرة

< الطريق: حدّثنا عن مسيرتك، عن طموحك الصحفي؟

0طلال: تربّيت في منزل بسيط، كان والدي منتسباً إلى سلك الدرك، وقد تمّت ترقيته رتبة عبر السنين حتى وصل إلى باش شاويش. في شبابه الأول تمّ إنشاء المدرسة الرسميّة في بلدتي شمسطار، أعتقد أن ذلك كان سنة 1932، وكان والدي قد تجاوز سنّ الانتساب إليها، وكان صوته جميلاً، يقول العتابا، واللون البقاعي من الفولكلور المغنّى. ومن خلال سهرات السمر، نشأت علاقة ودّ بينه وبين الأستاذين اللذَين تمّ تعيينهما في مدرسة شمسطار، أحدهما عبد الرحمن الكوش من بيروت، والآخر من صيدا واسمه كمال البيضاوي. أصبحوا أصدقاء، فقالوا له أنّ العتابا تحتاج إلى لغة، يجب أن تقوّي لغتك.. وأخذوا يؤمّنون له الكتب، فيها دواوين شعر، وقصص وروايات… ولقد فرح الوالد باكتشاف عالم القراءة السحري، فأقبل عليه. عندما وعيت الحياة، وجدت في المنزل مجموعة من أمّهات كتب اللغة، من “مجمع البحرين” إلى ديوان شوقي وخليل مطران، إلى “محيط المحيط” وروايات “الهلال” و “ألف ليلة وليلة” لكرم ملحم كرم… ثقافة عشوائيّة، تقريباً زادت شغفي بالكلمة، نثراً وشعراً، وكأنّ هذه الكتب شجّعتني، فاستهوتني القراءة، وأخذت أقرأ. بدأت علاماتي تتميّز في المدرسة، خصوصاً في مادة الإنشاء العربي، في المدارس التي تعلّمت فيها. إلى أن وصلت إلى صفوف المرحلة المتوسّطة في مدرسة المختارة الرسميّة، وفي الرابع المتوسط، كان الأستاذ فوزي عابد يدرّسنا مادّة اللغة العربية، أعجبته كتاباتي كثيراً، فكتب لي على الدفتر: “إذا ثابرت ستكون محامياً قديراً أو صحافياً كبيراً”. وهذه كانت أوّل مرّة ترنّ في أذني كلمة صحافيّ موجّهة إلي. بدأت أرسل إلى “بريد القرّاء” في مجلّة الحزب التقدّمي الإشتراكي “الأنباء”. كم فرِحت عندما قرأت اسمي مطبوعاً فيها لأوّل مرّة.

<: هل كان هذا “الاسم المطبوع” شرارة قرارك أن تصبح صحافياً؟

0: كلا، بصراحة، يجب أن أعترف أنني دخلت عالم الصحافة اضطراراً. في أحد الأيام، عندما كان والدي رئيس مخفر بلدة المتين، ناداني، وطلب مني أن نتنزه قليلاً. كان يريد أن يسرّ لي بأمر، وبدا مهموماً وشارد البصر. قال لي :”أنا لدي ستة أولاد غيرك، ويجب أن أتحمّل مسؤولياتهم، وأنت قد وصلت البكالوريا، وكل ما أقدر أن أعطيك هذه الليرات الأربعين، دبّر رأسك، دبّر عملاً، ودبّر كيف تواصل دراستك. وفقك الله”.

<: ماذا فعلت؟

0: قررت أن أحاول مع الصحافة، ولو في التصحيح، لأنني لا أتقن أية مهنة، ولأنني أجيد الكتابة نسبياً. نزلت إلى بيروت، وسكنت عند أقربائي في جديدة المتن، كانت بناتهم يعملن في مصنع للنسيج وشبابهم يعملون في معمل السكّر، وأحوالهم الماديّة سيئة، فكنت ضيفاً ثقيلاً عليهم. بدأت البحث عن عمل. ولكن أين أبحث وأنا لا أجيد أية مهنة؟ لا مال، لا سكن، لا معارف…. فقط كلمة الأستاذ فوزي عابد بقيت عالقة في ذهني صحافياً كبيراً. كانت هناك جريدة اسمها “النضال” تصدر ظهراً، وتضع إعلانات: مطلوب محرّرين، مطلوب مصحّحين… ذهبت، وعملت كمصحّح، والراتب كان مئة ليرة في الشهر. بعد أيام عدّة، طلب إليّ أن أعمل في التحرير، وأعطاني صاحبها الدرس الأول، ذهبت إلى مكتبه، أمسك بالمقص، وقال لي: “هل تعرف ما هذا؟” قلت له: “نعم، مقص!” قال لي: “هذا رئيس التحرير يا غبي. المهم أن تعرف كيف تستخدمه!”، وصلنا إلى آخر الشهر، وإذ المعاش بكامله مخصوم! والسبب أنّني وقفت مع والدي في ممرّ المكتب، داخل مبنى الجريدة لدقائق… فعطّلت الإنتاج! أبَت عليّ كرامتي أن أستمرّ، فتركت العمل. وعدت إلى البحث عن فرصة أخرى. كنت أعرف صاحب مدرسة اسمه حسن المقداد، أخذني عند السيّد عباس الحاج  وكان تاجراً له هيبته في سوق الخضار بالجملة. وهو كان صديق السيّد خيري الكعكي صاحب جريدة “الشرق” التي كانت تصدر ظهراً. فقال لي :”لا يوجَد أجر! لن أدفع لك المال!”. ثمّ سلّمني إلى عبد المطلب فضّة وسليم كافي وآخرين يصدرون الجريدة. كلّفوني أن أجول على مديريّة الشرطة والإطفاء. فكنت أخرج من بيت أقربائي في الجديدة، في الصباح الباكر من كل يوم، مشياً إلى الدورة، أتعمشق بالترمواي كي أصل إلى جريدة “الشرق” عند السانت فاميي في الجميزة، ثمّ أعود سيراً إلى ساحة البرج، حيث ألملم بعض الأخبار، حين يحنّ عليّ بعض الشرطيين، عندما يعرفون أنّ والدي كان دركيّاً، كانوا يتعاطفون معي بسبب رابطة البذلة بينهم وبين والدي. ثمّ وجدني أركان التحرير ناجحاً، فكلّفوني بأخبار السراي! بعد ثلاثة أشهر، من العمل المجاني، قرّر الأستاذ خيري كعكي  أن يصرف لي مرتّباً عشر ليرات في الأسبوع!

<: وبعد ذلك؟

0: المرحلة التالية في مسيرتي تتمثّل في تعرّفي إلى الصحافي المعروف سليم اللوزي صاحب مجلّة “الحوادث”. فعشيّة انفجار ثورة 1958 أقيم مهرجان للمعارضة في أرض جلول في منطقة  الجديدة. ووقعت اشتباكات بين قوى الأمن والمتظاهرين وأطلق الجند النار فقتل بعض المتظاهرين، وقتِلت مصادفة خادمة تعمل في بيت سليم اللوزي وكان آنذاك في شارع حمد. وشكّل الحادث نقلة حادّة في موقف سليم اللوزي إذ اندفع إلى مهاجمة الرئيس كميل شمعون بحدّة. فكان أن اعتقل وحكم عليه بالسجن لمدّة محدودة. ولأنه وجيه قومه فقد تمّ تحويله من سجن الرمل إلى سجن مستشفى الكرنتينا الذي كان عبارة عن بضع غرف مخصّصة لأصحاب الحظوة. وللمصادفة فقد كانت المقادير قد قادت والدي إلى رئاسة مخفر سجن مستشفى الكرنتينا. وهكذا فوجئ ذات يوم بسليم اللوزي يُحمل إليه فرحّب به أجمل ترحيب لأنه كان معارضاً في موقفه السياسي ومتعاطفا مع خصوم الرئيس شمعون. كنت أتردّد على والدي باستمرار. وفي أحد الأيام، عرّفني إلى سليم اللوزي، وكنا نحن الثلاثة متحمّسين لعبد الناصر. وكنا دائماً نجتمع ونتحدّث في السياسة ونحلّل الأوضاع الدوليّة والعربيّة. انتهت مدّة سجن سليم اللوزي، فطلب إليّ الاتصال به. ولقد امتنعت حتى لا يبدو أنني اطالبه برد  الجميل لوالدي بمنحي فرصة العمل في مجلّته. ثمّ فوجئت به يتصل بي بعد فترة ليقول: أريدك معنا في “الحوادث“! كان شفيق الحوت سكرتيراً للتحرير، والمحرّر الفني وجيه رضوان، والكاتب نبيل خوري، اما المجدد وصاحب الاسلوب الفريد والكاتب دائماً بقلم غيره فهو “البيك”، منح الصلح، إضافة إلى صاحبها الصحافي المميز، خريج اهم دارين للصحافة في مصر: “روز اليوسف” و“دار الهلال”، والمبتكر دائماً سليم اللوزي. كُلّفت بمهمات النزول إلى المطبعة، التصحيح، والإشراف على بعض المواد واستلام بريد القرّاء، وبعد فترة سمحوا لي أن أكتب زاوية في “بريد القراء”. بعنوان “شطحة” كنت أتعلّم بشغف، وأصبحوا يوكلون إليّ بعض مهام التحرير وإجراء التحقيقات، بعدما اكتشفوا أنّ لغتي جيّدة. ووجدت سريراً في غرفة في فندق في شارع المعرض، الليلة بليرة، وبدأت أنام هناك. واستمرّيت في التقدم حتى أصبحت سكرتيراً للتحرير بعد حوالي سنة ونصف السنة على العمل ورفع مرتّبي من 125 ليرة إلى 175 ليرة ! سنة 1959 اعترض شفيق الحوت على وضعه وطالب بزيادة راتبه، تضامنت معه. عرض علينا رياض طه العمل معه في مجلة “الأحد”، فرفع سليم اللوزي أجر شفيق الحوت، واسترضاه، اما انا فقد انتقم مني سليم اللوزي، وخرجت إلى مجلة “الاحد”.

في الزنزانة

<: كيف كانت تجربة مجلة “الأحد”؟

0: في “الأحد” عملت في مختلف المجالات، وكنت أكتب حوالي ثلثها. في هذه الفترة كانت ثورة الجزائر في أوجها، وكان هناك مندوب إعلامي للثورة الجزائرية، يحمل دائماً حقيبة صغيرة، يحضر لنا الصور وأخبار المواجهات بين الثوار وجنود الاستعمار الفرنسي. وكنا متعاطفين ومتحمّسين للجزائر، فأصبحنا أصدقاء أحمد الصغير جابر وأنا. في تموز 1961، كان مريضاً إذ أصابته قرحة في معدته وكان يتردّد على الأطباء، فنصحه بعضهم أن يسكن في منطقة جافة المناخ، فذهب إلى ضهور الشوير، ولأنه لا يستطيع أن يستأجر غرفتين طلب إليّ أن أبقي بعض أغراضه في منزلي، فأحضر شنطتين وآلة كاتبة، ووضعهما عندي في غرفتي في حي السريان بوطى المصيطبة، وكانت تسكن معي شقيقتي سلوى. تمّ إلقاء القبض على أحمد الصغير جابر، وأخذت الصحف تضخّم موضوع أحمد الصغير: “القبض على أخطر عصابة تجسّس”…”العصابة تحضّر انقلابات في البلاد العربية وتهرّب السلاح وتزوّر العملات”…الخ… وذات ليل، عند الساعة الثالثة فجراً، سمعت طرقاً مدويّاً على باب غرفتي، فتحت الباب فوجدت ثلاثة شرطيين من الأمن العام، سألوني عن أغراض أحمد الصغير، فأرشدتهم إليها. أخذوني من المنزل مع الحقائب. وبدأوا التحقيقات وأنا مكلبج ومربوط إلى حديد الشباك. نمت على الكرسي! ثمانية أيام وأنا في نظارة الأمن العام. ثمّ نقلونا إلى نظارة المحكمة العسكريّة. تسعة أيام في نظارة المحكمة العسكريّة. ثمّ المحاكمة العسكريّة ومن هناك إلى سجن الرمل، وأنا إلى الزنزانة الانفراديّة باعتباري خطيراً. 15 يوماً في الزنزانة، ومن هناك إلى القاووش لمدّة ستة أو سبعة أيام. المحكمة العسكريّة حكمت لنا بالبراءة: فقلت لرئيس المحكمة الزعيم أنور كرم: ماذا أفعل بهذه البراءة؟ أنا خسرت عملي وسمعتي! فقال لي :”اشكر ربّك يا ابني يللا الله معك!”

<: ماذا حدث خلال فترة سجنك؟

0: شطب رياض طه اسمي عن المجلة، طوال فترة سجني، ولم يزرني ولم يسأل عني! ومنع أصدقائي في الجريدة أن يسألوا عني! إذ أبلغهم الأمن العام أنّ التهمة خطيرة وثابتة عليّ. كان والدي يدور على الزعماء والنواب ليتوسّطوا لي، فيقولوا له :”القضيّة كبيرة،  كبيرة كتير، لا نستطيع أن نتدخّل!”.

<: ماذا فعلت بعد أن خرجت من السجن؟

0: عدت مكسوراً إلى “الأحد”، لأنني بحاجة إلى العمل كي أعيش!

إلى الكويت…. ثمّ “الصياد”

<: لماذا لم تبحث عن عمل آخر؟

0: كانت قضيّة السجن لا تزال طازجة، وليس من السهل إيجاد عمل جديد. ولكن، بعد حوالي سنة، قال لي أحدهم أنّ رجلاً من الكويت يريد أن يراني. ذهبت لمقابلته، كان السيد عبد العزيز المساعيد صاحب جريدة “الرأي العام” وأبلغني أنه يفكّر في إنشاء مجلّة، ويريدني أن أتولى هذه المهمة. ذهبنا إلى الكويت في تشرين الأول 1962، وبعد العمل لعدّة أشهر، أصدرنا مجلة اسمها “دنيا العروبة”، عملنا كثيراً ولأوقات طويلة متواصلة، كان يريد إصدار المجلة في مناسبة عيد الجلوس في الكويت. وقد أصدرنا أول عدد في 25 شباط، وكانت أول مجلة سياسيّة بغلاف ملوّن في الكويت. في الأول من أيار، كنا متحمّسين، وأصدرنا عدداً خاصّاً بهذا اليوم، المرتبط بحقوق العمال! كانت هناك حركة عماليّة نقابية مهمة في الكويت، وبعد هذا العدد، جاء عبد العزيز المساعيد فقال لي :”إن التويني (بمثابة وزير الداخلية) يقول أنك شيوعي”! شيوعي في الكويت! فهمت رأساً، رتّبت أوراقي، وحصلت على جواز سفر بدل عن ضائع، لأنه لم يكن بإمكاني الحصول عليه من المساعيد، إذ كانوا يحجزون جوازات سفر العمّال. واستدنت ثمن التذكرة وعدت إلى لبنان.

عدت إلى لبنان، أريد أن أعمل. وجدت صعوبة في أن أدور على مكاتب الصحف بحثاً عن عمل. كان هشام أبو ضاهر يصدر “المحرّر الأسبوعي” واتفقت معه أن أكتب صفحة أسبوعياً، لكنّ المردود كان قليلاً. وفي أحد الأيام جاءتني هدية قدرية: اتصل بي الأستاذ سعيد فريحة قال لي: أريد أن أراك. وحين التقيته قال: “أريدك أن تكون مدير تحرير “الصياد”. اتفقنا على معاش 2000 ليرة في الشهر! وبدأت العمل لثلاث سنوات من 1963 حتى 1965. كنت أصدر المجلة وحدي تقريباً، وقد أنهكني هذا الوضع.. وحدث أن اتصل بي رياض طه لأنه يريد إنقاذ  مجلة “الأحد”. وفي “الصياد” لم تكن هناك فرصة لزيادة مرتّبي، فتركت وذهبت إلى “الأحد” آملاً أن أجدّد فيها… لكنني، سرعان ما وجدت أنّ الحال ميؤوس منها.

<: لماذا كانت الحال ميؤوساً منها في “الأحد”؟

0: كان همّ رياض طه الدخول في الانتخابات، فأهمل المجلة، إلا في ما يعنيه. ثمّ ذهبت إلى “مجلة الحوادث” مرّة ثانية، سنة 1968، كمدير للتحرير، لكنّ سليم اللوزي، جاءته دعوة من أميركا، ووافق على قبولها… وأحدث ذلك صدمة سياسيّة في أوساطنا، نحن أسرة التحرير… ناقشناه بحدّة، وطالبناه برفض هذه الدعوة من عدوّنا الذي قاتل ضدّنا في حرب 1967… لكنّه أصرّ، فتركت المجلة. بعد فترة اتصلوا بي من “الصياد” عدت إلى هناك.

<: كيف كانت عودتك إلى “الصياد”؟

0: سنة 1968، بعدما عدت إلى “الصياد” مجدّداً، كان جان عبيد قد جاء واستلم رئاسة تحرير المجلة، ولقد ساعدني لأن أكون مراسلاً متجولاً في الدول العربية، وبدأت أسافر إلى العواصم وألتقي صانعي الأخبار. هذه هي المرحلة الحاسمة في تكويني المهني. انتهيت من مرحلة المحليّات، وأخبار “صرّح وقال …” ذهبت إلى بغداد، وتعرّفت إلى صدام حسين، وأجريت معه حوارا طويلا، ورسمت له بالكلمات بورتريه خاصّاً. أجريت تحقيقات عدّة عن العراق، جيدة على المستوى المهني، كانت تلك أول مرة يعرف الناس صدام حسين عن قرب، هذا الرجل الذي كان لغزاً بالنسبة للعالم العربي. ثم ذهبت أكثر من مرّة إلى العراق. بعدها أجريت مقابلة مهمة مع ياسر عرفات في الأردن، بعد معركة الكرامة مباشرة، وكان حواراً طويلاً ومختلفاً، وحافلاً بالنقاش الجدّي. ثمّ أرسلوني إلى السودان سنة 1969، ثورة هاشم العطا، وإلى القاهرة في زيارات ومهمات عديدة… كنت أجري مقابلات مع السياسيين، وفي الوقت نفسه كنت أبحث عن الشعراء والكتّاب وأهل الطرب. إضافة إلى عملي، كنت أذهب ليلاً إلى السهر. كذلك الأمر في الأردن. وهكذا اغتنت مفكّرتي بأسمائهم وعناوينهم.

المشروع المغامرة

<: ارو لنا طابع المغامرة، مغامرة تأسيس جريدة “السفير”…

0: أولا، في مرحلة أواخر الستينات، أوائل السبعينات، كانت المنطقة كلها تغلي على مختلف الأصعدة: هزيمة حرب سنة 1967، المقاومة الفلسطينية في لبنان، الحركة الوطنية في لبنان، حرب الاستنزاف التي باشرتها مصراً ضد العدو الاسرائيلي في منطقة قناة السويس، توكيداً لقرار العودة إلى الميدان ومحو آثار الهزيمة، وفاة الرئيس جمال عبد الناصر… ولكن الهم الأساسي ظلّ فلسطين والاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب القضايا الوطنية. في فترة 1968 ، كما ذكرت، تركت رئاسة التحرير في “الصياد”، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي المهنية، التي أعتبرها مرحلة بناء ذاتي كصحافي عربي متجوّل لتغطية الأحداث في مختلف البلاد العربيّة. ولقد منحني هذا التحوّل فرصة لإنشاء علاقات على المستوى العربي. وبحكم تكويني، رغباتي وميولي، أنشأت علاقات على خطّين متوازيَين: سياسي وثقافي. فقد كنت في كل بلد أزوره، أبحث، إضافة إلى السياسيين والقياديين والحزبيين، عن الكتاب والشعراء والموسيقيين الكبار، وأحاول أن ألتقي بهم… قد يكون استجابة للنزعة الشخصيّة والتعرف عن قرب إلى الوجدان الوطني في تلك البلدان.

النقلة الكبيرة كانت سنة 1971 في القاهرة، تعرّفت إلى محمود درويش وإلى كثيرين غيره، وجرت أحداث كثيرة لا مجال لذكرها هنا… وخلال هذه الفترة، أستطيع أن أدّعي أنني كوّنت صداقات في كل من سوريا، العراق، الأردن، الثورة الفلسطينية، السودان، مصر، ليبيا…

<: لكنّك كنت أكثر ميلاً إلى السياسة، نستطيع أن نقول أنّك كنت محرّراً سياسياً مثقفاً.

0: بالطبع، أنا في الأساس محرّر سياسي، ومهمتي إجراء مقابلات ولقاءات مع رجال السياسة، ولكنني أعتبر أنّ السياسة وحدها لا تعكس روح البلد. أي بلد نذهب إليه، نجد قادة سياسيين وزعماء أحزاب، وحكّاماً ومعارضة، حتى لو كانت تحت الأرض كالذين قابلتهم في مصر، سوريا، العراق وأقطار عربية أخرى… وهؤلاء يشكّلون المسرح السياسي، لكنّ هذا المسرح لا يعكس روح البلد كلّها. ما يعبّر عن روح البلد فعلاً هو الأدب، الرواية، المسرحيّة، الخواطر، المغنى، الموسيقى، الرقص… كنت دائما أخصّص هامشاً من وقتي للمجال الثقافي. لذلك كوّنت ثروة من الصداقات الأدبية، توازي القادة السياسيين أو زعماء الأحزاب الذين عرفتهم. بين 1968 و 1973.كنت أعيش في الطائرة تقريباً، لكثرة ما سافرت وتنقّلت. وهكذا كوّنت خلالها ثروة من العلاقات العربية. وفي سنة 1973، بدأت أشعر أنني أريد مساحة أوسع من تلك التي كانت متاحة لي في “الصياد”.

<: تقصد هنا مساحة التعبير عن الرأي أو مساحة “الوظيفة”؟

0: هناك عوامل عدّة اجتمعت، وكوّنت لديّ هذا الانطباع. أولا مساحة الرأي، أي مساحتي. كنت أشعر أنّ لديّ الكثير لأقدّمه. كنت أحسّ، وأنا مراسل سياسي، أنّ المادة السياسية مرَحّب بها مع شيء من التحفظ يحد من حريتي، أما المواد الأخرى، فلم تكن تجد لنفسها المساحة بسهولة، لم يكن لها مكان شرعي، ولا أستطيع أن آخذ راحتي في كتابتها. وإن كنت قد تقدّمت على صعيد المراسل السياسي في مختلف الأقطار العربية. ففي العراق بين سنة 1968 و 1970، أجريت مقابلات عديدة وتجوّلت في أنحاء البلاد جنوباً حتى الأهوار وشمالاً حتى السليمانيّة وأربيل، وأعتقد أنني كنت أوّل صحافي أجرى مع صدام حسين مقابلة صحافيّة عرفت به العراقيين ومن هم خارج العراق، إلى حدٍ ما. ذهبت مرّات عدّة إلى العراق، وقد تجوّلت في البلد كلّه. إضافة إلى صدام، قابلت أعضاء القيادة الأساسيين بمن فيهم أحمد حسن البكر، طارق عزيز كما اجريت لقاء صريحاً مع الرجل الصعب المللا مصطفى البرازاني والد مسعود … وكلّ أعضاء القيادة القطرية للحزب. كذلك كنت أعرف مصر، ولكن في حدود معيّنة. في هذه الفترة بين 1968 و 1972 عرفت مصر أكثر على الصعيد السياسيّ، عرفت الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة أكثر، إلى حد ما طبعاً، وضمن سقف معيّن. وعرفت مصر أكثر في الجانب الآخر الثقافي، بالإضافة إلى مجموعة من الصداقات، مع رسامي الكاريكاتور، وهُم شعبيون بطبيعتهم، ولهم جمهورهم، مثل بهاجيجو، صلاح جاهين، بهجت عثمان، أحمد حجازي، جورج البهجوري… إضافة إلى الكتاب، المفكرين، الأدباء، الصحافيين الكبار، مثل محمد حسنين هيكل، أحمد بهاء الدين، مصطفى وعلي أمين. كما كنت أعرف سوريا بحدود معيّنة.

<: كيف نشأت “السفير”؟

0: سنة 1971 كنت مراسلاً لمجلّة “الصياد“، أرسلني سعيد فريحة إلى ليبيا. ذهبت إلى هناك، لأول مرة وأجريت مقابلة مع معمّر القذافي، وكان حديث العهد بالسلطة. لم أكن أعرف أحداً في ليبيا إطلاقاً. وصلت إلى البلد، كان المدعو  للزيارة هو سعيد فريحة، وكل ما كان بحوزتي هو رقم هاتف، اتصلت به.

<: كيف كان انطباعك الأول عن القذافي؟

0: في اليومَين الأوّلين لم يتّصل بي أحد. كان كل ما أملكه هو رقم هاتف، وكنت كل 4 ساعات أعاود الاتصال، فيقولون لي :”سنتصل بك”. في اليوم الثالث، في 9 كانون الأول 1971 اتصلوا بي، وجاؤوا بالسيارة عند العاشرة صباحاً لتأخذني إلى حيث يوجد “الأخ العقيد”. بقينا حتى الساعة السادسة مساءً! الساعة الثامنة عادوا واتصلوا بي قائلين أنّ القذافي بانتظاري، وستأتي السيارة لتقلّني. رأيت معمر القذافي بمفرده، قال لي: أريد منك أن تخبرني عن لبنان السياسة، الصحافة، ثمّ تجربة عبد الناصر في لبنان، على المستوى السياسي وخاصة على المستوى الإعلامي. رويت له ما أعرفه، وكيف كان عبد الناصر أهم رئيس تحرير للصحافة اللبنانية لفترة طويلة، وكيف كانت المانشيت تأتي من القاهرة أو بوحي من القاهرة.

بعد أشهر عدّة، اتصلوا بي لأذهب مرّة أخرى إلى ليبيا. طبعاً فرِحَ سعيد فريحة ، وكان يرسل أكثر من 5000 نسخة، دون مرتجع!

وهكذا، عدت وذهبت إلى ليبيا، ثلاث أو أربع مرات، مرسلاً من دار “الصياد” أيضاً. فنشأ ما يمكن اعتباره علاقة ودية بحدود معيّنة مع معمر القذافي شخصيّاً. وبعد لقاءات عدّة، كسبت ثقته،  كان يجري اللقاءات الأساسية معي، وأتميّز عن الصحافيين الآخرين، وكان دائماً يسأل عن الصحافة في لبنان. من الواضح أنّ لديه مشاريع.

 كذلك مع أبي بكر يونس، والخروبي، وشخصيّات عدّة من قياديي الثورة، وان ظلت العلاقة الوطيدة مع القذافي. سألني القذافي حول الإعلام في لبنان، وكيف تعاطى عبد الناصر مع هذا العالم، فقد كان يحاول دائماً، أن يسير على تقليد عبد الناصر. شرحت له الصورة كما نعيشها، إلى حد كبير. وفي أحد الأيام سألني :”ماذا بإمكاننا أن نؤسّس في لبنان؟” قلت له تستطيع أن تؤسّس مركزاً إعلامياً وثقافياً ممتازاً، لأنّ لديك القدرة، المهم أن يكون لديك ما تقوله.

لماذا “السفير”؟

بعد فترة جاء شخص من قبل القيادة في ليبيا، وان تبدى بصورة مستثمر، يريد تأسيس مؤسّسة إعلامية ضخمة، تضم العديد من الجرائد والمجلات. لم أقتنع بهذا المشروع، ولم أدخل ضمنه.  وأبلغتهم أنني لست معنياً به. لكنّ المكلّف عاد وعرض عليّ الأمر، فقلت له :”أنا طَموح، وأريد أن أؤسّس جريدتي، ولكنني أريد تحقيق ذلك ضمن صيغة معيّنة، أن تؤمّنوا لي قرضاً من المصرف التابع لكم، هنا في لبنان، وأنا أعمل على تسديده، كي أصدر جريدتي أريد أن أحقق بمشروعي، أي أنتم تقدّمون لي قرضاً مالياً وتمنحونني مدّة زمنية لتسديد القرض أما الجريدة فلا علاقة لكم بها. قدّموا لي قرضاً قيمته مليون وثلاثمائة وسبعين ألف ليرة لبنانية، وكان ذلك سنة 1973. طبعا في ذلك الحين، كانت كلمة مليون ترن. واعتقدت حينها أنّ المليون ما بيخلص!. تمّت دعوتي إلى ليبيا، لكنني رفضت الذهاب، قلت لهم “أصدِر جريدتي ثمّ أذهب”.

بدأت العمل، ولأنني ابن مهنة، كنت أعرف أنّ الجريدة اليوميّة بحاجة إلى مطبعة. وكان السيد إيلي ربيز، يملك مطبعة، لكنّها غير مخصّصة لطباعة الصحف،  فتفاهمت معه، أن أحضر مطبعة الجريدة، ونضعها في مؤسّسته، وندخل شراكة.

بعد تأمين المطبعة، كان علينا أن نختار الاسم. تمّ عرض امتيازات عدّة مطروحة في السوق. كان صديقي باسم السبع، لديه امتياز جريدة اسمها “الهدى”. كذلك كان هناك امتياز آخر اسمه “الجهاد” يمتلكه مناصفة السيّد جورج عبدالمسيح والسيد حبيب مجاعص الذي كان يصدر مجلة فنيّة… ثمّ عرضوا علينا امتياز “السفير” وكانت للأستاذ الياس الحويك شقيق البطريرك الحويك الشهير في تاريخ لبنان. وجدنا أنّ “السفير” هو الاسم المناسب.

ذهبت إلى مصر، لاستشارة أصدقائي الكبار وفي مقدّمهم الأستاذ محمد حسنين هيكل وكذلك لمناقشة الأمر مع عدد من الأدباء والكتّاب، أبرزهم نجيب محفوظ، خصوصاً وأنني كنت عضواً رسمياً في “الحرافيش”، كذلك لويس عوض، غالي شكري، صلاح عبد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، فتحي غانم، يوسف القعيد وجمال الغيطاني، صنع الله ابراهيم وامثالهم، وهُم وأقرانهم يشكّلون ثروتي الحقيقيّة في مصر. وفي اللقاء مع الأستاذ هيكل، استشرته حول اسم المطبوعة الجديدة بعدما شرحت  مسألة الامتياز. قال لي “الجهاد رنينه ديني، “الهدى” (بلاش دي أبداً)” السفير (يعني إيه السفير؟)… وأخيراً قال لي: اسمع، إن نجحت ما حدّش حيسأل عن اسمك، وإن فشلت لن يشفع لك الاسم لو كان “الأهرام”. ثم قال : “السفير” أفضل.

وهكذا اشترينا المطبعة وحسمنا مسألة الامتياز، وبدأنا الاتصالات والتعاقد مع الموظفين، وكوّنا جهازاً، واكتشفنا أنّ المليون بيخلص!. مع بداية العام، كنّا أنفقنا كلّ مال القرض.

<: كيف بدأت التحرّك في بيروت؟

0: بدأت الاتصالات ببعض الأصدقاء أوّلهم محسن ابراهيم ثم كريم مروة. وأوّل ما فكّرت فيه هو شراء مطبعة.

<: أين كان مركزكم الأول ؟

0: عانينا كثيراً قبل أن يوافق أحد على تأجيرنا مكاتب، بحجّة أنّ الجريدة تسبّب لهم وجع الراس وقد ينسفونها.. حتى رضيَ السيد قاسم مكي وأجّرنا الشقة. ثمّ استأجرنا الشقة المجاورة لها، والتي كان مروان اسكندر يستخدمها كمكتب لمجلته الاقتصادية، لكنّه هجرها، فاستأجرناها.

المهم أخذنا المكتب واتفقنا مع  الشباب وبدأنا العمل.

<: وماذا عن اتّجاه الجريدة، هل عقدت اجتماعات مع “الشباب” حول مفهومك لخطّ الجريدة؟

0: طبعاً، بالنسبة لي، صيغة الجريدة واضحة، بمعنى أنّ هناك 15 جريدة في البلد، ولا حاجة لأن تكون “السفير” مثل أي واحدة منها. كانت لدينا رؤيا مختلفة ومنهج مختلف في التفكير.

<: ولكن ثمّة جهة مموّلة، ولا بدّ أن يكون لها رأيها ومنهجها ومطالبها…

0: الجهة التي موّلت، لم تموّل بالفعل، بقدر ما أسهمت في تأمين القرض. وكان هذا شرطي في الأساس. فالمبلغ قرض من البنك، ولم يكن لأي أحد أسهم في “السفير”، منذ البداية. لذلك قرّرت ونجحت بأن أفرض هذه الصيغة، لأنها علاقة بيني وبين المصرف وليس بيني وبين الوسيط.

أجراس العدد الأول

<: اروِ لنا بعض كواليس إصدار العدد الأول…

0: حين وصلنا إلى إصدار العدد الأوّل، كنا قد أفلسنا. من الحكايات الطريفة أننا أمضينا جلسات طويلة نفكّر بالشعار، وكذلك بالرمز… توجّهنا الأساسي هو توجّه عربي. “جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان”، وقد كان شعار “صوت الذين لا صوت لهم” يعبّر عن وجداني وعن توجّهي.

ونحن في قلب الدوامة، نرفض اقتراحاً وندرس آخر، وصل صديقي الرسّام الكبير حلمي التوني، من مصر، وهو مخرج صحافي ممتاز، وأحد الذين أخبرتهم عن مشروع “السفير”. وصل حلمي من القاهرة، يحمل ماكيت الصفحة الأولى والشعار، وكانت من أغلى الهدايا التي وصلتني. الشعار هو الحمامة، استذكاراً لتاريخ الحمام الزاجل في نقل الرسائل عبر المسافات والمناخات كالسفير. أما اللون البرتقالي فتمّ اختياره بوصفه رمزاً لبرتقال فلسطين ومساحات الرمال الهائلة في الوطن العربي، بينما الحمامة تبرز كقمة جبلية شاهقة.

حكاية أخرى، عن العدد الأوّل. نزل كلّ العاملين في “السفير”، كل الأصدقاء والأقرباء إلى المطبعة، المطبعة جديدة بأبهى حلّة، والشارع مليء بالبشر… والذين يعملون في الجرائد يعرفون أنّ المطبعة تتحرّك بكبسة زرّ يتولاها معلم الطباعة، فيدوّي صوت الجرس عالياً كي يحذر العمّال وينتبهوا، فلا تكون أياديهم قريبة، لأنّ عمليّة الطبع قد بدأت. رنّ الجرس كثيراً ولم تتحرّك المطبعة، مرّة واثنتين وثلاثاً، ولم تعمل، حاولوا فحصها وإصلاحها مرّات عدّة، لكنّها لم تعمل. قاربت الساعة الثالثة والنصف فجراً، ولم تعمل: المطبعة الجديدة! كدت أجنّ.

تذكّر أحدهم أنّ الأستاذ الياس الغريافي صاحب جريدة “نداء الوطن” لديه مطبعة ومنزله على الروشة. ذهبنا إليه، أيقظناه من نومه وكان كريماً معنا. نزلنا معه إلى المطبعة. نفّذنا بلاكيت ثانية، كبسنا الزرّ، لم تعمل المطبعة. أخذني القهر إلى البكاء. كانت الساعة قاربت الخامسة، وموزّعو الصحف بانتظارنا، وإعلاناتنا تملأ البلد: “صوت الذين لا صوت لهم”، “ضدّ الظلم والظلام”… إلخ. الناس ينتظرون، ويتكاثرون في الخارج، ما العمل! عند الساعة السابعة بدأت المطبعة تعمل.

<: أي مطبعة من الاثنتين؟

0: الاثنتان! حتى اليوم كلما تذكّرت تلك الليلة، أغصّ، كانت فرحة العدد الأول في 26 آذار. وبدأنا رحلة العذاب العظيمة.. وما زال رنين الجرس في أذني حتى اليوم!

<: ألم يرافقك الليبيون في هذه الانطلاقة؟

0: كلا، كنت مصراً ألا أذهب إلى ليبيا إلا بعد إصدار “السفير”. وبالفعل، أصدرت “السفير” وذهبت إلى ليبيا. قابلت وزير الإعلام، قال لي :”مبروك، نريد ستة آلاف اشتراك!” قلت له :”لا أستطيع”. سألني مستغرباً :”لماذا؟ “قلت له :”لا أستطيع أن أعطيك أعداداً أكثر من تلك التي أبيعها في لبنان، سيكون ذلك نوعا من الورم الخادع والقاتل بالنتيجة”.

<: بماذا تشعر عندما ترى العدد الأول؟

0: يرتعش قلبي. أولا بسبب ظروفه. ثم لأنه “انجاز العمر”… ولقد كان يتضمن حواراً مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إضافة إلى مقابلات عدّة ابرزها مع الامام المغيب موسى الصدر، ورسائل صحافية من أقطار عربية عدة. صادفتنا إرباكات كثيرة. كان الجميع مستنفراً حاضراً متحمّساً… والجميع ينتظر منّا أن نصدر بشكل مختلف، أي أن يتضمّن العدد الأوّل تبرير صدور “السفير”، أي أنها جديدة لأنها مختلفة، كما ألمحت الحملات الإعلانية المباشرة والصادقة.

<: كانت إعلاناتكم سبباً في اعتباركم يساريين؟

0: طبعاً اعتبرونا يساريين وعروبيين. هناك جمهور كان ينتظر، وكان يريد جريدة من هذا النوع. فالصحف الأخرى التي افترضت أنها تنطق باسم العرب والعروبة، كان فيها الكثير من المبالغات وهو أسوأ من الكذب …

<: لكنها كانت بدعم من عبد الناصر…

0: كان بعضها مدعوماً من عبد الناصر. في الواقع كان هناك صراع إعلامي يعكس الصراع السياسي القائم. كان لعبد الناصر عقل إعلامي ممتاز، وأنا أعتبر عبد الناصر المؤسّس الثاني للصحف اللبنانية. إنّ مرحلة عبد الناصر، وخاصة في سنوات الوحدة القليلة، وما بعدها قد شهدت نهضة إعلاميّة مميّزة، إذ كان يقدّر أهميّة الإعلام، وهكذا ساهمت إدارته في التشجيع على إصدار العديد من الصحف كالأنوار، المحرّر، الحرية صوت العروبة والشعب، مجلة الجمهور الجديد، جريدة الكفاح العربي… كانت هناك معركة إعلامية كبيرة: السعودية والعراق والأردن وأميركا متمترسة وراء صحف معيّنة معروفة، والتيار الآخر مع خطّ عبد الناصر…

<: ماذا حملت معك إلى “السفير”، من خبرتك في الصحف والمجلات، سواء على الصعيد السياسي أو المهني؟

0: لم أعمل كثيرا في جرائد يوميّة، كانت خبرتي تتركّز في المجلات الأسبوعيّة. ولقد وجدت صعوبة في البداية، في التحوّل من الأسبوعي إلى اليومي. يمتلك الصحفي، في الأسبوعي مدى زمنيّاً للتفكير في الموضوع، والاطلاع على الأرشيف… وكنت قد عملت لمدة سبع عشرة سنة في المجلات الأسبوعية قبل “السفير”. كنت أخاف اليومي، حيث تحكمك الساعة، فهناك موعد ثابت للإقفال من أجل التوزيع.

<: ولكنك عندما أصدرت مطبوعة جديدة اتّجهت رأساً إلى اليومي

0: نعم، اتجهت إلى اليومي، أولاً لأنني وجدت أنّ ثمة مكانا شاغراً لجريدة يوميّة. ثانياً، عندما يكون الإنسان في جو معركة يشعر أنه انتصر على ذاته. وكان اليومي معركتي. عندما بدأت الكتابة كل يوم كنت أشعر بضغط نفسي، ثمّ صرت أكتب في المطبعة على ركبتي، إلى أن أخذتنا الموجة. وقد أفادني العمل الأسبوعي ابتداء من الإخراج إلى العنوان، إلى الاهتمام بالصورة وبالكاريكاتور، باعتباره ما يميّز الأسبوعي: العنوان الجذاب، الغلاف…. فكنّا، بجريدتنا اليومية، مميّزين بدءاً من العنوان… حتى إصدار جريدة لها شخصيّتها، نمط كتابتها المختلف، ونمط توجّهها المختلف أيضاً. مثلاً، خصّصنا الصفحتين الثانية والثالثة للمناطق المحرومة والمهمّشة، قدّمناها على التصريحات السياسية. ولأننا نعرف أهميّة الكاريكاتور كانت لدينا زاوية خاصّة مميّزة جداً رسم فيها العديد من رسامي الكاريكاتور أعظمهم ناجي العلي الذي قدّم إضافة مهمّة لـ “السفير”.

<: هناك الكثير ممّن عملوا في “السفير” وتركوا بصمات وإضافات نوعيّة لها، ثمّ انطلقوا وأسسوا جرائد ومجلات في لبنان والدول العربية. هل تتذكّر نفسك من خلالها؟ وكيف تنظر إلى هذا الأمر؟

0: هناك حوالي 500 صحافي خرّجتهم “السفير” منهم مَن بقي عشرين سنة أو أكثر في “السفير”! ففي إحدى الصحف نجد أنّ هناك رؤساء تحرير وأعضاء في هيئة التحرير هم خرّيجو “السفير”. من الطبيعي أن يطمح الإنسان ويسعى لتحقيق هذا الطموح. أنا انتقلت من جريدة إلى أخرى. ودائما كنت أطمح أن يتحسّن وضعي العملي ليتوسّع المدى أمامي، وتزيد ثقافتي ويتزايد عدد معارفي. وهكذا كوّنت خبرة سبعة عشر عاماً عملت فيها كمصحّح ومحرّر وسكرتير تحرير ومدير تحرير ورئيس تحرير، كما أسّست أوّل مجلّة سياسيّة أسبوعيّة وبالألوان في الكويت.

خرّيجو “السفير” هم زملائي، وأصدقاء عمر، حتى الذين اختلفنا معهم سياسيّاً أو فكرياً، هم على المستوى الشخصي أصدقاء، وتحفظ لهم “السفير” جهودهم التي قدّموها وأتمنى لهم الخير والنجاح.

<: هل لا زلت تولي العناية  نفسها للأجيال الجديدة؟

0: طبعاً لم يعد باستطاعتي منحهم الوقت الكافي كالسابق. لديّ كل يوم اجتماعَا تحرير: الاجتماع الصباحي لنقد العدد الصادر، وقدر من التخطيط للعدد الذي سيصدر. واجتماع المساء مختصّ بمناقشة الصفحة الأولى. ضغط عمل يومي، وسباق مع الوقت، ونحن نعيش في عصر تطوّر مذهل. والسؤال المطروح: هل ما زال للصحف اليومية مساحة شرعيّة في حياة الناس أم لا، بعد التقدّم المذهل في وسائل الإعلام، ودخول الكمبيوتر هذا العالم بقدراته غير المحدودة وتطوّره الدائم؟ وبذلك تحتاج الجرائد اليوميّة إلى كفاح أكبر، لتبرّرمشروعيّتها وأنها تمتلك دوراً حقيقيّاً في المجتمع، أي أنها لم تفقد وظيفتها بعد..

جريدة العروبة بعنوان فلسطين

<: مرّت “السفير” بمراحل كثيرة على مدى الأعوام الأربعين، نودّ منك أن تصف هذه المراحل.

0: هذه جريدة سياسيّة بطبيعتها، وهي تعكس مجتمعها إلى حد كبير، بطموحاته وخيباته وقضاياه الأساسية. وهنالك مستويات عدّة، صمدت فيها “السفير” بمختلف مراحلها. أولا هي جريدة لبنانية، صدرت بشعار “صوت الذين لا صوت لهم”. والمعيار الأساسي هو كم بقيت صادقة في الإلتزام بهذا الشعار، وكم بقيت مهتمة بالمنسيين بشراً ومناطق. لقد أجرينا الكثير من التحقيقات، على سبيل المثال: “نهر المليون فقير” لـ الياس عبود عن الليطاني، و “الضاحية الضحيّة” عن ضواحي بيروت… ومعظم مناطق لبنان المنسية. لذلك كنا في دور المعارض دائما لأنه لم تكن هناك حكومة تستحق تأييدنا، أو حكم يجسّد إرادة وطنية كاملة، أو منهج للحكم يلبّي الاحتياجات الحقيقيّة لشعب لبنان… ثم أن “السفير” كانت الجهود الوحيدة التي انتصرت على الاجتياح الاسرائيلي، صيف العام 1982، فظلت تصدر وتوزع ولو في بعض شارع الحمراء وتفرعاته..

على المستوى العربي، نظرنا بالدرجة الأولى في اتجاه قضيّة فلسطين وعبر إيماننا الثابت بالعروبة. قضيّة فلسطين قضيّة حق، قضيّة شعب مظلوم شُرّد من وطنه. كنا مع الاتجاه شبه التقدّمي عند بعض الأنظمة وضد الأنظمة المتخلّفة والرجعية. طبعاً مررنا بظروف صعبة وقاسية خاصّة عندما اختلطت الظروف والمواقف، ولكن بقي خطّنا دائما واضحاً. انظروا الآن، في معظم الصحف العربيّة يتحدّثون عن الضربة الأميركيّة لسوريا من دون تسجيل أي موقف ضدها، بل هي أحياناً تبرّرها، وكأنّ سوريا ليست بلداً عربياً أو أنّ شعبها ليس شعباً شقيقاً. نحن ضدّ أيّ ضربة لأي شعب في العالم، فكيف عندما يضربون أهلنا وإخوتنا، بل يقومون بضربنا نحن! من الطبيعي أن نكون ضدّ الضربة بدءاً من العنوان وحتى التوجّه العام للجريدة. هذا استعمار متوحّش، ليس له أي مبرّر آخر، بصرف النظر عن رأينا بهذا النظام.

<: ولكن جيلنا لم يشهد حركات نهضوية قومية عربية…

0: هذه الأنظمة التي حكمت باسم العروبة، برأيي، لا تعبّر عن العروبة. رفعت راية العروبة ولكن معظمها أنظمة دكتاتوريّة فاحشة الطغيان. استغلوا العروبة كشعار. إنّ تجربة الوحدة بين مصر وسوريا قد فشلت، ولكن بغضّ النظر عن هذه النتيجة، فقد كنت من الذين شاهدوا بعيونهم مناظر خرافيّة للجماهير التي احتشدت لاستقبال جمال عبد الناصر في دمشق وسائر انحاء سوريا والاحتفاء به، وفي حماه تحديداً حملت الجماهير السيارة بعبدالناصر…

إنّ العروبة هي – بداية – هوية، وشعور بالانتماء، أعمق بكثير من السياسة، هذه أمة واحدة. هذه الشعوب تاريخها واحد وهي تشترك في الطموح والسعي إلى الاستقلال والحرية. وباستطاعة القوى السياسيّة أن تترجم هذه الهويّة. فمنذ بدايات القرن العشرين، بدأ الكلام عن العروبة، والدعوة إليها بشكل مباشر، وكانت البداية الكفاح ضد الأتراك، بهدف استعادة هوية هذه المنطقة ومقاومة محاولة تتريكها. لقد حاول الناس استعادة هويتهم الأصلية التي كادت أن تضيع بذريعة أنهم رعايا في الدولة الإسلاميّة الأم. لكنّ الشعوب العربيّة ليست أتراكا بل عرباً. وأنا مؤمن بالعروبة وليس بالنظام العربي، باعتبارها هوية المنطقة وليست هويتي بمفردي. ويصبح النضال أصعب وأشد من أجل استعادة الهويّة.

<: مَن يناضل في سبيل العروبة اليوم؟

0: كل هذه الحركات الوطنية والتقدمية والقومية هي توكيد للهوية. أنا من وطني لبنان، وأنا أحبه وأناضل لأجله ولأجل هويته العربية، وأتمنى قيام علاقات شبه متكاملة مع الدول العربية، لأنني أنا واحد من هذه الأمة. هناك هويّة ثقافية، للأمة بتاريخها وجغرافيتها بمصالحها وعداواتها. هذه المنطقة لها هوية واحدة. تستطيع أن تكون دولاً متعاونة، أو حتى اتحادات تشكّل جزءاً من العالم العربي. ولكن المهم أن لا ييأس الإنسان وينكر هويته.

بدلاً من المجلة

<: أصدرت ملاحق عدّة عن “السفير”، كـ “ملحق فلسطين”، و “السفير العربي”، “شباب السفير”… هل تنظر إلى إصدار مجلة عن “السفير”؟

0: إنّ الأمر مرتبط بالإمكانات. ولأننا لا نستطيع إصدار مجلة، أصدرنا هذه الملاحق ضمن “السفير”. ملحق “فلسطين” جاء من خلال إيماننا بهذه القضية المقدّسة التي أهملتها الأنظمة فكادت تُنسى وانفض عنها جمهورها الطبيعي بسبب اليأس، ونحن نعتبرها قضيّة محقّة وتخصّنا في لبنان بالتحديد. يوجد على أراضينا أكثر من 400000 لاجئ فلسطيني. وإسرائيل هي عدوتنا أيضاً. لذلك أصدرنا ” ملحق فلسطين ” كي تبقى من الجانب الإعلامي فضلاً عن الوطني والقومي تحت الضوء، أي على الأقل نتذكّر أنّ فلسطين لا تزال موجودة. والملحق يتّخذ طابعاً تعريفيّاً  إذا جاز التعبير، يعرّف عن ثقافة فلسطين أكثر من كونه سياسياً أو عرضاً للمنظمات. نحاول تقديم فلسطين بمدنها وجامعاتها وأدبائها. وهي لفتة وفاء لفلسطين. ولأنه لم يعد هناك مطبوعات فلسطينيّة، فقد وجدت أنه من واجبي، ومن واجب جريدة مثل “السفير” تعتبر نفسها جريدة الوطن العربي، توكيداً لهويتها أولاً ثمّ لعدالة القضيّة، ولأنّ هناك جزءاً كبيراً من شعب فلسطين موجود في لبنان، وكذلك من أجل قضيّة تحرّر الأمة العربية، هذا التحرّر المرتبط بفلسطين وبقضيّة فلسطين أولاً. هذا نوع من الإسهام في التعبير عن خطّنا السياسي وعن هويتنا السياسية وعن طريقنا إلى المستقبل، إذ لا توجد إمكانية لتحقيق الطموحات والآمال العربية بوجود إسرائيل، فهي تستنزفنا، وقد أصبحت عنصر صراع فيما بيننا، بعدما حوّلت الفلسطينيين من شعب صاحب حق وصاحب أرض إلى مجموعات متناثرة من اللاجئين، إنها قضية عادلة تماماً. إذاً ولأنّ “السفير” هي “صوت الذين لا صوت لهم”، و“جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان”، وبسبب وجود أكثر من 400000 فلسطيني في لبنان، ولأنّ قيادات فلسطين خذلتها والقيادات العربية خانتها وباعتها، يأتي الملحق كإعلان عن موقف ضدّ الخيانة، ضد البيع، ضد التطبيع، ضد إسرائيل أساساً. أنا من داخل إطار مهنتي، حاولت أن أخدم هذه القضية التي أعتبرها قضيّة مقدّسة، لها علاقة بحريّة لبنان، بحريّة الشعب اللبناني، بهويّة الشعب اللبناني، بهويّة الأمة ككلّ. أنا أعمل في الصحافة، وفي هذا الميدان الذي أعرف فيه وعنه جيّداً، وأعرف كيف أسير على دروبه، حاولت أن أرفع الصوت قليلا.

<: وملحق “السفير العربي”؟

0: “السفير العربي” أيضاً، كان ولا يزال توكيداً لهويّة “السفير”، نحن نعتبر أنفسنا جريدة لبنان في الوطن العربي. وتوكيداً على أنّ هذه الأمة هي واحدة، توكيداً على أنّ ما يحصل في مصر واليمن والعراق وسوريا سيؤثّر علينا في لبنان. إسرائيل هي عدوّة الجميع، والاستعمار عدوّ الجميع. وكان هناك دور دائم للبنان، لا أريد أن أدّعي أننا تنويريون، ولكن من داخل أصول مهنتي، وأصول شعار الجريدة، أن أقدّم خدمة معلوماتية إلى حد كبير. هناك أخبار يوميّة، وتقارير وتحقيقات، ولكن توكيداً على هذا الترابط والتواصل بين هذه الأطراف كلها، قلنا أنه بإمكاننا تقديم جرعة إضافية أخرى، مخصّصة لهموم الشعوب العربية وطموحاتها في الأقطار الأخرى، التي لا تأخذ حقّها في الجريدة اليوميّة. هي بمثابة صفحات إضافيّة من “السفير”، تغطّي المسائل التي لا تأتي ضمن إطار الأخبار اليوميّة. إنها عمليّة تعريف ووصل بيننا وبين القرّاء العرب، تتضمّن معلومات أساسيّة عن أحوال البلدان العربية، خصوصاً وأنّ اللبنانيين يعملون على أرضها أو يتأثرون إقتصاديا بها… تعريف ووصل بين قارئنا الذي أصبح مع الأسف قارئاً محلّيّاً فقط. نحن يوم صدرنا كان طموحنا أن يكون قارئنا عربياً، وأن نصل إلى كل البلدان العربية. ولكن مع العوائق المادية والرقابية وعدم توافر خطوط تواصل، كان الموضوع  يزداد صعوبة وتعقيداً.

<: لكن ألم يختلف الأمر بوجود الانترنت؟

0: طبعاً، ونحن نحاول أن نستفيد من الانترنت، لإنشاء موقع أكثر عصريّة.

<: هل تفكّرون في تحويل الجريدة الورقية إلى إلكترونية؟

0: هذه مهمة ابني أحمد، نائب رئيس مجلس الإدارة خصوصاً وأنه قد تخصّص في هذا العلم الجديد. وبالتأكيد فان الأمر مطروح. إنّ جيلي لا يزال مرتبطاً بالورق. وأنا أعتقد أنّه بالنسبة للصحافة العربية، خصوصاً، لا تزال هناك مساحة واسعة للصحيفة الورقيّة، أنا لا أعرف كيفيّة تفاعل الناس مع الجريدة الإلكترونيّة. أصبحت المؤسسات الإعلامية كثيرة وأكثر منها المواقع، ولكن السؤال المطروح هو إلى أي مدى تؤثّر ؟ أنا أعتقد أنّ وسائل التواصل الحديثة لا تروي، ولا تعطي الصورة الكاملة للقارئ. لكنّ الإلكتروني أوسع انتشاراً بما لا يُقاس. إذا تناولت موقع “السفير”، أجد أنه من خلال الصفحة الالكترونية نصل إلى عشرين ضعفاً من قرّاء الورق. ولكن بحكم سنّي وخبرتي، أجد أنّ متعتي هي في قراءة الورق. أحبّ أن أمسك الجريدة بيدي، أفتح صفحاتها، أقرأ سطورها بمتعة، أشعر بكلماتها.

<: ثمّة من يقول أنّ “السفير” أصبحت نظاماً ملكياً، بمعنى أنّ ابنك أحمد هو نائب رئيس مجلس الإدارة وابنتك هنادي هي مديرة التحرير وربيعة مديرة مركز المعلومات… هل لأنك والدهم يحتلون هذه المناصب أم لأنهم يقومون بمهامهم هُم في هذه المناصب؟

0: أولاً حاولت جاهداً أن أوجّه أولادي بعيداً عن مهنتي، أن يختاروا هم مستقبلهم بأنفسهم وصرخت: مَن ليست لديه رغبة حقيقيّة في هذا التوجّه فليبتعد… لكنهم أصرّوا وفرضوا أنفسهم بكفاءاتهم. وكان ممّا يقلقني أنني عملت في جرائد عائليّة وعانيت منها ما عانيت. من الممكن أنهم قد تأثروا بخياري، خصوصاً وهم تربّوا في هذه الأجواء. أولادي ولدوا بين سنوات الـ1968 و 1973 وفي عام 1974 أصدرنا السفير، فكانوا يكبرون معها، وهنا تشكّلت علاقة خاصّة.

ابنتي هنادي نشأت وعندها اهتمام جديّ بالسياسة ولديها الأسلوب والعيون الفاحصة والعقل التحليلي ولهذا فقد درست العلوم السياسيّة. أحمد ليس صحافياً، لكنه تخصّص في علوم الكمبيوتر، وكنّا بدأنا ندخل إلى عالم الانترنت. دخل الجريدة بهدف تحديثها. ولكن طالما أنّ الانترنت أصبحت هي الأساس، صار موقعه أساسياً أكثر. كما أنه يمتلك حسّ المسؤوليّة، وشعرت أنه قادر على استلام الإدارة خاصّة وأنه مؤهّل بما يكفي علمياً. والجريدة بحاجة إلى مدير عام، وإذا صادف أنّ أحد أولادي كان جديراً بالمنصب فلمَ لا يكون هو؟ وابنتي ربيعة خريجة ادارة الاعمال، وهي قد عملت في مصرف لبنان، ثم نالت اجازة في التعليم، لكنها ظلت مشدودة إلى “السفير” فجاءت لتتولى الادارة في مركز المعلومات. ابني علي ليست لديه ميول صحافية أو إدارية لم يقترب من الجريدة.

الجزء الثاني:

الهوية… والمصاعب

صدرت “السفير” في 26 آذار عام 1974. كان مناخ المنطقة كلّها لا يزال تحت تأثير حرب أكتوبر 1973، التي أكّدت، من جهة، القدرة، وأثبتت من جهة أخرى أنّ القرار السياسي إذا ما تخاذل فإنه يغتال النصر العسكري. ولكن، هذا المناخ نفسه، كان لا يزال يحمل أملاً. فالرئيس السادات لم يكن قد ذهب إلى القدس المحتلة بعد، إضافة إلى أنّ المقاومة الفلسطينية في لبنان كانت تحتلّ موقعاً رئيساً، إلى جانب نهوض الحركة الوطنية. كان هناك تيار وطني عروبي، الحركة النقابية، المطلبيّة، الأحزاب الوطنيّة التقدميّة… أذكر أنّه في العدد الثاني من “السفير”، كان المانشيت على ثمانية أعمدة، مسيرة الرغيف: خمسة وعشرون ألفاً يهتفون ضدّ الاحتكار… كانت النقابات نقابات والأحزاب أحزاباً، كان هناك مناخ وطني. نجحنا إلى حدّ كبيرفي أن نعبّر عن هذا المناخ، خصوصاً وأنّ شعارنا هو “صوت الذين لا صوت لهم”، فأصبح صوتنا هو صوت هذه التيارات. ولكنّنا كنا دائماً نميّز بين ما يخصّ الحركة الوطنيّة وبين ما هو يخصّ المقاومة الفلسطينيّة. كان هذا المناخ يحمي جريدة جديدة كجريدة “السفير” بهذه الشعارات التي كانت تعبّر عن خطّنا.

<: كيف كان صدى صدور “السفير” في أوساط الناس؟

0: كان ممتازاً، وتجلّى ذلك من خلال ثلاثة مؤشرات. أولاً، استبقنا الصدور بحملة إعلانية هائلة. حملة مباشرة، على الطرقات وفي صالات السينما، حيث كان الناس يقفون ويصفّقون عندما يرون الشعار ويسمعون تعبيراته المباشرة. استقبلنا الناس استقبالا عظيماً، لأنني أعتقد أنّنا لبّينا الحاجة، طبعا كانت هناك جرائد تعبّر بشكل أو بآخَر لكننا كنّا الأكثر عقلاً، شجاعة في الموقف مع دقة في المعلومات.

ثانياً، ذهبت إلى شركة التوزيع لأخبر عن “السفير”،  سألني مديرها المرحوم فؤاد التويني: “ما هو تقديرك، كم عدداً ستبيع؟” قلت له: طموحي أن أبيع خمسة آلاف نسخة. قال لي: “سأوزّع “السفير” بالعمولة فقط”. قلت له: “لماذا ؟” قال: “لأنك أوّل شخص واقعي يطمح أن يبيع خمسة آلاف نسخة، كل الذين أتوا قبلك كانوا يعتبرون أنهم سيبيعون مئة ألف نسخة” منذ العدد الأول! هذا مؤشّر أيضاً.

المؤشر الثالث هو الناس. الناس شعروا بنا. خاصّة الناس الذين قصدناهم: متوسّطي الحال، الفقراء، العمال، الفلاحين، الطلاب، الأساتذة… نجحنا نجاحاً مغرياً، لكن ليس له مردود، بل على العكس، كشف كم نحن فقراء، لأنّ عائد التوزيع لا يغطّي التكاليف.

<: وماذا عن عوائق المرحلة الأولى؟

0: أولا، المقاومة الفلسطينيّة كان يجب أن تكون أوسع أفقاً وأكثر عروبة. نحن نريد أن نكون جريدة الوطنيين نعم، ولكن ليس جريدة الحركة الفلسطينية بالمعنى الحرفي، وهنا نجحت “السفير” في امتحانها هذا أن تكون جريدة تتحدّث بمبدأ وفكر المقاومة وليست جريدة تنظيم بالذات. لذلك، بدأت الإشكالات بيننا وبينهم.

في 19 شباط 1975 جرت المحاولة الإجراميّة لاغتيال معروف سعد، ثمّ استشهاده. وفي 13 نيسان بدأت الحرب الأهليّة في البلد، وهنا تمّ ضرب المشروع. كنا نتمنى جوا هادئاً يساهم في إيصال السفير إلى كل المناطق، لكنّ الحرب بدأت تقفل المناطق على نفسها. لكنّنا كنا الجريدة الوحيدة التي بقيت تصدر ولم تغِب حتى خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي.

انهمك الناس في الحرب والمعارك، ونحن دخلنا الحرب من موقعنا السياسي، التيار القومي. سنة 1976، كنا أفلسنا ولم نعد نجد مَن يقرضنا. قمت بزيارتين، كانت الأولى للزعيم الوطني الراحل كمال جنبلاط، وأخبرته أنني سأضطرّ أن أوقف إصدار “السفير”، وبما أنكم تعتبرون أنّ “السفير” هي جريدة الحركة الوطنيّة، فلقد جئت أبلغك أنني مضطر أن أتوقف هنا، سألني: “كم تكلّف الجريدة؟ أخبرته عن التكاليف. قال لي: “ليس معنا مال”. ثمّ أضاف: “سأتحدّث مع أبي إياد ومع المفتي كي نشكّل وفداً يذهب إلى القذافي بطلب مساعدة “السفير” “. الزيارة الثانية كانت إلى ليبيا، قابلت القذافي واصطدمت معه، وطالبته بالتزام وزارة الإعلام بالعقود الإعلانية المتّفق عليها كي أستطيع أن أستمرّ . وهكذا تخطّينا الأزمة بصعوبة شديدة جداً.

في آخر أيام 1976 دخل الجيش السوري بيروت، ودخلت الوحدات الخاصّة مكاتب جريدة “السفير”، الساعة العاشرة والنصف ليلاً، بعد لحظات من مغادرتي المبنى. أخذوا بعض الموظفين، والخزنة، كان وزنها 990 كلغ! حملوها وكسّروا الدرج… اعتقلوا معظم الذين كانوا في المكاتب، وأخذوهم إلى مبنى من مباني المطار كانت تتخذه المخابرات مكتباً. وجهوا اليهم اسئلة مهنية ثم اطلقوا سراحهم، ولكنهم ميزوا الزميلين محمد مشموشي والمرحوم توفيق صرداوي، فأوقفوهما ونقلوهما إلى دمشق بغير تهمة محدّدة… وإنما للتأديب!!

<: ماذا كانت حجّتهم؟

0: لا شيء فقط أرادوا إبلاغنا بأنّ الجريدة مصادَرة. اتصلوا بي إلى المنزل، فوضبّت لي زوجتي حقيبة صغيرة، وطلبت مني أن أذهب إلى فندق البريستول القريب، قائلة: “في البريستول سيعرف الجميع إذا جاؤوا وأخذوك، أما هنا فلن يعرف أحد، ماذا عساي أفعل وحدي، ومن حولي أولادنا الصغار؟ “ذهبت إلى البريستول. طبعاً عطّلوا “السفير”، وبقوا في مكاتبها حوالي 19 يوماً. استمر توقيف الزميلين توفيق صرداوي، ومحمد مشموشي في أحد سجون المخابرات في دمشق. وبقيا في الحبس مدّة 22 يوماً. لم يكن في البلد سوى تلفزيون لبنان، ففكّرت أن أنشر دعاية، إعلاناً بسيطاً: “غدا وكلّ يوم “السفير” “. ” “السفير” صوت الذين لا صوت لهم“، نشروها قبل الأخبار لمرّة واحدة! ثم اتصل مجهول بمحطة التلفزيون يسأل: “شو هاد هو اللي ما لو صوت؟”. فتوقف بث الاعلان- الحيلة!

بعد 19 يوما، تركوا المبنى، حاولنا ترميم ما تهدّم، كانت خسارة الأرشيف فادحة، وكان الأرشيف قيّماً فاضطررنا إلى إعادة شراء أرشيف كامل.

مع دخول قوات الردع العربيّة، فُرِضَت الرقابة على الصحف، وهي مقتل للصحافة. كانت محنة كبيرة، لأنّ الجريدة كانت تصدر نصف بيضاء، ومن دون معنى. واستمرّ الوضع البائس لفترة، ولم يرفعوا الرقابة إلا بعد شهر.

سنة 1977 في عهد الرئيس الياس سركيس، بدأوا يتحدّثون عن الوفاق، ومن طرائف تلك الفترة، أننا ذهبنا أنا وزميلي المرحوم أسعد المقدّم لزيارة الرئيس الراحل الياس سركيس وقلنا له: “نودّ أن نساعد في تحقيق الوفاق”. فقال: “تريدون مساعدتنا حقاً؟”. قلنا له: “نعم”. قال: “اسكتوا!”. قلت له: “لماذا؟”. قال: “إذا أنتم كتبتم سيردّون عليكم فتردّون، وهكذا بتعلق“، قلت له: “فخامة الرئيس أنت تصدّق أنّ أبو الهول و أبو الغضب و أبو الجماجم يصحون باكراً، يأخذون حمامهم، يقرأون الجرائد، ينزعجون، فيحملون الأسلحة وينزلون إلى الشارع! لو كانوا يقرأون لما نزلوا إلى الشوارع!”

كانت محنة لأنّ الرقابة عادت مرّة ثانية، بعد التحاق العميل سعد حدّاد بالاحتلال الإسرائيلي في الجنوب بعدما بلغ جيشها نهر الليطاني. فرضوا الرقابة، ذهب سعد حداد إلى الإسرائيليين. اتصل بي الأمير فاروق أبي اللمع المدير العام للأمن العام، قال لي :”أريد أن أستأذنك، وأتفاهم معك، كم يوماً تريدني أن أعطّلك؟”.  قلت له: “سوف تعطّلني حتى تنتهي ولايتك” قال: “لكنك انتهكت حرمة الجيش”. قلت له: “بالعكس، أنا أنقذت شرف الجيش، فلقد قلت أنّ في الجيش عميلاً واحداً هو سعد حداد، أما التستّر على هذا العميل كما تفعلون فهذا يعني أنّ الجيش مليء بالعملاء”. قال :”سأعطل“السفير” ثلاثة أيام”. قلت له: “لن أعطّل ولا يوم! تريد أن تحتل الجريدة أو تصادرها، تعال!”.  أصدروا قراراً بتعطيل الجريدة ثلاثة أيام لكنّنا لم نلتزم به!

 ماذا أقول!

ماذا أقول!

بعد كل هذه الأحداث، استعادت الجريدة زخمها، وعادت بقوة، وكنّا تقريباً في المرتبة الأولى أو ننافس على المرتبة الأولى بين الجرائد اللبنانية. هذه المحطات أعتبرها منارات.

سنة 1975 كان  السادات قد قال جملته الشهيرة “لبنان سيحترق بسبب المقاومة الفلسطينّية” خضنا معركة ضد السادات، ووصفنا زيارته إلى العدو الإسرائيلي في فلسطين المحتلة بكلمات محدّدة “الساقِط عند المغتصِب”، أخرجتنا خيانته عن كل ما له علاقة بالأصول المهنيّة، لأنها الكارثة العظمى على الأمة العربية بكاملها: رئيس مصري يذهب إلى إسرائيل ويوقّع معاهدة صلح معها!!

ابتداء من العام 1976، منعتنا ميليشيا الكتائب ومَن معها من دخول “المنطقة الشرقيّة”، وبدأنا نرسل الصحيفة إلى طرابلس عن طريق الهرمل – عكار، كنا جريدة صباحيّة في بيروت ومسائيّة في طرابلس.

سنة 1979 كانت الثورة في إيران، اخترنا واحداً من شعارات يردّدها الثوار الإيرانيّين في الشارع، كمانشيت في ” السفير “، كتبنا المانشيت بالفارسي، تعاطفنا معها، كثورة عظيمة خلعت الشاه، وأنتجت إيران جديدة.

كنت خلال الثورة وقبيل انتصارها قد ذهبت وقابلت آية الله روح الله الخميني في ضاحية “نوفل لي نشانو”، قرب باريس، بصحبة الشهيد محمد صالح وأجريت حوارا معه… ثمّ ذهبت بعد انتصار الثورة إلى طهران والتقيت الإمام الخميني في قمة، وأجريت حوارات مع حوالى أربعين قيادياً في حزب “جمهوري إسلامي” وشخصيات ممن مهدوا للثورة وعملوا لها، أبرزهم الامام الطالقاني، والمرجع الديني الوسطي الإمام شريعتي.

<: كيف هو انطباعك عن الخميني؟

الخميني قائد تاريخي، صورة الختيار هي صورة، لكنه في الحقيقة رجل واع وله رؤيته التاريخيّة، يعرف ماذا يفعل، حضوره طاغٍ، ولقد سبق انتصاره أنه كان يخطّط لفترة طويلة، ثمّ قاد الشارع الإيراني بالشهداء شهوراً عديدة قبل إسقاط الشاه. وحضّر لكيفية الإمساك بالسلطة، ثمّ التحالفات التي سيستغني عنها بعد استقرار الأمور وتمكن تياره من الإمساك بمرافق الدولة.

 

من نسف المطابع… إلى ” نفي العائلة “

<: في تلك الفترة، تعرّضت “السفير” كمؤسّسة إعلامية إلى عمليّة إجراميّة، حيث نسفت مطبعتها. كيف تتذكّر ذلك اليوم؟

0: الساعة الثالثة فجراً من يوم 1 تشرين الثاني 1980 سمعنا دوي انفجار هائل. كنت في المنزل، قالت لي زوجتي: “راحت المطبعة!”. اندفعنا في قلب الشارع الذي تنيره ألسنة اللهب. وصلنا إلى مبنى “السفير”، ورأينا منظراً هائلاً: النار تأكل كل شيء، قِطع المطبعة انتثرت حطاماً ملتهباً في كل مكان. رحنا نعتذر من الجيران، ونحن المنكوبين! كانت ليلة تكليف شفيق الوزّان برئاسة الحكومة، اتصلت به، قال لي: “ماذا أستطيع أن أفعل؟ ليست معي سيارة والسائق قد ذهب!”

<: ألم يكن هناك حارس أو رجال أمن لحراسة الجريدة؟

0: بلى، لكنّ الذين فجّروا المطبعة أخذوا الحارس، ثمّ أعادوه. وتجمّعت لدينا بعض الخيوط البسيطة من خلال الحارس. قالوا له: بلّغ طلال هذه المرّة بالمطبعة المرّة الثانية براسه! “تجمّعت الخيوط فادَت أنّ الفاعلين هم على صلة  بجهاز أمن فتح“. طلبت موعداً من الرئيس أبو عمار  وذهبت إليه برفقة 15 زميلاً من العاملين في “السفير”. قلت له: “يا أبا عمار نحن استقبلناك كقائد ثورة، قائد ثورة يريد أن يكمل طريقه إلى فلسطين، ونحن كنّا أدلاّء إلى الطريق، ورفاقك وأنصارك. القيادة لك ونحن المحتضنون. أما أن تتحوّل إلى سلطة في البلد فذلك غير مقبول، وحتى موجبات السلطة، لم تقم بها. يا أخ أبو عمار، “السفير” هي جريدة المقاومة، وأوّل عدد فيها، تضمّن حوارا معك، ومنذ العدد الأول حتى اليوم هي جريدة المقاومة. هذه الجريدة صُفِعَت بيدكَ، والذين نسفوها: لبسوا وجهك وضربونا بيدِك! المطبعة نُسِفت وكان من الممكن أن أموت أنا وكل العاملين في “السفير”، هذه جريمة كبيرة!

<: لماذا نسفوها؟

0: لا ندري، ولكن بعد ثلاثة أشهر، أرسل إلي أبو عمّار، أن أذهب إليه وحيداً. ذهبت إليه، قال لي: أنا كلّمت صدّام، وسنعوّضك! قلت له: يا  أبو عمار  في المرة السابقة نسفوا المطابع، أما في المرّة المقبلة فلسوف يقتلونني أنا. أشكرك ولا أريد تعويضاً.

الشهادة لله أن بعض الأصدقاء العرب لم يقصّروا، وكذلك القذافي، ساعدوني كي أشتري مطبعة جديدة وأرمّم المبنى، والناس كانت عاطفتهم عظيمة وحاولوا مساعدتنا. زادت قيمة “السفير” في عيون الناس.

<: تعرّضت لمحاولات اغتيال أخرى؟

0: سنة 1981، وضعوا سيارة مفخّخة أمام البيت، الحمدلله أنّ أحدهم اكتشفها مع انفجار الصاعق وقبل تفجير العبوة الناسفة. وبعد فترة بسيطة وجّهوا صواريخ إلى شقتنا في البناية، كان الدخان بدأ يتصاعد منها، لكنّ واحداً من المناضلين الخبراء، وكان يمرّ مصادفة من هناك استطاع أن يفكّ الصاعق قبل أن تنفجر، الله ستر ! وبدأ الجيران يتذمّرون: نكاد نُقتَل بسببكم!

<: مَن كان الفاعل؟

0: لم نستطع أن نعرف حتى اليوم. كنت مسافراً، وكان محمد المشنوق مديراً عاماً في “السفير”، رأى أنّ الوضع أصبح خطيراً بالنسبة لعائلتي، سفّرهم إلى باريس، وأنا ذهبت إليهم، لترتيب أوضاعهم وتسجيل الأولاد في المدارس. كان افتراضنا أنّ المكوث في باريس لن يتعدّى الستّة أشهر. في 2 حزيران 1982، جرت محاولة اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي في لندن، فاتخذتها إسرائيل ذريعة. في 4 حزيران اجتاح شارون بيروت. كنت قد ذهبت إلى باريس للعودة بالعائلة إلى لبنان، لكن بسبب الحرب، طلبت إليهم أن يفكّوا الحقائب. وامتدّت الإقامة الجبريّة في باريس من ستة أشهر إلى ست سنوات!

دخل الإسرائيليّون إلى بيروت وكنت مسافراً، كان زملائي الصحافيّون المتواجدون في “السفير” كثيرين يتقدّمهم ياسر نعمه، بلال الحسن، باسم السبع، والرسّام المبدِع ناجي العلي وأخي فيصل سلمان، والعديد من الزملاء والزميلات… فصاروا ينامون في المكاتب، وأقاموا مطبخاً! وبقيت “السفير” تصدر برغم الحظر، والظروف الصعبة.

بعد فترة، عدت إلى بيروت، وقد تركت العائلة في باريس، وأبلغتهم أنهم سيبقون على الأقل سنة! لكنّ السنة تمدّدت إلى ستّ سنوات!

ممنوع التذكير بمذابح “صبرا وشاتيلا”

<: ماذا تخبرنا عن ذكريات تلك المرحلة؟

0: هناك قضيّة أريد لها أن ترسخ في ذاكرة الجميع. قبل بضع سنوات، وتحديداً في العام 1978 تعرّفت إلى محامية فرنسيّة يهودية عجوز، بعثت إليّ رسالة نشرتها في “السفير” عن أحمد بن بللا (أوّل رئيس لجمهورية الجزائر بعد استقلالها، وأحد قادة ثورتها ممّن سجنهم الاحتلال الفرنسي لسنوات خمس بين 1956 و 1961) قالت في رسالتها بما معناه: “عيب عليكم يا عرب، أن يسجن رئيس دولة ظلماً وعدواناً وبلا محاكمة لمدة 14 سنة، ولا أحد يتحرّك أو يطالب بالإفراج عنه… هذا قائد ثورة وإنسان عظيم، كيف تتخلّون عنه؟” . قمنا بحملة نشطة امتدّت لأسابيع من أجل تحرير أحمد بن بللا.

بعد مرور سنوات، ارتكب العدو الاسرائيلي مباشرة وبأيدي بعض السفاحين من ميليشيا الكتائب مجزرة صبرا وشاتيلا، وإذ بهذه المحامية نفسها تتّصل بي وتقول لي: أريد أن أجري تحقيقاً عن صبرا وشاتيلا بتكليف من مؤسّسة برنارد راسيل للسلام. ذهبت إلى باريس، وأمّنت لها فيزا من السفارة اللبنانية هناك، وقلت لها أنا أنتظرك في بيروت. جاءت وأجرت حوارات واتصالات عدّة مع مَن تعتبرهم شهوداً على تلك المجزرة. بعد حوالي 5 أو 6 أيام اتصلوا بي من الفندق وقالوا: لقد اختفت المحامية! ماذا أفعل؟ كان زاهي البستاني المدير العام للأمن العام، وهو مستكبر جبّار، وكان من أشدّ أنصار الراحل بشير الجميل، ولا يحترم شقيقه أمين الذي حاول أن يسترضيه بهذا المنصب، وقد تحصّن، في موقعه واستعلى على الناس جميعاً، فلم يستقبل اتصالاتهم ولم يكن  يهتم لأحد. ففكّرت أنّ أفضل طريقة هي أن أتّصل بالرئيس أمين الجميل. شرحت له الموضوع، وشككت بأنّ الأمن العام هو الذي رحّلها. قال لي: “اتصل بزاهي”. قلت له :”زاهي لا يردّ على أحد، أطلب منه أن يتصل بي! بعد قليل اتصل بي زاهي فعلاً وكنت أتكلّم مع رئيس الحكومة شفيق الوزان، فقلت له: “انتظر قليلا” ياما منطّر الناس “أنا أتكلّم مع رئيس حكومتك!” انتهيت من مكالمة الوزان، وتحدّثت معه، سألني بتهكّم :”ما الموضوع يا أستاذ؟” قلت له :”هناك محامية فرنسيّة عمرها 84 عاما جاءت إلى لبنان، تقدّم خدمة لنا، تحاول تبرئة البلد من اثم صبرا وشاتيلا. واختفت!” قال لي: “أنا أقدّر إنسانيتك واهتمامك ولكنكم لا تجلبون لنا سوى المصائب! على كل حال يا أستاذ “it is too lat”  لأنّ المرأة على الطائرة الآن”. فضحكت، قال لي: “ما الذي يضحكك؟”. قلت: “كنتم تتكلّمون الفرنسية، فأرسلنا أولادنا لتعليمهم الفرنسية، عندما علّمناهم الفرنسية بدأتم تتكلّمون الانكليزيّة! وعندما بدأوا في إتقانها  تحوّلتم إلى العبريّة فهّمنا على أي لغة ستستقرّون”. قال لي: “على أيّ حال، هذه قضيّة ستوجع الرأس! وطبعاً تمّ تسفير المرأة ولا نستطيع الآن أن نفعل لها شيئاً!”

<: ما كان دور “السفير” في تلك الفترة؟

0: “السفير” كانت دائماً على مواقفها، مقاومة ووطنيّة. في تلك الفترة أيضا، 1983، كان الرئيس أمين الجميل رئيساً للجمهوريّة، وبعد دخول إسرائيل اندثرت الحركة الوطنية ورحلت المقاومة الفلسطينيّة.

وبحكم العادة، تتم انتخابات نقابة الصحافة في نهاية العام. والمجلس الجديد للنقابة، يزور رئيس الدولة ورئيس الحكومة بروتوكوليّاً. زرنا الرئيس أمين الجميل. منذ أن جلسنا، بدأ بـنشر عرض قادة الحركة الوطنية ووليد جنبلاط، ثمّ نبيه برّي من دون أن يسمّيهم. قلت للنقيب محمد البعلكي: “هل تريد أن تردّ أم أرد أنا؟” قال لي: “دعه يُكمِل”. قلت له: “بالإذن منك حضرة النقيب. نحن يا شيخ أمين أتينا ضمن زيارة بروتوكوليّة تقليديّة لنعرّفك على المجلس النقابي الجديد. أما إذا أردت أن تتحدّث بالسياسة فنحن جاهزون. وأوّل ما أريد أن اصارحك به، أنّ الكلام الذي قلته هو كلام مرفوض وغير مقبول، على الأقل بالنسبة لي. وخاصّة من رئيس دولة!”. ارتبك، ولم يعجبه الأمر. ولكي يتخلّص من الحرج طلب من التلفزيون العودة وأخذ الصور، وكلّف أحد المهرّجين بإلقاء النكات لنظهر ضاحكين!

بعد أشهر عدّة، وقع إشكال في الضاحية، فتدخل الجيش بأمر منه و دكّها دكّاً عظيماً. شنّينا حملة قويّة ضدّ هذا التصدّي الأخرق والعدواني على الضاحية الضحيّة. بعد أسابيع، جاءني اتصال من القصر الجمهوري، قال الضابط: “الرئيس أمين الجميل يدعوك لتناول الفطور معه”. قلت له: “لكنني لم أطلب مقابلة فخامة الرئيس!”. قال لي الضابط المتّصل: “الموعد مع فخامة الرئيس الساعة الثامنة والنصف صباحاً، ونحن بانتظارك”. ثم ترددت طويلاً ذهبت إلى الموعد، وكانت مائدة الفطور عامرة… قال لي الشيخ أمين: “أنا في البداية تردّدت، لكنني وجدت أنه ليس لي سواك”. قلت له: “خير؟!.”  قال لي: “أنا ووليد جنبلاط من العمر ذاته، وعندنا الطموح ذاته إلى بناء البلد كذلك فأنا وأبو مصطفى( يعني نبيه بري) كنا زملاء دراسة، وقد عملت لإيصاله إلى اتحاد الطلبة، وأعرته فندق بيارتز للاحتفال… وكنت آمل أن تجمعنا رؤى موحّدة ومشتركة من أجل إعادة إعمار البلد. وأنا أقدّر تاريخ وليد جنبلاط وأحترم عائلته، وكذلك نبيه برّي. قد يكون بيننا سوء تفاهم، واختلافات في وجهات النظر. ولم أجد أفضل منك ليكون صلة الوصل فيما بيننا”. قلت له: “لنكن صريحين، أنا آخر شخص يصلح ليقوم بدور الوسيط، إذا كان الموضوع بينك وبين وليد جنبلاط ونبيه بري، أي الحركة الوطنية، فإنّ مكاني معهما وليس معك! وبالتالي أنا لا أنفع لدور الوسيط”. قال لي: ولكنني أطلب منك. قلت له: “هذا الدور ما بيلبقلي ولا أستطيع القيام به، أقول لك بمنتهى الصراحة أنا معهم ولست معك”.

كبرت حرب الضاحية، وولعت في صيدا، وكان الجو يقترب من الحرب الأهليّة! في آخر سنة 1983، تحت الضغط، وافق أمين الجميل، على عقد مؤتمر حوار وطني، واتفقوا على مؤتمر جنيف. كان رفيق الحريري الوسيط الحقيقي، وكان يدرك أنه يحظى بدعم دولي وعربي واسع.

 

عن الرئيس الحريري… ومحاولة الاغتيال

<: كيف تعرّفت على الرئيس رفيق الحريري؟

0: تعرّفت على رفيق الحريري في الشام، في فندق شيراتون، وبفضل حشرية اخي فيصل واصراره على أن يعرف ما يدبر ما ويهيأ للبنان. كان يأتي مع الأمير بندر، كـ ترجمان ، كونه لبنانيّاً يعرف البلد جيداً وله علاقاته الواسعة والممتازة… ثمّ توطّدت العلاقات عبر لقاءات متقطّعة في دمشق ثمّ في بيروت. ذهبت إلى مؤتمر جنيف، كانت لي صداقات واسعة مع نبيه بري، وليد جنبلاط، إضافة إلى الرئيس عادل عسيران والرئيسين صائب سلام ورشيد كرامي. كما كان هناك احترام متبادل مع الرئيس كميل شمعون وإن كان من موقع الخصم بالمعنى السياسي. وكذلك بيار الجميل، برغم كل شيء، كانت هناك علاقة مهنية معه، وكنت أقدّر رجولة الرئيس سليمان فرنجية أيضاً. قمت بعمل مهنيّ جيّد في جنيف. لكنّ المؤتمر فشل!

في 6 شباط 1984، تحرّك الجيش، ومعه سوريا ونبيه بري، ووليد جنبلاط ولو بتحفّظ … حدث ما يشبه الانقلاب في البلد، وبعده تقرّر عقد مؤتمر لوزان.  وهناك كتبت مجموعة مقالات متميّزة، أفادت “السفير” كثيراً، “ثرثرة فوق بحيرة لوزان”، كنت كل يوم أبعث برسالة إلى “السفير” مع وثائق المؤتمر، وقد أصدرناها في كتاب بعدما زوّدنا الزميل محمد المشنوق بما كان ينقصنا من وثائق.

بعد مؤتمر لوزان،  ألّفوا حكومة وحدة وطنية شارك فيها نبيه برّي ووليد جنبلاط. اختلف المناخ في البلد. وفي هذه السنة. عندما عدنا من لوزان كان من المعروف أنّه تمّ الاتفاق على  تعيين العميد ميشال عون قائداً للجيش. طلبت موعداً من قائد الجيش العماد ابراهيم طنوس. ذهبت إليه، ومن جملة ما قال لي: “أنا يللي طلعت جبان؟ يا أستاذ، ماذا تعرف عن حرب الجبل التي يتباهون بها؟ هل تعتقد أنّ الشراويل الدرزيّة المجوقلة هي التي كسرتنا! كان هناك 400 مدفع سوري يقصفنا، والجبهة الشعبيّة بقيادة أحمد جبريل، والحركة الوطنية، وبعض الجيش السوري”.

<: حدّثنا عن محاولة اغتيالك… مَن كيف ولماذا؟

0: ليلة 13 تموز 1984، كنت مدعواً إلى عشاء في منزل سمير فرنجية، مع محسن ابراهيم وأصدقاء آخرين. وعند الواحدة فجراً عدت برفقة زوجتي إلى المنزل. كان بيتي في بناية البريستول، صعدت إلى المنزل، اتصلت بالتحرير كي أطمئن إلى الصفحة الأولى، فدخل السنترال على الخط، وقال لي: “الشيخ رفيق اتصل بك مرّتين، ويريد أن يكلّمك ضروري!”. قلت له: “الآن الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، أكلّمه في الغد”. وبينما أنا أتكلّم مع باسم السبع، تدخّل السنترال مرّة أخرى ليقول لي: “الشيخ رفيق عالخط“. تحدّثت معه، فقال لي: “تعال كي  ننم على الناس”. قلت له: “الساعة تجاوزت الواحدة، وأنا قد صرفت السيارة والسائق. آتيك في الصباح”. قال لي: “كلا تعال الآن، أنا سأسافر في الصباح” قلت: “في رحلة تالية إذن”. لكنه أصرّ، وقال أنه سيرسل لي سيارته. رفضت، وطلبت سائقي فؤاد. ذهبنا إليه في بيته في فردان، سهرنا وتسامرنا. عدت إلى المنزل حوالي الثالثة فجراً… وبينما أنا أترجّل من السيارة، أصابني طلق ناري (بومب اكشين) في وجهي، طلق آخر جاء في صدر فؤاد، الطلقة الثالثة أصابت الناطور في عينه. نحن الثلاثة  تدمّمنا! لا أحد في المنزل سوى زوجتي، حماتي وابني علي. الساعة الثالثة فجراً، لا أحد على الطرقات، الأوضاع الأمنية سيئة، ولا إدارة… ولا دولة!

عندما شعرت بالدم يغطّي وجهي فرحت… اعتبرته مؤشراً على أنني ما أزال حياً! بشكل غريزي عدت إلى السيارة، لأنها مصفحة. بعد حوالي ربع ساعة، جاء جندي عابر سبيل على صوت الرصاص، خفنا منه في البداية، لكنه ساعدنا وأوصلنا إلى طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية. اتصلت زوجتي بمكاتب “السفير”، فجاء الزملاء تباعاً، وتمّ تغيير الصفحة الأولى للإعلان عن محاولة الاغتيال!

<: ماذا تغيّر بعد محاولة الاغتيال؟ 

0: أولا، شرّفني الشعب اللبناني فمنحني أكثر ممّا كنت أحلم. تحوّلت المستشفى إلى حديقة ورود وزهور. ثم اتصلوا بي من الشام، وأبلغني الصديق عبدالله الأمين دعوة من الرئيس حافظ الأسد. وبعد إجراء الجراحة اللازمة في بيروت، قصدت دمشق واستقبلني الرئيس الأسد، وجاءت قيادات الدولة جميعاً. كذلك جاء المثقفون من كتاب وأدباء ومسؤولين، إضافة إلى جمهور واسع من قرّاء ” لسفير” … صار فندق شيراتون مهرجانا مفتوحاً.

بعد ذلك ذهبنا إلى شمسطار، وفي كل قرية على طول الطريق من المصنع إلى شمسطار، كان الناس يوقفون الموكب، يرشون علينا الزهور ويذبحون الخرفان، اللافتات ملأت القرى… امتلأت ملابسنا بالدم. كانت المناظر خرافيّة!

بعد محاولة الاغتيال وبعد ردّة الفعل الشعبية العظيمة، دخلنا، في “السفير” طوراً جديداً. أمّا في البلد فقد شهدنا المرحلة الثانية من العلاقات المضطربة بين حركة  أمل  و الحزب الاشتراكي ، ثم الإغارة على بيروت، وحرب المخيمات…

<: أين كان موقع “السفير” في تلك الفترة؟

0: أكلنا قتل من الكل.

<: كيف تمكّنتم إذا من “تدبير أموركم” حتى تمكّنتم من الاستمرار في تلك الفترة؟ إذا تحدّثنا عمليا، أنت صحفي محترف، ومعكم في “السفير” بعض الصحفيين المميّزين سواء الذين بدأوا معكم وكبروا أو الذين ساهموا في الفترة الأولى، فأنتجتم جريدة ناجحة منذ اليوم الأول. ورصيداً معنوياً مهماً. ألم يسهم هذا الرصيد في حلّ الأزمات؟

0: كل عمرنا أزمات! كيف تدبّرنا أمورنا، كيف استمرّينا بالصدور، كم استدنّا. لم نكن يوماً مرتاحين على الصعيد المادي، لكنّ نجاحنا مكّننا من الاستدانة! الناجح يستطيع أن يستدين!

<: ألم تسعوا إلى إيجاد رصيد مادي ثابت، يجنّبكم التعرّض الدائم للأزمات؟

0: أواخر التسعينات كان أنطوان شويري مسيطراً بكفاءته على عالم الإعلانات، التقينا في مؤتمر إعلاني، وحاول إقناعي ليصبح وكيل إعلانات “السفير”… وبعد تردّد طويل ومناقشات حادّة وإصرار عنيد من هذا الرجل الأسطوري في كفاءته في عالم الإعلان ذهبنا إلى الاتفاق معه مرغمين وإن كنّا مقتنعين بقدراته. وأصبح لدينا دخل ثابت من الإعلان، يسدّ جزءاً أساسياً من العجز. كذلك كنا نصدر أعدادا تجاريّة سنويّة حول النشاط العمراني والتجاري في معظم إمارات الخليج مثل قطر، الكويت، والإمارات… قبل أن تغلق هذه الدول أبوابها في وجه الصحافة اللبنانية.

سنة 2002 حاولنا تحويل جريدة “السفير” لأوّل مرة إلى شركة مساهمة، ولكننا لم ننجح. في سنة 2010، حاولنا تجديد السعي للوصول إلى شركة مساهمة. اتصل بي الصديق كلوفيس مقصود من أميركا، وقال لي أنّ هناك صديقاً يدعى جان دانيال يبدو أنه مهتم سيأتي إلى بيروت ويتصل بك. جاء إلى “السفير”، رجل الأعمال الناجح وذو العقل السياسي المميّز جان دانيال… وبعد مناقشات مستفيضة شملت مختلف المسائل التي قد تكون موضع خلاف، وأخطرها قضيّة المقاومة، اتفقنا، ودخل معنا مساهما، ولم يشكّل أي قيد على آرائنا وتوجهاتنا.

لكننا اليوم وبعد ثلاث سنوات من قيام الشركة في أزمة ماليّة حقيقيّة وهذا حديث آخر.

الدخول إلى المستقبل

أحمد طلال سلمان

<الطريق: توليت مهمة تطوير “السفير”، والدخول بها إلى عالم الانترنت، كونه مجال تخصّصك. متى بدأتم، وأين هو موقع “السفير” في عالم الصحافة الالكترونية اليوم؟

0أحمد: بدأنا سنة 1995 حيث أجرينا أول اتصال بالانترنت مع أميركا، كان الانترنت لا يزال محصورا بالجامعة الأميركية، ولكننا اشتركنا من خلال الشبكة التابعة لميقاتي بين بيروت ونيويورك. على أساس أننا نريد أن نطبع الجريدة في أميركا، فتكون فرصة للتوسّع. قدّرنا أنّ الطبعة الأميركيّة سوف تصل إلى الجمهور اللبناني هناك ومن الممكن أن تؤمّن لنا إعلانات في أميركا. ولكن، خلال عملنا على المشروع، أخذت فكرة إنشاء موقع على الانترنت تتبلور أكثر فأكثر، وأصبحنا نشعر، أنه يجب أن نجرّب، كمرحلة أولى على الأقل، وقبل أن ندخل في تكاليف الطبع وسائر النفقات. في أيار سنة 1996 أنشأنا أول موقع للسفير على شبكة الانترنت، وكانت هناك عوائق استغرقت وقتا حتى استطعنا تجاوزها، منها اللغة العربية، التي لم تكن متاحة حتى سنة 1998.

في سنة 1996 أنشأنا موقعاً تجريبياً، كان الموقع عبارة عن بعض الصور مع عناوين باللغة العربية، وبالتالي لم يكن باستطاعتنا  تكبير المضمون، بل كنا نختار من الجريدة، المواضيع التي نرى أنها تهم القارئ الذي يدخل الانترنت لقراءتنا، ونحن اعتبرناه قارئاً من خارج لبنان، لأنّ القارئ اللبناني، لم يكن قد دخل عالم الانترنت بعد، بمفهومه الواسع مثله اليوم. كانت الانترنت في بداية انطلاقتها في لبنان، محصورة بفئات معينة من اللبنانيين، وباهظة التكاليف.

<: ماذا أمّنتم في هذا الموقع؟

0: كان المهم بالنسبة إلينا، أن يدخل القارئ إلى موقعنا، فيقرأ أخباراً لبنانية، إضافة إلى بعض الأخبار العربية والدولية والتي قمنا بتحليلها وإدخال إضافات عليها. فالخبر العادي يحصل عليه من مصدره.

<: كيف كان إقبال الناس على الموقع؟

0: بشكل متسارع، كان عدد الذين يدخلون الموقع، يتزايد باستمرار. إذ أصبح الانترنت منتشرا أكثر بين الأوساط الشعبية، من جهة، وكان أشخاص جدد يكتشفون الموقع من جهة أخرى.

سنة 1999، أصبحت الجريدة كاملة على الانترنت، وكان الذين يدخلون موقع الجريدة من لبنان لا يتعدون نسبة الخمسة في المئة من إجمالي عدد المتصفحين. وبالتالي وجدنا أنها فرصة للوصول إلى القراء خارج لبنان عربياً وعالمياً، متجاوزين الرقابة التي كانت تمنعنا من التوزيع في الدول العربية.

<: مَن هم متصفّحو موقع “السفير”؟

0: قرّاء من لبنان، الدول العربية، أميركا وكندا، حتى أنه يدخل الموقع قراء من آلاسكا، من اليابان، وثمّة قرّاء كثيرون في إفريقيا، وكذلك في الدول العربيّة وعموماً في أي مكان فيه يتواجد لبنانيون وعرب يهتمون لقراءة الأخبار اللبنانية.

<: لكنّ الدخول إلى الانترنت اختلف كثيراً في السنوات الأخيرة، وأصبح حاجة أساسية وضرورة لكل جريدة تسعى إلى الاستمرار على الساحة، إذا أحسنّا الوصف. هل تعملون على تأسيس مرحلة جديدة تتماشى وهذا الواقع؟

0: طبعاً، سنة 2006، بدأ الانترنت يصبح أكثر حضوراً في حياة الناس، فقرّرنا أن نؤسّس لهذه المرحلة التي نحن فيها الآن، بمعنى أننا لا نريد فقط أن نضع مضمون الجريدة على الانترنت ولكن أن نضعه بطريقة ذكية، حتى إذا أردنا أن نعيد نشر نسخة ثانية وثالثة عنه على أجهزة أخرى، إذ كان التوقّع أن تستمرّ التكنولوجيا في التقدّم وفي تسهيل الأمور على المستهلك، فأصبحت خدمة الانترنت متوفرة على الهواتف. فأضفنا بعض الخدمات على الموقع لم تكن موجودة قبلا، لجذب القارئ. في التصميم، مثلاً، زدنا خدمات كمعرفة أحوال الطقس، والاستماع إلى راديو البي بي سي.  خطوة خطوة أصبحنا في موقع آخر، إذ كان الهدف في البداية هو زيادة الانتشار، ولكننا لاحظنا أن الذين يقرأون الجريدة من داخل لبنان يتزايدون بشكل مستمر، حتى أصبحوا اليوم يشكّلون ربع عدد المتصفحين لجريدة “السفير”! وهذا الربع، يشكّل أكبر جمهور لنا، إلى جانب الجمهور الأميركي.

<: ألا يختلف اهتمام القارئ بالجريدة بين بلد وآخر؟ وبالتالي يختلف تقديم الخدمات له؟

0: إنّ القارئ في أميركا مثلا، قد يكفيه أنه يستطيع أن يقرأ الجريدة، ويعتبرها خدمة بحدّ ذاتها، أما القارئ اللبناني فباستطاعته أن يقرأ الجريدة جميعا وبكلّ صفحاتها وأبوابها. لذلك علينا أن نقدّم لهم الجريدة بطريقة مختلفة. إضافة إلى ذلك، ما يؤثر على الصعيد المحلي هو إنشاء بعض مواقع الخبر ، وهي في الحقيقة ليست مواقع إخبارية، وإنما يعملون على تجميع الأخبار من مختلف مواقع الصحف اللبنانية وينشرونها على صفحاتهم. ولكن هذا يجب أن يتم بالاتفاق مع أصحاب الخبر، أما ما يحصل في لبنان من قبل بعض هذه المواقع فهو سلبطة! إضافة إلى ذلك هناك بعض مواقع الأحزاب، التي تنشر الأخبار بهدف استقطاب الزوار كجزء من ماكينتهم الإعلاميّة، وإن كانت مصداقيتها لا تزال على المحك كونهم يعملون على تكذيب الخبر أكثر من مرّة، إذ ليس لديهم خبرة أو تاريخ حتى يثق الناس بأخبارهم….

دبّت الفوضى في هذا القطاع، وأصبح كل مَن لديه مال ينشئ موقعاً إلكترونياً، فأصبح للسياسيين مواقعهم الخاصة يصلون من خلالها إلى القارئ من دون وسيط، ونحن لا نزال نبيع الجريدة المطبوعة، ولكننا إذا لم نتقدّم على صعيد الانترنت، بعد سنتين أو ثلاث، سنصبح خارج الساحة، لهذا قرّرنا أن ندخل، وأن ندخل بقوة لنبقى ونستمر، وسنعمل لأن نكون دائماً بين السباقين…

<: ما هي خطّتكم؟

0: اليوم نحن جريدة، لنا مواردنا التي نستفيد منها، وعندنا خبرة 40 عاما في هذا المجال. لدينا مندوبون ومراسلون في لبنان وفي الخارج ومصادر أخبار ومعلومات، وعلاقات مع مصادر الأخبار والمعلومات ووكالات الأنباء وفريق مصورين لإصدار “السفير”… وطالما لدينا كل هذه المعلومات فلماذا نحتفظ بها لليوم التالي، ولماذا لا نبادر فننشرها على مختلف مواقعنا الالكترونية. ودائما نفصل هنا بين  الخبر  و الخاص  أي العمل الذي يتضمّن تحليلاً ورأياً، هذا لن تجده سوى في “السفير”. إذا أردت أن تقرئي  طلال سلمان، لن تجديه إلا في “السفير”، وكذلك التحقيقات السياسية، الاجتماعية، الملحق الثقافي، التحليل السياسي أو الاقتصادي… كلّها محصورة فقط في موقع “السفير”. وهكذا استطعنا، طوال النهار، أن ننشر على موقعنا الأخبار الي تردنا، في زاوية النشرة المستمرة. وبذلك نكون قد أمّنّا الخبر، في وقته، للقارئ، وهذه هي القيمة المضافة على الانترنت. وفي الوقت نفسه، نكون قد مّيزنا مادتنا ولم نقدمها بشكل مشترَك، طالما أنّ قراءنا أصبح جزء كبير منهم اللبنانيين، كنا نعتمد عليهم في شراء الجريدة، لكنهم الآن يحصلون عليها من خلال الانترنت مجانا.

<: لكنكم تستطيعون الاستفادة من الإعلانات على الانترنت.

0: هذا الأمر كنا ننتظره منذ 1996، والشيء المطمئن أنّ حركة الإعلانات أخذت تنمو في السنتين الماضيتين، وهذا الأمر شجّعنا، خاصة في مصر، السعودية ودبي، وإن كان ضعيفاً في بيروت، لكنّ الطلب بدأ يزداد.

<: يزداد “الطلب” من قبل المعلنين، بازدياد عدد زائري الموقع، كيف تتفاعلون مع القارئ الالكتروني لجذبه؟

0: الآن نطوّر موقع الجريدة، ونعمل منذ أشهر عدّة لأننا نسعى إلى معرفة الطريق الأمثل لمخاطبة الجمهور من خلال وسائل الاتصال الحديثة. نحن نعرف جيدا مخاطبته على الورق، من خلال العنوان، الخبر، الصورة والنص، هذه هي عناصر نقل الخبر من خلال الجريدة الورقيّة. أما عبر الانترنت فقد نضع أكثر من ثلاث صور، وقد نقرّر تقسيم الخبر، أو نشره في أكثر من صفحة، أو إبرازه على الصفحة الأولى، وبالتالي أستطيع الاستفادة منه في أكثر من صفحة.

إذا أجريت مقابلة، مثلاً، لا أكتفي بتفريغ المقابلة فقط، بل أستطيع نشرها بالصوت أو حتى بالصوت والصورة، أو أن آخذ منها مقتطفات وأضعها على  تويتر حتى نصل إلى أكبر عدد من الناس.. قد يهتم القارئ الالكتروني بشراء الجريدة، لقراءة المقابلة كاملة، أو التحليل.. وإذا حصلنا على صورة معبّرة أستطيع أن أنشرها على الفايسبوك، وتثير جدالاً… يؤمّن لي مزيداً من عدد المشتركين أيضاً.

نتعاطى من خلال الانترنت بطريقة تفاعلية تزيد من الانتشار والحيوية، وتؤكّد الحضور، ولكنها بحاجة إلى جهود أكبر. ونحن نقوم بهذه الجهود، لأننا نرى أن “السفير” حاضرة دائماً، ونتطلّع إليها في مراتب متقدّمة أكثر، ومواكبة لكل تطوّر يحصل سواء على الصعيد الصحافي كمهنة أو الالكتروني كوسيلة تواصل مع القراء.

طلال سلمان…أمثولة يُقتدى بها

hossسليم الحص
أستاذ طلال سلمان عَلَم من أعلام الصحافة لا بل من أعلام الوطنيّة في لبنان. إنه أمثولة يُقتدى بها. طلال سلمان لعب دوراً مرموقاً جداً في الحياة العامة في لبنان. وقد نجح كل النجاح في ذلك. وهو أمثولة لمن يريد أن يَعتبر من تجربة هذه الأيام.

Continue reading

طلال سلمان.. السفير و الحلم

khaledخالد حدادة
أن أتحدث عن “طلال سلمان“، فتلك مهمة من الصعب تلبيتها، بل لقد تردّدت في البدء عنها، لأنّني أخشاها… أخشى معها، أن أختصر التاريخ باختصار مراحله، أخشى معها، أن أظلم هذا المناضل الكبير، أخشى معها أن أجعل فرح ذكرياتنا، ضامراً وضعيفًا، وأن لا أعبّر عن الألم الذي رافق مراحل حياتنا في القسم الأكبر منها…

Continue reading

أخي طلال

1اميلي نصرالله

وربَّ أخٍ لك لم تلده أمُّك.
ولكنْ إن دعوتُه أخاً تصبح شهادتي فيه مجروحة. وهو الصديق، والزميل والرفيق. التقيتُه في بدء مشواري الصحفي زميلاً، ورفيق درب في الفكر والنهج.
تعجز الأوصاف عن إعطاء ها الصديق حقّه: فهو العصامي الي جاء من الريف البقاعي (شْمسطار) يغزو بقلمه بيروت، العاصمة العصيّة على كل وصف. Continue reading

طلال سلمان.. جريدته مقاومة وأفكاره مقاومة

2نضال الأشقر

أعرف طلال سلمان منذ السبعينات، أي منذ عمر. عندما أسّس جريدة “السفير”، تعجّب الناس، كيف سيستطيع هذا الصحافي أن ينافس بجريدته غيرها من الصحف. ولكنّ ذكاء طلال سلمان أنّه أسّس جريدة لبنانيّة للعرب، فهي كانت ولا تزال عروبيّة النفَس. هذا التميّز كان عاملاً مهماً جداً، واستمرّ رغم كل الصعوبات. Continue reading

مغامرة طلال سلمان و “السفير” عمرها أكثر من أربعين سنة

3رفيق خوري

 كنا في أوّل الشباب حين التقينا في مجلة “الأحد” مطلع الستينات منذ القرن الماضي. كان طلال سلمان الذي قدّمني إليه صاحب “دار الكفاح” التي تصدر مجلة النقيب رياض طه قد قطع مسافة على طريق الاحتراف الصحافي وتولّى سكرتارية التحرير وإدارته. وكنت في بدء خطواتي الأولى للرباب ” صاحبة الجلالة ” تاركاً علم المحاماة وحاملاً زوادة شعر.

Continue reading

آخر المرابطين في القلعة القديمة

ibaydابراهيم بيضون

“ينقلب” التاريخ في دوراته، حيناً باتجاه الصعود، وأحياناً نحو الانحدار، منحرفاً عن خطّه، فلا يعرف متى سيعود إليه، أو يُلِمُّ بما أُسِن في تلك الفجوة المتخمة بسواد مقيت، حيث تتراءى لك أشباح من سلالات ما قبل التاريخ. فيلتبس عليك المشهد، أو ترتاب في عقلك ! فقد أضعت خارطة الماضي والحاضر معاً. Continue reading

سيرةُ نصف قرن في الصحافة اللبنانية العربية

aseifانطوان سيف                                        

1-     غرافيتي على حائط أزمنة مخالِفة

“كتابةٌ على جدار الصحافة”: آخرُ مرفأٍ حطَّ فيه قلم طلال سلمان المُبحر منذ أكثر من نصف قرن في لجج الصحافة اللبنانية العربية، وفي بعض روافدها الأدبية المشتقَّة، والخارج أغلبُه من ورق الجريدة اليومية ، إلى ورقٍ أصغر مساحةً منضغطٍ بين دفَّتَي كتاب.

Continue reading

عن عاصفة اسمها طلال سلمان

bzeiaشوقي بزيع

تضعني الكتابة عن طلال سلمان أمام امتحان صعب لطالما حاذرت أن أقع في مطباته، لا بسبب شحٌّ في العاطفة والود، بل خشية من أن يحول فائض العاطفة بيني وبين رؤية “موضوعية” لأحد أكثر الأشخاص اتصالاً بالقلب والنفس من جهة، وأحد أكثر القامات الإعلامية تعبيراً عن وجه لبنان النقي والنضر والمنتصر على آلامه وعثراته، من جهة أخرى.

Continue reading

“السفير” وصاحبها

baidounعباس بيضون

كانت السفير حدثاً في صحافتنا وفي ثقافتنا، بل يمكنني القول أنها كانت عنواناً لمرحلة جديدة في الاثنتين. فقد انتقلنا مع السفير إلى ما بعد 5 حزيران. كنا يتامى النكسة ولم يعد لبنان بعدها ما كان قبلها. فالثقافة السائدة التي كانت اصطلاحيّة عائمة تحوّلت إلى نقديّة يساريّة قوميّة. خرجنا من وعظيّة إملائيّة إلى مفهوم آخر للسياسة وللواقع، وبالبطبع تصوّر آخر للبنان بدون احتفاليّة وبدون تغنّ وبدون صنميّة لفظيّة.

Continue reading


جميع الحقوق محفوظة © | الطريق 2014